
من شاشة البيئة إلى سؤال المستقبل
في العادة، حين يسمع القارئ العربي باسم مهرجان سينمائي بيئي، تتبادر إلى ذهنه صور الجبال المهددة، والبحار المثقلة بالبلاستيك، والحرائق التي تلتهم الغابات، أو أفلام تسرد فصول الاحتباس الحراري بلغة التحذير والإنذار. لكن المشهد في سيول هذا العام جاء مختلفاً على نحو لافت. فالمهرجان الدولي للسينما البيئية في العاصمة الكورية الجنوبية افتتح دورته الثالثة والعشرين بفيلم وثائقي يحمل عنواناً يثير الفضول من اللحظة الأولى: «AI: كيف أصبحت متفائلاً بنهاية العالم؟». العنوان وحده يكفي لفتح أبواب واسعة من الأسئلة، لكن الأهم أن اختياره كفيلم افتتاح يشي بتحول أعمق في فهم الثقافة الكورية نفسها للعلاقة بين البيئة والتكنولوجيا والإنسان.
الخبر لا يخص جمهور السينما وحده، ولا يندرج في خانة الترفيه العابرة. ما جرى في سيول يكشف أن المؤسسات الثقافية في كوريا الجنوبية باتت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قضية وجودية تتجاوز حدود الصناعة والإنتاجية والرفاه التقني. فالمهرجان، بحسب ما أعلن منظموه، انطلق من قناعة مفادها أن الذكاء الاصطناعي والبيئة لم يعودا ملفين منفصلين: مراكز البيانات تستهلك الطاقة، أنظمة الحوسبة الضخمة تترك بصمتها الكربونية، وفي الوقت نفسه تُطرح هذه الأدوات نفسها باعتبارها وسيلة محتملة لتخفيف الأضرار ومراقبة المناخ وتحسين إدارة الموارد.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا الربط جديداً أو حتى مفاجئاً. لكن إذا أعدنا النظر في حياتنا اليومية، سنجد أن الفكرة ليست بعيدة عنا. من تطبيقات الملاحة التي تقترح مسارات أقل استهلاكاً للوقود، إلى الخوارزميات التي تدير استهلاك الكهرباء، إلى النقاشات المتصاعدة حول مراكز البيانات العملاقة في المنطقة، نحن أيضاً نعيش على تماس مباشر مع هذه الأسئلة، حتى لو لم نضعها دائماً تحت عنوان «السينما البيئية». وما فعلته سيول هو أنها أخذت هذا القلق التقني، وقدّمته داخل قاعة عرض، لا داخل تقرير حكومي أو مؤتمر أعمال. وهنا بالضبط تكمن أهمية الحدث.
فيلم يبدأ من البيت لا من المختبر
الوثائقي الذي أخرجه دانيال روهر، وهو مخرج من مواليد 1993، لا ينطلق من برج أكاديمي عالٍ ولا من خطاب متخم بالمصطلحات التقنية. بالعكس، نقطة بدايته شديدة الحميمية: رجل تزوج، يفكر في تكوين أسرة، ويتساءل بقلق عن شكل العالم الذي قد يولد فيه أطفاله. هل سيكون الذكاء الاصطناعي أداة تفتح أبواباً جديدة للحياة البشرية؟ أم قوة تسرّع القلق، وتربك سوق العمل، وتضغط أكثر على كوكب يئن أساساً من أزماته البيئية؟
هذه البداية تمنح الفيلم قوة خاصة، لأنها تنقل القضية من مساحة التجريد إلى مساحة الخبرة الإنسانية اليومية. في الثقافة العربية أيضاً، كثيراً ما تُقاس التحولات الكبرى بمقياس الأسرة. حين يسأل الأب أو الأم: ماذا سيحدث لأولادنا؟ يصبح النقاش أكثر صدقاً وأقل استعراضاً. من هنا يمكن فهم جاذبية هذا الوثائقي: هو لا يتحدث عن الذكاء الاصطناعي بوصفه «موضة» من موضات العصر، بل باعتباره سؤالاً أخلاقياً ومعيشياً يتعلق بالثقة في الغد.
روهر، بحسب ملخص القصة، لم يكتفِ بالقلق الشخصي، بل حوّله إلى رحلة بحث. استخدم مهنته كمخرج ليقابل خبراء من أنحاء مختلفة من العالم، ويحاول عبر الحوار معهم أن يفكك هذا التوتر بين الخوف والرجاء. هل يمكن للإنسان أن يظل متفائلاً وهو يرى العالم يتغير بسرعة تفوق قدرته على الفهم؟ وهل التفاؤل هنا شجاعة أم إنكار؟ وهل «التفاؤل بنهاية العالم» عبارة ساخرة أم توصيف دقيق للحظة يعيشها جيل كامل؟
من الناحية الصحافية والثقافية، هذا النوع من الأفلام يهم القارئ العربي لأنه يبتعد عن الثنائية المريحة: إما تمجيد التكنولوجيا بوصفها خلاصاً، أو شيطنتها بوصفها مصدراً لكل تهديد. الفيلم، كما يبدو، يختار المنطقة الصعبة بين الاثنين؛ منطقة الاعتراف بأن التقدم العلمي يحمل الوعود والمخاطر معاً، وأن الإنسان العادي لم يعد متلقياً سلبياً لهذه التحولات، بل شريكاً قلقاً فيها، شاء أم أبى.
لماذا يفتتح مهرجان بيئي فيلماً عن الذكاء الاصطناعي؟
هذا السؤال هو جوهر القصة كلها. فاختيار فيلم عن الذكاء الاصطناعي لافتتاح مهرجان بيئي ليس مجرد مفارقة دعائية ذكية، بل إعلان واضح عن اتساع تعريف «البيئة» نفسه. البيئة هنا لم تعد مرادفاً للطبيعة الخضراء فقط، ولا للمشهد الرومانسي الذي يأسف على ما نخسره من أشجار وأنهار. البيئة، وفق هذا الفهم الجديد، هي أيضاً البنية التحتية التكنولوجية التي نبنيها، والطاقة التي نستهلكها، ونمط الاستهلاك الذي نفرضه على الكوكب باسم السرعة والكفاءة والتطور.
في هذا السياق، تبدو العبارة المنسوبة إلى القائمين على المهرجان، ومفادها أن الذكاء الاصطناعي والبيئة «لا ينفصلان»، مفتاحاً حقيقياً لقراءة التحول. نحن أمام وعي ثقافي يعترف بأن الأزمات الحديثة لا يمكن فصلها إلى ملفات مستقلة: المناخ في جهة، والتقنية في جهة أخرى، والاقتصاد في جهة ثالثة. كل ذلك بات متشابكاً. أي نموذج ذكاء اصطناعي ضخم يحتاج إلى قدرات حوسبة، وهذه تحتاج إلى كهرباء، وهذه بدورها ترتبط بمصادر الطاقة والانبعاثات. وفي المقابل، تستخدم الأدوات نفسها في تحليل صور الأقمار الاصطناعية، وتتبع حرائق الغابات، وتحسين إدارة شبكات المياه والزراعة والطاقة.
إذا أردنا تقريب الصورة إلى المتلقي العربي، يمكن القول إن ما تفعله سيول يشبه نقل النقاش من سؤال «كيف نحمي الشاطئ؟» إلى سؤال أوسع: «كيف نعيد التفكير في كامل طريقتنا في العيش والإنتاج والاستهلاك؟». هذه مقاربة مألوفة أيضاً في عالمنا العربي الذي يواجه تحديات بيئية قاسية، من الإجهاد المائي إلى التصحر إلى المدن شديدة الاستهلاك للطاقة. وعليه، فإن الفيلم الافتتاحي ليس فقط عن كوريا أو عن التقنية، بل عن نموذج حضاري كامل يراجع نفسه أمام المرآة.
الأهم من ذلك أن المهرجان، بقراره هذا، يعيد تعريف وظيفة السينما البيئية. لم تعد السينما هنا مجرد سجل بصري للكوارث الطبيعية، بل منصة لتفكيك البنى التي تنتج هذه الكوارث أو تعمقها أو ربما تتيح أدوات للتعامل معها. وهذا انتقال مهم جداً في لغة الثقافة المعاصرة: من الرثاء إلى المساءلة، ومن تسجيل الضرر إلى فحص النظام الذي يصنعه.
كوريا الجنوبية تترجم القلق العالمي إلى لغة ثقافية
ما يلفت في المشهد الكوري أن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعاً محصوراً في أروقة الشركات الكبرى أو مختبرات الجامعات، بل أصبح مادة سردية وثقافية حية. أي متابع للإنتاج الكوري خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن الترفيه هناك لم يعد يكتفي بتصدير الصورة اللامعة عن الموسيقى والدراما والجمال والموضة، بل بات يشتبك أيضاً مع أسئلة فلسفية وأخلاقية شائكة. وهذه إحدى نقاط قوة «الموجة الكورية» أو «الهاليو»، وهي التسمية التي تُستخدم لوصف الانتشار العالمي للثقافة الكورية من الدراما والسينما إلى الموسيقى والأزياء والطعام.
فالهاليو لم تعد مجرد ظاهرة جماهيرية مرتبطة بالفرق الغنائية والمسلسلات الرومانسية، بل تحولت إلى منظومة إنتاج ثقافي قادرة على التقاط قلق العالم المعاصر وتعبئته في سرديات قريبة من الناس. من هنا يمكن فهم كيف يتجاور في المشهد الكوري فيلم وثائقي عن الذكاء الاصطناعي والبيئة، مع أعمال أخرى تتناول إعادة تمثيل الموتى بتقنيات شبيهة بالبشر، أو إنتاج فيديوهات موسيقية عبر الذكاء الاصطناعي من البداية إلى النهاية. المسألة لم تعد «هل دخلت التقنية الثقافة؟» بل «إلى أي حد غيرت التقنية طبيعة الثقافة نفسها؟»
بالنسبة إلى جمهور عربي يتابع كوريا غالباً عبر بوابة الدراما أو موسيقى «كي-بوب»، قد يكون من المفيد التوقف عند هذا الجانب. كوريا الجنوبية اليوم لا تعرض نفسها فقط كقوة ناعمة تصدر المتعة، بل كمساحة تختبر فيها المجتمعات الحديثة مخاوفها الأكثر إلحاحاً: العزلة، فقدان المعنى، هشاشة الأسرة، سرعة التحول الرقمي، وأثر كل ذلك على البيئة والذاكرة والعمل والعواطف. لهذا، فإن متابعة خبر ثقافي من سيول لم تعد شأناً بعيداً أو نخبوياً، بل قراءة مبكرة لاتجاهات ستصل، بدرجات متفاوتة، إلى مجتمعات كثيرة في العالم.
والواقع أن هذه القدرة على تحويل النقاش التكنولوجي إلى نقاش إنساني هي ما يجعل الخبر الكوري مهماً عربياً. فنحن أيضاً في مرحلة توسع رقمي متسارع، من التعليم إلى الإعلام إلى التجارة والخدمات. لكن الخطاب العام عندنا كثيراً ما يتأرجح بين الاحتفاء المباشر بالتقنيات الجديدة وبين التخوف الغامض منها. ما تفعله السينما الكورية هنا هو أنها تمنح هذا التردد شكلاً يمكن مناقشته، وشخصيات يمكن متابعتها، وأسئلة يمكن للجمهور أن يحملها معه خارج صالة العرض.
بين الخوف والرجاء.. ماذا يعني «التفاؤل بنهاية العالم»؟
عنوان الفيلم من أكثر عناصره إثارة للتأمل. فمصطلح «التفاؤل بنهاية العالم» يبدو لأول وهلة متناقضاً، كأنه نكتة سوداء أو استفزاز فلسفي. لكن التناقض نفسه يعبر بدقة عن مزاج هذا العصر. نحن نعيش زمناً تكثر فيه المؤشرات المقلقة: تغيّر مناخي، أتمتة تهدد وظائف قائمة، فيض من المعلومات المضللة، وتقدم تقني أسرع من قدرة التشريعات والأخلاق على ملاحقته. ومع ذلك، لا يزال الناس يشترون بيوتاً، ويتزوجون، وينجبون، ويخططون للمستقبل، كما لو أنهم يتمسكون بأمل ما، ولو كان هشاً.
هذه المفارقة ليست بعيدة عن الخبرة العربية. في منطقتنا أيضاً، عرف الناس طويلاً كيف يعيشون بين الأزمات وبين الإصرار على الاستمرار. وربما لهذا بالتحديد يبدو موضوع الفيلم قابلاً للتلقي عربياً: لأنه لا يحدثنا عن رفاهية فكرية، بل عن تلك المسافة الدقيقة بين الخوف من القادم، والرغبة في ألا نستسلم له. هنا لا يصبح التفاؤل نقيضاً للوعي، بل شكلاً من أشكال المقاومة النفسية والأخلاقية.
لكن الفيلم، وفق ما يتضح من ملخصه، لا يروج لتفاؤل ساذج. إنه لا يقول إن الذكاء الاصطناعي سيحل كل شيء، ولا يدعو إلى التسليم بأن التقنية قدر حتمي ينبغي الترحيب به بلا شروط. بل يبدو أقرب إلى محاولة فهم البنية المركبة للقلق المعاصر: كيف يمكن للأداة نفسها أن تكون سبباً في تفاقم المشكلات، وأن تُقدَّم في الوقت ذاته كجزء من الحل؟ كيف يمكن للنظام نفسه أن يصنع الأذى ويعد بالعلاج؟
هذا النوع من الأسئلة يذكّرنا، على نحو ما، بالنقاشات العربية القديمة حول الحداثة ذاتها: هل هي خلاص أم تهديد؟ هل ندخلها بشروطنا أم تبتلعنا بشروطها؟ الفرق أن الذكاء الاصطناعي يضغط على هذه الأسئلة بوتيرة أسرع كثيراً. وما تفعله السينما هنا أنها تمنح هذه الحيرة شكلاً درامياً وإنسانياً، بدل أن تبقيها سجالاً نظرياً لا يخرج من صفحات المقالات المتخصصة.
حين يصبح الترفيه مساحة للنقاش العام
من أهم ما تكشفه هذه القصة أن صناعة الترفيه الكورية لم تعد تكتفي بدور «التسلية الذكية»، بل باتت تؤدي وظيفة أقرب إلى الساحة المدنية التي تُطرح فيها الأسئلة العامة. المهرجان هنا ليس منصة لعرض الأفلام فحسب، بل منبر لاختيار ما ينبغي أن يشغل الرأي العام ثقافياً. وحين يُمنح فيلم عن الذكاء الاصطناعي والبيئة شرف الافتتاح، فإن الرسالة واضحة: النقاش حول المستقبل لم يعد حكراً على السياسيين أو المهندسين أو خبراء السوق، بل دخل المجال الثقافي بقوة.
في العالم العربي، نحن بحاجة متزايدة إلى هذا النوع من التداخل بين الثقافة والقضايا العامة. فغالباً ما يُطلب من الفن أن يكتفي بالجمال، ومن الصحافة الثقافية أن تبقى في هامش الأخبار «الصلبة». لكن التجربة الكورية تقول العكس: يمكن للفيلم والدراما والموسيقى والمهرجان أن تكون أدوات أساسية لفهم التحولات الكبرى، لا مجرد مرآة لها. وهذا ما يفسر لماذا تحظى أخبار الترفيه في كوريا بمتابعة واسعة: لأنها في كثير من الأحيان لم تعد منفصلة عن أسئلة المجتمع والاقتصاد والتقنية.
كما أن هذا التداخل يعكس نضجاً في تلقي الجمهور نفسه. فالمشاهد الكوري، على ما يبدو، بات مستعداً لتلقي أعمال بيئية لا تتمحور حول الطبيعة فقط، بل حول الخوادم والبيانات والخوارزميات والأسرة والقلق الوجودي. وهذه نقطة تستحق الانتباه عربياً أيضاً، لأن التحولات في ذائقة الجمهور لا تقل أهمية عن التحولات في أجندة المنتجين. عندما يصبح المتلقي مستعداً لسماع قصة عن البيئة تبدأ من الذكاء الاصطناعي، فهذا يعني أن الثقافة نجحت في توسيع دائرة الأسئلة المقبولة والمتداولة.
ولا يمكن إغفال أن هذا التوسع يحدث في كوريا داخل صناعة مشهورة بقدرتها على التكيف السريع مع العصر. من الدراما التي تلتقط القضايا الاجتماعية الحساسة، إلى السينما التي تناقش الطبقات والهوية والتكنولوجيا، إلى الموسيقى التي تجرّب أشكال إنتاج جديدة، نجد أن المشهد الكوري يتحرك بمرونة عالية. ومن هنا فإن اختيار فيلم روهر ليس قراراً منفرداً، بل حلقة ضمن مناخ أوسع يرى في الثقافة مختبراً مدنياً لفهم الزمن.
ما الذي يعنيه هذا كله للقارئ العربي؟
قد يسأل قارئ عربي: لماذا ينبغي أن يعنيني افتتاح مهرجان كوري بفيلم عن الذكاء الاصطناعي؟ الجواب بسيط وعميق في آن. لأن السؤال الذي يطرحه الفيلم ليس كورياً محضاً، بل سؤال عالمي يُطرق اليوم بلهجات مختلفة في كل مكان: هل ما نبنيه تقنياً يضمن حياة أفضل، أم أنه يضاعف هشاشتنا الفردية والجماعية؟ وهل يمكن أن نفصل بين طموحنا نحو الابتكار وبين كلفة هذا الطموح على البيئة وعلى العلاقات الإنسانية وعلى شكل المستقبل نفسه؟
في العالم العربي، حيث تخوض دول كثيرة سباقاً سريعاً نحو الرقمنة والمدن الذكية والخدمات المؤتمتة، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً لا أقل. فتبني التكنولوجيا لا ينبغي أن يكون مجرد استيراد للأدوات، بل مناسبة أيضاً للنقاش حول آثارها الاجتماعية والبيئية والثقافية. من هنا، يمنحنا الخبر الكوري فرصة للتأمل في كيفية صناعة خطاب ثقافي يرافق هذا التحول بدلاً من أن يلهث خلفه.
كما أن القصة تحمل درساً صحافياً وثقافياً مهماً: ليس كل خبر تقني يحتاج أن يُروى بلغة الشركات. أحياناً يكون الطريق الأفضل لفهم الذكاء الاصطناعي هو أن ننظر إليه من نافذة البيت، من سؤال الإنجاب، من قلق الأسرة، من خوف الناس على وظائفهم، ومن علاقتهم بكوكب يتغير بسرعة. هذه الزاوية الإنسانية هي التي تمنح الموضوع بعده الحقيقي، وهي التي تجعل جمهوراً واسعاً قادراً على التفاعل معه.
في النهاية، لا يقدم مهرجان سيول الدولي للسينما البيئية إجابة نهائية، وربما لا ينبغي له ذلك أصلاً. قيمة الافتتاحية تكمن في أنها أعادت ترتيب السؤال: البيئة ليست خارج التقنية، والتقنية ليست خارج الأخلاق، والأخلاق ليست خارج الحياة اليومية. وبين كل هذه الدوائر يقف الإنسان، حائراً لكنه مصر على الفهم. ربما لهذا اختار المهرجان هذا الفيلم بالذات؛ لأنه لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يضع المشاهد أمام مرآة المستقبل ويسأله بهدوء: أي عالم تريد أن تتركه لمن سيأتي بعدك؟
وفي زمن عربي مثقل بأسئلة التنمية والتحول والهوية والموارد، قد يكون هذا السؤال، بصيغته الكورية، أقرب إلينا مما نظن. فالسينما حين تلامس جوهر القلق الإنساني، تتجاوز الحدود واللغات، وتتحول من خبر ثقافي إلى دعوة مفتوحة للتفكير العام. وهذا بالضبط ما فعله افتتاح سيول هذا العام.
0 تعليقات