광고환영

광고문의환영

رحيل ساتو آيكو عن 102 عام: الكاتبة اليابانية التي منحت الشيخوخة صوتًا ساخرًا وأعادت آسيا اكتشاف معنى العيش

رحيل ساتو آيكو عن 102 عام: الكاتبة اليابانية التي منحت الشيخوخة صوتًا ساخرًا وأعادت آسيا اكتشاف معنى العيش

خبر رحيل يتجاوز اليابان إلى القراء العرب

في خبر ثقافي يحمل أكثر من معنى، أُعلن في اليابان عن وفاة الكاتبة اليابانية ساتو آيكو عن عمر ناهز 102 عامًا، بعدما فارقت الحياة في 29 من الشهر الماضي داخل إحدى دور الرعاية في طوكيو، قبل أن تتناقل وسائل الإعلام اليابانية النبأ على نطاق واسع في 16 مايو/أيار 2026. وقد يبدو هذا الخبر، للوهلة الأولى، شأنًا يخص المشهد الأدبي الياباني وحده، غير أن التوقف عنده يكشف أنه يمسّ أسئلة أكبر بكثير: كيف يكتب الإنسان حتى آخر العمر؟ وكيف تتحول الشيخوخة من مرحلة انسحاب إلى مساحة قولٍ جريء؟ ولماذا عادت قارئة آسيا وقراؤها، ومن بينهم جمهور في كوريا الجنوبية ثم في فضاءات قراءة عربية مهتمة بآداب الشرق الأقصى، إلى الإنصات لصوت كاتبة تجاوزت المئة دون أن تفقد حدّة الملاحظة أو حرارة الحياة؟

في السنوات الأخيرة، لم يعد حضور الثقافة الكورية في العالم العربي مقتصرًا على الدراما والأغنية والطعام ومنتجات الجمال، بل امتد إلى فضاء أرحب من التلقي الثقافي الآسيوي، حيث صار القارئ العربي يتابع ما تنشره الصحافة الكورية عن الأدب الياباني، والسينما الصينية، والتحولات الاجتماعية في شرق آسيا. ومن هذا الباب تحديدًا يكتسب رحيل ساتو آيكو أهمية خاصة. فالقصة ليست مجرد نعي لكاتبة معمّرة، بل هي أيضًا حكاية إعادة اكتشاف متأخرة صنعها سوق الترجمة والنشر في شرق آسيا، ثم تلقفتها دوائر قراءة أوسع، لتصبح سيرة هذه الكاتبة مثالًا على أن الأدب لا يعترف كثيرًا بحدود الجغرافيا ولا بتراتبية الأعمار.

اللافت أن اسم ساتو آيكو لم يُستدعَ في سنواتها الأخيرة بوصفها “أسطورة قديمة” يجري الاحتفاء بها من باب الوفاء الرمزي فقط، وإنما بوصفها كاتبة ما زالت تقول شيئًا طازجًا عن العالم الراهن. وهذا فارق مهم. ففي ثقافتنا العربية أيضًا كثيرًا ما يُدفع بالكتّاب الكبار إلى خانة التوقير الصامت، فيُحتفى بهم كأسماء، لا كأصوات حيّة. أما ساتو آيكو، فقد بقيت حاضرة كصوت يزعج ويشاكس ويسخر ويرفض المجاملة. ومن هنا جاء وقع رحيلها مضاعفًا: لأن الغياب هنا لا يخص عمرًا طويلًا فحسب، بل يخص أيضًا لغة ظلّت، حتى آخر الطريق، تقاوم التكلّس.

كاتبة صنعت أدبها من الخسارات لا من الزينة

وُلدت ساتو آيكو في أوساكا عام 1923، في بيئة ليست بعيدة عن الأدب، إذ كانت ابنة روائي. لكن الانتماء العائلي إلى عالم الكتابة لم يكن وحده ما صنع تجربتها. على العكس، فإن ما سيمنح أعمالها ذلك الطابع القاسي والحي في آن، هو سلسلة من الانكسارات الشخصية والظروف المعيشية الصعبة التي عاشتها مبكرًا. تزوجت في سن العشرين، ثم فقدت زوجها بعدما أدت ظروف علاجه إلى إدمانه المورفين ووفاته. وبعد ذلك دخلت تجربة زواج ثانية من كاتب في مجلة أدبية، قبل أن تنتهي تلك العلاقة كذلك على وقع الفشل المالي والإفلاس، فتتكفل هي بسداد الديون ثم تمضي إلى الطلاق.

هذه التفاصيل ليست من باب الفضول في السيرة الخاصة، بل من صميم فهم مشروعها الأدبي. ففي العالم العربي نعرف جيدًا كيف تُنتج الشدائد لغة مختلفة. نقرأ ذلك عند كتّاب خرجوا من الهزائم الشخصية والحروب والفقر والاغتراب، فكتبوا من موقع التجربة لا من برج البلاغة. وساتو آيكو تنتمي إلى هذا النمط من الكتابة الذي لا يجمّل الحياة بقدر ما يعرّيها. لقد عرفت الخسارة والديون والارتباك العاطفي وثقل العيش، ثم نقلت ذلك كله إلى اللغة من دون عطور زائدة. لذلك بدا كثير من نصوصها أقرب إلى شهادة حياة منها إلى أداء أدبي متكلّف.

ولعل هذا ما يفسر سبب تعلق جمهور واسع بها في مراحل متأخرة من عمرها. فالقراء لا يذهبون دائمًا إلى الكاتب الذي يقدّم حكمًا جاهزة أو مواساتٍ ناعمة، بل إلى من يضع يده على الجرح كما هو. من هنا، لم تكن أهمية ساتو آيكو في أنها عاشت طويلًا فقط، بل في أنها عاشت طويلًا من دون أن تتحول كتابتها إلى خطبة أخلاقية أو مذكرات مترفة. لقد بقي في نصوصها شيء من خشونة الواقع، وشيء من السخرية التي لا تنفصل عن الوجع، وشيء من تلك الشجاعة النادرة في الاعتراف بأن الحياة ليست درسًا في الانسجام بقدر ما هي تمرين شاق على الاحتمال.

ومن يقرأ سيرتها يدرك أن الكتابة بالنسبة إليها لم تكن زينة مضافة إلى حياتها، بل كانت جزءًا من آلية النجاة نفسها. وهذا المعنى قريب جدًا من الحس العربي تجاه الأدب حين يكون ابن التجربة لا ابن الترف. فكما كان بعض كبار الكتّاب العرب يكتبون لأن الكتابة ملاذ وضرورة ومقاومة، لا مجرد مهنة، جاءت نصوص ساتو آيكو وكأنها تقول الشيء ذاته ولكن بلهجة يابانية شديدة الخصوصية: العيش ليس سهلًا، ولذلك يجب أن تُقال حقيقته بلا ستائر كثيرة.

كيف أصبحت الشيخوخة في كتابتها مساحة تمرّد؟

أكثر ما يلفت في مسيرة ساتو آيكو أن شهرتها الواسعة لم ترتبط فقط بإنجازاتها المبكرة أو بالجوائز التي نالتها في شبابها ونصف عمرها، بل ازداد صداها في التسعينيات من عمرها وبعدها. هذه مفارقة تستحق التأمل. فنحن نعيش في زمن يربط القيمة بالسرعة، والسطوع بالشباب، والتأثير بمنصات اللحظة. لكن هذه الكاتبة اليابانية قلبت المعادلة. فقد بدا أن تقدمها في السن لم يضعف صوتها، بل زاده صفاءً ومباشرة وقدرة على إثارة النقاش.

إحدى أبرز محطات هذا الحضور المتأخر تمثلت في كتابها الشهير الصادر عام 2016 بعنوان يمكن ترجمته إلى العربية على نحو قريب من: “تسعون عامًا، وما الذي يستحق التهاني أصلًا؟”. هذا العنوان وحده يكشف الكثير. فهو لا يحتفل بالشيخوخة من باب الخطاب التحفيزي السائد، ولا يتعامل مع طول العمر بوصفه نعمة يُمنع الاقتراب منها نقديًا، بل يضع الأمر كله تحت مجهر السخرية. وفي مجتمعاتنا العربية، كما في اليابان وكوريا، كثيرًا ما يُعامل المعمّرون بخطاب يمزج الاحترام بالتعليب العاطفي؛ كأن المطلوب منهم أن يجسدوا الحكمة الهادئة والرضا الكامل. ساتو آيكو رفضت هذه الصورة المريحة. لم تقدّم الشيخوخة على أنها فردوس التأمل، بل باعتبارها مرحلة فيها التعب والضيق والمزاج والحنين والحدة والرفض أيضًا.

هنا تحديدًا تكمن قوتها. لقد نزعت عن التقدم في السن ثوب الزخرفة الوعظية. لم تقل إن العمر الطويل مكافأة صافية، ولم تحول التجاعيد إلى استعارة رومانسية. قالت، بوضوح أقرب إلى الصدمة، إن الشيخوخة قد تكون مرهقة ومزعجة وقاسية، لكن الإنسان يعيشها على أي حال، ويواجهها لا بالتجميل اللفظي بل بالسخرية والعناد. وهذا ما جعل كتابها يحقق صدى واسعًا في اليابان، ثم يتسع أثره عبر الترجمة والأفلام والنقاشات الاجتماعية.

بالنسبة للقارئ العربي، تبدو هذه الجرأة مألوفة ومفاجئة في الوقت نفسه. مألوفة لأن تراثنا يعرف قيمة السخرية المُرّة في مواجهة نوائب الزمن، من المقامات إلى الأدب الحديث، ومفاجئة لأن الحديث عن الشيخوخة في المجال العام العربي غالبًا ما يبقى أسير التبجيل أو الشفقة أو النصائح الصحية. أما أن تأتي كاتبة في التسعين وما بعدها لتقول بصوت مرتفع إنها غير معنية بتجميل هذه المرحلة، فهذا ما يفتح بابًا مختلفًا للتفكير: هل يمكن للكبر أن يكون موقع مقاومة؟ هل يستطيع المسن أن يتكلم لا بوصفه رمزًا صامتًا، بل مواطنًا غاضبًا يرى العالم بعين ناقدة؟ ساتو آيكو أجابت بنعم، وكتبت هذه الإجابة بجمل قصيرة وحادة وملتصقة بالحياة اليومية.

من الجوائز إلى الشعبية المتأخرة: اسم كبر مع الزمن

على المستوى الأدبي، لم تكن ساتو آيكو اسمًا طارئًا في اليابان. فقد سبق لها أن نالت اعترافًا مهمًا في المشهد الأدبي منذ عقود، عندما فازت عام 1969 بجائزة ناؤوكي، وهي من أبرز الجوائز الأدبية اليابانية المخصصة للأعمال ذات الانتشار الواسع والقيمة السردية. غير أن ما جرى لاحقًا كان أكثر إثارة من أي تتويج رسمي: لقد تحوّلت الكاتبة، في مراحل متأخرة جدًا من حياتها، إلى ظاهرة قرائية تتجاوز الأوساط النخبوية.

وهذه النقطة شديدة الدلالة في زمننا. ففي كثير من الحالات، تأتي الشعبية الواسعة للكاتب في البدايات أو في ذروة حضوره الإعلامي، ثم تنحسر مع التقدم في العمر. أما ساتو آيكو فحدث معها العكس تقريبًا. صار اسمها يتردد أكثر لدى جمهور أوسع عندما كانت في التسعين، بل عندما تجاوزت المئة. وهذا لا يعني أن الناس قرأوها بدافع الفضول تجاه “كاتبة معمّرة”، بل لأنهم وجدوا في صوتها ما يلامس توتر العصر: السأم من الخطاب الجاهز، الضيق من الضجيج الاجتماعي، الشك في مثاليات “الحياة الناجحة”، والرغبة في سماع شخص يقول الأمور كما يراها لا كما يجب أن تُقال.

ومن العلامات الفارقة في مسارها أن أعمالها لم تبقَ حبيسة الكتب. ففي عام 2024 ظهر فيلم يحمل عنوانًا مستلهمًا من كتابها الأشهر عن التسعين، ما يؤكد أن لغتها تجاوزت الصفحة إلى الثقافة الشعبية الأوسع. حين ينتقل نص تأملي أو ساخر عن الشيخوخة إلى السينما، فهذا يعني أن القضية لم تعد تخص جمهور القراءة وحده، بل صارت جزءًا من المزاج الاجتماعي العام. بمعنى آخر، تحولت ساتو آيكو من كاتبة تعبّر عن نفسها إلى صوت يلتقط عصبية مجتمع يشيخ ويعيد التفكير في معنى العمر الطويل.

هذا التحول يجد صداه أيضًا في النقاشات العربية الجارية اليوم حول مجتمعات تتبدل بسرعة، وحول أجيال تكبر في ظل تحولات اقتصادية وتكنولوجية متلاحقة. صحيح أن السياق الياباني مختلف، وأن اليابان من أكثر دول العالم تقدمًا في متوسط الأعمار ونسب المسنين، لكن السؤال الإنساني مشترك: ماذا يعني أن يطول العمر بينما تتغير اللغة والقيم والإيقاع اليومي من حولك؟ وكيف يمكن للأدب أن يحوّل هذا السؤال من عبء شخصي إلى حوار عام؟

لماذا عادت كوريا لقراءتها؟ ولماذا يهم ذلك عربيًا؟

اللافت في قصة رحيل ساتو آيكو أن خبر وفاتها جاء في لحظة كانت فيها تُقرأ من جديد خارج اليابان، ولا سيما في كوريا الجنوبية، حيث أعيد تقديمها إلى جمهور جديد من خلال الترجمة. هذا الجانب بالغ الأهمية، لأنه يكشف كيف تعمل حركة النشر في شرق آسيا اليوم. فليست الثقافات هناك جزرًا منفصلة، بل فضاءً متشابكًا تتحرك فيه الكتب كما تتحرك الأفلام والمسلسلات والأفكار. وعندما يعيد السوق الكوري اكتشاف كاتبة يابانية في سن متأخرة، فإن الأمر لا يقتصر على مجاملة أدبية، بل يعكس حساسية اجتماعية وفكرية مشتركة تجاه قضايا الشيخوخة والحياة اليومية والضغط الاجتماعي.

في كوريا، كما في اليابان، توجد مجتمعات شديدة التنافس وسريعة الإيقاع، ويشعر أفرادها بثقل التوقعات العامة في العمل والنجاح والمظهر والعلاقات. ومن هنا بدا صوت ساتو آيكو، بصراحته غير المهذبة أحيانًا، صوتًا مضادًا لهذا الإيقاع المنهك. إنها تقول، ببساطة فظة أحيانًا، إن الحياة ليست مشروعًا مثاليًا، وإن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى ادعاء الاتزان الكامل أو الكفاءة المستمرة. هذا النوع من الكتابة يجد صدى واضحًا لدى القراء الذين أنهكتهم لغة التطوير الذاتي المتواصلة.

أما عربيًا، فإن متابعة هذه الظاهرة من نافذة الصحافة الكورية مهمة لأنها تُظهر جانبًا مختلفًا من “الموجة الكورية” كما يعرفها القارئ العربي. فالهاليو ليست فقط ما يصلنا من الدراما والبوب والثقافة الجماهيرية، بل أيضًا ما تتيحه من اهتمام أوسع بالمجال الثقافي الآسيوي وبالكتب التي تعبر الحدود عبر الترجمة والمراجعات والنقاشات. وحين تنقل الصحافة الكورية خبر رحيل كاتبة يابانية بهذا العمق، فإنها تذكرنا بأن المشهد الثقافي في شرق آسيا حي ومتشابك، وأن فهمه يتطلب النظر إلى ما وراء النجوم اللامعين نحو الكتّاب الذين يصوغون أسئلة المجتمع من الداخل.

ثم إن إعادة تقديم ساتو آيكو في كوريا الجنوبية تقول شيئًا بالغ الدلالة عن النشر نفسه: فبعض الكتّاب لا يصلون إلى قرّاء جدد إلا في مرحلة متأخرة من أعمارهم، وربما بعد أن تنضج اللحظة المناسبة لأفكارهم. هذه مسألة نعرفها جيدًا في العالم العربي أيضًا، حيث كثيرًا ما تُكتشف كتب بعد سنوات من صدورها لأن الزمن يصبح أخيرًا مهيّأ لسماعها. لذلك لا ينبغي النظر إلى هذا “العودة” على أنها مجرد صدفة تجارية، بل باعتبارها تلاقيًا بين نص قديم نسبيًا ومزاج اجتماعي جديد صار قادرًا على الإنصات إليه.

لغة جارحة ظاهريًا... لكنها تمسك بالحياة من طرفها الحقيقي

اقترنت صورة ساتو آيكو العامة بنبرة وُصفت مرارًا بأنها “لاذعة” أو “هجومية”. وقد ازدادت هذه الصورة رسوخًا حين ظهرت في برامج حوارية تلفزيونية في اليابان، واضطرت في مرحلة من حياتها إلى العمل من أجل سداد الديون، فاكتسبت لقبًا قريبًا من “آيكو الغاضبة”. لكن من الخطأ قراءة هذا الغضب بوصفه مجرد استعراض إعلامي. فالنبرة الحادة عندها كانت امتدادًا طبيعيًا لطريقتها في رؤية العالم: لا مجاملة في ما يخص الزيف الاجتماعي، ولا صبر طويل على الكلام المعلّب.

من أقوالها التي لفتت الانتباه تعليقها على التعلق المفرط بالهواتف الذكية، حين رأت أن العالم يسير نحو زمن يصبح فيه الناس أسرى هذه الأجهزة إلى حد يهدد تفكيرهم. كما علقت على ميل الفضاء الرقمي إلى تضخيم القضايا الصغيرة وإثارة العواصف حول كل تفصيل تافه. هذه الملاحظات قد تبدو قاسية، لكنها ليست بعيدة عمّا نعيشه عربيًا كل يوم: جدالات لا تنتهي على المنصات، انفعالات جماعية تتضخم خلال ساعات، وذاكرة عامة تُستنزف في التفاصيل بينما تضيع القضايا الأعمق.

ما فعلته ساتو آيكو أنها التقطت هذا الإرهاق الحديث بلغة مباشرة، من دون اصطلاحات أكاديمية أو تنظير ثقيل. وهنا تكمن جاذبيتها الكبيرة. فهي لم تكن مفكرة تكتب من برج فلسفي، بل امرأة عاشت كثيرًا ورأت كثيرًا وتجرأت على قول انزعاجها بصوت مسموع. لهذا بدت “قسوتها” في نظر كثير من القراء شكلًا من أشكال الصدق. وفي ثقافة عربية تعاني بدورها من فائض الخطابة والمواقف المعلبة، يمكن تفهم سبب اهتمام القراء بمثل هذا الصوت: لأنه يذكرهم بأن الصراحة، حتى حين توخز، قد تكون أرحم من المجاملة التي تُخفي الحقيقة.

وليس غريبًا، تبعًا لذلك، أن يُقرأ أدبها بوصفه أدب حياة يومية بقدر ما هو أدب موقف. فهي لم تكن تكتب عن القضايا الكبرى بمعزل عن المطبخ والزواج والمرض والمال والتعب والعلاقات المتعبة. وهذا بالضبط ما يمنح نصوصها ذلك الحس القريب من الناس. فالأدب، في نهاية المطاف، لا يعيش فقط في الأفكار العظمى، بل في التفاصيل التي تمسّ كرامة الإنسان ومزاجه وتعبه وسخريته من نفسه ومن العالم.

ما الذي يتركه رحيلها في زمن يعيد تعريف الكِبر؟

برحيل ساتو آيكو، لا تنتهي فقط سيرة كاتبة يابانية عاشت أكثر من قرن، بل يُطوى أيضًا فصل رمزي من فصول العلاقة بين الأدب والعمر. لقد أثبتت هذه الكاتبة أن الشيخوخة ليست بالضرورة منطقة صمت، وأن التقدم في السن لا يعني التحول إلى أثر جميل محفوظ في المتحف. بالعكس، قد يصبح العمر الطويل فرصة لتكثيف الرؤية وإزالة الزوائد والحديث من قلب التجربة لا من هوامشها.

هذه الرسالة بالغة الأهمية في عالم عربي يميل، في أحيان كثيرة، إلى التعامل مع الكبار سنًا بين طرفي نقيض: إما التبجيل المجرد الذي يمنع الحوار معهم بوصفهم بشرًا لهم تناقضاتهم، وإما التهميش العملي الذي يدفعهم خارج المجال العام. وساتو آيكو، في مسيرتها وكتابتها وصورتها العامة، تقدم نموذجًا ثالثًا: كبير السن بوصفه فاعلًا في النقاش، وصاحب مزاج ورأي ونزق وانتقاد، لا مجرد رمز يُوضع على الرف. وربما لهذا السبب بالتحديد يجد فيها كثير من القراء ما يحرر صورة الشيخوخة من القوالب الجاهزة.

كما يذكّرنا رحيلها بأن الترجمة ليست نشاطًا ثانويًا في الثقافة، بل أداة لإعادة توزيع الحياة بين اللغات. فلولا الترجمات المتأخرة، وما صنعته من عبور جديد لأعمالها إلى أسواق قرائية أخرى، لربما بقي اسمها في أذهان كثيرين محصورًا في سياق ياباني خاص. لكن ما جرى يثبت أن الأدب يمكن أن يولد مرة أخرى حين يجد لغة جديدة وقرّاءً جددا. وهذا درس يهمنا عربيًا أيضًا: فكم من أصوات آسيوية وأفريقية ولاتينية ما زالت تنتظر ترجمة جيدة لتصبح جزءًا من وعينا الثقافي اليومي؟

في النهاية، قد لا تكون أهمية ساتو آيكو في أنها كتبت عن الشيخوخة فقط، بل في أنها كتبت ضد الصورة السهلة عنها. لم تُحوّل الكبر إلى موعظة، ولم تجعل الألم وسامًا، ولم تعامل الحياة بوصفها قصة انتصار نظيف. كانت تعرف أن العيش خليط من الخسارة والتهكم والضجر والعناد، وربما شيء من الشجاعة المتأخرة. لذلك فإن خبر رحيلها لا يُقرأ باعتباره نهاية اسم أدبي فحسب، بل باعتباره مناسبة للتفكير في الأدب الذي يبقى قادرًا على ملامسة الناس حتى وهو يتحدث من عمر يتجاوز المئة. تلك قدرة نادرة، وتلك أيضًا واحدة من العلامات الفارقة لكتابة لا تخاف من أن تقول: إن الحياة، مهما تعبت، تستحق أن تُروى بصدق.

وللقارئ العربي الذي يتابع تحولات الثقافة في شرق آسيا، تبدو قصة ساتو آيكو تذكيرًا ثمينًا بأن أكثر الأصوات تأثيرًا ليست دائمًا تلك الآتية من مركز الضجيج، بل تلك التي تصمد طويلًا، ثم تعثر عليها الأجيال الجديدة حين تصبح مستعدة لفهمها. وبين اليابان التي ودّعت كاتبتها، وكوريا التي أعادت قراءتها، وقارئ عربي يبحث في هذه القصة عن معنى إنساني يتجاوز الحدود، تظل ساتو آيكو مثالًا على أن الكلمة الصادقة قد تتأخر في الوصول، لكنها حين تصل تترك أثرًا يصعب محوه.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات