광고환영

광고문의환영

بوسان تستعيد أن سونغ-كي كما أراد أن يُتذكَّر: لماذا يهم هذا الحدث عشّاق السينما الكورية في العالم العربي؟

بوسان تستعيد أن سونغ-كي كما أراد أن يُتذكَّر: لماذا يهم هذا الحدث عشّاق السينما الكورية في العالم العربي؟

صورة للمساعدة في فهم المقال

تحية هادئة لاسم كبير في السينما الكورية

في زمنٍ تميل فيه المهرجانات السينمائية إلى المبالغة في صناعة الحدث، اختار مهرجان بوسان الدولي للسينما هذا العام طريقًا أكثر هدوءًا وعمقًا: إعادة تقديم الممثل الكوري الراحل أن سونغ-كي عبر ستة أفلام كان هو نفسه قد أوصى بها قبل رحيله. هنا تكمن القيمة الحقيقية للبرنامج الخاص الذي يحمل عنوان «الأزمنة الجميلة، أن سونغ-كي». فالمسألة ليست مجرد استعادة اسم كبير أو ترتيب أمسية وفاء لواحد من أبرز وجوه الشاشة الكورية، بل هي محاولة لقراءة تاريخ ممثل من داخل اختياراته هو، لا من خلال القوائم الجاهزة التي عادة ما تضعها المؤسسات أو النقاد بعد الوفاة.

هذا الفارق يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يغيّر طبيعة النظر إلى التجربة كلها. عندما يختار الفنان بنفسه الأعمال التي يريد أن يعود بها إلى الجمهور، فإننا لا نكون أمام «أشهر أفلامه» فقط، بل أمام نوع من السيرة الذاتية غير المكتوبة. كأن الممثل يقول للمشاهدين: إذا أردتم أن تتذكروني، فتذكروني من هنا، من هذه المحطات، من هذه الوجوه، من هذه العلاقة المعقدة بين الأدوار والزمن والتحولات التي عرفتها السينما الكورية.

بحسب ما أعلنه المهرجان بالتعاون مع الأرشيف الكوري للأفلام، فإن البرنامج سيُقام ضمن دورة المهرجان التي تنطلق في السادس من أكتوبر، ويضم ستة أفلام تمتد من عام 1980 إلى عام 1996: «يوم جميل تهب فيه الريح»، «صيد الحيتان»، «تشيل-سو ومان-سو»، «المهرج»، «الحرب البيضاء»، و«الاحتفال». وبمجرد تأمل التواريخ والأسماء، يتضح أننا لسنا أمام حزمة أفلام أُختيرت فقط لأنها ناجحة جماهيريًا أو لأنها تمثل «قمة النجومية»، بل أمام مسار يمتد ستة عشر عامًا، ويجمع بين مخرجين متنوعين وتجارب متباينة، ويكشف كيف تشكّل حضور أن سونغ-كي في قلب التحولات الكبرى للسينما الكورية الحديثة.

بالنسبة للقارئ العربي، قد لا يكون اسم أن سونغ-كي متداولًا على نطاق واسع كما هي الحال مع نجوم الدراما الكورية المعاصرين أو أبطال أفلام الإثارة التي غزت المنصات خلال الأعوام الأخيرة. لكن في كوريا الجنوبية، نتحدث عن قامة فنية تُشبه في رمزيتها ما تمثله أسماء من وزن نور الشريف أو أحمد زكي أو عزت العلايلي في الذاكرة العربية: ممثل يملك حضور النجم، لكنه في الوقت نفسه ابنُ لحظة ثقافية أوسع، تتجاوز الشباك والنجومية إلى سؤال المجتمع والمرحلة والتاريخ.

حين يختار الممثل أرشيفه بنفسه

أهم ما يميز هذه اللفتة من مهرجان بوسان ليس عدد الأفلام، بل هوية من اختارها. في الثقافة السينمائية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالتكريمات بعد الوفاة، كثيرًا ما تتحول الاستعادات إلى صيغ محفوظة: فيلم أو اثنان من الأعمال الأشهر، بعض الصور، شهادات متفرقة، ثم خطاب عاطفي عن «المسيرة الكبيرة». أما هنا، فالمهرجان يمنح الأولوية لما يمكن وصفه بـ«الوصية الجمالية» للممثل نفسه. هذه النقطة تمنح البرنامج طابعًا إنسانيًا ومهنيًا في آن واحد.

أن يختار أن سونغ-كي هذه العناوين تحديدًا يعني أن المشاهد لن يرى فقط الوجه الذي رسخته الذاكرة العامة، بل الوجه الذي رآه صاحبه جديرًا بإعادة الاكتشاف. وقد يكون من اللافت أن القائمة لا تنحاز إلى مخرج واحد ولا إلى مرحلة واحدة. على العكس، هي تتوزع على ستة مخرجين مختلفين، من بينهم لي جانغ-هو، باي تشانغ-هو، بارك كوانغ-سو، لي ميونغ-سي، جونغ جي-يونغ، وإيم كوون-تيك. هذا التنوع في حد ذاته رسالة: الممثل لا يريد أن يُختصر في صورة واحدة، ولا في شراكة فنية واحدة، ولا في أداء يُعرَّف بوصفه «الأيقوني» وحده.

في الصحافة الثقافية العربية، كثيرًا ما نشتكي من أن الذاكرة الفنية تُختزل في اللقطات السهلة: مشهد شهير، عبارة دارجة، أو نجاح تجاري طاغٍ. ما يفعله بوسان هنا هو العكس تمامًا. إنه يقدّم نموذجًا أكثر نضجًا في التعامل مع الإرث الفني؛ نموذجًا لا يبحث عن الضجيج، بل عن المعنى. ومن هذه الزاوية، يبدو البرنامج أقرب إلى قراءة نقدية مفتوحة منه إلى مجرد فقرة تكريمية.

ثم إن اختيار الأعمال من 1980 إلى 1996 لا يكتفي بتقديم «أفضل ما عند الممثل»، بل يضعنا أمام زمن كامل من تاريخ كوريا الجنوبية، كان المجتمع فيه يعيش تحولات سياسية وثقافية كبرى، وكانت السينما نفسها تبحث عن لغتها بين الرقابة، والواقعية الاجتماعية، والحداثة الأسلوبية، والأسئلة الثقيلة عن الحرب والمدينة والطبقة والهوية. وهنا تتجاوز أهمية البرنامج حدود شخص واحد، لتصبح نافذة على كيفية تَشكُّل السينما الكورية التي نعرفها اليوم.

السينما الكورية لا تكرّم نجومها فقط.. بل تعيد بناء ذاكرتها

من السهل النظر إلى هذه التظاهرة بوصفها مجرد تحية لممثل راحل، لكن ذلك سيكون تبسيطًا مخلًا. ما يلفت في الصيغة التي أعلنها مهرجان بوسان هو الجمع بين ثلاثة عناصر: عرض الأفلام، تنظيم لقاءات مع مخرجين عملوا مع أن سونغ-كي، وإصدار كتيب بعنوان «بين المغامرة والقدوة، ممثل العصر أن سونغ-كي». هذا المثلث ــ العرض، الشهادة، التوثيق ــ يقول الكثير عن الطريقة التي تتعامل بها كوريا الجنوبية مع ذاكرتها السينمائية.

في العالم العربي، نعاني غالبًا من فجوة بين الاحتفاء والبحث. نُحب الأسماء الكبيرة، نعيد بث أفلامها، نتداول صورها وذكرياتها، لكننا أقل انتظامًا في بناء أرشيف حيّ يجعل الماضي مادة للنقاش لدى الأجيال الجديدة. أما في الحالة الكورية، فيبدو أن الفكرة أعمق: ليس المهم فقط أن نتذكر الفنان، بل أن نخلق الشروط التي تسمح بمشاهدة أعماله من جديد، وسماع رفاق التجربة، وقراءة سياقها في مادة مكتوبة قابلة للحفظ والرجوع.

وجود الأرشيف الكوري للأفلام شريكًا في هذه المبادرة ليس تفصيلًا إداريًا. إنه تأكيد على أن استعادة الأفلام القديمة إلى قاعة العرض العامة ليست عملًا عاطفيًا فقط، بل جزء من سياسة ثقافية تعي أن السينما ذاكرة وطنية وصناعة وصورة خارجية في الوقت نفسه. فالفيلم لا يعيش لأنه «قديم وجميل» وحسب، بل لأنه يُعاد وضعه أمام جمهور جديد، في سياق جديد، وبأسئلة جديدة.

اللافت أيضًا أن خمسة من المخرجين المرتبطين بالأفلام المختارة سيشاركون في أحاديث مع الجمهور. وهذه نقطة ذات وزن حقيقي؛ لأن المشاهد لن يكتفي بمشاهدة الأداء على الشاشة، بل سيستمع إلى ذاكرة من عملوا معه، إلى ما لا يظهر في اللقطة النهائية: كيف كان يبني الشخصية؟ كيف كان يتعامل مع المخرج؟ ما الذي ميّز حضوره داخل موقع التصوير؟ في ثقافتنا العربية، نعرف قيمة هذا النوع من الشهادات حين نقرأ مثلًا حوارات قديمة عن صالح أبو سيف أو يوسف شاهين أو داوود عبد السيد مع ممثليهم. إنها ليست حنينًا فقط، بل جزء من كتابة تاريخ الفن نفسه.

ومن هنا، فإن مهرجان بوسان لا يكتفي بتقديم أفلام للمشاهدة، بل يصنع حدثًا تعليميًا وثقافيًا يشرح لجمهوره ــ المحلي والدولي ــ كيف تُصان الذاكرة السينمائية من التبديد. وهذا ما يفسر لماذا أصبحت كوريا، خلال العقدين الأخيرين، أكثر قدرة على تصدير حاضرها الثقافي: لأنها لم تهمل ماضيها، بل حولته إلى ركيزة في سرديتها الحديثة.

من نجم فرد إلى مرآة لمرحلة كاملة في السينما الكورية

القائمة التي اختارها أن سونغ-كي تفتح بابًا مهمًا لفهم معنى النجومية في السياق الكوري. فالرجل لم يبنِ صورته عبر نوع سينمائي واحد، ولم يكتفِ بدور البطل التقليدي. امتداده بين أفلام من أوائل الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات يوحي بأن قيمته الحقيقية تكمن في المرونة: ممثل قادر على الانتقال بين حساسيات إخراجية متعددة، وبين موضوعات تتصل بالمدينة والاغتراب والسخرية والحرب والأسرة والمجتمع.

هذه السمة بالذات هي ما يجعل استعادته اليوم مهمة لجمهور عربي تعرّف في السنوات الأخيرة، على نحو مكثف، إلى الثقافة الكورية من خلال الدراما التلفزيونية وفرق الكيبوب والمنصات الرقمية. فالموجة الكورية التي نستهلكها عربيًا اليوم تبدو في أحيان كثيرة وكأنها وُلدت مكتملة، بواجهتها اللامعة والمنتج المحكم والجمهور العالمي. لكن ما تقوله استعادة أن سونغ-كي هو أن هذه القوة الناعمة لها جذور أقدم، وأن وراء النجاح العالمي الحالي تاريخًا من العمل الفني المركب الذي صاغته أجيال كاملة من الممثلين والمخرجين والكتّاب والمؤسسات.

ومن المهم هنا توضيح فكرة قد لا تكون مألوفة لجزء من القراء العرب: مهرجان بوسان ليس مجرد مناسبة لعرض أفلام جديدة، بل منصة أساسية لفهم كيف تقدم كوريا نفسها سينمائيًا أمام العالم. لذلك فإن تخصيص مساحة بارزة لبرنامج كهذا يعني أن الصناعة الكورية لم تعد ترى ماضيها عبئًا أرشيفيًا، بل أصلًا ثقافيًا قابلًا للتجديد. وهذه نقطة فارقة في أي صناعة تريد الاستمرار. فالأمم التي تُحسن رواية تاريخها الفني تُحسن عادة أيضًا إدارة صورتها المعاصرة.

في هذا السياق، تبدو عبارة «الأزمنة الجميلة» التي حملها عنوان البرنامج أكثر من مجرد تعبير وجداني. إنها ليست نوستالجيا سطحية، بل اقتراح لرؤية زمن فني بوصفه سلسلة ممتدة لا مجرد لحظة بطولية واحدة. والفارق هنا شبيه بالفارق بين من يقرأ تاريخ السينما العربية عبر «أفضل عشرة أفلام» فقط، ومن يحاول فهم تحولات المخرجين والممثلين عبر السياقات التي أنتجتهم.

ماذا يعني ذلك للسوق العربية والجمهور العربي؟

الخبر، من زاوية عربية، لا يقف عند حدود مهرجان كوري يكرّم ممثلًا كبيرًا. الأهم هو ما يكشفه عن مرحلة جديدة في انتشار الثقافة الكورية داخل أسواقنا. خلال السنوات الأخيرة، صار الجمهور العربي أكثر ألفة مع الأسماء الكورية، لكن هذه الألفة بقيت في الغالب محصورة في الإنتاج المعاصر: مسلسلات المنصات، أفلام الجريمة والتشويق، والنجوم الشباب. أما استعادة أن سونغ-كي بهذه الطريقة، فهي تذكير بأن المرحلة المقبلة من الحضور الكوري عربيًا قد لا تكون فقط توسعًا في الاستهلاك الجماهيري، بل انتقالًا نحو اهتمام أعمق بتاريخ السينما الكورية الكلاسيكية والحديثة.

هذا التحول مهم للشركات الثقافية العربية أيضًا. فحين يتسع الطلب على المحتوى الكوري، لا يعود السؤال محصورًا في استيراد أحدث الأعمال، بل في كيفية برمجة الكتالوجات القديمة، وترميم الجسور بين الجمهور العربي وأعمال تأسيسية لم تصل إليه بما يكفي. المنصات، والمهرجانات، ونوادي السينما، وحتى الجامعات والمعاهد المختصة بالصورة، يمكنها أن تستفيد من هذه اللحظة لتوسيع النقاش حول كوريا خارج النمط السائد الذي يحصرها في الترفيه السريع.

والأرجح أن هذا النوع من البرامج يمنح الموزعين العرب والمؤسسات الثقافية إشارة مهمة: هناك قيمة حقيقية في تقديم سياقات، لا مجرد عناوين. فالجمهور الذي شاهد سينما بونغ جون-هو أو بارك تشان-ووك أو تعلّق بالدراما الرومانسية الكورية قد يصبح أكثر استعدادًا لاكتشاف ما سبق هذه الموجة، إذا قُدمت له الأعمال ضمن سردية واضحة تشرح مكانتها وتاريخها. تمامًا كما فعلت مهرجانات عربية ناجحة حين أعادت تقديم أعمال يوسف شاهين أو شادي عبد السلام أو محمد خان للأجيال الجديدة ضمن برامج منظمة لا كمواد متفرقة.

هناك أيضًا بُعد آخر يتعلق بالعلاقات الثقافية العربية الكورية. فكلما ازدادت قدرة كوريا على عرض تاريخها الفني بطريقة ذكية ومؤسسية، ازدادت فرص التعاون مع المهرجانات العربية التي تبحث عن محتوى نوعي وبرامج خاصة ذات بعد ثقافي، لا تجاري فقط. وبالنسبة للجمهور العربي، فإن فهم هذه الطبقات الأعمق من السينما الكورية يساهم في كسر الصورة المسطحة التي تختزل بلدًا كاملًا في نوع واحد من الدراما أو في موجة موسيقية عابرة، على أهميتهما.

ما الذي يعنيه ذلك للسعودية تحديدًا؟

إذا أردنا ترجمة هذا التطور إلى سياق محلي عربي محدد، فإن السعودية تبدو حالة لافتة. فالسوق السينمائية السعودية، التي شهدت خلال الأعوام الأخيرة نموًا سريعًا في عدد الصالات وتنوع الجمهور واتساع الاهتمام بالمهرجانات والفعاليات الثقافية، أصبحت أكثر استعدادًا لاستقبال برامج من هذا النوع، أي برامج تُقدّم السينما بوصفها ذاكرة وثقافة، لا بوصفها ترفيهًا آنيا فحسب.

في السعودية اليوم، لم يعد جمهور السينما مكوّنًا فقط من الباحثين عن أحدث إنتاجات هوليوود أو الأفلام التجارية الواسعة الانتشار. هناك شريحة متنامية من المهتمين بالسينما العالمية، وبالأخص الآسيوية، سواء عبر المهرجانات أو المنصات أو النوادي السينمائية والحوارات النقدية التي باتت أكثر حضورًا. ومن هذه الزاوية، فإن مبادرة بوسان الخاصة بأن سونغ-كي تطرح سؤالًا عمليًا: هل يمكن للمهرجانات السعودية أو الفعاليات السينمائية المحلية أن تستضيف مستقبلًا برامج مماثلة تُعرّف الجمهور السعودي بأسماء كورية مؤسسة لا تزال مجهولة نسبيًا خارج الدوائر المتخصصة؟

هذا السؤال لا يتعلق بالذائقة وحدها، بل بالعلاقة الثقافية الأوسع بين السعودية وكوريا الجنوبية. فالعلاقات بين البلدين لا تقتصر على الاقتصاد والتقنية والطاقة؛ هناك مجال ثقافي يتسع تدريجيًا، والجمهور عنصر أساسي فيه. كلما ازداد الفضول السعودي تجاه الثقافة الكورية، ازدادت الحاجة إلى محتوى نوعي يذهب أبعد من السائد. وبرامج الاستعادات السينمائية يمكن أن تكون إحدى الأدوات الفعالة هنا، لأنها تُعرّف الجمهور على الجذور، لا على المنتجات النهائية فقط.

كما أن الشركات العاملة في التوزيع والعرض داخل السعودية قد تجد في هذا النوع من الأحداث مؤشرًا إلى فرص جديدة. فالنمو الحقيقي لأي سوق لا يتحقق فقط بزيادة عدد الشاشات، بل بتوسيع أشكال البرمجة وخلق جمهور متنوع الاهتمامات. وعندما يرى الفاعلون في السوق أن مهرجانًا بحجم بوسان يراهن على استعادة ممثل كلاسيكي بهذه الصيغة المركبة، فإن الرسالة واضحة: الذاكرة ليست مادة نخبوية بالضرورة، بل يمكن تحويلها إلى حدث جاذب حين تُقدَّم بذكاء.

الأهم من ذلك أن التجربة الكورية، في جانبها المؤسسي، تحمل دروسًا مفيدة لأي مشهد سينمائي ناشئ أو متجدد. فالصناعة لا تقوى فقط بإنتاج أفلام جديدة، بل أيضًا ببناء أرشيف، وتثمين الرواد، وصناعة حوار بين الأجيال. وفي بلد يعيش حراكًا ثقافيًا متسارعًا مثل السعودية، تبدو هذه النقطة وثيقة الصلة بالمرحلة: كيف نؤسس لذائقة طويلة النفس، لا تستنفدها موجة موسمية؟

بين التحية والاتجاه المستقبلي: ما الذي ينبغي مراقبته بعد بوسان؟

أهمية برنامج أن سونغ-كي تكمن أيضًا في أنه قد يكون مؤشرًا على اتجاه أوسع داخل المشهد الكوري: الانتقال من تصدير الجديد فقط إلى تصدير الذاكرة أيضًا. وهذه مسألة تستحق المتابعة عربيًا. فإذا كانت الموجة الكورية قد نجحت عالميًا بفضل منتجات معاصرة شديدة الجاذبية، فإن ترسيخ هذا النجاح على المدى البعيد يتطلب جعل التاريخ نفسه جزءًا من العرض الثقافي الدولي.

ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك عمليًا؟ أولًا، قد نرى اهتمامًا أكبر بترميم وعرض أفلام كورية من العقود السابقة في مهرجانات دولية وعربية. ثانيًا، قد تتوسع المبادرات المشتركة بين الأرشيفات والمؤسسات الثقافية لتقديم الكتب والكتيبات والندوات المرافقة للعروض، بدل الاكتفاء بالعرض وحده. ثالثًا، قد تتشكل لدى الجمهور العربي علاقة أكثر نضجًا مع الثقافة الكورية، تنتقل من الاستهلاك إلى المعرفة، ومن المتابعة الموسمية إلى التراكم.

وهنا تحديدًا تبدو خطوة بوسان مهمة. فهي لا تقول فقط إن أن سونغ-كي اسم يستحق التكريم، بل تقول أيضًا إن أفضل طريقة لتكريم الفنان هي أن نُعيد أعماله إلى المجال العام، وأن نتيح لها حياة ثانية وثالثة، وأن نجعل الأجيال الجديدة تنظر إليها لا بوصفها آثارًا قديمة، بل بوصفها أعمالًا ما زالت قادرة على الكلام. هذه الفكرة مألوفة في الثقافات السينمائية الراسخة، لكنها تظل درسًا ثمينًا في منطقتنا العربية، حيث ما زلنا في كثير من الأحيان نكرّم أسماءنا الكبيرة بالعاطفة أكثر مما نكرمها بالمشاهدة المنظمة والتوثيق الجاد.

في النهاية، ما يفعله مهرجان بوسان هو أكثر من استدعاء ممثل راحل إلى الشاشة. إنه يعيد ترتيب العلاقة بين الفن والذاكرة والجمهور. وبالنسبة للقراء العرب، ربما تكون هذه المناسبة فرصة مناسبة لإعادة طرح سؤال قديم بصياغة جديدة: كيف نحب السينما حقًا؟ هل نحبها فقط حين تُبهرنا بالجديد، أم نحبها أيضًا حين تعلّمنا كيف نصغي إلى الماضي؟ كوريا، عبر هذا البرنامج، تقدّم جوابًا واضحًا: الذاكرة ليست هامشًا في صناعة الصورة، بل جزء من قوتها الناعمة، ومن قدرتها على البقاء، ومن احترامها لنفسها أمام جمهورها وأمام العالم.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات