
بين الطموح العسكري وميزان الشرعية الدولية
في الأخبار الكبرى المتعلقة بالأمن والدفاع، ينجذب الرأي العام عادة إلى العناوين الثقيلة: صواريخ، غواصات، ردع، وتوازنات إقليمية. لكن الخبر الآتي من فيينا هذه المرة يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: إن النقاش الكوري الجنوبي حول الغواصات العاملة بالدفع النووي لم يدخل بعد مرحلة الحسم التقني أو الصناعي، بل يقف أولًا عند عتبة أكثر حساسية، هي عتبة الدبلوماسية الدولية والثقة النووية. فقد قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي إن المناقشات المرتبطة باتفاق محتمل مع سيول بشأن هذا الملف لا تزال في “مرحلة أولية جدًا”، مضيفًا أن الأمر قد يستغرق وقتًا طويلًا.
هذه العبارة المقتضبة، التي قد تبدو في ظاهرها وصفًا إجرائيًا عاديًا، تحمل في الواقع مضمونًا سياسيًا واستراتيجيًا عميقًا. فهي تعني أن المسألة ليست مجرد قرار سيادي تتخذه دولة تمتلك قاعدة صناعية متقدمة وتكنولوجيا عسكرية متطورة، بل قضية تمس قواعد النظام الدولي الخاصة بمنع الانتشار النووي، وتضع كوريا الجنوبية أمام سؤال بالغ الحساسية: كيف يمكن لدولة حليفة للغرب، ومرتبطة بتحالف أمني متين مع الولايات المتحدة، أن تدفع بمشروع شديد الحساسية من دون أن تفتح أبواب الشكوك الدولية؟
بالنسبة للقارئ العربي، قد يكون من المفيد التوقف هنا عند معنى “الغواصة العاملة بالدفع النووي”. المقصود ليس غواصة تحمل سلاحًا نوويًا بالضرورة، بل غواصة تستخدم مفاعلًا نوويًا لتوليد الطاقة اللازمة لحركتها، ما يمنحها قدرة أكبر على البقاء تحت الماء لفترات طويلة، ويزيد من مداها ومرونتها العملياتية. وهذا فارق مهم. ففي ثقافتنا السياسية العربية، كثيرًا ما تختلط مفاهيم “نووي” و”تسليح نووي” في الاستخدام العام، بينما النقاش الدولي هنا يدور حول الوقود النووي ودرجة تخصيبه والضمانات الرقابية، لا حول امتلاك قنبلة نووية بصورة مباشرة.
ومع ذلك، فإن هذا الفارق التقني لا يلغي حساسية المسألة. لأن أي حديث عن يورانيوم مخصب مخصص لمنظومات عسكرية، حتى لو كان لغرض الدفع البحري، ينقل النقاش فورًا من خانة التحديث العسكري إلى خانة الرقابة الدولية والشكوك المتعلقة بإمكانية تحويل المواد النووية إلى أغراض أخرى. ومن هنا تبرز أهمية ما يجري بين سيول والوكالة الدولية للطاقة الذرية. فالقضية، في جوهرها، ليست: هل تستطيع كوريا الجنوبية بناء غواصة كهذه؟ بل: هل تستطيع إقناع العالم بالإطار الذي ستبنيها ضمنه؟
ماذا تعني “المرحلة الأولية جدًا” في لغة السياسة الدولية؟
في الخطاب الدبلوماسي، لا تُستخدم الكلمات اعتباطًا. وعندما يصف مسؤول دولي بحجم المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية المباحثات بأنها في “مرحلة أولية جدًا”، فهو يرسم حدودًا واضحة للتوقعات. المعنى الأول مباشر: لا اتفاق ناضجًا حتى الآن، ولا جدولًا زمنيًا واضحًا، ولا مؤشرات على قرب الحسم. أما المعنى الثاني، وهو الأهم سياسيًا، فيشير إلى أن سيول لا ينبغي لها أن تتعامل مع مجرد فتح قناة النقاش باعتباره إنجازًا نهائيًا أو موافقة ضمنية من المجتمع الدولي.
هذا النوع من العبارات مألوف في الملفات الحساسة التي تتداخل فيها السيادة الوطنية مع النظام الدولي. ويمكن للقارئ العربي أن يستحضر هنا خبرات المنطقة مع ملفات الرقابة والتفتيش والاتفاقات الدولية، حيث تكون اللغة نفسها جزءًا من إدارة الأزمة. فكلمة مثل “أولي” لا تعني فقط أن الطريق طويل، بل تعني أيضًا أن كل خطوة لاحقة ستكون خاضعة للتدقيق والمقايضة والتفسير السياسي. وفي ملفات النووي تحديدًا، لا تكفي النيات المعلنة، بل لا بد من بنية رقابية مقنعة ومفصلة.
من زاوية أخرى، تعكس العبارة أيضًا أن كوريا الجنوبية دخلت بالفعل مرحلة جديدة: مرحلة تسييس المشروع دوليًا. فحين يكون الملف داخل أروقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنه لم يعد مجرد نقاش داخلي في سيول حول احتياجات البحرية أو متطلبات الردع، بل أصبح مسألة مرتبطة بالقواعد التي تحكم استخدام المواد النووية، وبما إذا كانت الدولة المعنية قادرة على تقديم نموذج يُطمئن الآخرين. وهنا تتحول العملية التفاوضية ذاتها إلى اختبار للقدرة السياسية، لا مجرد ملحق فني للمشروع.
في الصحافة العربية، اعتدنا في بعض الملفات أن ننظر إلى “إطالة المفاوضات” بوصفها علامة تعثر فقط. لكن في هذه القضية، طول المفاوضات قد يكون في ذاته جزءًا من الثمن السياسي المطلوب. فكلما كان الموضوع أكثر حساسية، بدا المجتمع الدولي أكثر حرصًا على البطء، وعلى مراجعة كل صيغة قانونية وكل آلية تحقق وكل استثناء ممكن. لذلك، فإن حديث غروسي عن أن الاتفاق “سيستغرق وقتًا طويلًا” ليس مجرد توقع زمني، بل إشارة مبكرة إلى أن الثقة هنا لن تُمنح بسرعة، ولن تأتي بقرار سياسي واحد.
المادة 14 واتفاق الضمانات: التفاصيل القانونية التي تصنع العنوان السياسي
جوهر النقاش المطروح يرتبط بما يعرف باتفاق الضمانات الشاملة، وبصورة أكثر تحديدًا بالمادة 14 منه. وهذه من تلك التفاصيل القانونية التي تبدو جافة للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تصنع الفارق بين مشروع يمكن تسويقه دوليًا ومشروع يثير القلق. فهذه المادة تتعلق بكيفية التعامل مع مواد نووية قد تُستخدم في نشاط غير محظور عسكريًا، مثل الدفع النووي البحري، مع بقاء الحاجة إلى ضمانات تمنع إساءة الاستخدام أو تحويل المواد إلى برنامج تسليحي.
بمعنى أبسط، تريد سيول إطارًا قانونيًا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يساعدها على القول للعالم: نعم، نحن نبحث في غواصات بالدفع النووي، لكننا لا نخرج من نظام عدم الانتشار، ولا نطلب استثناءً مفتوحًا، بل نريد صيغة تحقق وتطمين. وهنا تكمن الأهمية الحقيقية للمفاوضات. فالاتفاق المطلوب ليس ورقة إدارية عابرة، بل أداة سياسية وقانونية لتقليص الشكوك قبل أن تتضخم.
في البيئة العربية، نعرف جيدًا أن النصوص القانونية الدولية قد تتحول إلى ميادين صراع سياسي كامل. كم من اتفاق بدا في ظاهره تقنيًا، لكنه حمل في باطنه أسئلة السيادة والشرعية والتوازنات الدولية. وهذا ما يحدث هنا أيضًا. فمجرد البحث في تطبيقات المادة 14 على الحالة الكورية الجنوبية يفتح بابًا واسعًا للنقاش: هل يمكن تقديم نموذج مرن يسمح باستخدام الوقود النووي في الدفع البحري، من دون أن يتحول ذلك إلى ثغرة يستفيد منها آخرون؟ وهل يستطيع المجتمع الدولي أن يوافق على ترتيبات خاصة من دون أن يضعف بذلك البنية العامة لمنع الانتشار؟
من هذا المنظور، يمكن فهم سبب الحذر الشديد في تصريحات غروسي. فالمسألة لا تخص كوريا الجنوبية وحدها. أي صيغة يتم الاتفاق عليها قد تصبح مرجعًا سياسيًا وقانونيًا لدول أخرى في المستقبل. ولذلك، فإن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تنظر إلى الملف بوصفه ترتيبًا ثنائيًا ضيقًا، بل باعتباره سابقة محتملة يجب تصميمها بعناية. وهذا ما يفسر لماذا يتقدم الملف ببطء، ولماذا تبدو اللغة المستخدمة فيه أقرب إلى الجراحة الدقيقة منها إلى الدبلوماسية الاحتفالية.
لماذا تفكر سيول أصلًا في الغواصات النووية؟
لكي نفهم أبعاد القصة، ينبغي ألا ننزعها من محيطها الأمني في شرق آسيا. كوريا الجنوبية تعيش في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية توترًا في العالم: كوريا الشمالية تواصل تطوير قدراتها الصاروخية والنووية، والصين توسع حضورها البحري، واليابان تعيد تعريف دورها الدفاعي، فيما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على شبكة ردع وتحالفات متماسكة في المنطقة. في مثل هذا المناخ، يصبح التفكير في قدرات بحرية بعيدة المدى وأكثر صمتًا وفعالية أمرًا مفهومًا من زاوية الحسابات العسكرية.
الغواصة العاملة بالدفع النووي تمنح البحرية ميزات استراتيجية لا توفرها الغواصات التقليدية بالدرجة نفسها. فهي تستطيع البقاء تحت الماء لفترات أطول، والتنقل لمسافات أبعد، والعمل بمرونة أعلى في بيئات بحرية متوترة. وهذه الخصائص تجعلها في عيون المخططين العسكريين أداة ردع ومراقبة واستجابة متقدمة. لكن ما يبدو عسكريًا منطقيًا في الحسابات الوطنية، قد يبدو دوليًا مثيرًا للأسئلة إذا ارتبط بمواد نووية عالية الحساسية.
هنا تظهر المفارقة الكورية الجنوبية. فسيول ليست دولة معزولة عن المنظومة الغربية، وليست في مواجهة مباشرة مع النظام الدولي كما تصوّر نفسها بعض الدول الأخرى في ملفات مماثلة. على العكس، هي تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها دولة مسؤولة، ديمقراطية، متقدمة صناعيًا، ومنضبطة بالقواعد الدولية. ولذلك فإن أي خطوة من هذا النوع لا يمكن أن تُبنى فقط على منطق الحاجة الأمنية، بل تحتاج أيضًا إلى غطاء شرعي وإجرائي محكم. وفي هذا تحديدًا تكمن الصعوبة.
ومن منظور عربي، يمكن القول إن القصة تذكّرنا بحقيقة قديمة في العلاقات الدولية: ليس كل ما هو متاح تقنيًا متاح سياسيًا بالقدر نفسه. فامتلاك القدرة على الفعل لا يعني بالضرورة امتلاك الشرعية الكاملة لممارسته بلا أثمان. وبين “حق الدولة في الدفاع عن نفسها” و”قلق النظام الدولي من اتساع المنطقة الرمادية النووية” مساحة تفاوضية شائكة، هي التي تتحرك فيها كوريا الجنوبية الآن.
رسالة الوكالة الدولية: الباب مفتوح، لكن الثقة ليست تلقائية
من أهم ما ورد في تصريحات غروسي قوله إن إبرام اتفاق “واضح جدًا” مع الوكالة يمكن أن يبدد مخاوف الانتشار. هذه العبارة تحمل شقين يجب قراءتهما معًا. الشق الأول إيجابي: الوكالة لا تغلق الباب من حيث المبدأ أمام النقاش الكوري الجنوبي، ولا تتعامل مع الطلب بوصفه محظورًا تلقائيًا. أما الشق الثاني، وهو الأكثر وزنًا، فيقول إن إزالة المخاوف ليست أمرًا آليًا ولا نتيجة حتمية لمجرد إعلان النيات، بل مرتبطة بمدى وضوح الاتفاق وصلابته وقدرته على الصمود أمام التدقيق.
بمعنى آخر، الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تقدم “شهادة ثقة” مسبقة، بل تعرض مسارًا يمكن عبره بناء هذه الثقة إذا توافرت الشروط. وفي عالم الدبلوماسية النووية، هذا فارق جوهري. فالدول لا تُمنح المصداقية بمجرد مكانتها الاقتصادية أو تحالفاتها السياسية، بل عبر آليات تحقق وتزامات قابلة للقياس. وهنا يتعين على سيول أن تقنع ليس فقط الوكالة، بل أيضًا الدول الأعضاء والمراقبين الإقليميين ودوائر الحد من الانتشار في الغرب وآسيا بأن أي مادة نووية ستخضع لنظام محكم لا يفتح الباب أمام سوء الاستخدام.
تبدو هذه الرسالة مهمة أيضًا من زاوية الصورة العامة لكوريا الجنوبية. فالبلد الذي يصدّر التكنولوجيا والسيارات والدراما التلفزيونية والهواتف الذكية إلى العالم، ويحظى بصورة ناعمة قوية بفضل “الهاليو” أو الموجة الكورية، يجد نفسه هنا في ملف من النوع الصلب والخشن، حيث لا تكفي القوة الناعمة لصناعة القبول. هذا انتقال من عالم التأثير الثقافي إلى عالم الشكوك الاستراتيجية، ومن منطق الجاذبية إلى منطق الضمانات. وفي هذا التحول ما يكشف حدود السمعة الإيجابية عندما تدخل الدول في مناطق نووية رمادية.
ومن اللافت أن غروسي اختار لغة متوازنة: لا رفضًا صريحًا ولا تفاؤلًا مجانيًا. وهي لغة مألوفة في المؤسسات الدولية حين تريد الحفاظ على مساحة التفاوض مفتوحة من دون أن تقدم إشارات قد تُساء قراءتها سياسيًا. لهذا يمكن القول إن الرسالة الأساسية إلى سيول هي: المجال موجود، لكن عليكم أن تثبتوا أنكم تفهمون كلفة هذا المجال ومتطلباته.
الداخل الكوري والخارج الإقليمي: من يدير السردية؟
لا يمكن فصل هذا الملف عن السياسة الداخلية في كوريا الجنوبية. فالنقاش حول الغواصات النووية ليس تقنيًا فقط، بل يرتبط أيضًا بخطاب الأمن القومي، وصورة الدولة القادرة على الردع، وكيفية إدارة التهديد الكوري الشمالي. وفي مثل هذه القضايا، تميل الحكومات عادة إلى مخاطبة الجمهور المحلي بلغة الحزم والقدرة والمستقبل الاستراتيجي. لكن المشكلة أن هذه اللغة نفسها قد تُفسر خارجيًا على نحو مختلف إذا لم تُرفق برسائل تهدئة وضمانات مفصلة.
وهنا تدخل الحكومة الكورية الجنوبية في ما يمكن تسميته “ازدواجية السردية”. داخليًا، هي مطالبة بتقديم المشروع باعتباره تعبيرًا عن الجدية في حماية الأمن الوطني. وخارجيًا، هي مطالبة بتقديمه باعتباره ممارسة منضبطة داخل قواعد عدم الانتشار. وإذا اختل التوازن بين السرديتين، تصبح الأزمة في التواصل لا في المشروع فقط. وهذا ما يجعل من طول التفاوض اختبارًا طويل النفس لإدارة الرسائل السياسية.
ولعل هذا الأمر مفهوم جدًا للقارئ العربي الذي تابع عبر العقود كيف يمكن لتصريح واحد غير محسوب، أو صياغة فضفاضة، أن تغيّر مزاج العواصم والمنظمات الدولية في ملفات حساسة. ففي القضايا النووية، لا يُقرأ الكلام بحسن نية دائمًا، بل يُفكك حرفيًا ويُقارن بالسياقات السابقة والالتزامات القانونية والخرائط الاستراتيجية. لذلك فإن عبارة مثل “نحن نحتاجها لأمننا” لا تكفي دوليًا إذا لم تتبعها تفاصيل من نوع: كيف؟ وبأي وقود؟ وتحت أي رقابة؟ ولأي استخدام حصري؟
أما إقليميًا، فمن المرجح أن تراقب قوى الجوار أي تقدم في هذا الملف بعين شديدة الحذر. فالقضية لا تتعلق فقط بقدرة بحرية جديدة، بل بإمكانية ظهور نموذج جديد في التعامل مع المواد النووية المخصصة للدفع العسكري غير التسليحي. وفي منطقة تتشابك فيها الحسابات بين واشنطن وبكين وطوكيو وبيونغ يانغ، يمكن لأي تطور من هذا النوع أن يُقرأ ضمن سباق أوسع على ميزان الردع والنفوذ البحري.
لماذا يعد مجرد النقاش حدثًا دبلوماسيًا بحد ذاته؟
أحيانًا لا يكون الخبر في النتيجة، بل في إدراج القضية نفسها على جدول الأعمال الدولي. وهذا ما ينطبق على الحالة الكورية الجنوبية. فلا اتفاق وُقّع حتى الآن، ولا مشروع أُجيز نهائيًا، ولا موافقة دولية أُعلنت. ومع ذلك، فإن مجرد التأكيد على وجود نقاش مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول اتفاق مرتبط ببناء غواصات نووية يجعل من الملف حدثًا دبلوماسيًا بامتياز. لأن القضايا حين تنتقل من دائرة التفكير الوطني إلى دائرة التفاوض مع المؤسسات الدولية، فإنها تكتسب واقعًا سياسيًا جديدًا.
في هذا النوع من الملفات، يصنع “الاعتراف بوجود المفاوضات” واقعًا بحد ذاته. فهو يعني أن الدولة المعنية أقرت ضمنيًا بأن المشروع لا يمكن عزله عن قواعد أوسع، وأنها مستعدة على الأقل للدخول في حوار حول كيفية مواءمته مع هذه القواعد. لكنه يعني أيضًا أن عليها منذ تلك اللحظة أن تتحمل عبء التفسير المستمر، وأن تتعامل مع أسئلة الحلفاء والخصوم والمراقبين بوصفها جزءًا من العملية وليست ضجيجًا هامشيًا.
الخبر هنا، إذن، ليس مجرد تعليق من رئيس منظمة دولية، بل كشف عن طبيعة المرحلة التي وصلت إليها كوريا الجنوبية. لقد انتقلت من طرح الفكرة إلى اختبار قابلية الفكرة للحياة الدولية. وهذا تطور مهم لأن كثيرًا من المشاريع الاستراتيجية الكبيرة لا تتعثر في المختبر أو حوض التصنيع، بل عند بوابة الشرعية، حيث تتزاحم الأسئلة القانونية والسياسية والأخلاقية والاستراتيجية.
وفي قراءة أوسع، يمكن اعتبار ما يجري مؤشرًا على أن عالم اليوم لم يعد يسمح بسهولة بالفصل بين الأمن الوطني الصلب وبين أنظمة الحوكمة الدولية. حتى القوى المتوسطة الصاعدة، التي تملك اقتصادًا قويًا ومكانة تكنولوجية مرموقة، تجد نفسها مطالبة بإتقان لغة القواعد بقدر إتقانها لغة الردع. وهذا أحد الدروس الكبرى في هذه القصة.
ما الذي يعنيه ذلك للعالم العربي وللقارئ المتابع للموجة الكورية؟
قد يسأل البعض: ما الذي يجعل جمهورًا عربيًا مهتمًا بالثقافة الكورية يتابع ملفًا كهذا؟ الجواب أن كوريا الجنوبية لم تعد بالنسبة إلى كثيرين في المنطقة مجرد مصدر للدراما والموسيقى والطعام ومنتجات التجميل، بل باتت أيضًا نموذجًا لدولة صعدت اقتصاديًا وثقافيًا وتقنيًا، وتحاول في الوقت نفسه إعادة تعريف موقعها الاستراتيجي في عالم مضطرب. ومن يتابع كوريا من بوابة الثقافة فقط، يفوته أحيانًا أن القوة الناعمة الكورية تسير بالتوازي مع نقاشات صعبة حول الأمن والتحالفات والردع والهوية السياسية للدولة.
في العالم العربي، نعرف من تجاربنا أن صورة الدولة في الخارج لا تُبنى في مجال واحد. فقد تنجح دولة في تقديم نفسها كقوة ثقافية جذابة، لكنها تواجه اختبارًا مختلفًا حين يتعلق الأمر بالملفات الأمنية أو النووية أو النزاعات الإقليمية. وهذا بالضبط ما يحدث مع سيول الآن. فالدولة التي أتقنت تصدير صورتها الحديثة تجد نفسها مضطرة إلى خوض معركة من نوع آخر: كيف تقنع العالم بأن طموحها البحري لا يتعارض مع التزاماتها الدولية؟
كما أن في القصة بعدًا أعمق يهم المتابع العربي للشؤون الدولية. فهي تُظهر كيف أن النظام الدولي لا يزال ينظر بحساسية شديدة إلى أي اقتراب من المواد النووية في المجال العسكري، حتى لو لم يكن الهدف المعلن تصنيع سلاح نووي. وهذا الدرس له صلة وثيقة بمناطق كثيرة من العالم، بينها الشرق الأوسط، حيث ترتبط البرامج النووية دومًا بأسئلة النية والرقابة والبيئة الإقليمية المضطربة. لذلك، فإن متابعة الملف الكوري الجنوبي لا تعني فقط فهم ما يجري في شرق آسيا، بل أيضًا فهم منطق المجتمع الدولي حين يوازن بين حق الدول في التكنولوجيا وحاجته إلى منع الانتشار.
في الخلاصة، تكشف تصريحات غروسي أن كوريا الجنوبية لم تصل بعد إلى عتبة القرار النهائي في ملف الغواصات العاملة بالدفع النووي، بل تقف عند بداية مسار طويل من التفاوض وبناء الثقة. وهذا المسار يضع الدبلوماسية الكورية الجنوبية أمام امتحان معقد: عليها أن تُثبت أن طموحها الأمني يمكن ترجمته إلى لغة قانونية ورقابية مقنعة، وأن تدير في الوقت نفسه خطابًا داخليًا لا يبالغ في تصوير ما لم يتحقق بعد. وبين الطموح الوطني والحساسية الدولية، تبدو الرسالة الأوضح اليوم أن التكنولوجيا، مهما بلغت، لا تتقدم وحدها؛ ففي الملفات النووية الحساسة، تسبقها دائمًا السياسة، وتمهد لها الدبلوماسية، وتحكمها الثقة.
0 تعليقات