
حين تتحول المدينة إلى ذاكرة تمشي على قدميها
قبل يومين من الذكرى السادسة والأربعين لانتفاضة 18 مايو الديمقراطية، عادت مدينة غوانغجو في جنوب غربي كوريا الجنوبية إلى الشارع الذي صار، مع مرور الزمن، أشبه بمرآة لذاكرتها السياسية. ففي شارع «غِمنام-رو» بوسط المدينة، شارك نحو ألفي شخص في «المسيرة الديمقراطية السلمية»، في مشهد لم يكن مجرد فعالية تذكارية عابرة، بل تجديداً علنياً لعلاقة المجتمع الكوري بواحدة من أكثر محطاته التاريخية حساسية وتأثيراً. وانطلقت المسيرة قرابة الساعة الرابعة عصراً من ساحة محطة غوانغجو، قبل أن تعبر مسافة تقارب 2.3 كيلومتر وصولاً إلى منطقة «غِمنام-رو 4-غا»، وسط هتافات تستعيد لغة الشارع الكوري في لحظة كان فيها مطلب الديمقراطية مسألة حياة أو موت.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى شبيهاً بالمسيرات الرمزية التي تنظمها مجتمعات كثيرة لإحياء محطات نضالية أو مآسٍ وطنية. لكن خصوصية غوانغجو تكمن في أن ذكرى 18 مايو ليست مجرد صفحة في كتاب التاريخ، ولا مناسبة بروتوكولية تقتصر على الكلمات الرسمية ووضع الأكاليل. إنها جرح مؤسس في الوعي الكوري الحديث، ورمز لا يزال حاضراً في النقاش العام حول معنى الدولة، وحدود السلطة، وحق المواطن في الاعتراض، وكيف تصير الذاكرة نفسها جزءاً من بناء الديمقراطية. من هنا، فإن ما جرى في شوارع غوانغجو لم يكن فقط استحضاراً للماضي، بل ممارسة مدنية تقول إن الذاكرة العامة لا تحفظها المتاحف وحدها، بل تحفظها الأقدام التي تعود إلى الطريق نفسه، والأصوات التي تكرر الشعارات نفسها، والأجيال الجديدة التي تتعلم التاريخ لا بصفته مادة مدرسية، بل تجربة تُعاش من جديد.
وفي عالم عربي يعرف جيداً قيمة الشارع حين يصبح ساحة للكرامة والاحتجاج، يمكن فهم هذه المسيرة بوصفها رسالة تتجاوز الحدود الكورية. فالشعوب لا تتعامل مع آلامها الكبرى بالطريقة نفسها؛ بعضها يدفنها تحت ركام النسيان، وبعضها يحولها إلى سردية رسمية باردة، بينما تختار مجتمعات أخرى أن تبقيها حية في المجال العام، من خلال الطقوس المدنية والمشاركة الشعبية. وما فعلته غوانغجو هذا الأسبوع يندرج بوضوح ضمن الخيار الأخير: أن يبقى الماضي حاضراً، لا ليشل الحاضر، بل ليمنحه معناه الأخلاقي.
ما هي انتفاضة 18 مايو؟ شرح ضروري للقارئ العربي
لفهم دلالة هذه المسيرة، لا بد من العودة بإيجاز إلى ما تمثله انتفاضة 18 مايو في الوجدان الكوري. ففي مايو 1980، تحولت غوانغجو إلى مركز لحركة احتجاجية واسعة طالبت بالديمقراطية ورفضت الحكم العسكري. وتعرضت المدينة آنذاك لقمع دموي، ما جعل أحداثها لاحقاً رمزاً وطنياً للمقاومة المدنية في مواجهة الاستبداد. ومنذ ذلك الوقت، صارت «5·18»، كما تُعرف في كوريا اختصاراً، علامة فارقة في التاريخ السياسي الحديث، أشبه بما تمثله في الوعي العربي محطات مفصلية تستعاد كلما عاد النقاش حول الحرية والعدالة والشرعية الشعبية.
وفي التغطية العربية للشأن الكوري، كثيراً ما يطغى البعد الثقافي المرتبط بالدراما والـ«كي-بوب» والمطبخ الكوري والموضة، وهي كلها عناصر أسهمت في انتشار «الموجة الكورية» أو «الهاليو» حول العالم. غير أن الصورة الكورية لا تكتمل من دون فهم الأساس السياسي والأخلاقي الذي تشكلت عليه الجمهورية الحديثة هناك. فالديمقراطية الكورية لم تصل في طرد بريدي أنيق، ولم تكن نتيجة تحديث اقتصادي فحسب، بل مرت عبر صدامات اجتماعية وتضحيات وخبرات احتجاجية، كانت غوانغجو أبرزها وأشدها إيلاماً. لذلك، عندما يهتف المشاركون اليوم «روح مايو في الدستور»، فهم لا يستحضرون حادثة قديمة بدافع الحنين، بل يربطون بين تضحيات الماضي وأطر الدولة في الحاضر.
هذا الجانب مهم أيضاً لأن القارئ العربي كثيراً ما يستهلك المنتج الثقافي الكوري منفصلاً عن خلفيته التاريخية. وحين نشاهد أعمالاً كورية تتناول الفساد أو السلطة أو الانقسام الاجتماعي أو العنف المؤسسي، فإننا نغفل أحياناً أن هذه الموضوعات ليست مجرد اختيارات فنية، بل تنبع من تجربة تاريخية كثيفة. وغوانغجو تحديداً حاضرة في الأدب والسينما والذاكرة الشفوية والطقوس العامة بوصفها حدثاً يختصر معنى أن يدفع مجتمع بأكمله كلفة المطالبة بحقوقه. من هنا، فإن المسيرة الأخيرة لا تخص المؤرخين وحدهم، بل تهم أيضاً كل من يريد أن يفهم كوريا الجنوبية خارج الصورة اللامعة التي تصدرها صناعات الترفيه.
المسيرة كفعل مدني: من محطة غوانغجو إلى قلب الشارع
بحسب ما نقلته وسائل الإعلام الكورية، انطلقت المسيرة من ساحة محطة غوانغجو عند الرابعة مساءً، وسلكت مساراً يمتد لنحو 2.3 كيلومتر عبر وسط المدينة حتى وصلت إلى «غِمنام-رو 4-غا». وقد يبدو هذا التفصيل الجغرافي بسيطاً، لكنه في الحقيقة جزء من الرسالة. فاختيار السير في الشارع نفسه، وقطع المسافة داخل فضاء المدينة لا داخل قاعة مغلقة، يمنح الذكرى معنى حركياً وملموساً. إنها ذاكرة تتحرك في المكان الذي شهد تاريخاً مشابهاً، لا ذكرى يُكتفى بقراءتها في نص رسمي أو الاستماع إليها من على منصة.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات الثقافة التذكارية في كوريا الجنوبية: أن الذاكرة الديمقراطية ليست محصورة في مراسم الدولة، بل تُمارَس بوصفها مشاركة مواطنية. المتقدمون في السن الذين عاشوا آثار تلك المرحلة، والطلاب الذين لم يشهدوها، والناشطون والشخصيات العامة وسكان المدينة العاديون، جميعهم شاركوا في مشهد واحد. في هذا المعنى، لم تكن المسيرة عرضاً لجمهور متفرج، بل ساحة انخراط متبادل بين من يمشي ومن يصفق ومن يشاهد ومن يردد الهتاف. وقد أفادت التقارير بأن سكاناً اصطفوا على جانبي الطريق، وردوا على وصول مقدمة المسيرة بالتصفيق والهتاف، في صورة توحي بأن المدينة كلها شاركت بدرجات مختلفة في صياغة الحدث.
هذا التداخل بين المشاركين والمتابعين يكتسب دلالة خاصة إذا قارناه بثقافات إحياء الذكرى في أماكن أخرى، حيث تفصل الحواجز بين المنصة والجمهور، وبين الرسمي والشعبي، وبين الحدث ومكانه. في غوانغجو، بدا وكأن الشارع نفسه هو المنصة. وهذا عنصر بالغ الأهمية في فهم كيف تستبقي المجتمعات الحديثة ذاكرتها حية: ليس عبر التقديس الجامد، بل عبر إعادة استخدام الفضاء العام بوصفه حاملاً للمعنى. ومن منظور صحافي، فإن حضور ألفي مشارك في مسيرة من هذا النوع قبل يومين من موعد الذكرى الرسمية يوضح أن القضية لا تزال قادرة على تعبئة الناس خارج بروتوكول المناسبة، وأن استدعاء الماضي هنا مرتبط بسؤال الحاضر، لا بمراسم التأبين وحدها.
«روح مايو في الدستور»: لماذا لم يكن الهتاف مجرد شعار؟
أكثر العبارات حضوراً في المسيرة كانت، وفق ما تردد في الميدان، «هيا إلى مبنى المحافظة!» و«روح مايو في الدستور!». والعبارة الثانية تحديداً تستحق التوقف، لأنها تختصر ببلاغة شديدة طبيعة الجدل الذي لا يزال قائماً في كوريا حول الموقع الذي ينبغي أن تحتله تجربة غوانغجو في البنية الدستورية والرمزية للدولة. فالمقصود بـ«روح مايو» ليس ذكرى تاريخية وحسب، بل منظومة من القيم التي تشمل مقاومة الاستبداد، والتمسك بالكرامة، والدفاع عن الإرادة الشعبية، والتضامن الأهلي في زمن الخطر.
حين يطالب المتظاهرون أو المشاركون في الإحياء بإدراج «روح مايو» في الدستور، فهم يطالبون بتحويل المعنى الأخلاقي للحدث إلى مرجعية وطنية واضحة، بحيث لا تبقى غوانغجو مجرد مناسبة للتذكر، بل ركيزة معيارية في تعريف الجمهورية لنفسها. وهذا النقاش ليس غريباً على مجتمعات مرت بتجارب عنيفة أو انتقالات ديمقراطية؛ فكثيراً ما يظهر سؤال من نوع: كيف نضمن ألا يتحول الألم المؤسس إلى ذكرى احتفالية منزوعة المضمون؟ والإجابة غالباً تكون عبر تثبيت هذه الخبرات في النصوص، والمناهج، والرموز، والطقوس العامة.
أما الشعار الآخر، «هيا إلى مبنى المحافظة!»، فهو في السياق الكوري أكثر من نداء لتنظيم خط سير المسيرة. إنه إعادة استحضار للفضاء الذي ارتبط في انتفاضة 1980 بالمواجهة والاعتصام والتجمع الشعبي. وفي هذه الإعادة تكمن قوة الرموز المكانية: فبعض المدن تملك شوارع تتحول بمرور الزمن إلى أرشيف مفتوح، يكفي أن يذكر اسمها حتى تستيقظ طبقات من التاريخ. وللقارئ العربي الذي يعرف قيمة أسماء مثل الساحات الكبرى أو الشوارع التي ارتبطت بلحظات مفصلية في ذاكرة مدنه، يمكن فهم «غِمنام-رو» بهذه الطريقة: ليس مجرد عنوان بريدي، بل اسم يختزن تجربة كاملة.
واللافت أن هذه الشعارات لم تُردد بصفة فولكلورية، بل بدت جزءاً من لغة مدنية مستمرة. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن الديمقراطية في كوريا الجنوبية، على الرغم من رسوخ مؤسساتها مقارنة بعقود سابقة، لا تزال تُفهم بوصفها مشروعاً يحتاج إلى يقظة دائمة، لا إنجازاً نهائياً مغلقاً. ومن هنا يصبح استحضار غوانغجو في الشارع عملاً تربوياً وسياسياً معاً: فهو يُذكّر الأجيال الجديدة بأن الحقوق التي تبدو مستقرة اليوم دفعت أثماناً باهظة بالأمس.
من الطلاب إلى المارة: كيف تشارك المجتمع في صناعة الذكرى
من بين أهم ما ميز المسيرة اتساع القاعدة المشاركة فيها. فقد ضمت طلاباً ومواطنين وشخصيات من مجالات مختلفة، وهو ما يعكس أن 18 مايو لم تعد قضية تخص الناجين أو عائلات الضحايا أو النشطاء وحدهم، بل صارت جزءاً من الملكية الرمزية العامة للمجتمع الكوري. في لغة الصحافة، لا تكون المناسبة وطنية بحق إلا عندما تعبر الأجيال والطبقات والمؤسسات، وهذا ما بدا واضحاً في غوانغجو.
وجود الطلاب له دلالة خاصة. ففي كل مجتمع، يشكل انتقال الذاكرة بين الأجيال اختباراً حقيقياً لقدرة الأحداث الكبرى على البقاء حية. وإذا كانت الأجيال الأقدم تحمل الذكرى بوصفها تجربة معاشة، فإن الجيل الجديد يحملها بوصفها مسؤولية معرفية وأخلاقية. لذلك، فإن مشاركة الطلاب في مسيرة من هذا النوع تعني أن الحدث لم يُحبس داخل سياج الحنين، بل دخل دورة التوريث المدني. وهذه نقطة شديدة الأهمية في زمن تتكاثر فيه المعلومات بسرعة، بينما تتراجع قدرة المجتمعات أحياناً على صون سردياتها المركزية من التبسيط أو التسليع أو الإرهاق الرمزي.
المشهد الآخر الذي استوقف المتابعين هو تصفيق المواطنين على جانبي الطريق للمشاركين في المسيرة. قد يبدو التصفيق إيماءة صغيرة، لكنه في الحقيقة لغة سياسية واجتماعية شديدة الكثافة. فهو ليس خطاباً مطولاً، ولا بياناً حزبياً، لكنه إعلان واضح عن الاعتراف والمساندة والانتماء إلى المعنى ذاته. وفي المدن التي تحمل ذاكرتها في الشارع، يصبح التفاعل الجانبي جزءاً من بنية الحدث، لا هامشاً عليه. من يصفق لا يقل أهمية، في بعض اللحظات، عمن يهتف، لأن الاثنين معاً ينتجان شعوراً عاماً بأن القضية ما زالت مشتركة.
في هذا المعنى، بدت غوانغجو في يوم المسيرة كأنها تستعيد وظيفة المدينة بوصفها فضاءً مدنياً حقيقياً، لا مجرد تجمع عمراني. فالمدن الحية هي تلك التي لا تنسى علاقتها بالسياسة العامة، وبالتاريخ الأخلاقي لسكانها، وبقدرتها على تحويل الأرصفة والشوارع إلى أماكن ذات معنى. وهذا ما يفسر لماذا يظل الحديث عن غوانغجو متجاوزاً للسياق المحلي؛ فهي في المخيلة الكورية ليست مدينة إقليمية فحسب، بل أحد الأسماء المؤسسة لفكرة المواطنة الحديثة.
«جوموكباب» أو كرات الأرز باليد: طعام بسيط يحمل معنى التضامن
من أكثر التفاصيل إنسانية ورمزية في المسيرة قيام طلاب شاركوا في فعالية شعبية على شارع غِمنام-رو بتقديم «جوموكباب» للمشاركين. و«جوموكباب» هو طعام كوري بسيط يمكن ترجمته تقريباً إلى «كرات الأرز المعجونة باليد»، وهو اسم مشتق من كلمة تعني القبضة أو اليد المضمومة. في الثقافة الكورية، اكتسب هذا الطعام دلالة خاصة في سياق غوانغجو، لأنه يحيل إلى تقاليد المشاركة والتكافل الشعبي في أوقات الشدة، حين كانت الأسر والجيران والمتطوعون يتقاسمون الطعام في ظروف استثنائية.
بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن النظر إلى هذا المشهد كما ننظر نحن إلى دلالات الخبز أو الماء أو التمر أو أي طعام بسيط يتحول في أوقات الأزمات إلى لغة أخوة وتساند. فالأطعمة الشعبية في الذاكرة الجماعية ليست مجرد مواد تؤكل، بل علامات على اقتصاد التضامن حين تضيق الموارد وتتعاظم الحاجة إلى أن يشعر الناس بأنهم ليسوا وحدهم. وفي حالة غوانغجو، صار «جوموكباب» أشبه باستعارة عملية عن «روح مايو» نفسها: شيء بسيط، مصنوع باليد، لكنه يحمل أثراً أخلاقياً أكبر من حجمه بكثير.
أن يقدم الطلاب هذا الطعام للمشاركين اليوم يعني أن الذاكرة لا تنقل فقط عبر الكتب والشعارات، بل أيضاً عبر الممارسات الحسية التي تجعل الماضي قابلاً للمس والذوق والمشاركة. وهذا من أعمق أشكال التعليم المدني، لأنه يربط بين السرد والتجربة، وبين المعلومة والعاطفة. في مجتمعات كثيرة، تضيع المناسبات الوطنية حين تتحول إلى لغة احتفالية مجرّدة، لكن غوانغجو تبدو، في هذه التفاصيل، حريصة على أن تبقي ذاكرتها قريبة من الناس، من اليد والشارع والمائدة.
كما أن استعادة هذا الرمز الغذائي تعكس مفهوماً كورياً مهماً هو «روح الجماعة» أو ما يشار إليه أحياناً ضمنياً بروح التكاتف الأهلي، حيث لا يُنظر إلى التضامن بوصفه قيمة مثالية فقط، بل بوصفه سلوكاً عملياً يمكن تجسيده في أبسط الأفعال. لذلك، فإن مشهد توزيع «جوموكباب» ليس لقطة جانبية لطيفة، بل مفتاح لفهم كيف تنسج كوريا الجنوبية صلتها بتاريخها السياسي من خلال الثقافة اليومية أيضاً، لا من خلال الخطاب السياسي المجرد وحده.
لماذا تهم هذه القصة القارئ العربي اليوم؟
قد يتساءل البعض: ما الذي يجعل مسيرة في مدينة كورية حدثاً يستحق كل هذا الاهتمام عربياً؟ الجواب أن القصة تتجاوز حدودها الجغرافية، لأنها تمس سؤالاً عالمياً يتكرر في كل المجتمعات: كيف نمنع الذاكرة الديمقراطية من أن تتحول إلى تمثال صامت؟ وكيف نضمن أن تظل التضحيات القديمة جزءاً من نقاش الحاضر؟ في المنطقة العربية، حيث تختلط في الذاكرة العامة تجارب التحرر الوطني، والانتفاضات، والهزائم، ومحاولات الإصلاح، يعرف القراء جيداً أن المعركة لا تكون فقط على الحدث نفسه، بل على معناه بعد سنوات وعقود.
ومن هذه الزاوية، تقدم غوانغجو درساً لافتاً: أن إحياء الذكرى ليس ترفاً ثقافياً، بل أداة لصيانة الحس المدني. فحين يسير الناس في شارع ارتبط بتاريخ مؤلم، وحين يرددون شعارات تربط الماضي بالدستور، وحين يشارك الطلاب في حمل الرموز الغذائية للذاكرة، فإن المجتمع يكون في الواقع بصدد تجديد عقده مع نفسه. وهذه مسألة تهم أي جمهور يفكر في العلاقة بين التاريخ والهوية العامة، وبين المؤسسات والقيم، وبين الوطنية وحق النقد.
ثم إن فهم كوريا الجنوبية من خلال غوانغجو يضيف طبقة ضرورية إلى صورة البلد في المخيلة العربية. فخلف النجاح الاقتصادي الهائل، وخلف الموسيقى والدراما والألعاب الإلكترونية والجاذبية الثقافية التي نعرفها جميعاً، توجد أيضاً قصة مجتمع خاض معارك مع السلطة، وراكم خبرة في تحويل الجرح إلى وعي عام. ومن دون هذا الفهم، تبقى صورة كوريا مبتورة، أقرب إلى واجهة استهلاكية أنيقة من كونها تجربة تاريخية معقدة. لهذا السبب تحديداً، تبدو تغطية أحداث مثل هذه المسيرة جزءاً من تغطية الثقافة الكورية نفسها، لأن الثقافة ليست فقط ما يُنتج على الشاشات، بل أيضاً ما تحفظه المدن في ذاكرتها وتعيد تمثيله في الفضاء العام.
غوانغجو تقول إن الديمقراطية لا تُحفظ في الأرشيف وحده
الرسالة الأوضح التي خرجت من مسيرة غوانغجو هذا الأسبوع هي أن الديمقراطية، في الوعي الكوري الجنوبي، لا تُختزل في الانتخابات والمؤسسات وحدها، على أهميتهما، بل تحتاج أيضاً إلى ذاكرة عامة نشطة. فالوقائع التي بدت محددة وبسيطة في ظاهرها — انطلاق المسيرة من ساحة محطة غوانغجو، قطع 2.3 كيلومتر في المدينة، مشاركة نحو ألفي شخص، ترديد شعارات مثل «روح مايو في الدستور»، وتوزيع «جوموكباب» — تتجمع معاً لتقول شيئاً أكبر بكثير: إن المجتمع الكوري ما زال يعتبر 18 مايو قضية حية، لا ملفاً مغلقاً.
وفي زمن يتسارع فيه استهلاك الأخبار إلى حد التبخر، تحمل هذه الصورة قيمة خاصة. فالمجتمعات التي تنجح في الحفاظ على صلتها بأحداثها المؤسسة هي تلك التي تعرف كيف تعيد ترجمة التاريخ بلغة الحاضر. لا يكفي أن تقول للأجيال الجديدة إن الحرية ثمينة؛ يجب أن تراها تمشي في الشارع، وتسمعها في الهتاف، وتلمسها في الطعام الموزع باليد، وتقرأها في الإصرار على أن تُصان بالقانون وبالذاكرة معاً. وغوانغجو، بما فعلته هذا الأسبوع، قدّمت نموذجاً واضحاً لهذه الترجمة.
ربما لهذا السبب لا تبدو 18 مايو في كوريا مناسبة عابرة تُطوى بانتهاء يومها. إنها اختبار سنوي لمدى قدرة المجتمع على أن يبقي جرحه مصدراً للمعنى لا للانقسام، ومناسبة لقياس المسافة بين الوفاء للماضي والمسؤولية تجاه الحاضر. وفي ذلك كله، تظل غوانغجو مدينة تقول، بلغتها الخاصة، إن الديمقراطية لا تُصان في الأرشيف وحده، بل في الشارع أيضاً؛ في الطريق الذي يعود الناس إليه، مرة بعد أخرى، كي لا يتحول التاريخ إلى صمت.
0 تعليقات