광고환영

광고문의환영

سيول تجمع شباب العالم حول "المواطنة العالمية": كيف تحاول كوريا الجنوبية تحويل التعليم إلى لغة للسلام والتغيير؟

سيول تجمع شباب العالم حول

من قاعات سيول إلى أسئلة العالم

في وقت تتزاحم فيه الأخبار الدولية بأزمات الحروب والاستقطاب وصعود الشعبويات وتراجع الثقة بين المجتمعات، اختارت سيول هذا الأسبوع أن تفتح نافذة مختلفة على العالم: نافذة التعليم بوصفه أداة للتفاهم، والشباب بوصفهم فاعلين لا مجرد متلقين. فقد انطلقت في العاصمة الكورية الجنوبية أعمال برنامج «التدريب القيادي للشباب في مجال التعليم من أجل المواطنة العالمية 2026»، بتنظيم من وزارة التعليم الكورية الجنوبية وبالتعاون مع المركز الآسيوي-الهادئ للتعليم من أجل التفاهم الدولي التابع لليونسكو، في مبادرة تمتد من 8 إلى 12 من الشهر الجاري، وتجمع 40 شاباً وشابة من 30 دولة، جرى اختيارهم من بين 2181 متقدماً من 117 بلداً.

الرقم هنا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل مفتاح لفهم ما يجري. عندما يتقدم آلاف الشباب من أكثر من مئة دولة لبرنامج تدريبي واحد يتمحور حول «المواطنة العالمية»، فهذا يعني أن الفكرة لم تعد ترفاً أكاديمياً أو شعاراً مثالياً يُرفع في المؤتمرات، بل تحولت إلى حاجة عملية يشعر بها جيل يعيش في عالم مترابط تقنياً، لكنه ممزق سياسياً وأخلاقياً. وبالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا التطور قريباً من أسئلة نعرفها جيداً: كيف يمكن للشباب أن يتحدثوا إلى العالم من دون أن يفقدوا هويتهم؟ كيف يمكن تحويل الفن والإعلام والتعليم إلى أدوات للتقريب لا للتحريض؟ وكيف يمكن للمدن الكبرى، من سيول إلى القاهرة والرباط وبيروت والدوحة، أن تصبح منصات للحوار العابر للحدود؟

ما يلفت الانتباه في هذه المبادرة الكورية ليس فقط حجم الاهتمام الدولي بها، بل طبيعة الرسالة التي تحملها. فسيول، التي عرفها كثيرون في المنطقة العربية من خلال الدراما الكورية وفرق الـK-pop والأفلام الحائزة على الجوائز، تحاول هنا تقديم صورة أخرى عن نفسها: ليست مجرد مركز لتصدير الثقافة الشعبية، بل أيضاً مختبر لإنتاج نماذج تعليمية تحاول التعامل مع الأسئلة الكبرى لعصرنا، من السلام إلى العدالة الاجتماعية إلى إدارة الاختلاف.

ولعل هذا التحول في صورة كوريا الجنوبية مهم عربياً. فالمتابع العربي للموجة الكورية اعتاد خلال الأعوام الماضية أن يرى نجاح سيول في الصناعة الثقافية والترفيهية، لكن الخبر الجديد يكشف اتجاهاً موازياً أقل صخباً وأكثر عمقاً: استثمار في التعليم العام والقيم الكونية وبناء الشبكات الشبابية. بهذا المعنى، لا يتعلق الحدث بدورة تدريبية معزولة، بل بمحاولة كورية لتوسيع نفوذها الناعم من فضاء الترفيه إلى فضاء القيم والسياسات التعليمية.

ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى ما يجري في سيول لا باعتباره شأناً كورياً داخلياً، بل قصة دولية تمس المنطقة العربية أيضاً، حيث تتعاظم الحاجة إلى مساحات تدريبية تسمح للشباب بفهم العالم خارج ثنائيات الانغلاق أو الذوبان، وتمنحهم أدوات للتعبير والعمل المشترك وسط واقع إقليمي شديد التعقيد.

ما هي «المواطنة العالمية» ولماذا تثير كل هذا الاهتمام؟

مصطلح «المواطنة العالمية» قد يبدو للبعض غامضاً أو حتى ملتبساً، خصوصاً في البيئات التي تتعامل بحذر مع كل مفهوم عابر للحدود. لكن المقصود به، في السياق التربوي الذي تتبناه اليونسكو والجهات الشريكة، ليس إلغاء الانتماء الوطني ولا تذويب الخصوصيات الثقافية، بل توسيع وعي الفرد بحيث يدرك أن أفعاله وقضاياه المحلية مرتبطة ببنية عالمية أكبر: المناخ، الهجرة، المعلومات المضللة، الحروب، التفاوت الاقتصادي، والحقوق الإنسانية.

بصياغة أقرب إلى الخبرة العربية، يمكن القول إن «المواطنة العالمية» تشبه الانتقال من سؤال «ما الذي يحدث في حارتنا؟» إلى سؤال «كيف ترتبط حارتنا بالعالم؟». وهي لا تطلب من الشاب أن يتخلى عن لغته أو دينه أو تاريخه، بل أن يضيف إلى كل ذلك قدرة على الإصغاء إلى الآخر، وفهم التعقيد، والمشاركة في حلول تتجاوز الجغرافيا المباشرة. ومن هذه الزاوية، فإن البرنامج المقام في سيول يتعامل مع الشباب ليس باعتبارهم جمهوراً لرسائل السلام، بل بوصفهم منتجين محتملين للخطاب العام الجديد.

الأهمية العملية لهذا التوجه تظهر أكثر إذا وضعناه في سياق السنوات الأخيرة. لقد عاش جيل الشباب في العالم، بما فيه العالم العربي، صدمات متلاحقة: جائحة قلبت فكرة الحدود، وحروب جعلت صور العنف يومية على الشاشات، ومنصات رقمية ضاعفت فرص التواصل لكنها زادت أيضاً من دوائر الكراهية والاستقطاب. في مثل هذا المناخ، يصبح تعليم الشباب كيف يقرؤون الإعلام، وكيف يستخدمون الفن، وكيف يديرون الخلاف، مسألة ترتبط بالأمن الاجتماعي والثقافي، لا مجرد تحسين للمناهج.

ولذلك يمكن فهم الإقبال الكبير على البرنامج الكوري باعتباره مؤشراً إلى تحوّل أوسع في أولويات الجيل الجديد. فبدلاً من البحث فقط عن دورات في الإدارة والأعمال أو التكنولوجيا، هناك أيضاً تعطش لمساحات تُناقش معنى العيش المشترك، وكيفية قيادة مبادرات سلمية، وكيفية تحويل التأثير الرقمي إلى أثر اجتماعي مسؤول. هذا النوع من التدريب بات جزءاً من رأس المال المعنوي لأي قائد شاب يريد أن يتحرك بفعالية في بيئة دولية معقدة.

وفي السياق العربي، يكتسب المفهوم حساسية إضافية. فالمنطقة تعرف جيداً ما الذي يحدث عندما تُترك مساحات الحوار فارغة، أو حين يُختزل التعليم في الحفظ والتلقين، أو حين يُدفع الشباب إلى استهلاك الرسائل بدل إنتاجها. من هنا، تبدو التجربة الكورية مثيرة للاهتمام لأنها تقترح نموذجاً يقوم على الفعل والمشاركة والتمثيل والمحاكاة، لا على الخطب النظرية وحدها.

أرقام الاختيار تقول الكثير: 117 دولة تبحث عن مساحة مشتركة

من بين أبرز عناصر هذه القصة الأرقام التي صاحبتها. فاختيار 40 مشاركاً فقط من أصل 2181 متقدماً ينتمون إلى 117 دولة يعني أننا أمام برنامج شديد الانتقائية، لكنه في الوقت نفسه يعكس اتساع الطلب العالمي على هذا النوع من المبادرات. ففي البرامج الدولية، لا تقاس الأهمية بعدد المقاعد وحده، بل بحجم الرغبة في الوصول إليها. ومن هذه الزاوية، يبدو أن سيول تحولت هنا إلى نقطة جذب تربوية تستقطب طموحات شبابية تتجاوز القارات.

هذا النوع من الإقبال يقول شيئاً مهماً عن صورة كوريا الجنوبية في أذهان الشباب حول العالم. فالمسألة لم تعد مقتصرة على الانبهار بالمنتج الثقافي الكوري أو النموذج الاقتصادي أو التطور التكنولوجي، بل امتدت إلى الثقة بالمؤسسات الكورية بوصفها قادرة على استضافة حوار دولي جاد. حين يقرر شباب من عشرات الدول السفر إلى سيول لتعلّم مهارات مرتبطة بالسلام والتغيير الاجتماعي، فإنهم يمنحون البلاد، بصورة غير مباشرة، شرعية رمزية كمركز من مراكز إنتاج المعرفة العامة.

في العالم العربي، نعرف جيداً أثر الرمزية المكانية. فكما كانت بيروت في مراحل معينة مختبراً ثقافياً عربياً، وكما ظلت القاهرة لعقود عاصمة للثقافة الجماهيرية العربية، تحاول سيول اليوم تكريس موقعها كعاصمة آسيوية لا تنتج الترفيه فقط، بل تستضيف أيضاً حوارات القيم والقيادة. الفارق أن كوريا الجنوبية تفعل ذلك وهي تستثمر بذكاء في تداخل الثقافة والتعليم والدبلوماسية العامة.

كما أن تنوع الدول المشاركة يمنح البرنامج وزناً خاصاً. فوجود 30 دولة في غرفة واحدة يعني، عملياً، حضور خبرات متباينة في السياسة والمجتمع والإعلام والهوية. هناك من يأتي من ديمقراطيات مستقرة، ومن يأتي من مجتمعات متأثرة بالنزاعات، ومن يعيش في فضاءات متعددة اللغات والهويات، ومن يواجه تحديات مختلفة في العدالة أو التمثيل أو الذاكرة التاريخية. هذا التعدد ليس زينة شكلية، بل مادة تعليمية بحد ذاته، لأن الحوار بين هذه الخلفيات المختلفة يخلق معرفة لا يمكن لأي منهج نظري أن يعوضها.

ولأن الخبر يأتي من سيول، فإن الرقمين 117 و2181 يكتسبان بعداً إضافياً: إنهما يثبتان أن قوة الجذب الكورية لم تعد محصورة في السوق الثقافية، بل صارت تشمل المجال القيمي أيضاً. وهذه نقطة شديدة الأهمية لمن يتابع تطور «القوة الناعمة» الكورية، التي بدأت في أعين كثيرين مع الأغنية والمسلسل، لكنها تتمدد الآن إلى التعليم الدولي، وإلى صوغ منصات تتيح للشباب من العالم أن يتعلموا معاً، لا أن يستهلكوا المحتوى فقط.

من المحاضرة إلى الفعل: لماذا اختارت سيول الإعلام والفن؟

أحد أكثر جوانب البرنامج لفتاً للانتباه هو تركيزه على تمكين الشباب من قيادة السلام والتغيير الاجتماعي من خلال الإعلام والفنون. هنا تحديداً تبرز بصمة كورية خاصة. فبدلاً من الاكتفاء بمحاضرات عن القيم العالمية أو بيانات نظرية عن الحوار، يجري تحويل الأدوات التي يعرفها الجيل الجديد جيداً — الصورة، الحكاية، الأداء، الرسائل العامة، والعمل الإبداعي — إلى وسائل للتأثير الاجتماعي.

هذا الخيار ليس اعتباطياً. ففي عالم اليوم، لا تتحرك المجتمعات بالنصوص الرسمية وحدها، بل بالصور والرموز والسرديات. يكفي أن نتأمل أثر فيلم أو أغنية أو حملة رقمية كي ندرك كيف يتشكل الرأي العام، وكيف تنتشر فكرة ما أو تُواجه فكرة أخرى. وكوريا الجنوبية، التي خبرت جيداً كيف تصنع الثقافة الشعبية جسوراً عالمية، تبدو واعية إلى أن اللغة الفنية يمكن أن تتحول أيضاً إلى لغة للسلام والتفاهم، لا للترفيه فقط.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يكون هذا المدخل مألوفاً أكثر مما يبدو. ففي تاريخنا الثقافي، لعبت الأغنية والمسرح والسينما والشعر أدواراً سياسية واجتماعية كبرى، من قصائد مقاومة الاستعمار إلى مسرحيات النقد الاجتماعي، ومن الأغاني الوطنية إلى الأفلام التي ناقشت الهجرة والطبقية والهوية. الجديد في النموذج الكوري أنه يعيد إدخال هذه الفكرة إلى المجال التدريبي الدولي بلغة معاصرة، ويعامل الفن والإعلام كأداتين للتفاوض مع الواقع، لا كمساحتين منفصلتين عن الشأن العام.

الأمر نفسه ينطبق على الإعلام. فالشباب المشاركون لا يُفترض أنهم سيتحولون جميعاً إلى صحفيين أو فنانين، لكنهم يتعلمون كيف تُبنى الرسالة العامة، وكيف يمكن للصياغة والسرد والتمثيل أن تؤثر في النقاشات المجتمعية. في عصر الأخبار الزائفة والاستقطاب الرقمي، تصبح هذه المهارات جزءاً من الحصانة المدنية. إنها تشبه، بلغة صحفية، الانتقال من موقع متلقي العناوين إلى موقع من يعرف كيف تُصنع العناوين ولماذا.

وهنا تكمن إحدى دلالات الخبر الكبرى: سيول لا تستضيف شباب العالم لكي تقول لهم ماذا يفكرون، بل لكي تختبر معهم بأي لغة يمكن أن يتحاوروا، وكيف يمكن للأدوات الثقافية والإعلامية أن تتحول إلى وسائط للعمل العام. وهذا ما يمنح البرنامج طابعاً عملياً يتجاوز الشكل الاحتفالي الذي يطبع كثيراً من اللقاءات الدولية.

القيادة على طريقة المحاكاة: ماذا يعني أن يتعلم الشباب عبر «لعب الأدوار»؟

من العناصر الأساسية في البرنامج مشاركة الشباب في أنشطة «لعب الأدوار» المرتبطة بالنزاعات الاجتماعية والبدائل الممكنة. وهذا تفصيل بالغ الأهمية، لأنه يكشف أن المقصود بالقيادة هنا ليس الخطابة ولا التمثيل البروتوكولي، بل القدرة على دخول مواقف معقدة واختبارها من زوايا مختلفة. في التربية الحديثة، تُعد المحاكاة من أكثر الأدوات فاعلية لأنها تنقل المتعلم من مستوى الفكرة المجردة إلى مستوى التجربة.

حين يؤدي شاب دور طرف في نزاع اجتماعي، أو يمثل موقفاً سياسياً أو مجتمعياً لا يشبه موقفه الشخصي، فإنه يكتشف أن الواقع لا يُقرأ بخط مستقيم. يتعلم أن الصراعات ليست دائماً بين خير مطلق وشر مطلق، وأن التفاوض والإصغاء وفهم السياقات ضرورية لصوغ بدائل قابلة للحياة. هذا النوع من التدريب ثمين خصوصاً في زمن المنصات السريعة، حيث تختصر القضايا المعقدة أحياناً في منشور غاضب أو وسم رائج.

ولدى المقارنة مع واقعنا العربي، تبدو قيمة هذا النهج أكبر. فالكثير من مجتمعات المنطقة عاشت، ولا تزال، صوراً مختلفة من الاستقطاب: سياسي، وطائفي، وأيديولوجي، واجتماعي. وغالباً ما يكون النقص الأبرز ليس في الشعارات، بل في المهارات العملية لإدارة الاختلاف. من هنا، فإن استخدام المحاكاة ولعب الأدوار في برنامج شبابي دولي يرسل رسالة واضحة: المواطنة العالمية ليست خطاباً رومانسياً، بل تدريب على مواجهة التوترات الواقعية من دون الانزلاق إلى العنف الرمزي أو المادي.

هذا النهج يعكس أيضاً فهماً متقدماً لفكرة القيادة. ففي المخيال التقليدي، القائد هو من يجيب بسرعة ويظهر ثقة عالية. أما في برامج من هذا النوع، فالقائد هو من يعرف كيف يسأل، وكيف يصغي، وكيف يوازن بين القيم والمصالح، وكيف يصوغ خطاباً يحفظ الكرامة ويبحث عن مخارج. وهذه مهارات تحتاجها المؤسسات الإعلامية والمدارس والجامعات ومنظمات المجتمع المدني بالقدر نفسه الذي تحتاجه السياسة.

ومن اللافت أن كوريا الجنوبية، التي كثيراً ما تُقدَّم دولياً من زاوية الانضباط والنجاح الاقتصادي، تقدم هنا وجهاً مختلفاً: وجهاً يعترف بتعقيد العالم، ويستثمر في تدريب الشباب على فهمه، لا على تبسيطه. وهذا بالذات ما يجعل الخبر أكثر من مجرد نشاط شبابي عابر؛ إنه يعرض فلسفة تربوية كاملة قوامها أن السلام لا يُدرَّس بالتمنيات، بل بالممارسة.

سيول كمنصة للقوة الناعمة الجديدة

إذا كان القرن الحادي والعشرون قد شهد صعود كوريا الجنوبية بوصفها قوة ثقافية عالمية، فإن ما يحدث اليوم في سيول يشير إلى مرحلة تالية من هذا الصعود. فالقوة الناعمة الكورية لم تعد محصورة في الموسيقى والدراما ومستحضرات التجميل والتكنولوجيا، بل تتجه نحو مجالات أكثر مؤسسية: التعليم الدولي، والمنتديات الفكرية، وبرامج القيادة العابرة للحدود. هذه النقلة لا تلغي البعد الثقافي الشعبي، لكنها تمنحه عمقاً جديداً.

في الأدبيات السياسية، تقاس القوة الناعمة بقدرة دولة ما على الجذب والإقناع من دون إكراه. وكوريا الجنوبية حققت ذلك لسنوات عبر منتجاتها الثقافية. غير أن استضافة 40 شاباً من 30 دولة في برنامج انتقائي حول المواطنة العالمية تضيف طبقة أخرى إلى هذه المعادلة: الجذب عبر القيم التعليمية والتنظيم المؤسسي. أي أن كوريا لا تقول للعالم فقط «شاهدوا ما ننتج»، بل أيضاً «تعالوا لنتعلم معاً كيف نفكر ونتحاور ونتعاون».

بالنسبة إلى القراء العرب المتابعين للشأن الكوري، فإن هذا التطور يستحق التوقف. فهو يفسر لماذا لا يمكن اختزال حضور كوريا الجنوبية دولياً في نجاح الموجة الكورية فحسب. هناك عمل طويل المدى يجري على مستوى المؤسسات التعليمية والهيئات الدولية والشراكات مع اليونسكو وغيرها. وهذا ما يسمح لسيول بأن تتحول من مركز استهلاك ثقافي عالمي إلى فضاء لصياغة قواعد جديدة للتفاعل الدولي بين الشباب.

كما أن اختيار سيول تحديداً له معنى رمزي. فالمدينة التي تجمع بين الحداثة التكنولوجية والذاكرة التاريخية والانفتاح الثقافي تبدو مكاناً مناسباً لمناقشة مستقبل عالمي متشابك. إنها مدينة خرجت من تاريخ صعب، وعرفت الانقسام والحرب وإعادة البناء، ثم تحولت إلى إحدى أكثر عواصم آسيا ديناميكية. وهذا المسار بحد ذاته يمنحها شرعية رمزية حين تتحدث عن التعليم من أجل السلام والتغيير الاجتماعي.

ومن منظور عربي، تبدو التجربة الكورية مثيرة للاهتمام لأنها تقدم نموذجاً لما يمكن أن تفعله الدولة حين تربط بين الثقافة والتعليم والدبلوماسية العامة ضمن استراتيجية متماسكة. ليست المسألة فقط في عقد حدث دولي، بل في تحويله إلى رسالة تقول إن المكانة الدولية تُبنى كذلك عبر القدرة على استضافة الأسئلة الكبرى للعالم، لا عبر تصدير السلع والرموز فحسب.

ماذا يعني هذا للعالم العربي؟

ربما يكون السؤال الأهم بالنسبة إلى القارئ العربي: ما الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة؟ أولاً، إن الخبر يذكرنا بأن الشباب العربي ليس بعيداً عن هذه الأجندة العالمية، بل هو في صلبها. قضايا السلام والعدالة والتعليم والإعلام المضلل والتنوع الثقافي ليست موضوعات أجنبية عن المنطقة، بل من صميم حياتها اليومية. ولذلك فإن برامج من هذا النوع تفتح باباً للتفكير في كيفية تطوير مبادرات عربية مشابهة، سواء على مستوى الجامعات أو الوزارات أو المنظمات الإقليمية.

ثانياً، تكشف التجربة أن الاستثمار في الشباب لا يقتصر على ريادة الأعمال والمهارات التقنية، على أهميتهما، بل يشمل أيضاً ما يمكن تسميته «البنية الأخلاقية للقيادة»: القدرة على فهم الاختلاف، واستخدام الإعلام بمسؤولية، وتوظيف الفن للتقريب، والتعامل مع النزاع كمسألة تحتاج إلى معرفة ومهارة. وهذه مجالات لا تزال في كثير من الأحيان أقل حضوراً في السياسات التعليمية العربية مما ينبغي.

ثالثاً، يتيح الخبر فرصة لإعادة النظر في العلاقة العربية مع كوريا الجنوبية. فبدلاً من حصرها في الاستهلاك الثقافي أو الشراكات الاقتصادية، يمكن توسيعها إلى مجالات التبادل التربوي والحوار الشبابي والمشاريع المشتركة في الإعلام والثقافة. فالموجة الكورية، التي دخلت البيوت العربية عبر الشاشة، قد تصبح أيضاً مدخلاً إلى تعاون أعمق في مجالات بناء القدرات والتفكير في المستقبل.

وأخيراً، يلفت هذا الحدث الانتباه إلى حقيقة بسيطة لكنها شديدة الأهمية: العالم لا يُعاد تشكيله في القمم السياسية وحدها، بل أيضاً في الفصول الدراسية وورش العمل والبرامج التي تجمع شباناً من خلفيات مختلفة ليتعلموا معاً. في زمن يبدو فيه التفاهم الدولي أحياناً أضعف من أي وقت مضى، تراهن سيول على أن التعليم، حين يقترن بالإبداع والممارسة، لا يزال قادراً على إنتاج لغة مشتركة.

قد لا يحل برنامج واحد أزمات العالم، لكن رمزيته كبيرة. ففي العاصمة الكورية، يجتمع اليوم شباب من 30 دولة ليتعلموا كيف يمكن لوسائل الإعلام والفن ولعب الأدوار أن تصبح أدوات لبناء السلام وصناعة التغيير. وبالنسبة إلى العالم العربي، فإن هذه الصورة تستحق المتابعة لا بوصفها خبراً عن كوريا فقط، بل بوصفها اقتراحاً عملياً حول ما يمكن أن يبدو عليه التعليم حين يقرر أن يواجه العالم بدلاً من أن يكتفي بشرحه.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات