
معركة داخلية محتدمة على قيادة الحزب الديمقراطي الكوري
تشهد الساحة السياسية في كوريا الجنوبية سباقاً متقارباً لاختيار رئيس جديد للحزب الديمقراطي الكوري، أحد أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، بعدما تمكن المرشح كيم مين سيوك من استعادة صدارة النتائج التراكمية عقب فوزه في جولة الانتخابات الداخلية التي شملت جزيرتي جيجو وإنشيون. وتكشف نتائج هذه الجولة عن منافسة شديدة بين المرشحين الرئيسيين، حيث لم يعد من الممكن توقع الفائز بسهولة قبل انتهاء جميع مراحل التصويت.
وبحسب وكالة يونهاب للأنباء، أظهرت نتائج تصويت أعضاء الحزب ذوي حق التصويت في جيجو وإنشيون أن كيم مين سيوك حصل على نسبة تراكمية بلغت 45.42 في المئة، مقابل 44.56 في المئة لمنافسه الرئيسي جونغ تشونغ راي. ويبلغ الفارق بين المرشحين 0.86 نقطة مئوية فقط، وهو فارق يعكس حالة من التقارب الشديد ويجعل كل منطقة انتخابية لاحقة عاملاً مؤثراً في تحديد النتيجة النهائية.
بالنسبة للمتابعين العرب للشأن السياسي الكوري، فإن هذا النوع من الانتخابات الداخلية يختلف جزئياً عن الانتخابات العامة المعروفة، إذ تلعب قاعدة الحزب وأعضاؤه المسجلون دوراً مهماً في اختيار قيادة الحزب. ولذلك فإن تحركات المرشحين لا تقتصر على مخاطبة الجمهور الواسع، بل تركز بشكل كبير على إقناع أعضاء الحزب الذين يملكون حق التصويت.
فوز جيجو وإنشيون يعيد كيم مين سيوك إلى المركز الأول
شكلت نتائج منطقتي جيجو وإنشيون نقطة تحول في مسار المنافسة. فقد تمكن كيم مين سيوك من تحقيق الفوز في المنطقتين، وهو ما منحه زخماً جديداً بعد سلسلة من المنافسات المتقاربة مع جونغ تشونغ راي. ففي جيجو حصل كيم على 52.64 في المئة من الأصوات، بينما سجل في إنشيون 45.09 في المئة، ليجمع إجمالي 76,844 صوتاً ضمن النتائج التراكمية.
وتحمل جيجو مكانة رمزية خاصة في السياسة الكورية الجنوبية، فهي ليست مجرد منطقة سياحية معروفة بطبيعتها وجزرها البركانية، بل تعد أيضاً منطقة لها حضور في النقاشات السياسية والاجتماعية داخل كوريا. أما إنشيون، فهي مدينة كبرى تقع قرب العاصمة سيول وتعد من المناطق المهمة بسبب موقعها الاقتصادي والديموغرافي، ما يجعل نتائجها مؤشراً مهماً على اتجاهات الناخبين في منطقة العاصمة.
في المقابل، حافظ جونغ تشونغ راي على قاعدة دعم قوية، حيث حصل على 39.89 في المئة في جيجو و43.27 في المئة في إنشيون. ورغم خسارته في هاتين الجولتين، فإن حصوله على أكثر من 40 في المئة في إنشيون أظهر استمرار قدرته على المنافسة، خصوصاً في منطقة العاصمة التي تعد من أكثر المناطق تأثيراً في السياسة الكورية.
أما المرشح سونغ يونغ غيل، فقد جاء في المركز الثالث خلال هذه الجولة، محققاً 7.47 في المئة في جيجو و11.63 في المئة في إنشيون. وتشير هذه النتائج إلى أن المنافسة الأساسية تتركز حالياً بين كيم مين سيوك وجونغ تشونغ راي، مع استمرار تأثير الأصوات التي حصل عليها المرشح الثالث على الحسابات النهائية.
أصوات أعضاء الحزب تتحول إلى العامل الحاسم في تحديد القيادة
توضح هذه الانتخابات الداخلية أهمية ما يعرف في كوريا الجنوبية بتصويت أعضاء الحزب أصحاب الحقوق، وهم الأعضاء الذين يشاركون بصورة مباشرة في اختيار القيادة. ووفق التقارير المرتبطة بالانتخابات، تمثل أصوات هؤلاء الأعضاء نسبة كبيرة من عملية الاختيار، ما يجعل القدرة على بناء قاعدة دعم داخل الحزب عاملاً حاسماً في نجاح أي مرشح.
ولا تعتمد الحملات الداخلية فقط على البرامج السياسية العامة، بل تشمل أيضاً اللقاءات المباشرة مع أعضاء الحزب، والخطب في التجمعات الانتخابية، وتقديم رؤية حول مستقبل الحزب ودوره في الحياة السياسية الكورية. وهذا يشبه إلى حد كبير الانتخابات التمهيدية داخل بعض الأحزاب في دول أخرى، حيث يتنافس المرشحون أولاً على ثقة أعضاء التنظيم السياسي قبل الوصول إلى مواجهة انتخابية أوسع.
ويرى مراقبون أن نتائج جيجو وإنشيون أظهرت أن التوازن بين المرشحين ما زال قائماً. فبعد تقدم أحدهما في منطقة، يستطيع الآخر تقليص الفارق في منطقة أخرى، ما يجعل الحسابات النهائية مرتبطة بقدرة كل حملة انتخابية على جذب الناخبين الداخليين في المناطق المتبقية.
ويولي المرشحون اهتماماً خاصاً للمناطق التي تتمتع بوزن انتخابي كبير، إذ يمكن لتغير محدود في توجهات أعضاء الحزب هناك أن يؤدي إلى تغيير ترتيب المتصدرين. ولهذا السبب تزداد أهمية كل جولة انتخابية مع اقتراب موعد المؤتمر العام للحزب.
خصوصية السياسة الحزبية الكورية في اختيار القيادات
تعكس المنافسة الحالية جانباً مهماً من طبيعة النظام الحزبي في كوريا الجنوبية، حيث لا تقتصر عملية صناعة القرار السياسي على الانتخابات الوطنية فقط، بل تبدأ أيضاً من داخل الأحزاب نفسها. فاختيار رئيس الحزب يمكن أن يؤثر على استراتيجية الحزب المستقبلية، وطريقة تعامله مع القضايا الوطنية، وشكل المنافسة السياسية أمام الأحزاب الأخرى.
بالنسبة للقراء العرب، يمكن مقارنة هذه العملية جزئياً بالانتخابات الداخلية أو المؤتمرات الحزبية التي تعقدها الأحزاب في عدد من الدول لاختيار قياداتها، لكن النموذج الكوري يتميز بالدور الكبير الذي يلعبه الأعضاء النشطون في الحزب في تحديد اتجاه القيادة الجديدة.
وتحاول الأحزاب الكورية عادة تحقيق توازن بين رغبة القاعدة الحزبية وبين الحاجة إلى توسيع قاعدة التأييد بين الناخبين العاديين. لذلك فإن خطاب المرشح لا يركز فقط على الفوز الداخلي، بل يسعى أيضاً إلى تقديم صورة عن قدرته على قيادة الحزب في الانتخابات المقبلة والمنافسات السياسية المستقبلية.
في هذه الانتخابات، حاول كيم مين سيوك تقديم نفسه باعتباره المرشح القادر على جمع صفوف الحزب بعد فترة من المنافسة الداخلية، بينما ركز جونغ تشونغ راي على الحفاظ على الدعم الذي بناه بين أعضاء الحزب والدعوة إلى مواصلة توجهاته السياسية. ويعكس اختلاف الرسائل الانتخابية طبيعة الصراع داخل الحزب حول الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه مستقبلاً.
المرحلة المقبلة قد تغير موازين المنافسة
رغم استعادة كيم مين سيوك للصدارة، فإن الفارق البالغ 0.86 نقطة مئوية لا يمنحه تفوقاً مريحاً. فما زالت هناك جولات انتخابية لاحقة يمكن أن تعيد ترتيب المنافسة، خصوصاً مع أهمية نتائج مناطق مثل إقليم هونام ومنطقة سيول وكيونغغي، التي تتمتع بثقل سياسي وانتخابي كبير.
وتتابع الحملات الانتخابية هذه المناطق باعتبارها محطات قد تكون فاصلة. فكل صوت إضافي يمكن أن يغير المعادلة في سباق متقارب للغاية، كما أن قدرة المرشح على الحفاظ على زخم حملته حتى النهاية قد تكون عاملاً لا يقل أهمية عن النتائج السابقة.
وأعلن كيم مين سيوك أنه إذا فاز بقيادة الحزب فسيسعى إلى تقليل الخلافات التي ظهرت خلال فترة المنافسة الداخلية والعمل على تعزيز وحدة الحزب. من جانبه، يواصل جونغ تشونغ راي التأكيد على أهمية مواصلة طرح القضايا التي يرى أنها تعبر عن تطلعات أعضاء الحزب، معتمداً على قاعدة دعمه الحالية.
ومن المقرر أن يتم الإعلان عن النتائج النهائية المتعلقة بتصويت المندوبين وتصويت المواطنين بعد انتهاء الجولات المحلية، وذلك خلال المؤتمر العام للحزب الديمقراطي الكوري المقرر عقده في مدينة دايجون يوم 17 من الشهر الجاري. وستكون تلك اللحظة حاسمة لمعرفة من سيتمكن من تحويل التقدم الطفيف إلى فوز نهائي.
سباق يعكس تطور المشاركة السياسية داخل كوريا الجنوبية
لا يمثل هذا السباق مجرد منافسة بين شخصيات سياسية كورية، بل يقدم صورة عن طبيعة المشاركة السياسية الحديثة داخل كوريا الجنوبية. فمع تطور الديمقراطية الحزبية في البلاد، أصبح لأعضاء الأحزاب دور أكبر في تحديد القيادات والاتجاهات المستقبلية، وهو ما يجعل الانتخابات الداخلية حدثاً سياسياً مهماً بحد ذاته.
كما أن التقارب الكبير بين المرشحين يوضح أن القاعدة الحزبية ليست كتلة واحدة، بل تضم تيارات ووجهات نظر مختلفة حول مستقبل الحزب. وهذا التنوع الداخلي يمكن أن يكون عاملاً مؤثراً في صياغة السياسات والخطاب السياسي خلال السنوات المقبلة.
بالنسبة للمراقبين الدوليين، ومن بينهم المتابعون العرب للشأن الآسيوي، تقدم هذه المنافسة مثالاً على كيفية عمل الديمقراطية داخل الأحزاب في كوريا الجنوبية، حيث تتحول أصوات الأعضاء إلى عنصر مباشر في تشكيل القيادة السياسية. ومع اقتراب الحسم، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة في سباق يبدو أنه سيستمر حتى اللحظة الأخيرة.
0 تعليقات