
نجم مألوف في دور غير مألوف
في صناعة الترفيه الكورية، اعتاد الجمهور أن يرى النجوم وهم يتحركون داخل مساحات آمنة نسبيا: مسلسل رومانسي يضمن الحضور الجماهيري، فيلم تجاري يراهن على الاسم اللامع، أو عودة موسيقية تعيد تثبيت الشعبية. لكن حين يقرر فنان مثل كيم جاي جونغ، المعروف عربيا لدى جمهور الموجة الكورية بوصفه واحدا من الأسماء التي جمعت بين الغناء والتمثيل على مدى سنوات، أن يدخل إلى فيلم رعب ذي حمولة ثقافية كثيفة، فإن الخبر لا يعود مجرد إعلان عن عمل جديد، بل يصبح مؤشرا على مزاج جديد داخل K-Content نفسها. هذا ما يفسر الاهتمام المتزايد بالتصريحات التي أدلى بها الفنان خلال لقاء صحفي في سيول، حين تحدث عن فيلم «شِنسا: همس الأرواح الشريرة» بوصفه عملا يمزج بين الرعب الكوري والرعب الياباني، في توليفة أراد لها أن تقدم نغمة مختلفة عن السائد.
أهمية الخبر لا تنبع فقط من اسم كيم جاي جونغ، بل من طبيعة الشخصية التي يؤديها. في الفيلم، يلعب دور «ميونغ جين»، وهو «باكسو مودانغ»، أي شامان ذكر في الموروث الكوري، يتتبع قضية اختفاء طلاب جامعيين في مدينة كوبيه اليابانية. بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا التوصيف بحاجة إلى شرح إضافي. فالشامانية الكورية، أو «الموسوك» كما تعرف محليا، جزء من التراث الشعبي المرتبط بالطقوس والوساطة بين العالم المرئي والعالم غير المرئي، وهي تختلف عن الصور النمطية الشائعة في بعض الأعمال الغربية عن السحر أو تحضير الأرواح. أما «الباكسو مودانغ» تحديدا، فهو الشامان الذكر، وهي شخصية أقل تداولا في المخيلة العربية من مفردات أخرى أقرب مثل الحكيم الشعبي أو من يزعم قراءة ما وراء الظواهر، لكنها في السياق الكوري تحمل حضورا ثقافيا مركبا بين الخشية والتقدير والجدل.
هنا تحديدا تكمن جاذبية الفيلم: نجم اشتهر بكاريزما الأداء على المسرح، وبحضور بصري مألوف في الدراما، يختار هذه المرة شخصية مشبعة بالرمزية، شديدة الالتصاق بالموروث المحلي، وفي الوقت نفسه منفتحة على فضاء ياباني يحمل تقاليده الخاصة في صناعة الرعب. وباللغة الصحفية المباشرة، يمكن القول إن كيم جاي جونغ لا يبدل ثوبه فقط، بل يختبر المسافة الفاصلة بين «صورة النجم» و«وظيفة الممثل»؛ وهي مسافة غالبا ما تحدد ما إذا كان الفنان يكرر نفسه أم يفتح فعلا صفحة جديدة في مسيرته.
ما الذي يعنيه مزج الرعب الكوري بالرعب الياباني؟
حين قال كيم جاي جونغ إن الفيلم يقدم عملا جديدا يمتزج فيه الطابع المعروف للرعب الياباني مع الرعب الكوري، فإنه كان يضع يده على نقطة جوهرية في فهم هذا المشروع. فالرعب الياباني، كما عرفه جمهور السينما في أنحاء العالم منذ تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، يقوم كثيرا على القلق المتراكم، والفراغات الصامتة، والرهبة التي تنمو داخل التفاصيل اليومية، وعلى الإحساس بأن المكان نفسه يحمل ذاكرة مؤذية. يكفي أن نتذكر كيف تعاملت أفلام يابانية شهيرة مع البيت والمدرسة والممر والمرآة، لا بوصفها ديكورات، بل بوصفها كائنات حية تحفظ أثرا غامضا لا يهدأ.
في المقابل، يميل الرعب الكوري في عدد كبير من نماذجه إلى توظيف العاطفة الجارفة، والصدوع العائلية، والندم، والذاكرة الجمعية، والظلم الذي يعود في صورة لعنة أو انتقام أو شبح. الرعب هنا لا يعيش فقط في الظلال، بل أيضا في العلاقات الإنسانية التي لم تجد خلاصها. ولذلك نجد أن كثيرا من الأعمال الكورية تشتبك مع فكرة «الحن»، أي المرارة العاطفية المتراكمة أو الغصة التاريخية والشخصية التي لا تجد طريقها إلى الشفاء. هذه المفردة ليست سهلة الترجمة حرفيا إلى العربية، لكنها قريبة من ذلك الشعور الذي يختلط فيه الألم بالاحتقان، وتبقى آثاره حاضرة عبر الزمن.
من هذه الزاوية، يبدو فيلم «شِنسا: همس الأرواح الشريرة» كأنه يراهن على حوار بين مدرستين في صناعة الخوف: الياباني الذي يهمس أكثر مما يصرخ، والكوري الذي يدفع الألم إلى الواجهة ثم يلبسه هيئة الرعب. والجمع بينهما ليس فكرة تجميلية أو دعائية فحسب، بل يحمل معنى صناعيا وثقافيا في وقت لم تعد فيه الأعمال الكورية موجهة إلى جمهور محلي فقط. اليوم، تتابع الدراما والأفلام الكورية جماهير واسعة من العالم العربي إلى أميركا اللاتينية وأوروبا، وصار المنتج الكوري أكثر جرأة في خلط الأجناس الفنية والأساليب السردية، لأنه يعرف أن المتلقي العالمي لم يعد يبحث فقط عن «الطابع الكوري» بوصفه علامة جامدة، بل عن قدرته على التجدد.
ولعل القارئ العربي يلمس هنا تشابها مع ما يحدث في صناعات ثقافية أخرى، بما فيها الدراما العربية نفسها، حين تحاول المزج بين المحلي والعابر للحدود. فكما أن المشاهد العربي بات يقرأ المسلسلات التركية أو الكورية من خلال مفاتيح تخصه، فإن الصناعة الكورية أيضا تعيد صياغة أدواتها بما يناسب جمهور ما بعد المنصات الرقمية، جمهور يستهلك العمل في سيول والرياض والقاهرة والدار البيضاء في التوقيت نفسه تقريبا.
كوبيه والمزار المهجور: المكان بوصفه بطلا خفيا
تدور الحبكة الأساسية حول اختفاء طلاب جامعيين شاركوا في مشروع لإحياء إحدى القرى بين كوريا واليابان، قبل أن يتجهوا إلى مزار مهجور في مدينة كوبيه، لتبدأ بعدها سلسلة من الوقائع المقلقة. هذا الاختيار المكاني ليس تفصيلا عابرا. كوبيه، بوصفها مدينة ميناء يابانية في محافظة هيوغو، تحمل في المخيلة الحديثة صورة المدينة المنفتحة، المتصلة بالعالم، والتي عاشت بدورها طبقات من التاريخ والكوارث وإعادة البناء. وعندما يوضع هذا الفضاء داخل فيلم رعب، فإن المفارقة تصبح لافتة: مدينة بحرية حية، لكن في قلبها مكان منسي، مزار مهجور، وذاكرة لم تندثر بالكامل.
في الثقافات الآسيوية عموما، للمكان المهجور وظيفة درامية خاصة. ليس لأنه خال من البشر فقط، بل لأنه مشبع بما تركه البشر وراءهم. والمزار أو «الشِنسا» في السياق الياباني مكان مرتبط بالطقوس والمقدس والذاكرة الجماعية، وحين يتحول إلى موقع مهجور في فيلم رعب، فإننا لا نكون أمام خراب مادي وحسب، بل أمام انقطاع في العلاقة بين المجتمع ومقدساته القديمة. هذا النوع من الفضاءات يثير رهبة مختلفة عن رهبة القصور المسكونة في السينما الغربية مثلا، لأن الخوف هنا يأتي من انتهاك توازن رمزي لا من مجرد وجود شبح يختبئ في الظلام.
أما فكرة اختفاء طلاب جامعيين، فهي تمنح الفيلم بعدا معاصرا لا يكتفي بالخرافة أو الأسطورة. نحن هنا أمام شبان يدخلون مشروعا يفترض أنه يحمل معنى التنمية أو الإحياء المحلي، ثم يجدون أنفسهم في مواجهة ماض لا يريد أن يظل مطمورا. ومن اللافت أن أحد محركات الأحداث هي شخصية «يومي»، مديرة المشروع، التي تتواصل مع «ميونغ جين» طالبا للمساعدة. هذه الثنائية بين مدير مشروع يعمل بلغة التخطيط والإدارة، وشامان يقرأ ما وراء المرئي، تبدو في حد ذاتها مدخلا ذكيا لصراع بين منطقين: منطق الحداثة الذي يريد تفسير كل شيء وإعادة تأهيله، ومنطق الذاكرة الروحية التي ترفض أن تختزل في ملفات وتنمية عمرانية.
القارئ العربي لن يجد صعوبة في التقاط صدى هذه الفكرة. في كثير من مدننا وقُرانا أيضا، ثمة أماكن يحيط بها الناس بهالة من الحذر، ليس بالضرورة بسبب الدين بمعناه الضيق، بل بسبب تاريخ شفهي طويل يجعل من بعض المواقع «أماكن لا تمس». وحين تأتي الحداثة لتعيد استخدامها أو تدويرها، تنشأ حكايات عن الأرواح واللعنات والاختفاء. قد تبدو هذه الحكايات متباعدة جغرافيا بين شرق آسيا والعالم العربي، لكنها تكشف حاجة إنسانية مشتركة إلى تفسير الخوف حين يصطدم التطوير بذاكرة المكان.
كيم جاي جونغ بين شعبية النجم ورهانات الممثل
من يتابع مسيرة كيم جاي جونغ يدرك أن الرجل لم يكن يوما مجرد اسم موسيقي عابر. فقد بنى قاعدة جماهيرية عابرة للحدود منذ سنوات طويلة، ونجح في الانتقال إلى التمثيل عبر أعمال أتاحت له تقديم شخصيات متنوعة، من الرجل المرتبط بعالم الجريمة والمقامرة، إلى العميل الأمني، إلى النجم الذي يسخر من صورته العامة. غير أن الدور الجديد يفرض عليه نوعا مختلفا من الاختبار. فالشخصية هذه المرة ليست وظيفة اجتماعية يمكن تمثيلها عبر الأزياء أو نبرة الصوت فقط، بل هي وسيط رمزي بين عوالم متقاطعة، وعلى الممثل أن يقنع الجمهور بأنه ينتمي فعلا إلى هذا الحيز.
في الصحافة الثقافية العربية، كثيرا ما يطرح السؤال نفسه عند انتقال المغني إلى التمثيل: هل نرى الشخصية أم نرى الشهرة؟ وفي حالات كثيرة تبقى النجومية أقوى من الدور. لكن في أفلام الرعب تحديدا، لا ينجح هذا التوازن بسهولة، لأن الرعب من أكثر الأنواع التي تفضح التمثيل المصطنع. فإذا لم يصدق المشاهد أن الشخصية تشعر، تسمع، ترتجف، وتقرأ الإشارات الخفية، انهار الإيهام كله. ولذلك فإن اختيار كيم جاي جونغ لدور «باكسو مودانغ» يوحي بأنه يراهن على كسر هذه المسافة، وربما على تفكيك بعض ملامح صورته المعروفة لدى جمهوره.
الأمر يشبه، بمعنى ما، عندما يقرر مطرب جماهيري عربي أن يترك منطقة الأغنية العاطفية المضمونة، ويتجه إلى عمل سينمائي نفسي أو تاريخي يحتاج منه إلى خلع هالة النجم وارتداء هشاشة الشخصية. الجمهور قد يذهب بدافع الفضول أولا، لكنه لن يبقى إلا إذا وجد صدقا فنيا حقيقيا. لهذا تبدو المغامرة التي يقوم بها كيم جاي جونغ أقرب إلى إعلان مهني يقول فيه إن المسيرة لا تتوسع فقط بتكرار النجاح، بل أحيانا بمخاطرة محسوبة تغير علاقة الفنان بجمهوره.
كما أن لهذا الاختيار بعدا يتعلق بالجمهور العالمي نفسه. فمحبو الكيبوب، ومن بينهم جمهور عربي واسع، اعتادوا رؤية النجوم في صيغ لامعة: حفلات، أزياء، إيقاع، لقاءات جماهيرية، أعمال درامية ذات جاذبية مباشرة. أما الآن، فنحن أمام احتمال رؤية هذا النجم في مساحة يعلو فيها الغموض على اللمعان، والطقس على الاستعراض، والقلق على الرومانسية. هذه النقلة، إن نجحت، قد تمنح الفنان دفعة كبيرة بوصفه ممثلا، لا مجرد اسم جماهيري يعبر بين الوسائط الفنية.
المؤتمر الصحفي في سيول: عندما تشرح الصناعة نفسها بنفسها
اللقاء الصحفي الذي عقد في مجمع CGV يونغسان آي بارك مول في سيول لم يكن مجرد محطة ترويجية عادية، بل بدا كأنه مناسبة لتعريف العمل بلغته الخاصة. في الصناعة الكورية، تحظى العروض الصحفية والمؤتمرات التي تسبق الإطلاق أو ترافقه بأهمية خاصة، لأنها تتحول إلى مساحة يشرح فيها الفنانون والمنتجون المقاصد الجمالية والرهانات التجارية في آن واحد. ومن اللافت أن كيم جاي جونغ لم يكتف بالحديث عن دوره، بل ركز على البعد النوعي للفيلم، أي على المزج بين الرعبين الكوري والياباني. وهذا في حد ذاته اعتراف بأن «هوية العمل» هي نقطة البيع الأساسية هنا، لا مجرد حضور نجم معروف.
في سوق ثقافي شديد التنافس، لا يكفي اليوم أن تقول إن لديك فيلما جديدا من بطولة اسم مشهور. المنصات الرقمية، وتسارع الاستهلاك، وتبدل أذواق الجمهور، كلها دفعت المنتجين إلى البحث عن «فكرة قابلة للتداول» تميز العمل قبل عرضه. في حالة «شِنسا: همس الأرواح الشريرة»، تبدو هذه الفكرة واضحة: رعب عابر للحدود، بطل كوري يواجه غموضا في اليابان، وشخصية تنتمي إلى التراث الشعبي الكوري داخل إطار سينمائي يتكئ على حساسية يابانية معروفة في صناعة الخوف.
هذا الوعي بتسويق الفكرة لا يعني بالضرورة أن الفيلم مجرد منتج حسابي. على العكس، قد يكون مؤشرا إلى نضج في طريقة تقديم المحتوى. فالصناعة الكورية تعلمت خلال العقدين الأخيرين كيف تحول خصوصيتها المحلية إلى لغة عالمية من دون أن تذيب فروقها الثقافية بالكامل. ولذلك، عندما يتحدث صناع العمل عن «K-horror» و«J-horror» في جملة واحدة، فهم لا يصفون المزاج الفني فقط، بل يتعاملون مع مصطلحات صارت مفهومة لدى جمهور عالمي يتابع هذه الأنواع كما يتابع مدارس سينمائية قائمة بذاتها.
ومن زاوية عربية، ثمة فائدة أخرى في هذه المؤتمرات والتصريحات: إنها تساعد المتلقي غير الكوري على التقاط المفاتيح اللازمة لفهم العمل قبل دخوله إليه. فحين نعرف أن البطل شامان كوري، وأن المكان مزار ياباني مهجور، وأن الفيلم يزاوج بين تقاليد رعب مختلفة، فإننا نكون أكثر استعدادا لقراءة الرموز وعدم التعامل مع المادة كأنها مجرد قصة أشباح عابرة.
ما الذي تقوله هذه الخطوة عن اتساع الموجة الكورية؟
من السهل النظر إلى الخبر باعتباره خطوة جديدة في مسيرة فنان واحد، لكن الأهم ربما هو ما يكشفه عن المرحلة التي وصلت إليها الموجة الكورية نفسها. فـ«الهاليو»، أو الموجة الكورية، لم تعد قائمة فقط على تصدير الدراما الرومانسية أو فرق الكيبوب اللامعة، بل صارت شبكة ثقافية أوسع تتحرك فيها الأنواع الفنية بحرية أكبر. اليوم نرى أعمالا كورية عن الطب الشرعي، وعن الأحياء الشعبية، وعن الوحوش، وعن التاريخ البديل، وعن الخيال العلمي، وعن الرعب المتصل بالمعتقدات الشعبية. وهذا التنوع ليس رفاهية، بل ضرورة لصناعة تريد الحفاظ على حضورها العالمي.
في هذا السياق، يبدو فيلم «شِنسا: همس الأرواح الشريرة» جزءا من مرحلة تبحث فيها كوريا الجنوبية عن توسيع حدود ما يسمى «المحتوى الكوري» من دون فقدان نواته المحلية. فهي لا تتخلى عن عناصرها الخاصة، مثل الشامانية والذاكرة الجمعية والتوترات العاطفية، لكنها تدخلها في حوار مع بيئات أخرى، هنا مع اليابان تحديدا. والمفارقة أن هذه الحركة تأتي في ظل تاريخ معقد بين البلدين، ما يجعل التعاون أو التداخل الثقافي بينهما محملا أيضا بدلالات تتجاوز الشاشة، حتى لو ظل الفيلم نفسه عملا فنيا لا بيانا سياسيا.
بالنسبة إلى الجمهور العربي، فإن مثل هذه الأعمال تكتسب جاذبيتها من كونها تفتح نافذة على شرق آسيا من زاوية أكثر تعقيدا من الصورة السياحية أو الموسيقية المعتادة. فالمشاهد العربي الذي دخل إلى الثقافة الكورية عبر الأغنية أو المسلسل الرومانسي، يجد نفسه هنا أمام أبواب أخرى: معتقدات شعبية، طبقات تاريخية، حساسية مختلفة تجاه المقدس والمكان والذاكرة. وهذا بالضبط ما يصنع الاستمرارية الثقافية لأي موجة عالمية: أن تكون قادرة على تقديم نفسها بأكثر من وجه، وأن تحتفظ بقدرتها على المفاجأة.
كما أن الفيلم يعكس حقيقة أساسية في زمن المنصات: الحدود الجغرافية لم تعد تحدد وحدها دورة حياة العمل. قد يعرض الفيلم في آسيا أولا، لكن نقاشاته وصوره ومقاطع الترويج له ستصل في لحظات إلى الجمهور العربي الذي بات جزءا من هذه الدائرة التلقيّة العالمية. ومن ثم، فإن خبر اختيار كيم جاي جونغ لهذا الدور ليس خبرا محليا خالصا، بل مادة ثقافية عابرة للأقاليم، لأنها تتعلق بنجم يعرفه الجمهور، وبنوع سينمائي له جمهور متزايد، وبمزج ثقافي ينسجم مع روح العصر.
بين الذاكرة والخوف: لماذا يستحق الفيلم المتابعة؟
حتى قبل مشاهدة الفيلم كاملا، يمكن رصد عدة أسباب تجعل هذا المشروع جديرا بالمتابعة النقدية والجماهيرية. أولها أنه يختبر منطقة خصبة في السينما الآسيوية، هي منطقة الرعب المتصل بالموروث، لا الرعب المصنع على مقاس المفاجآت البصرية وحدها. وثانيها أنه يضع فنانا معروفا أمام تحد تمثيلي قد يعيد تعريف حضوره في الشاشة. وثالثها أنه يشتغل على مكان دلالي قوي، هو المزار المهجور، وعلى حدث شديد الفاعلية دراميا، هو اختفاء الشباب داخل مشروع يفترض أنه يحمل نوايا إيجابية.
الأفلام التي تمزج بين التحقيق والغموض والماورائيات غالبا ما تنجح حين تحافظ على توازن دقيق: ألا تبتلع الأسطورة المنطق السردي، وألا يقتل الشرح الزائد رهبة المجهول. وإذا استطاع «شِنسا: همس الأرواح الشريرة» أن يحافظ على هذا التوازن، فقد يجد لنفسه موقعا لافتا داخل ساحة الرعب الآسيوي المعاصر. فالجمهور اليوم أكثر دراية بالأنواع، وأكثر حساسية تجاه التكرار، ولم يعد يكفيه مجرد استدعاء الأشباح والطقوس كي يشعر بالجدة.
يبقى العامل الحاسم هو التنفيذ: كيف ستجسد شخصية «ميونغ جين»؟ كيف سيبني الفيلم العلاقة بين «يومي» ووسيطها القادم من كوريا؟ كيف ستستخدم كوبيه والمزار المهجور لا كخلفية فوتوغرافية بل كقوة درامية حية؟ ثم كيف سيترجم الفيلم عمليا هذا الحديث عن امتزاج الرعب الكوري والياباني؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان العمل سيبقى في حدود الفكرة المثيرة، أم يتحول إلى محطة فعلية في تطور الرعب الآسيوي التجاري.
لكن ما يمكن قوله منذ الآن هو أن كيم جاي جونغ اختار خطوة تحمل معنى مهنيا يتجاوز الرغبة في الظهور. إنه يدخل إلى فضاء محفوف بالمخاطر الفنية، حيث لا تحمي النجومية صاحبها إذا لم يقنع الجمهور، وحيث تكون الخصوصية الثقافية سلاحا ذا حدين: قد تمنح العمل فرادته، وقد تجعله عصيا على من لا يلتقط مفاتيحه. غير أن هذه المجازفة نفسها هي ما يجعل الخبر لافتا. ففي زمن يعاد فيه تدوير الصيغ الناجحة بلا توقف، يبقى الرهان على المختلف، ولو كان محفوفا بالغموض، علامة صحة داخل أي صناعة ثقافية تريد أن تستمر.
من هنا، فإن «شِنسا: همس الأرواح الشريرة» ليس مجرد فيلم رعب جديد يضاف إلى رزنامة العروض المقبلة، بل مشروع يكشف كيف تتحرك الثقافة الكورية اليوم: إلى الأمام، وعبر الحدود، ومن داخل تراثها في الوقت نفسه. وبين نجم يعرفه الجمهور جيدا، ودور لم يعتد رؤيته فيه، ومكان يختزن رهبة آسيوية خاصة، تبدو كل العناصر مهيأة لعمل قد يثير نقاشا أوسع من مجرد سؤال: هل الفيلم مخيف؟ بل ربما يطرح سؤالا أكثر أهمية: كيف يعيد الشرق الآسيوي سرد خوفه للعالم، وبأي وجوه جديدة؟
0 تعليقات