
من نجم حفلات إلى بطل الحكاية اليومية
في وقت اعتاد فيه جمهور الثقافة الكورية متابعة أخبار الألبومات الجديدة والجولات العالمية وأرقام المشاهدات على المنصات، يلفت خبر عودة المغني الكوري الجنوبي إم يونغ-وون إلى الشاشة الصغيرة من بوابة برنامج ترفيهي جديد انتباه المتابعين لسبب مختلف. فالمسألة هنا لا تتعلق بأغنية منفردة أو تعاون فني عابر، بل بانتقال محسوب من صورة المطرب الذي يملأ المسارح إلى صورة الشخصية القادرة على حمل برنامج كامل قائم على الإيقاع اليومي، وعلى تفاصيل العيش، وعلى العلاقة بين الإنسان والمكان. ووفق المعلومات المعلنة في سيول، يستعد إم يونغ-وون للظهور في برنامج جديد بعنوان «سانغول تشونغاك يونغ-وون»، أي ما يمكن شرحه عربياً على نحو قريب من «يونغ-وون أعزب الجبل» أو «شاب الجبل يونغ-وون»، على أن يبدأ بثه عبر قناة SBS في 23 من الشهر الجاري عند التاسعة مساءً بتوقيت كوريا.
هذه العودة لا تأتي من فراغ، ولا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد خطوة ترفيهية خفيفة في جدول نجم مشهور. في الصناعة الكورية، كما بات معروفاً لدى كثير من القراء العرب المتابعين للموجة الكورية، لم تعد البرامج المنوعة مجرد مساحة للضحك أو التسلية السريعة، بل تحولت إلى منصة مركزية لإعادة إنتاج صورة النجوم وتوسيع علاقتهم بالجمهور. وإذا كان المغني يربح جمهوره على المسرح بالصوت والحضور، فإنه في برامج الحياة اليومية يختبر نوعاً آخر من القبول: العفوية، واللباقة، والقدرة على الانسجام مع الآخرين، واحتمال الملل من دون أن يُشعر المشاهد بالملل.
ومن هذه الزاوية بالتحديد تبدو خطوة إم يونغ-وون ذات دلالة. فالنجم الذي رسخ اسمه في الغناء الكوري الشعبي المعاصر، وبنى قاعدة جماهيرية واسعة داخل كوريا وخارجها، يعود هذه المرة بعمل يُكمل مساراً بدأه سابقاً، لكن في فضاء جديد. إذا كان برنامجه السابق قد ارتبط بصورة «أعزب الجزيرة»، فإن العمل الجديد ينقل الشخصية نفسها تقريباً من البحر إلى الجبل، من عزلة الجزيرة إلى عزلة البيت الجبلي، ومن أفق المرافئ والهواء البحري إلى إيقاع الطبيعة الهادئة في المناطق النائية. وهذا التبدل في المكان ليس مجرد خلفية تصوير، بل جزء من فلسفة البرنامج نفسه.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو هذه الفكرة مألوفة على نحو ما. فكما انجذب المشاهد العربي على مدى عقود إلى أعمال تتكئ على فكرة «الرجوع إلى البساطة» أو «الحياة خارج صخب المدينة»، من الدراما الريفية إلى برامج السفر والمغامرة الهادئة، تراهن البرامج الكورية الحديثة على الحنين نفسه ولكن بوسائط معاصرة وصياغة بصرية شديدة العناية. هنا لا يكون البطل خارقاً، ولا المشهد مبنياً على صراع عالٍ، بل على تفاصيل صغيرة: إعداد الطعام، ترتيب البيت، التفاعل بين الضيوف، مراقبة الطقس، والسخرية الخفيفة من مشقة الحياة البعيدة عن وسائل الراحة. وهي وصفة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة من أكثر الصيغ تعقيداً حين يتعلق الأمر بنجم كبير مطلوب منه أن يكون مقنعاً بلا بهرجة.
من «أعزب الجزيرة» إلى «أعزب الجبل»... استمرار لا تكرار
العنوان الجديد يستدعي فوراً ذاكرة البرنامج السابق الذي ظهر فيه إم يونغ-وون بوصفه بطلاً ثابتاً في أول تجربة من هذا النوع ضمن البرامج الترفيهية المنتظمة. ومن المهم هنا التوقف عند نقطة أساسية: في التلفزيون الكوري، فكرة الانتقال من موسم إلى آخر أو من صيغة إلى أخرى بالشخصية نفسها لا تُبنى فقط على النجاح العددي، بل على وجود «مزاج» نجح في الوصول إلى الجمهور. بمعنى آخر، ليس المطلوب أن يكرر النجم نفسه في المكان نفسه، بل أن يُنقل إلى بيئة جديدة لاختبار سحره الإنساني من جديد.
ومن هذه الناحية، فإن الانتقال من الجزيرة إلى الجبل يحمل دلالات درامية وثقافية معاً. الجزيرة في المخيال الكوري، كما في كثير من الثقافات، تشير إلى العزلة والحدود الطبيعية والحياة البسيطة المرتبطة بالبحر، بينما يرمز الجبل إلى التأمل، والبطء، والانسحاب من صخب المدن الكبرى. والجبل في الثقافة الكورية ليس مجرد تضاريس، بل عنصر حاضر في الذاكرة الوطنية، وفي أسلوب التنزه، وفي الثقافة الغذائية، وحتى في التصورات المرتبطة بالنقاء والصفاء. لذلك فإن نقل إم يونغ-وون إلى «بيت الأعزب الجبلي» ليس مجرد تغيير ديكور، وإنما إعادة تموضع لشخصيته داخل إيقاع مختلف بالكامل.
هذه الفكرة تهم جمهور الثقافة الكورية في العالم العربي أيضاً، لأن كثيراً من عناصر الجاذبية في المحتوى الكوري لا تكمن في الحبكة وحدها، بل في طبيعة المكان وما يقوله عن المجتمع. وقد تابع المشاهد العربي خلال السنوات الأخيرة كيف تحولت البيوت الريفية الكورية، والمزارع الصغيرة، والمطابخ المنزلية، والقرى الساحلية، إلى فضاءات سردية قائمة بذاتها في الدراما والبرامج معاً. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى البرنامج الجديد بوصفه استمراراً لميل أوسع في الإعلام الكوري نحو «تأنيس» النجوم، أي إظهارهم ضمن سياقات حياة ملموسة، لا كصور بعيدة محاطة فقط بالأضواء.
والأهم أن هذا الاستمرار لا يبدو تكراراً آلياً. فلو كان الهدف هو إعادة تدوير نجاح سابق فقط، لكان بالإمكان الاكتفاء بنسخة ثانية متشابهة. لكن تغيير الفضاء من البحر إلى الجبل يوحي بأن فريق الإنتاج يريد الاحتفاظ بجوهر التجربة، أي مراقبة النجم في حياة يومية خارج المسرح، مع تبديل الشروط المحيطة بما يفتح الباب أمام تفاعلات جديدة، ومزاج مختلف، وربما قراءة أعمق لشخصية إم يونغ-وون نفسه.
ما معنى «الحياة الخالية من الملوثات» في التلفزيون الكوري؟
من بين العبارات المفتاحية التي رافقت الإعلان عن البرنامج الجديد، تلك التي تشير إلى أن العمل سيرصد «حياة خالية من الملوثات» في بيت جبلي ناءٍ. وهذه العبارة تحتاج شرحاً للقارئ العربي، لأنها لا تُستخدم هنا بالمعنى البيئي الضيق فقط، بل أيضاً بوصفها مصطلحاً عاطفياً وجمالياً في الإعلام الكوري المعاصر. فحين تتحدث البرامج الكورية عن «موغونغهي لايف» أو «الحياة غير الملوثة»، فإنها تقصد غالباً نمطاً من المشاهدة المريحة، البعيدة عن الصراخ الدرامي، وعن الحبكات المرهقة، وعن المنافسة القاسية التي تميز بعض برامج البقاء والمواهب.
إنها، باختصار، ترفيه يقوم على التنفس الهادئ. يشبه ذلك إلى حد ما انجذاب قطاعات واسعة من الجمهور العربي إلى المحتوى الذي يمنح استراحة من صخب الأخبار والسياسة والمدينة، سواء كان برنامج طبخ منزلياً، أو رحلة إلى قرية بعيدة، أو جلسة حوار خفيفة بلا صدامات مفتعلة. وفي الحالة الكورية، بات لهذا النوع جمهور عريض لأنه يلبّي حاجة نفسية واضحة في مجتمعات سريعة الإيقاع وضاغطة مهنياً وتعليمياً.
من هنا، يمكن فهم لماذا يُنظر إلى مشاركة إم يونغ-وون في مثل هذا البرنامج على أنها خطوة محسوبة لا تقل أهمية عن نشاطه الغنائي. فالنجم المعروف عادة بقدرته على اجتذاب الجماهير في الحفلات الكبرى، وعلى تسجيل حضور قوي في الساحة الموسيقية، يختار الظهور في صيغة تقوم على «تقليل المؤثرات» لا زيادتها. لا استعراضات ضخمة، ولا تنافسات نارية، ولا حبكة مصطنعة. فقط مكان معزول، وحياة يومية، ومجموعة من الضيوف، وكاميرا تبحث عن الكيمياء بين الشخصيات.
هذه المغامرة محفوفة بالمخاطر بطبيعة الحال، لأن النجومية وحدها لا تكفي لإنجاح هذا النوع من البرامج. على العكس، قد تنقلب النجومية عبئاً إذا ظهر النجم متصنعاً أو حذراً أكثر من اللازم. لذلك يكتسب خبر البرنامج ثقله من حقيقة أن إم يونغ-وون سبق أن خاض تجربة مشابهة وخرج منها بصورة إيجابية. والجمهور الذي رأى فيه سابقاً قدرة على الانسجام مع إيقاع الحياة اليومية، ينتظر اليوم اختباراً جديداً: هل يستطيع أن يحافظ على الجاذبية نفسها حين تتبدل البيئة وتتسع دائرة المشاركين؟
تشكيلة الضيوف: سر الإيقاع غير المتوقع
أحد العناصر التي تمنح البرنامج الجديد ثقله الإعلامي هو تركيبة المشاركين إلى جانب إم يونغ-وون. فالقائمة المعلنة تجمع ممثلين مثل تشا سيونغ-وون وهيون بونغ-سيك وكيم دو-هون، إلى جانب أسماء من عالم الكوميديا مثل هو كيونغ-هوان وكواك بوم، فضلاً عن موسيقيين ومغنين مثل جو جاز، ونكسال، وروي كيم. وفي منطق البرامج الكورية المنوعة، هذه التركيبة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل جزء من بنية العمل ذاته.
البرنامج المنوع في كوريا يقوم في كثير من الأحيان على فكرة «الأنسامبل» أو الجماعة المتنوعة التي يُبنى الترفيه فيها على التباين بين الطباع والخلفيات. هناك الممثل الذي يبدو رزيناً في أعماله الدرامية ثم ينكشف في البرامج عن حس فكاهي مفاجئ، والكوميدي الذي يدفع الإيقاع إلى الأمام، والمغني الذي يلعب دور الجسر العاطفي أو الهادئ بين الجميع. والرهان هنا يكون على ما سيحدث بين هذه الشخصيات، لا على ما سيحدث لواحدة منها فقط.
بالنسبة إلى المشاهد العربي الذي ربما يعرف بعض هذه الأسماء ويجهل بعضها الآخر، يمكن تشبيه الأمر ببرنامج يجمع تحت سقف واحد ممثلين من الصف الأول، ومقدمي ترفيه بارعين، ومغنين لديهم قواعد جماهيرية مختلفة، ثم يترك لهم مجالاً واسعاً لخلق مفاجآت الموقف والحديث والعمل المشترك. هذا النوع من البرامج ينجح حين تكون هناك قدرة على خلق إيقاع حي من دون شعور الفبركة. لذلك يصبح اختيار الضيوف في حد ذاته عنواناً على نية الإنتاج: هل يريد برنامجاً قائماً على نجم واحد، أم عملاً مفتوحاً على احتمالات جماعية؟
المؤشرات الأولية توحي بأن «أعزب الجبل يونغ-وون» ينتمي إلى الفئة الثانية. صحيح أن إم يونغ-وون هو المحور الأساس، لكن الأسماء المحيطة به توحي بأن الإنتاج لا يريد فقط استثمار شعبيته، بل يريد أيضاً صناعة مساحة تلتقي فيها جماهير متعددة: محبو الدراما، وجمهور البرامج الكوميدية، وعشاق الأغنية الكورية بمشاربها المختلفة. وهذه نقطة ذكية في تسويق البرنامج، لأن النجاح في العصر الرقمي لا يقاس بمشاهدة داخلية فقط، بل بقدرة العمل على توليد مقاطع متداولة ونقاشات متعددة على المنصات الاجتماعية.
لماذا تبدو هذه الخطوة مهمة في مسار إم يونغ-وون؟
إم يونغ-وون ليس اسماً عادياً في المشهد الغنائي الكوري. هو من النجوم الذين تمكنوا من بناء صورة واسعة تتجاوز الفئة العمرية الضيقة التي ترتبط عادة ببعض أنماط البوب الكوري. قوته لا تأتي من جماهيرية شبابية صاخبة فقط، بل من قبول شعبي أوسع، ومن حضوره في أنماط غنائية قريبة من الذائقة العامة، وهو ما جعله قادراً على مخاطبة شرائح متنوعة داخل المجتمع الكوري. ولهذا السبب بالذات، فإن انتقاله إلى البرامج الحياتية ليس انتقالاً جانبياً، بل استثمار واعٍ في رأس مال رمزي كبير.
في الفن العربي نعرف جيداً كيف يمكن للفنان أن يربح جمهوراً جديداً حين يخرج من قوالب الأداء المعتادة. كثير من المطربين العرب الذين رسخوا أسماءهم بالأغنية فقط، اصطدموا لاحقاً بعجزهم عن حمل مقابلة ممتدة أو برنامج تلفزيوني أو حتى حضور عفوي خارج النص. في المقابل، هناك فنانون زادت شعبيتهم لأن الناس شعروا بأنهم قريبون، «أبناء بيت» بالمعنى الشعبي، لا مجرد أصوات جميلة. ما يحدث مع إم يونغ-وون في التجربة الكورية قريب من هذا المعنى، وإن كان يُدار ضمن ماكينة إعلامية أكثر تعقيداً وتنظيماً.
البرنامج الجديد يمنحه فرصة إضافية لتثبيت هذه الصورة: نجم ناجح، لكنه ليس أسير المسرح. مغنٍ معروف، لكنه قادر أيضاً على أن يكون رفيقاً لطيفاً في بيت جبلي، وشخصية يمكن للمشاهد أن يتخيلها في لحظات البساطة اليومية. وفي زمن تتراجع فيه الحدود بين الفن والترفيه والحضور الرقمي، تصبح هذه المرونة جزءاً من تعريف النجومية نفسها. لم يعد الفنان فقط من يطرح الأغاني ويختفي، بل من يستطيع الاستمرار في السرد، والظهور، وصناعة الألفة.
واللافت أن الأخبار المتداولة حول البرنامج لا تركز على عنصر صدامي أو حبكة تنافسية، بل على شخصية إم يونغ-وون وقدرته على قيادة هذا العالم البسيط. وهذه إشارة إلى ثقة كبيرة من الجهة المنتجة ومن وكالته الفنية في أن الرهان ليس على «حدث» استثنائي بل على «حضور» استثنائي. وفي لغة الصناعة، هذا مؤشر على انتقال الفنان من خانة الضيف المطلوب إلى خانة الاسم القادر على جرّ الصيغة نفسها خلفه.
إرث البرنامج السابق وجائزة ESG: ما الذي يعنيه ذلك؟
من العناصر المهمة في خلفية هذه العودة أن برنامج إم يونغ-وون السابق لم يكن مجرد حالة عابرة صنعت ضجة ثم اختفت. فقد جرى التعامل معه بوصفه تجربة تركت أثراً كافياً لتبرير استكمالها بصيغة جديدة. وتزداد أهمية هذه النقطة حين نعلم أن التجربة السابقة ارتبطت أيضاً بتقدير مؤسسي تمثل في منحه جائزة ضمن «جوائز SBS الترفيهية»، وتحديداً جائزة ESG.
ولأن هذا المصطلح قد لا يكون واضحاً لكل القراء، فمن الضروري شرحه. ESG هو اختصار لمفاهيم البيئة والمجتمع والحوكمة، وقد انتشر عالمياً في السنوات الأخيرة في سياق تقييم الشركات والمشروعات من حيث الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية. لكن استخدامه في الجوائز الترفيهية يأخذ معنى أوسع: تكريم المحتوى أو الشخصيات التي تعكس قيماً إيجابية مثل التعايش، والمسؤولية، والرسالة الاجتماعية، واحترام البيئة أو المجتمعات المحلية. بمعنى آخر، لم يُنظر إلى البرنامج السابق فقط على أنه مادة ممتعة، بل على أنه يحمل مزاجاً ورسالةً تتناغمان مع خطاب الاستدامة والتكافل.
هذا الجانب مهم جداً لفهم الحماس المحيط بالعمل الجديد. ففي الإعلام الكوري الحديث، تتزايد قيمة المحتوى الذي يبدو دافئاً ومسؤولاً في الوقت نفسه، لا سيما حين يرتبط بالطبيعة أو بالمجتمعات المحلية أو بأنماط العيش الأقل استهلاكاً وضجيجاً. وهنا يمكن القول إن «أعزب الجبل يونغ-وون» لا يبدأ من نقطة الصفر، بل من رصيد معنوي وجماهيري سبق بناؤه. والجمهور لا ينتظر فقط جرعة جديدة من الطرافة، بل ينتظر استمراراً لذلك الانطباع المريح الذي تركه العمل السابق.
لكن هذا الإرث يحمل في الوقت نفسه عبئاً واضحاً. فكل جزء ثانٍ أو امتداد معنوي لنجاح سابق يواجه السؤال نفسه: هل يستطيع أن يضيف، أم سيكتفي بإعادة إنتاج الوصفة؟ لذلك ستكون المقارنة حاضرة منذ الحلقة الأولى، ليس فقط بين البحر والجبل، بل بين إحساس الاكتشاف في التجربة الأولى ومتطلبات النضج في التجربة الجديدة.
كيف يقرأ الجمهور العربي هذا النوع من الأخبار ضمن الموجة الكورية؟
قد يتساءل البعض: لماذا يستحق خبر برنامج ترفيهي محلي في كوريا كل هذا الاهتمام خارجها؟ الإجابة ببساطة أن الموجة الكورية لم تعد تقوم على الأغاني والمسلسلات وحدها. فالجمهور العالمي، ومنه الجمهور العربي، بات يتابع المنظومة الثقافية الكورية بوصفها شبكة مترابطة: الدراما، والموسيقى، والبرامج المنوعة، والموضة، والطعام، وحتى أساليب الحياة اليومية. ومن هنا تصبح الأخبار المتعلقة بإعادة تشكيل صورة نجم بحجم إم يونغ-وون جزءاً أصيلاً من فهم هذه المنظومة.
في العالم العربي، نمت خلال السنوات الماضية قاعدة واسعة من المتابعين الذين لا يكتفون بمشاهدة الدراما الرومانسية أو الاستماع إلى فرق البوب، بل يتابعون أيضاً البرامج الكورية لما تكشفه عن المجتمع والعلاقات ولغة الجسد وآداب الطعام والضيافة وأنماط العمل. وهذه البرامج تحديداً تلعب دور «النافذة الثقافية» التي يرى منها الجمهور حياة الكوريين خارج النصوص الدرامية المشغولة بعناية. لذلك فإن برنامجاً مثل «أعزب الجبل يونغ-وون» لا يقدّم فقط نجماً في إطار جديد، بل يقدّم أيضاً صورة عن الطريقة التي تواصل بها الصناعة الكورية بناء الألفة بين الفنان ومتابعيه.
ويمكن القول إن هذا النوع من الأخبار له جاذبية خاصة لدى القراء العرب لأنه يلامس مفهوماً قريباً من وجدان المنطقة: قيمة البساطة في مواجهة الإفراط، والبحث عن الصدق الإنساني وسط عالم استعراضي. في ثقافتنا العربية، كما في كثير من الثقافات، هناك تقدير دائم للشخصية التي تنجح رغم الشهرة في الاحتفاظ بقدر من التواضع والقرب من الناس. والإعلام الكوري يجيد استثمار هذا المعنى، لا سيما حين يضع نجماً معروفاً في بيت ريفي أو فضاء طبيعي بعيد عن بريق العاصمة.
كما أن وجود البرنامج على قناة كبرى مثل SBS يمنحه ثقلاً جماهيرياً إضافياً. فالأمر لا يتعلق بإنتاج هامشي أو محتوى رقمي محدود، بل بعمل سيُعرض على منصة تلفزيونية رئيسية، ما يعني أن صانعيه يراهنون على جمهور واسع، وعلى أثر يتجاوز الفئة المخلصة للنجم وحدها. وهذا بدوره يزيد احتمالات انتقال البرنامج بسرعة إلى دوائر النقاش الدولية، سواء عبر الترجمة، أو المقاطع القصيرة، أو تغطيات الصحافة المتخصصة في الثقافة الكورية.
ما الذي يمكن توقعه عند انطلاق البث؟
حتى الآن، المعلومات المؤكدة تظل محصورة في الخطوط الكبرى: موعد العرض في 23 من الشهر، طبيعة البرنامج بوصفه تجربة حياة يومية في بيت جبلي ناءٍ، ووجود تشكيلة متنوعة من المشاركين إلى جانب إم يونغ-وون. لكن هذه العناصر وحدها تكفي لتكوين صورة أولية عن الاتجاه الذي يسلكه العمل. نحن أمام برنامج يريد أن يربح الجمهور لا بالصخب بل بالمزاج، ولا بالمنافسة بل بالألفة، ولا بالمفاجآت الصاخبة بل بتفاصيل الحياة.
هل ينجح؟ من المبكر إصدار حكم حاسم، فمثل هذه الأعمال تُختبر فعلياً في الحلقة الأولى والثانية، حين يتضح ما إذا كانت الكيمياء بين الشخصيات حقيقية، وما إذا كان المكان قادراً على إنتاج لحظاته الخاصة، وما إذا كان النجم المحوري قادراً على الإمساك بالإيقاع من دون افتعال. لكن المؤشرات المسبقة تمنح البرنامج نقطة انطلاق قوية: رصيد سابق ناجح، مفهوم واضح، فضاء بصري جاذب، وأسماء قادرة على توليد تفاعل متنوع.
بالنسبة إلى متابعي إم يونغ-وون، يبدو البرنامج فرصة لرؤية نجمهم المفضل بعيداً عن صرامة المسرح وتوقعات الأداء الغنائي. وبالنسبة إلى الجمهور الأوسع، قد يكون مناسبة لاكتشاف لماذا تملك البرامج الكورية المنوعة كل هذه القدرة على تحويل اليومي والعابر إلى مادة مشاهدة مؤثرة. أما بالنسبة إلى المتابع العربي تحديداً، فثمة قيمة إضافية في هذا النوع من المحتوى: إنه يذكّر بأن سر نجاح الموجة الكورية لا يكمن في الإنتاج الضخم وحده، بل في فهم عميق لكيفية صناعة القرب، وكيف يمكن للنجم أن يبقى محبوباً لأنه يبدو، ولو على الشاشة، إنساناً عادياً في ظروف غير عادية.
في النهاية، عودة إم يونغ-وون من «الجزيرة» إلى «الجبل» ليست مجرد حركة جغرافية داخل عنوان برنامج جديد، بل انتقال رمزي داخل مسار نجومية تعرف جيداً كيف تتجدد. إنها محاولة لقول شيء بسيط لكنه مهم في صناعة الترفيه الحديثة: الجمهور لا يريد فقط أن يسمع النجم، بل يريد أن يعيش معه لحظات من الحياة، وأن يراه يتعثر ويضحك ويشارك الآخرين إيقاع يوم لا تحكمه الأضواء وحدها. وإذا نجح البرنامج في تقديم هذا الوعد بصدق، فمن المرجح أن يصبح واحداً من أبرز محطات الصيف الكوري، وأن يجد صداه سريعاً بين جمهور عربي يزداد اهتمامه، عاماً بعد عام، بكل ما يصنع قلب الموجة الكورية لا قشرتها فقط.
0 تعليقات