
سوقٌ قبل القمة: لماذا اختار الرئيس أندونغ في هذا التوقيت؟
في مشهد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه محمّل بإشارات سياسية ودبلوماسية كثيفة، زار الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونغ سوق أندونغ القديم في إقليم غيونغسانغ الشمالي، والتقى مواطنين وتفقد أحوال السوق المحلية، وذلك قبل يوم واحد فقط من القمة المرتقبة مع رئيسة الوزراء اليابانية سانائي تاكايئتشي، المقرر عقدها في المدينة نفسها. هذه الصورة، كما تتبدى من ظاهرها، ليست مجرد جولة ميدانية تقليدية يقوم بها رئيس دولة لالتقاط نبض الشارع أو مصافحة الباعة، بل هي أقرب إلى رسالة مركبة تقول إن السياسة الخارجية لا تنفصل عن الاقتصاد اليومي، وإن شرعية التفاوض مع الخارج لا تكتمل من دون المرور أولاً على الناس في الداخل.
في العالم العربي، اعتدنا أن نقيس دلالات تحركات الزعماء من خلال المكان قبل الكلام، والتوقيت قبل البيان. وحين يختار رئيس دولة أن يزور سوقاً شعبية عشية لقاء قمة مع دولة مجاورة تحمل العلاقة معها تاريخاً معقداً وحساساً، فإن الصورة بحد ذاتها تتحول إلى نص سياسي. سوق أندونغ هنا ليست خلفية بروتوكولية، بل مسرح لمعنى مقصود: الدبلوماسية لا تبدأ من القاعات المكيّفة وحدها، بل من الأسواق التي تتجسد فيها الأسعار، والمداخيل، ومزاج الناس، وتوقعاتهم من الدولة.
وبحسب المعطيات المتاحة، فإن الزيارة جاءت تحت عنوان التواصل مع المواطنين وتأكيد الإرادة في تنشيط الاقتصاد المحلي. لكن أهمية الحدث تتجاوز الوصف الرسمي. فالرئيس الذي يستعد للجلوس مع رئيسة وزراء اليابان لم يبدأ يومه من مقر حكومي مغلق، ولم يرسل إشارة أولى إلى النخب السياسية أو الدبلوماسية، بل إلى أصحاب المحال، والمشترين، والأسر، والأطفال، وإلى المدينة التي تحمل له معنى شخصياً بوصفها مسقط رأسه، بحسب ما أوردته التغطيات الكورية. وبهذا المعنى، بدت أندونغ وكأنها تجمع في لحظة واحدة بين الخاص والعام، بين السيرة الشخصية ورمزية الدولة، وبين حسابات السياسة الخارجية وضرورات المعيشة اليومية.
هذا النوع من المشاهد له جاذبية خاصة في الثقافة السياسية الكورية الحديثة، حيث تبقى صورة القائد في الحيز العام جزءاً من اللغة السياسية نفسها، لا مجرد تفصيل بصري. واللافت أن الزيارة، وإن كانت قصيرة في ظاهرها، إلا أنها حملت ترتيباً دقيقاً للرسائل: الرئيس بين الناس أولاً، ثم إلى القمة. المواطن قبل المفاوضة. السوق قبل البروتوكول. وهي معادلة تدرك سيول جيداً أنها مفهومة داخلياً، وقابلة للتسويق خارجياً أيضاً، لأنها تقدم كوريا الجنوبية باعتبارها دولة لا تفصل هويتها الوطنية عن حيوية أقاليمها ومجتمعاتها المحلية.
أندونغ ليست مدينة عابرة: التاريخ المحلي حين يدخل في صناعة الصورة الوطنية
ليس اختيار أندونغ تفصيلاً ثانوياً في هذا الحدث. فالمدينة تُعرف في كوريا الجنوبية بوصفها إحدى أهم الحواضر التاريخية والثقافية، وهي مرتبطة في المخيال الكوري بالتقاليد الكونفوشيوسية، والهوية المحلية الراسخة، والتراث الاجتماعي الذي يوازن بين الحداثة المتسارعة والعمق الثقافي. وبالنسبة للقارئ العربي، يمكن تشبيه موقع أندونغ الرمزي بمدينة تحمل ذاكرة ثقافية تتجاوز حدودها الإدارية، على نحو يشبه مكانة مدن مثل فاس أو القدس أو صنعاء القديمة أو النجف أو قسنطينة في الوجدان العربي؛ مدن لا تُقرأ فقط من خلال سكانها، بل من خلال ما تختزنه من معنى ثقافي وتاريخي.
عندما تقرر الرئاسة الكورية عقد قمة مع اليابان في مدينة كهذه، فإنها لا تنقل الحدث من العاصمة إلى الإقليم فحسب، بل تعيد تعريف المسرح الدبلوماسي نفسه. المعتاد في مثل هذه اللقاءات أن تدور في سيول أو طوكيو أو في فضاءات رسمية محايدة نسبياً، حيث تكون الدولة ممثلة عبر مركزها الإداري والسياسي. أما هنا، فإن الدولة تقدم نفسها من خلال مدينة محلية عريقة، ومن خلال سوقها القديمة أيضاً. وكأن الرسالة تقول إن كوريا الجنوبية ليست مجرد ناطحات سحاب ومراكز تكنولوجيا ومقار وزارية، بل أيضاً مجتمعات محلية حية تحمل الذاكرة الوطنية وتشارك في صياغة صورة البلاد أمام الخارج.
وتتضاعف رمزية أندونغ حين نأخذ في الاعتبار أن الرئيس ينتمي إليها شخصياً وفق ما نُقل في التغطيات. فالعودة إلى المدينة قبل لقاء مع دولة ترتبط معها كوريا بتاريخ معقد من الاستعمار والذاكرة والنزاعات السياسية المتكررة، تفتح باباً لتأويل أعمق: الرئيس يستند إلى الجذور قبل أن يذهب إلى التفاوض. وفي الثقافات الآسيوية، كما في الثقافات العربية أيضاً، للجذور المحلية مكانة لا تقل أهمية عن الموقع الرسمي. فالقائد الذي يعود إلى مسقط رأسه أو إلى مدينة ترمز إلى انتمائه الاجتماعي قبل لحظة مفصلية، يبعث بإشارة نفسية وسياسية قوامها الثبات والاتصال بالأصل.
ومن جهة أخرى، فإن استضافة قمة ثنائية في مدينة خارج العاصمة تضيف بعداً آخر يتعلق بتوزيع الجغرافيا السياسية داخل الدولة. فسيول هنا تحاول أن تقول، بصورة عملية لا خطابية، إن الأقاليم ليست مجرد متلقية لقرارات المركز، بل يمكن أن تكون منصة لعرض الدولة على العالم. وفي السياق العربي، هذا المعنى مفهوم تماماً؛ إذ كثيراً ما يُنتقد تمركز السياسة والاقتصاد والثقافة في العاصمة على حساب المدن الأخرى. لذلك تبدو الخطوة الكورية جديرة بالاهتمام: هي لا تمنح أندونغ دوراً احتفالياً فحسب، بل تضعها في قلب مشهد دولي حساس.
اللغة السياسية في السوق: المصافحة، الصورة، والطعام بوصفها أدوات خطاب
ما الذي يعنيه أن يتذوق الرئيس في السوق أطعمة شعبية، وأن يلتقط صوراً مع المارة، وأن يحيي الأطفال بحركات بسيطة وعفوية؟ في السياسة الحديثة، ليست كل الرسائل تُقال في الخطب والبيانات. كثير منها يُبنى بالصورة والإيقاع والحركة. لذلك فإن الجولة في سوق أندونغ لم تكن مجرد مرور بروتوكولي، بل كانت أداءً سياسياً محسوباً. فالسوق الشعبية في كوريا، كما في بلادنا العربية، ليست مكاناً للبيع والشراء فقط، بل فضاءً لقياس حرارة المجتمع: أسعار السلع، حركة الناس، شكوى التجار، مستوى التفاؤل أو القلق، وتفاصيل الحياة التي لا تظهر دائماً في الجداول الاقتصادية الرسمية.
الرئيس لي جيه ميونغ، وفق ما نُقل، استجاب لطلبات التقاط الصور، وتبادل التحية مع الأطفال، وتحدث مع الباعة، وتذوق أصنافاً مثل السونديه والأودين والحمضيات والموز. وهنا قد يحتاج القارئ العربي إلى إيضاح بسيط: السونديه نوع من المأكولات الشعبية الكورية، وهو أشبه بنقانق تقليدية تُحشى عادة بمكونات متنوعة، أما الأودين فهو اسم شائع في كوريا لأسياخ كعك السمك التي تُقدَّم ساخنة غالباً في الأسواق، وتُعد من أشهر أطعمة الشارع في الأجواء الباردة. أهمية هذه التفاصيل ليست في الطعام ذاته، بل في معنى التشارك مع الناس في فضائهم اليومي، وفي استدعاء ذاكرة المكان عبر ما يُؤكل فيه ويُشترى منه.
في الصحافة السياسية العربية، نعرف أن الصورة ليست دائماً بريئة، لكنها ليست زائفة تلقائياً أيضاً. فهناك فرق بين الاستعراض الفارغ والرمز المتقن. وفي الحالة الكورية، يبدو أن الرئاسة سعت إلى توظيف السوق باعتبارها رمزاً للمؤشر الشعبي على الاقتصاد. فبدلاً من الحديث المجرّد عن مكافحة الغلاء أو دعم الاستهلاك المحلي، تظهر اللقطة التي تقول: الرئيس ذهب بنفسه إلى مكان تتقاطع فيه القدرة الشرائية مع المزاج العام. صحيح أن الزيارة، وحدها، لا تصنع سياسة اقتصادية، ولا تعني تلقائياً تحسناً في أحوال السوق، لكن ترتيبها قبل القمة مع اليابان يمنحها وزناً مضاعفاً.
وهذا ما يجعل الجولة أكثر من مجرد صناعة صورة ودودة. فهي تقول أيضاً إن السلطة التنفيذية حريصة على أن تبدو متصلة بالناس قبيل حدث دبلوماسي كبير. كأن الدولة تريد أن تعرض أمام جمهورها الداخلي وأمام المتابعين في الخارج نموذجاً محدداً للقيادة: قيادة تمشي في الأزقة قبل أن تدخل قاعة المفاوضات. وربما في هذا ما يفسر جاذبية المشهد في الإعلام الكوري نفسه، لأنه يختصر علاقة معقدة بين الشرعية السياسية وبين الحضور الجسدي للقائد في الفضاء العام.
ما قبل القمة: رسالة إلى اليابان، ورسالة إلى الداخل الكوري في آنٍ واحد
الواقعة الأهم سياسياً هي أن الزيارة جاءت قبل يوم واحد فقط من القمة مع رئيسة الوزراء اليابانية. وهذا التزامن ليس هامشياً. فالعلاقات بين سيول وطوكيو ليست علاقة عادية بين دولتين جارتين تتشاركان المصالح الاقتصادية والأمنية فحسب، بل علاقة يثقلها تاريخ الاستعمار الياباني لشبه الجزيرة الكورية، وتبعات الذاكرة المتعلقة بالعمل القسري وملفات النساء المستعبدات في زمن الحرب، إضافة إلى النزاعات المتكررة حول قضايا السيادة والكتب المدرسية والرموز الوطنية. لذلك فإن أي لقاء على مستوى القمة يحمل معه دائماً طبقات متعددة من القراءة، حتى إن لم تكن كل هذه الملفات مطروحة علناً على جدول الأعمال.
ومع أن المعطيات المتوفرة لا تتضمن تفاصيل القمة أو الملفات المحددة التي ستناقشها، فإن الترتيب الزمني يسمح بقراءة سياسية حذرة: الحكومة الكورية الجنوبية تريد أن تضع مسألة المعيشة والاقتصاد المحلي في الخلفية المباشرة للمشهد الدبلوماسي. أي إن الرسالة إلى الداخل تقول إن الانخراط مع اليابان ليس شأناً منفصلاً عن مصلحة الناس اليومية، والرسالة إلى الخارج تقول إن سيول لا ترى الدبلوماسية لعبة نخب فقط، بل عملية تستند إلى تفويض شعبي وإلى حساسية تجاه المناطق والاقتصادات المحلية.
هذا الربط بين الداخل والخارج ليس جديداً على الدول الديمقراطية، لكنه في كوريا الجنوبية يكتسب نكهة خاصة بسبب حيوية الرأي العام وقوة الإعلام وتأثير المزاج الشعبي في تقييم العلاقات مع اليابان تحديداً. فكل خطوة تجاه طوكيو تُراقب بدقة، لا من منظور الأمن والاقتصاد فقط، بل من زاوية الذاكرة والكرامة الوطنية أيضاً. ومن هنا يمكن فهم فائدة المشهد الذي يسبق القمة: الرئيس لا يتجه مباشرة إلى لقاء قد يثير أسئلة حساسة، بل يمر عبر مدينة محلية وسوق تقليدية، وكأنه يحيط الحدث الدبلوماسي بإطار اجتماعي ووطني ملموس.
في المقابل، تبدو الرسالة الموجهة إلى اليابان ذات طابع غير تصادمي، لكنها واضحة. فاستضافة القمة في مدينة تاريخية خارج العاصمة، وبعد زيارة سوق شعبية، توحي بأن كوريا الجنوبية تفاوض من موقع دولة متماسكة في هويتها المحلية لا من موقع بيروقراطية مركزية مجردة. إنها طريقة ناعمة لقول إن العلاقات الثنائية تُدار فوق أرض لها ذاكرة وسكان وأسواق ومشاعر، وليست مجرد معادلات أمنية أو تجارية. وهذا ما يجعل الصورة ذات قيمة دبلوماسية، حتى قبل صدور أي بيان مشترك أو إعلان عن تفاهمات محددة.
الاقتصاد المحلي في قلب المشهد: ماذا يعني أن تبدأ الدبلوماسية من السوق؟
حين تؤكد الرئاسة الكورية أن الزيارة هدفت إلى التواصل مع المواطنين والتحقق من الإرادة في تنشيط الاقتصاد المحلي، فهي تختار مفردات دقيقة. فـ"الاقتصاد المحلي" هنا ليس شعاراً عاماً، بل مفهوم له دلالة سياسية واضحة في لحظة تتعرض فيها كثير من المجتمعات لضغوط الغلاء وتباطؤ الاستهلاك وعدم اليقين. والسوق التقليدية، بخلاف المراكز التجارية الحديثة، تعكس الاقتصاد الشعبي المباشر: مبيعات يومية صغيرة، هامش ربح محدود، علاقة شخصية بين التاجر والزبون، وتأثر سريع بأي تغير في الأسعار أو الحركة السياحية أو الثقة العامة.
في العالم العربي، نعرف جيداً كيف تتحول الأسواق الشعبية إلى مقياس فوري لوضع الاقتصاد. من خان الخليلي إلى سوق الحميدية، ومن أسواق فاس القديمة إلى سوق واقف أو العطارين أو البزورية، يقرأ الناس الاقتصاد من حركة الأرصفة، لا من النشرات الرسمية وحدها. والأمر لا يختلف كثيراً في كوريا الجنوبية، وإن كانت البنية الاقتصادية أكثر تصنيعاً وتقنية. السوق التقليدية هناك ما زالت تحمل قيمة رمزية عالية، لأنها تمثل استمرارية المجتمع المحلي في مواجهة التحولات السريعة التي فرضتها المدن الحديثة وسلاسل المتاجر الكبرى والتجارة الإلكترونية.
لذلك فإن دخول الرئيس إلى السوق عشية القمة يحمل مضموناً اقتصادياً بصرياً: السياسة الخارجية يجب أن تترجم في نهاية المطاف إلى أثر محسوس على حياة الناس. هذا لا يعني أن قمة واحدة ستحل تلقائياً مشكلات الاقتصاد المحلي، كما لا يعني أن مصافحة الباعة تكفي لمعالجة تحديات المعيشة، لكن الفكرة الأساسية تكمن في ترتيب الأولويات الرمزية. فبدلاً من عزل الدبلوماسية عن الاقتصاد اليومي، جرى تقديمهما بوصفهما مسارين متصلين. وإذا كانت العلاقات مع اليابان تتضمن في جانب منها ملفات تجارية وسياحية وسلاسل إمداد وتعاوناً تقنياً، فإن وضع السوق في مقدمة المشهد يسهّل على الرأي العام رؤية الصلة بين الملفات الكبرى وأثرها المحتمل على الحياة اليومية.
كما أن السوق تمنح المشهد بُعداً لا توفره المكاتب الحكومية: هناك وجوه حقيقية، وملامح تعب وأمل، وأحاديث عفوية لا تُصاغ بلغة البيانات. وهذا النوع من الفضاءات يمنح السياسي فرصة نادرة للظهور خارج النص الرسمي. وفي زمن تتزايد فيه أهمية الصورة المختصرة القابلة للتداول عبر المنصات الرقمية، تصبح جولة السوق أداة اتصال سياسي شديدة الفاعلية، خصوصاً إذا جاءت في توقيت حساس يسبق حدثاً دولياً. ولهذا يمكن القول إن الرئاسة الكورية لم تكن تعرض فقط اهتمامها بالاقتصاد المحلي، بل كانت تبني أيضاً سردية مفادها أن نجاح السياسة الخارجية لا يُقاس بالتصريحات، وإنما بمدى قدرتها على خدمة الناس الذين يقفون وراء أكشاك السوق أو يتجولون في ممراتها.
حين تغادر الدبلوماسية العاصمة: ماذا تكشف هذه الخطوة عن كوريا الجنوبية؟
من أبرز الدلالات في هذه القصة أن القمة نفسها ستعقد في أندونغ، لا في سيول. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف جانباً من الطريقة التي تريد كوريا الجنوبية أن تُرى بها. فالدول غالباً ما تقدم نفسها خارجياً عبر عواصمها، بما تحمله من رمزية السلطة والحداثة والمؤسسات. أما حين تنتقل الدبلوماسية إلى مدينة إقليمية ذات رصيد ثقافي وتاريخي، فإن الدولة تكون بصدد توسيع تعريف نفسها. هي لا تعرض فقط مركز القرار، بل تعرض أيضاً تنوعها الجغرافي والاجتماعي والثقافي.
هذا مهم لسببين. الأول داخلي، ويتعلق بإعطاء الأقاليم وزناً رمزياً في المشهد الوطني. والثاني خارجي، ويتعلق بتقديم كوريا الجنوبية بوصفها بلداً متعدد الطبقات، لا يُختزل في صورة سيول كعاصمة عالمية للتكنولوجيا والترفيه وصناعة الثقافة. وربما هنا تلتقي السياسة مع القوة الناعمة. فالعالم العربي يعرف كوريا الجنوبية اليوم من خلال الدراما والموسيقى ومنتجات التجميل والتكنولوجيا، لكنه قد لا يعرف بما يكفي مدنها التاريخية العميقة ودورها في تشكيل الهوية الوطنية. ومن ثم، فإن استضافة قمة في أندونغ تساعد في توسيع صورة كوريا خارج النمط الاستهلاكي الشائع المرتبط بالموجة الكورية.
ومن اللافت أيضاً أن التغطيات أشارت إلى لقاء الرئيس أجانب داخل السوق. قد يبدو هذا تفصيلاً صغيراً، لكنه مهم للغاية في القراءة الرمزية. فهو يبيّن أن المدينة المحلية ليست معزولة عن العالم، وأن الفضاء الشعبي نفسه أصبح نقطة تماس مع الخارج. وهذا يعكس وجهاً من وجوه كوريا المعاصرة: بلدٌ تحولت حتى مدنه الإقليمية إلى مواقع تتقاطع فيها السياحة والثقافة والاقتصاد مع السياسة الدولية. إن صورة رئيس يستعد لقمة ثنائية كبرى، بينما يحيي مواطنين وأطفالاً وسياحاً في سوق محلية، تختصر إلى حد بعيد كيف تريد سيول أن تقدم نفسها: دولة حديثة، لكنها غير منفصلة عن مجتمعها المحلي وتاريخه.
في هذا السياق، يمكن القول إن الدبلوماسية الكورية لا تكتفي بإدارة الملفات، بل تهتم كذلك بإخراج المشهد الذي تُدار فيه تلك الملفات. وهذا ليس أمراً ثانوياً في زمن تعتمد فيه السياسة الدولية، جزئياً، على الصورة والرواية بقدر اعتمادها على النصوص والاتفاقيات. فمكان القمة وزيارات ما قبلها جزء من المعنى، تماماً كما هي الكلمات التي تُقال فيها. وأندونغ، بكل ما تمثله من ثقل تاريخي وشعبي، تؤدي هنا وظيفة تتجاوز الاستضافة إلى إنتاج الرسالة نفسها.
كيف يمكن للقارئ العربي أن يقرأ هذا المشهد؟
بالنسبة للقارئ العربي، قد تبدو هذه الزيارة في ظاهرها شبيهة بما نراه في كثير من الدول: رئيس يزور سوقاً ويصافح المواطنين قبل مناسبة مهمة. لكن خصوصية الحالة الكورية تكمن في تركيب عدة مستويات فوق بعضها بعضاً في لحظة واحدة. هناك أولاً البعد المحلي: دعم رمزي للاقتصاد الإقليمي وللسوق التقليدية. وهناك ثانياً البعد الشخصي: الرئيس في مسقط رأسه أو في مدينة ترتبط بسيرته الخاصة. وهناك ثالثاً البعد الوطني: إظهار أن شرعية السياسة الخارجية تنطلق من الناس. وأخيراً هناك البعد الإقليمي الحساس: قمة مع اليابان، الجار الذي لا تزال العلاقات معه محكومة بظلال التاريخ، حتى حين تفرض الجغرافيا والمصالح قدراً من التعاون.
لهذا فإن المشهد يستحق القراءة بعيداً عن سطحية الصور. فليس مهماً فقط أن الرئيس صافح الناس أو تذوق أطعمة السوق، بل المهم هو السياق الذي حدث فيه ذلك. عشية قمة مع طوكيو، وفي مدينة تاريخية خارج العاصمة، ومن داخل سوق تقليدية، ترسم سيول صورة لدبلوماسية تريد أن تبدو نابعة من المجتمع لا مفروضة عليه. وهي، بهذا المعنى، طريقة في إدارة الرأي العام بقدر ما هي طريقة في إدارة العلاقات الدولية.
ومن منظور عربي أوسع، تكشف هذه القصة جانباً مهماً من تطور السياسة الكورية الجنوبية: المزج بين الاقتصاد الشعبي والرمزية الثقافية والدبلوماسية الرفيعة في مشهد واحد. إنها صيغة قد تبدو شديدة الحداثة في إخراجها الإعلامي، لكنها في جوهرها مألوفة في ثقافات كثيرة، بينها ثقافتنا. فالناس، في النهاية، يريدون أن يشعروا بأن ما يجري في القمم الكبرى ليس منفصلاً عن خبزهم اليومي، ولا عن أسواقهم، ولا عن كرامتهم الوطنية. وكوريا الجنوبية، في هذه اللحظة على الأقل، تبدو واعية تماماً لهذه الحقيقة.
يبقى أن نتائج القمة نفسها، وما ستسفر عنه من تفاهمات أو رسائل سياسية، هي التي ستحدد القيمة العملية لهذا المشهد التمهيدي. لكن حتى قبل ظهور تلك النتائج، يمكن القول إن زيارة سوق أندونغ نجحت في تحقيق هدفها الرمزي: وضع المواطن والمدينة المحلية في قلب السردية الوطنية عشية حدث دبلوماسي كبير. وفي زمن تُختبر فيه الزعامات بقدرتها على الربط بين الصورة والسياسة، وبين الداخل والخارج، قدّمت كوريا الجنوبية درساً لافتاً في كيفية تحويل جولة قصيرة في سوق شعبية إلى بيان سياسي كامل، من دون أن يُقرأ على الورق.
0 تعليقات