광고환영

광고문의환영

حين يدخل الفن إلى المستشفى: ماذا تكشف مبادرة المركز الوطني الكوري للسرطان عن مستقبل الرعاية الإنسانية عربياً؟

حين يدخل الفن إلى المستشفى: ماذا تكشف مبادرة المركز الوطني الكوري للسرطان عن مستقبل الرعاية الإنسانية عربياً؟

صورة للمساعدة في فهم المقال

الفن في ممرات العلاج: خبر كوري يتجاوز المناسبة

في كوريا الجنوبية، اختار المركز الوطني للسرطان في مدينة غويانغ أن يحتفل بمرور 25 عاماً على افتتاحه بطريقة لا تشبه الاحتفالات المؤسسية التقليدية. فبدلاً من الاكتفاء بخطابات رسمية أو استعراض إنجازات طبية وإدارية، فتح المؤسسة أبواب طابقين من مبناها الرئيسي أمام معرض خاص بعنوان «نزهة» أو «المشي المتأمل»، في إشارة واضحة إلى أن الرعاية الصحية لا تُختصر في الأجهزة والأدوية، بل تشمل أيضاً الطريقة التي يعيش بها الإنسان تجربة المرض داخل المكان العلاجي. هذا القرار، في دلالته الثقافية، أهم من كونه مجرد فعالية فنية عابرة.

المعرض، كما عُرضت تفاصيله في التغطية الكورية، لم يُبنَ على فكرة مشاهدة لوحات معلقة على الجدران فحسب، بل صُمم كمسار يستغرق نحو ساعة، يتنقل فيه الزوار كما لو أنهم في نزهة داخل المستشفى. يبدأ البرنامج بتقديم فكرة المعرض، ثم ينتقل إلى حوار مع الفنانين، وبعده فقرة تحكي قصص المتبرعين عبر ما سُمّي «جدار المانحين»، ثم برنامج إرشادي يشرح الأعمال. هذا الربط بين العمل الفني، وسيرة المتبرع، وحركة الزائر داخل المكان، يمنح التجربة معنى أوسع: المستشفى هنا لا يظهر كموقع للتشخيص والعلاج فقط، بل كفضاء تتقاطع فيه القصص الإنسانية.

الأهم أن المؤسسة الكورية كانت حريصة على توضيح نقطة جوهرية: كلمة «الشفاء» الواردة في عنوان المعرض لا تعني أن الفن بديل عن الطب، ولا أن المعرض يقدم علاجاً مثبتاً لمرضى السرطان. هذا التوضيح بالغ الأهمية، خصوصاً في زمن تتسع فيه اللغة التسويقية حول الصحة والعافية، ويختلط فيه أحياناً الدعم النفسي أو الثقافي بادعاءات غير علمية. ما يطرحه المركز الوطني الكوري للسرطان أقرب إلى فكرة «الاحتواء الإنساني» داخل الفضاء العلاجي، لا إلى أي ادعاء علاجي خارج الأطر الطبية المعروفة.

من هنا، فإن الخبر الكوري لا ينبغي قراءته كخبر محلي يخص مؤسسة صحية بعينها، بل كإشارة إلى تحوّل أوسع في فلسفة الرعاية: كيف يمكن للمستشفى، من دون أن يتخلى عن دوره الطبي الصارم، أن يصبح أكثر إنسانية، وأكثر وعياً بأثر المكان على المريض وعائلته والعاملين فيه؟ هذا السؤال يهم القارئ العربي أيضاً، لأن أنظمتنا الصحية، على اختلاف مستوياتها، تواجه التحدي نفسه: كيف نعالج الإنسان من دون أن نُغفل تجربته الإنسانية أثناء العلاج؟

ما الذي تغيّر في كوريا؟ من إنجاز المؤسسة إلى تجربة الإنسان

لو أُعيدت قراءة هذه المبادرة في سياقها الأوسع، فسنجد أن أهم ما فيها ليس المعرض بحد ذاته، بل الزاوية التي اختارتها المؤسسة للاحتفال بذكراها الخامسة والعشرين. المؤسسات الكبرى، خصوصاً في القطاع الصحي، تميل عادة إلى خطاب الأرقام: عدد المرضى، نسب الإنجاز، التوسعات، الأجهزة الحديثة، التصنيفات والاعتمادات. وهذه كلها عناصر مهمة بلا شك. لكن المركز الوطني الكوري للسرطان بدا وكأنه يقول إن مرور ربع قرن لا يُقاس فقط بما بُني من مبانٍ وما تحقق من خدمات، بل أيضاً بما تراكم من قصص بشرية داخل هذه المساحة.

هنا يبرز معنى «النزهة» كعنوان. فالنزهة ليست سباقاً، وليست استهلاكاً سريعاً للمشهد، بل فعل بطيء يسمح بالتأمل والتوقف والانتباه. اختيار هذا العنوان في بيئة علاجية يرمز إلى إعادة النظر في إيقاع المستشفى نفسه. فالمريض في العادة يعيش داخل المستشفى على إيقاع الانتظار، والفحص، والنتائج، والقلق، والتنقل بين العيادات. عندما تُضاف إلى هذا الإيقاع تجربة فنية هادئة، فإن المؤسسة لا تغيّر طبيعة العلاج، لكنها تغيّر قليلاً من طبيعة العبور النفسي داخل المكان.

اللافت أيضاً أن المعرض أُقيم في الطابقين الأول والثاني من المبنى الرئيسي، أي في فضاءات يومية يمر بها المرضى والمرافقون والموظفون. هذه نقطة تحمل دلالة حضرية وثقافية في آن واحد. فبدلاً من حصر الفن في قاعة منفصلة أو متحف مستقل يحتاج إلى نية مسبقة للزيارة، جرى إدخاله إلى المسار الطبيعي لحياة المستشفى. وهذا يعكس فهماً حديثاً لدور الثقافة العامة: أن تكون حاضرة في حياة الناس حيث هم، لا في فضاءات نخبوية منفصلة عنهم.

كما أن إدخال قصص المتبرعين ضمن التجربة يوسع المعنى أكثر. فالمؤسسة لم تروِ تاريخها عبر الخرسانة والإدارة فقط، بل عبر الأشخاص الذين دعموها وارتبطوا بها. في الثقافة الكورية، كما في ثقافات أخرى، تلعب الجماعة والروابط الاجتماعية دوراً مهماً في تشكيل معنى المؤسسات العامة. وعندما تُوضع قصص المانحين إلى جانب شرح الأعمال الفنية وحوار الفنانين، يصبح تاريخ المستشفى شبكة من العلاقات لا مجرد خط زمني إداري. وهذا ما يجعل المبادرة أقرب إلى «أرشفة وجدانية» للمكان، لا إلى احتفال رسمي محدود الأثر.

بين الطب والفن: لماذا يجب الفصل بين الدعم الإنساني والادعاء العلاجي؟

في العالم العربي، كما في كثير من مناطق العالم، يزداد الحديث عن الصحة النفسية وجودة الحياة والبيئات العلاجية الداعمة. لكن هذا الاتساع في الاهتمام يرافقه أحياناً خلط مربك بين ما هو مثبت طبياً وما هو مساعد نفسياً أو اجتماعياً. من هنا، يبدو مفيداً التوقف عند الطريقة التي قُدم بها المعرض الكوري: المؤسسة لم تدّع أن الأعمال الفنية تعالج السرطان، ولم تعرض مبادرتها كبديل من الطب أو كوسيلة ذات فاعلية سريرية مثبتة في حد ذاتها. لقد وضعت حدوداً واضحة بين الطب بوصفه علاجاً، والفن بوصفه مساحة تعاطف وتخفيف واحتواء.

هذا التمييز ليس تفصيلاً لغوياً. إنه شرط مهني وأخلاقي. فحين يواجه المريض تشخيصاً معقداً مثل السرطان، يكون في موقع هش، وقد يصبح أكثر عرضة للتعلق بأي خطاب يعده بالراحة أو الأمل. ولذلك فإن مسؤولية المؤسسة الطبية مضاعفة: أن تحافظ على الدقة العلمية، وفي الوقت نفسه ألا تُهمل البعد الإنساني. المعرض الكوري يبدو، وفق المعطيات المتاحة، محاولة لضبط هذا التوازن. هو لا يتحدث عن «معجزة»، ولا يروّج لوصفة بديلة، بل يقول ببساطة إن المستشفى يمكن أن يكون مكاناً يسمع فيه الناس بعضهم بعضاً ويرون ما يتجاوز جدران العلاج الصارمة.

في هذا السياق، يمكن فهم الفن هنا بوصفه «أداة معنى» لا «أداة علاج». فالمريض، والمرافق، والطبيب، والممرض، والموظف الإداري، كلهم يعيشون في المستشفى مستويات مختلفة من الضغط والانفعال والترقب. وجود مساحة تسمح بالتأمل، أو بسماع قصة متبرع، أو بالاستماع إلى فنان يشرح عمله، لا يمحو الألم، لكنه قد يعيد ترتيب الشعور داخل المكان. في ثقافتنا العربية نعرف قيمة الكلمة الطيبة والمجلس الهادئ والإنصات والتواسي، وهذه كلها ليست علاجاً دوائياً، لكنها عناصر مؤثرة في التجربة الإنسانية حول المرض.

ولهذا بالذات، فإن قراءة التجربة الكورية ينبغي أن تبتعد عن ثنائية زائفة: إما الطب وحده وإما الفن وحده. الأصح هو أن الطب يبقى المرجعية العلاجية، بينما يمكن للثقافة أن تساند التجربة الإنسانية من حوله. هذه المقاربة، إذا نُقلت إلى النقاش العربي، قد تساعد على تطوير فهم أكثر نضجاً لما يسمى «البيئات العلاجية المراعية للإنسان»، من دون الوقوع في فخ التسويق الصحي الفضفاض أو الوعود غير الدقيقة.

المستشفى كفضاء اجتماعي: لماذا يهم هذا التحول للمدن العربية؟

الخبر الكوري يفتح باباً أوسع من موضوع المعرض نفسه، وهو سؤال تصميم الفضاءات العامة داخل المؤسسات الصحية. ففي كثير من المدن العربية، ما زال المستشفى يُفهم بوصفه مكاناً وظيفياً بحتاً: عيادات، مواعيد، انتظار، بوابات، ممرات، وإجراءات. وهذه الوظيفة أساسية بالطبع، لكن الاقتصار عليها يصنع أحياناً بيئة باردة ومرهقة، خصوصاً للمرضى الذين يراجعون بصورة متكررة، ولعائلاتهم التي تقضي ساعات طويلة في الانتظار، وللعاملين أنفسهم الذين يعملون تحت ضغط مستمر.

ما تقترحه المبادرة الكورية هو توسيع نظرتنا إلى المستشفى باعتباره أيضاً مكان إقامة مؤقتة للمشاعر والقصص. ليس المطلوب تحويله إلى صالة عرض بالمعنى التجاري، بل الاعتراف بأن الناس لا يدخلون هذه الأماكن بأجسادهم فقط، بل بقلقهم وأملهم وخوفهم وذاكرتهم أيضاً. وعندما يُعاد تنظيم بعض المساحات اليومية لتحتضن تجربة ثقافية أو جمالية أو تفاعلية، فإن المؤسسة تقول ضمنياً إنها ترى الإنسان كاملاً، لا ملفه الطبي وحده.

في المدن العربية التي تستثمر اليوم في تحديث القطاع الصحي، يمكن لهذا المنظور أن يصبح جزءاً من النقاش حول جودة الخدمات. فالجودة لا تعني التكنولوجيا المتقدمة فقط، بل تشمل كذلك تجربة المستخدم داخل المؤسسة. هذا أمر بات مهماً خصوصاً مع اتساع المنافسة بين المستشفيات الخاصة، وتزايد مشاريع التحديث في المستشفيات الحكومية، وارتفاع وعي المجتمعات بأهمية الصحة النفسية والدعم الاجتماعي. التجربة الكورية لا تقدم نموذجاً جاهزاً للاستنساخ، لكنها تقدم فكرة قابلة للتفكير: كيف نعيد توزيع الثقافة داخل الأماكن التي تبدو للوهلة الأولى تقنية وخالية من العاطفة؟

ولعل ما يجعل هذه الفكرة أقرب إلى واقعنا أن الثقافة العربية نفسها، تاريخياً، لم تكن تفصل بين المعرفة والجمال والمواساة فصلاً حاداً. في تراثنا الطبي والأدبي نجد حضوراً لمفهوم السكينة والرفق والأنسنة، حتى إن لغة الرعاية في الثقافة العربية والإسلامية الكلاسيكية لم تكن تقتصر على الإجراء، بل تشمل الرحمة واللطف وحسن المصاحبة. من هنا، فإن إدخال عناصر فنية أو سردية إلى بيئات العلاج لا يبدو غريباً عن حساسية عربية أعمق، بل ربما يعيد صياغتها بلغة مؤسسية حديثة.

ماذا يعني ذلك للسعودية؟ سوق الصحة والثقافة والعلاقة المتنامية مع كوريا

إذا قرأنا هذه المبادرة من زاوية سعودية، فإن أهميتها تتجاوز خبر المعرض إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل القطاع الصحي والثقافي في المملكة. السعودية تعيش منذ سنوات مرحلة إعادة تشكيل واسعة للمشهدين الصحي والثقافي، مع استثمارات كبيرة في البنية التحتية الطبية، واهتمام متصاعد بجودة الحياة، وتوسع واضح في البرامج الثقافية والفعاليات العامة. وفي هذا السياق، تبدو التجربة الكورية لافتة لأنها تربط بين قطاعين غالباً ما يُنظر إليهما منفصلين: الرعاية الصحية من جهة، والثقافة من جهة أخرى.

العلاقة بين السعودية وكوريا الجنوبية ليست جديدة، وهي تقوم على تعاون اقتصادي وتقني وصناعي معروف، فيما يزداد أيضاً الحضور الكوري في الوعي الثقافي لدى الجمهور السعودي والعربي، سواء عبر الدراما الكورية أو الموسيقى أو منتجات التجميل أو الاهتمام بالمطبخ والثقافة اليومية. لكن ما يلفت هنا هو انتقال الانتباه من «المنتج الثقافي الترفيهي» إلى «الفكرة المؤسسية» الآتية من كوريا: كيف يمكن لمؤسسة عامة كبيرة أن تستخدم الثقافة لتلطيف تجربة الناس من دون أن تتخلى عن صرامتها المهنية؟

بالنسبة للسوق السعودية، يفتح ذلك مجالاً للتفكير في مسارات تعاون لا تقتصر على استيراد التكنولوجيا الطبية أو تبادل الخبرات السريرية، بل تشمل أيضاً تصميم البرامج المساندة للمرضى داخل المستشفيات، وإدارة الفضاءات العامة، والشراكات بين المؤسسات الصحية والجهات الثقافية. لا يعني هذا وجود مسار جاهز أو مشروع محدد انطلاقاً من الخبر الكوري وحده، لكن المؤشرات العامة في المملكة تجعل الفكرة ذات صلة: هناك جمهور أكثر انفتاحاً على التجارب الثقافية، وهناك مؤسسات صحية تتوسع، وهناك اهتمام رسمي ومجتمعي بتحسين تجربة الإنسان داخل المرافق العامة.

أما على مستوى الجمهور، فإن القارئ السعودي والعربي الذي تابع الموجة الكورية غالباً عبر الدراما والبوب الكوري، يجد هنا وجهاً مختلفاً من كوريا: ليس فقط بلد الترفيه والتكنولوجيا، بل أيضاً بلد يحاول تطوير حساسية مؤسسية تجاه المرضى والعائلات والعاملين. وهذا قد يهم صناع القرار كما يهم الجمهور، لأن صورة الدول اليوم لا تُبنى عبر صادراتها الفنية والاستهلاكية فقط، بل أيضاً عبر الأفكار التي تقدمها في إدارة الإنسان داخل مؤسساتها. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المبادرة كجزء من «القوة الناعمة العملية» لكوريا الجنوبية: نموذج صغير لكنه معبر عن طريقة تفكير.

كما أن الشركات والجهات السعودية العاملة في مجالات التصميم الداخلي، وإدارة التجربة، والاستشارات الصحية، والقطاع غير الربحي، قد تجد في مثل هذه التجارب مادة للتأمل. فالمسألة لا تتطلب بالضرورة مشاريع ضخمة بقدر ما تتطلب تصوراً مختلفاً لوظيفة المكان. وإذا كانت السعودية تسير في مسار تحديث يتقاطع فيه الاقتصاد مع الثقافة مع جودة الحياة، فإن السؤال الذي يطرحه الخبر الكوري يصبح سؤالاً محلياً أيضاً: كيف نجعل المؤسسات الكبرى أكثر إنسانية من دون أن نفقدها كفاءتها؟

من حدث عابر إلى اتجاه أوسع: هل تتجه المستشفيات إلى لغة جديدة؟

من السهل التعامل مع المعرض الكوري بوصفه فعالية مرتبطة بذكرى تأسيسية، ثم الانتقال إلى خبر آخر. لكن الأجدى صحافياً هو النظر إليه كجزء من اتجاه أوسع في كيفية تقديم المؤسسات العامة لنفسها. فالمركز الوطني الكوري للسرطان لم يكتفِ بالمعرض الحالي، بل أشار إلى نية مواصلة برامج عرض تشاركية يشارك فيها المرضى وأفراد العائلات والموظفون، إلى جانب تخصيص مساحات لفنانين محليين من المجتمع المحيط. إذا استمر هذا المسار، فنحن لا نكون أمام احتفال لمرة واحدة، بل أمام محاولة لبناء برنامج ثقافي متصل داخل مؤسسة طبية.

هذا التحول مهم لأنه ينقل مركز الثقل من «الفعالية» إلى «الاستدامة». كثير من المؤسسات في العالم العربي وخارجه تنظم أحداثاً ثقافية جميلة، لكن أثرها يبقى محدوداً إذا لم تتحول إلى سياسة أو ممارسة متكررة. الاستدامة هنا لا تعني فقط تكرار المعارض، بل بناء قناعة بأن المؤسسة الصحية ليست معنية بالعلاج الإجرائي وحده، بل أيضاً بطريقة استضافة الإنسان داخل مراحل ضعفه وهشاشته. وإذا نجحت التجربة الكورية في ذلك، فإن قيمتها ستكون أكبر من إطارها المحلي.

كما أن إشراك المرضى والعائلات والموظفين يحمل معنى ديمقراطياً داخل الفضاء المؤسسي. فالمعروضات في هذه الحالة لا تأتي من «خبير» يتحدث إلى جمهور سلبي فقط، بل من أشخاص عاشوا التجربة أو رافقوها أو عملوا في قلبها. وهذا يخلق سردية أكثر تعددية عن معنى المرض والعلاج والرعاية. في البيئات العربية، حيث ما زالت بعض المؤسسات تحافظ على مسافة كبيرة بينها وبين الجمهور، قد يكون هذا الدرس مهماً: أحياناً لا تحتاج المؤسسة إلى خطاب أعلى صوتاً، بل إلى أذن أكثر إنصاتاً.

وما ينبغي مراقبته مستقبلاً هو ما إذا كانت مثل هذه المبادرات ستظل هامشية مرتبطة بالعلاقات العامة، أم ستدخل فعلاً في صلب سياسات المستشفيات العامة والخاصة. فهناك فرق بين تعليق لوحات لتجميل المكان، وبين بناء برنامج يجعل الفن والسرد والتفاعل جزءاً من التجربة اليومية للمرضى والعاملين والزوار. المبادرة الكورية، بحسب المعلومات المتاحة، تميل إلى الخيار الثاني، أو على الأقل تحاول الاقتراب منه.

الدروس العربية الممكنة: كيف نستفيد من الفكرة من دون استنساخها؟

الاستفادة العربية من هذه التجربة لا تعني نسخها حرفياً، فلكل بلد بنية صحية وثقافية ومالية مختلفة. لكن يمكن استخلاص عدة مبادئ عامة. أولها أن المستشفى ليس مجرد آلة علاجية، بل بيئة حياة مؤقتة لكثير من الناس. ثانيها أن الثقافة، حين تُدار بمهنية واحترام للحدود العلمية، تستطيع أن تدعم الإحساس بالكرامة والهدوء والانتماء داخل هذه البيئة. ثالثها أن القصص الشخصية، سواء كانت لمرضى أو عائلات أو مانحين أو عاملين، يمكن أن تصبح جزءاً من ذاكرة المؤسسة وهويتها العامة.

في العالم العربي، حيث تتنامى النقاشات حول الصحة العامة والرفاه وجودة الحياة، تبدو هذه المبادئ قابلة للتطوير داخل صيغ متعددة: معارض فنية بسيطة في مسارات الانتظار، برامج قراءة وسرد، مساحات استماع، شراكات مع فنانين محليين، أو مبادرات توثيقية تعيد الاعتبار لتجارب المرضى والعاملين. لكن الشرط الأساسي يظل قائماً: ألا تُسوَّق هذه المبادرات بوصفها علاجاً بديلاً، بل بوصفها جزءاً من بيئة أكثر إنسانية ورفقاً.

وربما تكمن قوة الخبر الكوري في بساطته. فهو لا يتحدث عن اختراع طبي مذهل، ولا عن استثمار بمليارات، بل عن إعادة استخدام المساحة والوقت والعلاقة بين الناس داخل مؤسسة قائمة. في عالمنا العربي، حيث تُقاس النجاحات أحياناً بحجم المباني والصفقات وحدها، يذكّرنا هذا النوع من الأخبار بأن بعض التحولات المهمة تبدأ من سؤال مختلف تماماً: كيف يشعر الإنسان وهو يعبر هذا المكان؟

لذلك، فإن «نزهة» المركز الوطني الكوري للسرطان ليست مجرد معرض في مستشفى، بل اقتراح أخلاقي وثقافي حول معنى الرعاية نفسها. وإذا كان الطب يعالج الجسد بأدواته، فإن الثقافة يمكن أن تساعد المؤسسة على ألا تنسى أن داخل كل ملف طبي إنساناً له قصة، وعائلة، وذاكرة، وحاجة إلى أن يُرى ويُسمع باحترام. هذا هو الدرس الأهم، وهو درس يهم سيول كما يهم الرياض، ويهم كوريا كما يهم العالم العربي كله.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات