
خبر رحيل يتجاوز سيرة فرد إلى ذاكرة جيل
في زمن تُقاس فيه شهرة الثقافة الكورية بعدد المشاهدات على المنصات الرقمية، وبسرعة انتشار المقاطع القصيرة، وبقدرة نجوم الكيبوب والدراما على تصدّر الترند خلال دقائق، جاء خبر وفاة المخرج الإذاعي الكوري الجنوبي كيم كي-ووك ليذكّر المتابعين بأن الموجة الكورية لم تولد دفعة واحدة من شاشة الهاتف، بل مرت قبل ذلك بعقود طويلة من العمل الهادئ داخل استوديوهات الإذاعة. فقد توفي كيم كي-ووك، الذي شغل منصب مدير قسم الإذاعة في محطة جواناك إف إم المحلية، عن 78 عاماً إثر نزيف دماغي في أحد مستشفيات سيول، بعدما أمضى ما يقرب من نصف قرن في إعداد وإخراج البرامج الغنائية والترفيهية عبر محطات مركزية ومحلية، من بينها تي بي سي ثم كي بي إس وصولاً إلى الإذاعة المجتمعية.
وبالنسبة إلى القارئ العربي الذي تعوّد أن يقرأ أخبار كوريا الجنوبية من زاوية المسلسلات الشهيرة أو الفرق الموسيقية اللامعة أو الجوائز السينمائية، فإن هذا الخبر يفتح نافذة مختلفة على البنية العميقة التي قامت عليها الشعبية الكورية الحديثة. فالرجل لم يكن مطرباً معروفاً ولا وجهاً تلفزيونياً مألوفاً، لكنه كان من أولئك الذين يختارون متى يسمع الناس الأغنية، وكيف تُقدَّم، وأي صوت يرافقها، وما إذا كانت الإذاعة ستتعامل مع الموسيقى على أنها مجرد مادة ترفيهية أم رفيق يومي ينسج إيقاع الحياة. وهذه المكانة قد تبدو بعيدة عن الضوء، لكنها في تقاليد الإعلام الكوري تشبه إلى حد بعيد دور كبار مخرجي البرامج الإذاعية العرب الذين صنعوا ذائقة أجيال كاملة من دون أن يعرف الجمهور ملامحهم.
من هنا، فإن رحيل كيم كي-ووك لا يمكن قراءته فقط بوصفه نعيَ مهنيٍّ مخضرم، بل بوصفه مناسبة لاستعادة مرحلة كاملة من تاريخ الثقافة الشعبية الكورية، مرحلة كانت فيها الإذاعة جسراً بين الفنان والناس، وبين المدينة الكبيرة والحي المحلي، وبين الأغنية الجديدة وذاكرة المستمع. وإذا كانت العواصم العربية قد عرفت بدورها زمناً كانت فيه الإذاعات من القاهرة إلى بيروت، ومن دمشق إلى بغداد، تصنع نجومية الأصوات وتُدخل الأغنيات إلى البيوت والأسواق وسيارات الأجرة، فإن كوريا الجنوبية عرفت مساراً مشابهاً، وكان كيم كي-ووك أحد أبرز حراسه.
من ماسان إلى سيول: سيرة مهنية توازي تحولات الإعلام الكوري
وُلد الراحل عام 1948 في مدينة ماسان، التابعة اليوم لمنطقة تشانغوون في جنوب كوريا، وتخرج في قسم الصحافة والإعلام بجامعة كيونغ هي، وهي من الجامعات المعروفة في البلاد. ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي بدأ العمل في إذاعة تي بي سي، في وقت كانت فيه الإذاعة لا تزال منصة أساسية لترويج الأغنية الكورية وتعريف الجمهور بالمطربين والأنماط الموسيقية الجديدة. لم يكن ذلك زمناً هامشياً في تاريخ الإعلام الكوري، بل كان مرحلة تأسيسية تداخلت فيها الدولة، والمؤسسات الإعلامية، والصناعة الثقافية، والجمهور الذي كان يتشكل ذوقه مع كل برنامج صباحي أو سهرة مسائية.
وفي عام 1980 شهدت كوريا الجنوبية ما يُعرف بعملية دمج وإعادة تنظيم مؤسسات البث، وهي محطة مهمة في تاريخ الإعلام هناك، إذ أُعيدت هيكلة عدد من المؤسسات وانتقل كثير من العاملين إلى كيانات جديدة. في ذلك المناخ، واصل كيم كي-ووك مسيرته في كي بي إس 2 راديو وكي بي إس 2 إف إم، أي داخل واحدة من أهم المؤسسات العامة في البلاد. وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأنها تزامنت مع صعود الأغنية الكورية الحديثة وتوسّع دور البرامج التي تمزج الموسيقى بالحوار والترفيه والمتابعة اليومية لقضايا الشباب.
هذه السيرة تبدو للوهلة الأولى مجرد تنقل مهني طبيعي بين مؤسسات بث مختلفة، لكنها في الواقع تختصر تحولات واسعة في المجتمع الكوري نفسه. فالرجل عاصر الانتقال من إذاعة مركزية تهيمن على المجال العام إلى مشهد أكثر تنوعاً، وعاش زمن كانت فيه المذياعات المنزلية وسيارات الأجرة والمحال التجارية فضاءً يومياً لاستهلاك الموسيقى، قبل أن تأتي الفضائيات ثم الإنترنت ومنصات البث الحديثة لتغيّر قواعد اللعبة. بذلك، يصبح كيم كي-ووك شاهداً من داخل المطبخ على التحولات التي نقلت الثقافة الكورية من المجال المحلي إلى الفضاء العالمي.
وفي البيئات العربية، يسهل فهم هذه القيمة إذا استحضرنا كيف ارتبطت أسماء بعينها في تاريخ إذاعاتنا بأزمنة كاملة لا بأعمال منفردة فقط. هناك مهنيون لم تُطبع صورهم على الملصقات، لكن أصابعهم كانت وراء اختيار الأغنية التي علقت في الذاكرة، والبرنامج الذي صار جزءاً من طقس الصباح أو السهرة. وهذا بالتحديد ما مثّله كيم كي-ووك في الوعي المهني الكوري: صانع إيقاع، لا مجرد موظف برتبة إدارية.
لماذا يُعد المخرج الإذاعي شخصية محورية في الثقافة الكورية؟
قد يحتاج القارئ العربي غير المتخصص في الإعلام الكوري إلى توضيح معنى أن يوصَف شخص بأنه أحد كبار مخرجي البرامج الغنائية في الإذاعة. ففي كثير من التجارب الإعلامية الآسيوية، وخصوصاً في كوريا الجنوبية واليابان، يحتفظ المخرج أو المنتج الإذاعي بمساحة تأثير كبيرة تتجاوز الجوانب التقنية. هو الذي يحدد هوية البرنامج، ويمسك بخيط العلاقة بين المذيع والضيف، وبين النبرة العامة والمزاج الموسيقي، وبين حاجة الجمهور إلى الترفيه ورغبته في الإحساس بالألفة.
هذا الدور كان أوضح ما يكون في برامج الأغاني، لأن الإذاعة لم تكن مجرد وسيلة تبث الأعمال الموسيقية، بل كانت مؤسسة تمنحها إطاراً تفسيرياً وعاطفياً. الأغنية التي تُقدَّم في الصباح ليست كالتي تُبث في ساعة متأخرة من الليل. والمطرب الذي يظهر في برنامج شبابي يختلف وقعه عمن يُقدَّم في مساحة تستعيد الذكريات. لذلك، فإن قرارات المخرج الإذاعي لا تقل أثراً عن أداء المذيع أو شهرة الفنان. ومن هنا نفهم لماذا بقي اسم كيم كي-ووك حيّاً في ذاكرة زملائه وتلامذته رغم أن الجمهور الأوسع قد لا يعرفه على نطاق واسع.
بحسب شهادات من عملوا معه، كان الراحل يُنظر إليه بوصفه “عرّاباً” في عالم الأغنية والإذاعة. وهذه العبارة في السياق الكوري لا تعني مجرد الأقدمية، بل تعني أيضاً القدرة على وصل الأجيال ببعضها، ومعرفة تفاصيل الصناعة، وامتلاك حس مهني في اختيار ما يناسب اللحظة والجمهور. في عالم اليوم، قد تتكفل الخوارزميات باقتراح الأغنيات للمستخدمين، لكن في زمن كيم كي-ووك كان هناك عقل بشري وخبرة متراكمة يقرران ما الذي ينبغي أن يصل إلى المستمع وكيف يصل.
ولعل هذا ما يجعل خبر وفاته ملهماً أيضاً لمن يراقبون مستقبل الإعلام العربي. فبينما تنكمش المساحات الإذاعية التقليدية في بعض البلدان، وتُختصر الصناعة الثقافية أحياناً في الوجوه الظاهرة فقط، يذكّرنا هذا الرحيل بأن بناء الذائقة العامة مهمة مؤسساتية ومهنية معقدة، وأن من يعملون وراء الميكروفون وخلف الزجاج العازل ليسوا أقل تأثيراً من النجوم الذين تتصدر أسماؤهم العناوين.
بين جو يونغ-بيل والإذاعة: كيف صُنعت نجومية ما قبل المنصات؟
من العناصر الدالة في سيرة كيم كي-ووك علاقته الطويلة بالمغني الكوري الكبير جو يونغ-بيل، وهو اسم قد لا يكون معروفاً عربياً بقدر شهرة فرق الكيبوب المعاصرة، لكنه في كوريا الجنوبية يمثل ركناً أساسياً من أركان الموسيقى الشعبية الحديثة. وإذا أردنا تقريب الصورة إلى القارئ العربي، يمكن القول إن مكانته الرمزية أقرب إلى نجوم كبار تجاوزوا حدود الأجيال، وصارت أعمالهم جزءاً من الذاكرة الوطنية لا مجرد مواد فنية عابرة. لذلك فإن قرب كيم كي-ووك منه لا يُقرأ على مستوى الصداقة الشخصية فقط، بل على مستوى الموقع الذي شغله الراحل داخل الحقل الموسيقي نفسه.
في المراحل التي سبقت هيمنة الفيديو كليب والمنصات الاجتماعية، كانت الإذاعة هي الوسيط الأهم في بناء الانطباع الأول عن المغني. أغنية تُبث في توقيت مناسب، مقدمة ذكية من المذيع، تعليق يلتقط مزاج الناس، واستضافة تمنح الفنان فرصة للحديث مباشرة إلى الجمهور؛ كل ذلك كان يصنع النجومية تدريجياً. ومع تراكم هذه اللحظات، تتحول العلاقة بين الفنان والمستمع إلى صلة وجدانية طويلة الأمد. وهذا ما يساعد على فهم سبب تقدير كثير من الموسيقيين الكوريين للمخرجين الإذاعيين من طراز كيم كي-ووك.
المسألة هنا ليست حنيناً رومانسياً إلى زمن قديم، بل فهم لآليات الصناعة الثقافية قبل العولمة الرقمية. فاليوم يمكن لأغنية أن تنتشر في العالم خلال ساعات، لكن انتشارها لا يضمن بالضرورة عمقها العاطفي أو رسوخها في الذاكرة الجماعية. أما في زمن الإذاعة، فكان صعود الأغنية أبطأ، لكنه أكثر التصاقاً بالتجربة اليومية: في الطريق إلى العمل، في المقهى، في البيت، في الحي، وفي الرسائل التي يرسلها المستمعون إلى البرامج. وهذا النمط من التلقي كان يخلق علاقة مختلفة تماماً مع الموسيقى.
من هذا المنظور، تصبح سيرة كيم كي-ووك جزءاً من تاريخ غير مكتوب بالكامل عن كيفية انتقال الثقافة الكورية من الإنتاج المحلي إلى النفوذ الإقليمي ثم العالمي. فالنجوم الذين يملأون الساحات اليوم ورثوا بنية كاملة من الخبرة الإعلامية والمؤسسية، ومن ضمنها تقاليد الإذاعة التي منحت الموسيقى الكورية لغة مخاطبة يومية وحميمية. إنها قصة تشبه، على نحو ما، التاريخ العربي للأغنية حين كانت الإذاعات الرسمية والخاصة بوابة الفنان إلى الجمهور، وحين كانت سهرة إذاعية واحدة كفيلة بتثبيت اسم في الوجدان.
من المركز إلى الحي: لماذا اختار الاستمرار في إذاعة محلية؟
اللافت في تجربة كيم كي-ووك أنه لم يتوقف عند محطات البث الكبرى، ولم يكتفِ برصيد مهني مريح بعد خروجه من كي بي إس، بل واصل العمل لسنوات طويلة في إذاعة جواناك إف إم، وهي محطة محلية مرتبطة بمنطقة جواناك في سيول. هذه النقلة تحمل دلالة مهنية وثقافية في آن. ففي كثير من الصناعات الإعلامية، ينظر بعض العاملين إلى المؤسسات المحلية باعتبارها درجة أدنى من المنصات الوطنية الكبرى. لكن الراحل اختار، أو قبل على الأقل، أن يضع خبرته الطويلة في خدمة إذاعة مجتمعية قريبة من الناس.
هذا الخيار يكشف فهماً عميقاً لطبيعة الإذاعة. فالراديو، بخلاف وسائل أخرى كثيرة، يزداد تأثيره كلما اقترب من تفاصيل الحياة اليومية للمستمعين. الإذاعة المحلية ليست فقط وسيلة لنقل أخبار الحي أو جدول المرور أو الأنشطة المجتمعية، بل مساحة لإبقاء الصوت البشري حيّاً في مواجهة تسليع المحتوى وتسارعه. وفي السياق الكوري، حيث تطورت الصناعات الثقافية بسرعة هائلة، تبدو هذه المساحة المحلية أشبه بخيط يحفظ الصلة بين النجاح العالمي والجذور الاجتماعية.
على امتداد نحو 17 عاماً، عمل كيم كي-ووك في جواناك إف إم مسؤولاً عن البرمجة، ثم مديراً لقسم الإذاعة، وتولى بنفسه إخراج برامج غنائية مثل “البث المباشر غايو توك توك” و“مقهى الموسيقى للذكريات”. ومن الواضح من طبيعة هذه العناوين أنها تراهن على الرفقة والحميمية والذاكرة، وهي عناصر تتقاطع مع تجارب عربية مألوفة، حيث ظل جمهور واسع وفياً للبرامج التي تستعيد الأغنيات القديمة وتربطها بحكايات الناس وأمزجتهم.
الأهم من ذلك أن من عرفوه نقلوا عنه موقفاً مهنياً شديد الدلالة: حتى في العطل الرسمية كان يرى أن الإذاعة يجب ألا تتوقف، لأن الناس يحتاجون إلى صوت يرافقهم حين يتوقف إيقاع المؤسسات الأخرى. هذه النظرة تكشف تصوراً للإعلام بوصفه خدمة عامة لا مجرد وظيفة. وهي فكرة قد تبدو قديمة لدى البعض، لكنها في الحقيقة تزداد أهمية في عصر الفيض الرقمي، حيث يصبح التمييز بين المحتوى العابر والخدمة العامة الرصينة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
اللحظة الأخيرة في الاستوديو: صورة مكثفة عن الوفاء للمهنة
من أكثر ما لفت الانتباه في تفاصيل الوفاة أن الراحل واصل إخراج برامجه حتى أيامه الأخيرة، وأنه أنجز قبل رحيله بوقت قصير ساعات بث مباشرة لبرامج غنائية اعتاد جمهوره متابعتها. لهذه المعلومة وقع إنساني ومهني في آن. فالموت هنا لم يفاجئ رجلاً انقطع عن الوسط منذ سنوات، بل خطف شخصاً بقي داخل المشهد حتى اللحظة الأخيرة تقريباً، متمسكاً بطقس العمل اليومي الذي أمضى عمره يدافع عنه.
في الثقافة الصحافية، غالباً ما تحمل هذه النهاية دلالة رمزية قوية. فهي لا تعني فقط الاجتهاد الفردي، بل تكشف كيف يصبح العمل جزءاً من تعريف الإنسان لنفسه. بالنسبة إلى كيم كي-ووك، لم تكن الإذاعة محطة مرّ بها ثم غادرها، بل كانت الصيغة التي عاش من خلالها علاقته بالموسيقى وبالناس وبالزمن. وربما لهذا السبب بدا خبر وفاته مؤثراً في الوسطين الإعلامي والفني على حد سواء، لأن من يرحل ليس موظفاً سابقاً، بل حامل تقليد كامل من الانضباط والحساسية المهنية.
وفي العالم العربي، نعرف جيداً هذا النوع من الشخصيات: أولئك الذين يذهبون إلى مؤسساتهم حتى في الأيام الصعبة، ويؤمنون بأن المستمع أو القارئ أو المشاهد ليس رقماً في إحصاءات المتابعة، بل طرف في عقد غير مكتوب من الثقة والانتظار. لذلك يكتسب هذا الجانب من سيرة الراحل قابلية خاصة لأن يُفهم عربياً، بعيداً عن خصوصية الأسماء الكورية أو التفاصيل المحلية. إنه معنى الحرفية عندما تتحول إلى التزام أخلاقي.
كما أن هذه النهاية تعيد التذكير بطبيعة العمل الإذاعي نفسه. فرغم كل ما طرأ من تحولات تكنولوجية، يبقى الراديو فناً في تنظيم الزمن. ثلاث ساعات من البث ليست مجرد مدة تقنية؛ إنها عالم كامل من الاختيار والترتيب والانتقال بين الأغنيات والأحاديث والإيقاعات. أن يظل شخص قادراً على فعل ذلك حتى نهاية مسيرته تقريباً هو دليل على خبرة نادرة وعلى علاقة عميقة جداً بالوسيط الذي يعمل فيه.
ما الذي يخبرنا به هذا الرحيل عن جذور الموجة الكورية؟
من السهل على المتابع العربي للمشهد الكوري أن يظن أن “الهاليو” أو الموجة الكورية بدأت مع صعود المنصات العالمية، أو مع نجاح فرق البوب الحديثة، أو مع الجوائز السينمائية التي رفعت حضور كوريا الجنوبية إلى مستوى عالمي. غير أن خبر رحيل كيم كي-ووك يذكّر بأن هذه الموجة لها جذور أقدم وأكثر تعقيداً. قبل الصورة العالية الدقة، كان هناك صوت. قبل الحملات الرقمية المنسقة، كانت هناك جداول بث يومية. قبل أن تملك الفرق ملايين المتابعين، كان هناك منتجون ومخرجون يعرفون كيف يقدمون الأغنية للناس وكيف يجعلونها جزءاً من حياتهم.
هذا لا ينتقص من قوة العصر الرقمي، لكنه يضعه في سياقه التاريخي. فالثقافة التي تنجح عالمياً ليست تلك التي تملك نجوماً فقط، بل تلك التي راكمت عبر عقود مؤسسات مهنية، وخبرات تحريرية، ووسائط قادرة على تحويل الإنتاج الفني إلى عادة اجتماعية. وهذا بالضبط ما فعلته الإذاعة في كوريا الجنوبية. لقد جعلت الموسيقى حاضرة في الحياة اليومية، وأتاحت للمواهب أن تتراكم، وللأسماء أن تُختبر أمام الجمهور، وللجمهور نفسه أن يطوّر أذنه وذائقته.
والقارئ العربي قد يجد في هذا التحليل ما يتجاوز القصة الكورية ذاتها. فالعالم العربي عرف بدوره عصوراً ذهبية للإذاعة ساهمت في صوغ الوجدان الموسيقي من المحيط إلى الخليج، لكن كثيراً من تلك التجارب لم تُحفظ بما يكفي في الذاكرة العامة مقارنة بما حظي به المطربون والممثلون. لذلك يمكن النظر إلى قصة كيم كي-ووك أيضاً بوصفها دعوة إلى إعادة الاعتبار للعاملين خلف الستار في إعلامنا وثقافتنا، أولئك الذين صنعوا المجال العام بالصوت، ورتبوا اللقاء اليومي بين الناس والفن.
وفي زمن تتجه فيه الثقافات الوطنية إلى التنافس العالمي، يصبح هذا الدرس أكثر أهمية. فالقوة الناعمة ليست مجرد منتج نهائي لامع، بل منظومة طويلة النفس من التدريب والإنتاج والاختيار والوساطة. وإذا أرادت أي ثقافة أن تحجز لها مكاناً مستداماً في المشهد الدولي، فإنها تحتاج إلى مؤسسات تشبه ما مثله كيم كي-ووك: مهنية متواصلة، وإيمان بالدور العام للإعلام، وقدرة على الربط بين الذوق الرفيع والقرب من الجمهور.
ذاكرة الصوت الخفي ومغزى الوداع
رحل كيم كي-ووك تاركاً خلفه أسرة وزملاء وجمهوراً قد لا يعرفه جميعه بالاسم، لكنه عرف أثره من دون أن يدري. وهذا تحديداً هو النوع الأكثر خفاءً والأكثر عمقاً من التأثير الإعلامي. فهناك أشخاص لا يطبعون صورتهم على واجهة الثقافة، لكنهم يتركون بصمتهم في نبرة المرحلة كلها. من خلال اختياراتهم، يعلّمون جمهوراً كاملاً كيف يسمع، ومتى يحن، وكيف يربط الأغنية بلحظة من حياته.
وفي كوريا الجنوبية، حيث صارت الصناعات الثقافية رمزاً وطنياً ومصدراً مهماً للنفوذ الدولي، يحمل هذا الوداع معنى إضافياً: إنه تذكير بأن مجد الحاضر قائم على تعب أجيال من المهنيين الذين لم يطلبوا الضوء لأنفسهم. وإذا كانت الموجة الكورية اليوم قادرة على الوصول إلى المستمع العربي في الرباط أو القاهرة أو جدة أو الدوحة خلال لحظات، فذلك لأن أشخاصاً مثل كيم كي-ووك أمضوا سنوات طويلة في بناء تقاليد العمل التي جعلت من الموسيقى الكورية مادة قابلة للانتشار، وقادرة على ملامسة الحياة اليومية قبل أن تصبح سلعة عالمية.
لهذا، فإن خبر وفاته ليس شأناً كورياً داخلياً محضاً، بل قصة ثقافية تهم كل من يتابع كيف تُبنى الظواهر الفنية الكبرى. إنها تذكير بأن وراء كل نجم جهازاً من العمال المجهولين نسبياً: مخرجون، ومنتجون، ومبرمجو بث، وكتاب، ومهندسو صوت، وإداريون يؤمنون بأن للفن مساراً يجب أن يصل سالماً إلى الناس. وفي اللحظة التي يودع فيها الوسط الإعلامي الكوري أحد رجالاته المخضرمين، يمكن للقارئ العربي أن يرى في هذه السيرة مرآة لأسئلة أوسع عن الذاكرة، والمهنة، والإذاعة، ودور الإعلام في صناعة الوجدان الجمعي.
ربما لن يتصدر اسم كيم كي-ووك قوائم البحث العربية كما يحدث مع نجوم الدراما أو المغنين الشباب، لكن قيمة هذا الخبر تكمن في شيء آخر: في أنه يضع الأصبع على الحلقة المفقودة في كثير من السرديات المعاصرة عن النجاح الثقافي. ليس كل ما يصنع الأثر يلمع على السطح. أحياناً، يكون التاريخ الحقيقي مكتوباً في جداول البث، وفي اختيارات الأغنيات، وفي الالتزام الصامت لشخص قرر أن يظل في الاستوديو حتى آخر المشوار. هكذا يُقرأ رحيل كيم كي-ووك: ليس بوصفه نهاية مسيرة فرد فحسب، بل بوصفه وداعاً لواحد من البنائين الهادئين لذاكرة الموسيقى الكورية الحديثة.
0 تعليقات