광고환영

광고문의환영

من تايبيك إلى هانوي: كيف تتحول كوريا الجنوبية إلى مدرسة آسيوية في تدريب الإطفاء وإدارة الكوارث؟

من تايبيك إلى هانوي: كيف تتحول كوريا الجنوبية إلى مدرسة آسيوية في تدريب الإطفاء وإدارة الكوارث؟

تدريب يتجاوز البروتوكول ويكشف وجهاً آخر لكوريا

في الوقت الذي يعرف فيه كثير من القراء العرب كوريا الجنوبية من بوابة الدراما، ونجوم الكيبوب، ومستحضرات التجميل، تكشف أخبار أقل صخباً، لكنها أكثر عمقاً، عن وجه آخر للدولة الآسيوية الصاعدة: وجه المؤسسات العامة التي تصدر خبراتها كما تصدر ثقافتها الشعبية. هذا الأسبوع، اختتمت مدرسة الإطفاء في إقليم غانغوون الكوري الجنوبي الدورة الخامسة من برنامج «القيادة العالمية في الإطفاء»، بمشاركة 20 مسؤولاً وخبيراً من فيتنام، في خطوة تعكس كيف باتت سيول تنظر إلى «القوة الناعمة» من منظور أوسع يشمل السلامة العامة، والتعليم المهني، وإدارة الطوارئ.

بحسب المعطيات المعلنة، ضمت الدورة عشرة رجال إطفاء من مقاطعة لام دونغ الفيتنامية، إلى جانب عشرة أساتذة من جامعة هانوي للإطفاء. وأقيمت الدورة في مدينة تايبيك، حيث أمضى المشاركون نحو أسبوعين يتدربون على تقنيات الإطفاء الكورية، وآليات الإسعاف الأولي، وأساليب السيطرة على مواقع الحوادث، إضافة إلى تطوير قدرات القيادة الميدانية في ظروف الكوارث.

قد يبدو الخبر، للوهلة الأولى، شأناً فنياً يخص الأجهزة المختصة فقط. لكن التمعن فيه يكشف دلالات أوسع بكثير. فحين تستضيف دولة آسيوية كوادر إطفاء من دولة أخرى لتلقينهم خبرة ميدانية، فإن الأمر لا يتعلق بتبادل زيارات أو صور تذكارية، بل بنقل معرفة مؤسسية تراكمت عبر سنوات من التعامل مع الحرائق، والانهيارات، والفيضانات، وحوادث المدن الكثيفة. إنها دبلوماسية من نوع مختلف؛ دبلوماسية لا تبنى على الخطب وحدها، بل على غرف التدريب، وتمارين الإنقاذ، ومحاكاة اللحظات التي تفصل بين الحياة والموت.

بالنسبة للقارئ العربي، يمكن فهم أهمية هذا النوع من التعاون إذا استحضرنا ما شهدته مدن عربية في السنوات الأخيرة من حرائق في أبراج وأسواق ومستشفيات ومناطق صناعية، وكيف يتصدر رجال الإطفاء والمُسعفون المشهد في اللحظات الأولى قبل أن تصل التغطيات التلفزيونية أو البيانات الرسمية. عندها يصبح السؤال أكثر وضوحاً: ما الذي يجعل منظومة استجابة للطوارئ ناجحة؟ هل هو توفر المعدات فقط؟ أم قدرة القائد الميداني على اتخاذ القرار بسرعة؟ أم التنسيق بين الفرق؟ ما جرى في تايبيك يوحي بأن كوريا الجنوبية تريد أن تقول إن السر يكمن في «النظام» أكثر من الأداة.

من هم المشاركون؟ ولماذا تبدو تركيبة الدورة لافتة؟

أهمية الدورة لا تكمن في عدد المشاركين فحسب، بل في نوعية الجهات التي يمثلونها. فالعشرة القادمون من لام دونغ يمثلون الاحتكاك المباشر مع الحوادث على الأرض، بينما يمثل أساتذة جامعة هانوي للإطفاء جانب التعليم والتأهيل وصناعة المناهج. هذا الجمع بين «الميدان» و«القاعة الدراسية» ليس تفصيلاً ثانوياً، بل يكشف عن تصميم مدروس للدورة، بحيث لا تعود الخبرة الكورية إلى فيتنام محصورة بمن حضر التدريب، بل قابلة للانتقال إلى أجيال أخرى من المتدربين عبر الجامعات ومراكز الإعداد.

في منطقتنا العربية، يعرف العاملون في قطاعات الأمن المدني أن الفجوة بين الجانب النظري والممارسة الميدانية قد تكون مكلفة جداً. ففي بعض الأحيان، تمتلك المؤسسات أدلة عمل جيدة على الورق، لكن التطبيق يتعثر عند أول اختبار حقيقي. وفي أحيان أخرى، يبرع رجال الميدان بالخبرة الشخصية، لكن دون أن تتحول تلك الخبرة إلى مناهج مستدامة تُدرّس وتُقيَّم وتُحدَّث. لذلك، تبدو الصيغة الكورية-الفيتنامية في هذه الدورة جديرة بالانتباه، لأنها تراهن على الجمع بين من يطفئ النار فعلاً، ومن يدرّس كيفية التعامل معها.

ولعل هذا ما يفسر تركيز البرنامج على أكثر من مستوى تدريبي في وقت واحد. فليس المقصود أن يعود المشاركون إلى بلادهم وهم يعرفون استخدام نوع معين من المعدات أو تطبيق بروتوكول إسعافي بعينه فحسب، بل أن يعودوا أيضاً وهم يملكون تصوراً أوضح لكيفية تنظيم التدريب نفسه، وكيفية بناء استجابة متكاملة تبدأ من لحظة البلاغ ولا تنتهي إلا بعد تأمين الموقع وإنقاذ المصابين واحتواء المخاطر الثانوية.

هذا البعد المؤسسي يهم القارئ العربي لأنه قريب من نقاشات أوسع تدور في المنطقة حول تحديث الأجهزة الخدمية، من الدفاع المدني إلى الإسعاف إلى البلديات. فالتحديث الحقيقي لا يعني شراء مركبات أحدث فقط، تماماً كما أن نهضة التعليم لا تختزل ببناء مدارس جديدة من دون تطوير المناهج. الخبرة الكورية هنا تطرح نموذجاً يقول إن القوة في طريقة الربط بين التدريب، والقيادة، والانضباط، والتقييم المستمر.

ماذا تعلم الوفد الفيتنامي في كوريا؟ التقنية وحدها لا تكفي

المعلومات المتاحة عن الدورة تشير إلى أن المشاركين تلقوا تدريباً على تقنيات الإطفاء الكورية، وعلى نظم العمل المعتمدة في مواجهة الحوادث، إلى جانب التدريب على إسعاف المصابين، وإدارة الموقع، وتعزيز الكفاءة القيادية. وهذه العناوين، وإن بدت تقنية، تفتح باباً لفهم فلسفة الاستجابة للكوارث في كوريا الجنوبية.

في ثقافة الطوارئ الحديثة، لا تُقاس كفاءة رجل الإطفاء بقدرته على حمل الخرطوم أو دخول المبنى المشتعل فقط، بل بقدرته على قراءة المشهد خلال ثوانٍ: أين الخطر الأكبر؟ من يحتاج الإنقاذ أولاً؟ كيف يمكن منع انتشار الحريق؟ ما المسار الآمن لخروج المدنيين؟ ومتى يتحول الإنقاذ إلى مخاطرة غير محسوبة على الفريق نفسه؟ هذه الأسئلة هي قلب العمل الميداني، وهي التي تصنع الفارق بين تدخل مرتب وآخر فوضوي.

التدريب على إسعاف المصابين يحمل دلالة خاصة كذلك. ففي كثير من الحوادث، يكون أول شخص يلمس جسد المصاب ليس الطبيب، بل رجل الإطفاء أو عنصر الإنقاذ. وهذا شبيه بما نراه في حوادث الطرق السريعة أو انهيارات المباني أو حرائق الورش والأسواق، حيث تصبح الدقائق الأولى حاسمة إلى حد كبير. لذلك، فإن الجمع بين مهارات الإطفاء والمهارات الإسعافية لم يعد ترفاً تدريبياً، بل ضرورة مهنية. وفي كوريا الجنوبية، كما يبدو من طبيعة الدورة، يجري التعامل مع رجل الإطفاء بوصفه عنصراً متعدد الأدوار داخل منظومة الإنقاذ.

أما التدريب على ضبط موقع الكارثة، فهو مفهوم قد لا يلتفت إليه الجمهور عادة، رغم أنه من أكثر عناصر العمل حساسية. السيطرة على الموقع لا تعني فقط إغلاق الشارع أو إبعاد الفضوليين، بل إنشاء نظام يسمح لوحدات الإطفاء والإنقاذ والإسعاف بالعمل دون تضارب. في مدننا العربية كثيراً ما نرى كيف يتحول موقع الحادث إلى مساحة ازدحام مرتبكة، بفعل تجمع المارة أو تعدد الجهات أو ضعف العزل. ولذلك فإن تعليم هذا الجانب يعبّر عن فهم متقدم للكوارث باعتبارها إدارة للمشهد بقدر ما هي مواجهة للنار أو الدخان.

ومن أبرز ما يلفت النظر أيضاً أن الدورة لم تكتف بالتدريب الفني، بل شملت تنمية قدرات القيادة. وفي أدبيات الحماية المدنية، يُنظر إلى القائد الميداني على أنه العقل الذي يضبط الإيقاع بين الفرق المختلفة. هو من يقرر متى يرسل فريقاً إلى الداخل، ومتى يطلب تعزيزات، ومتى يغيّر خطة التدخل. هذه ليست قرارات نظرية؛ إنها قرارات تتخذ تحت ضغط زمني ونفسي شديد. ومن هنا، فإن أي برنامج يولي القيادة هذا الحجم من الاهتمام يعبّر عن وعي بأن الحوادث الكبيرة لا تُدار بالشجاعة الفردية وحدها، بل بعقلية تنظيمية صارمة.

تايبيك ليست سيول: لماذا تحمل المدينة الصغيرة معنى كبيراً؟

من المهم هنا التوقف عند مكان انعقاد الدورة: مدينة تايبيك التابعة لإقليم غانغوون. بالنسبة للمتابع العربي، قد لا يكون الاسم مألوفاً مثل سيول أو بوسان أو جزيرة جيجو، لكن هذه النقطة بالذات جزء من دلالة الخبر. فتايبيك ليست واجهة سياحية عالمية بالمعنى التقليدي، بل مدينة داخلية ترتبط بالتدريب والمؤسسات والبنية المحلية. وهذا يعكس فكرة لافتة في النموذج الكوري: أن القيمة الوطنية لا تتركز كلها في العاصمة أو المدن الكبرى، بل تتوزع أيضاً على أقاليم ومراكز تخصصية تؤدي أدواراً نوعية.

هذه الصورة تختلف عن السردية الشائعة التي تختصر كوريا الجنوبية في الأبراج الزجاجية، ومناطق التسوق، وحفلات الموسيقى، والأطعمة الرائجة في منصات التواصل. هنا نحن أمام كوريا «الأقل استعراضاً» والأكثر مؤسساتية؛ كوريا التي تستقبل وفوداً أجنبية لتطلعها على مدارس الإطفاء ومراكز التدريب وآليات الدولة في حماية المجتمع. ويمكن القول إن هذا الشكل من الزيارات يوسع تعريف «الزيارة إلى كوريا» ليشمل التجربة المهنية والمعرفية، لا التجربة السياحية وحدها.

في العالم العربي، نعرف جيداً كيف تحاول مدن خارج العواصم الكبرى أن تجد لنفسها دوراً متخصصاً، سواء في التعليم أو الطب أو الصناعة أو التدريب العسكري. ومن هذا المنظور، تبدو تايبيك مثالاً جديراً بالانتباه، لأنها تؤكد أن المدن المتوسطة أو الصغيرة يمكن أن تتحول إلى منصات للتعاون الدولي إذا امتلكت مؤسسة قوية وواضحة الوظيفة. ليست كل الدبلوماسية تصنعها وزارات الخارجية؛ أحياناً تصنعها مدرسة تدريب في مدينة بعيدة عن الأضواء.

وهنا تبرز أيضاً مسألة التنمية المحلية. حين تستضيف مدينة كهذه وفداً أجنبياً مهنياً، فإنها لا تقدم صورة عن نفسها فحسب، بل تقدم صورة عن الدولة كلها: كيف تُدرِّب كوادرها؟ كيف تُنظِّم مرافقها؟ كيف تستثمر في التعليم التطبيقي؟ هذه كلها رسائل غير مباشرة، لكنها فعالة، وتشبه إلى حد ما ما فعلته الدراما الكورية حين قدمت للمشاهد العربي تفاصيل الحياة اليومية الكورية، فساهمت في بناء انطباع عام عن المجتمع. الفارق أن مدرسة الإطفاء هنا تؤدي الدور نفسه بلغة المؤسسات لا بلغة الترفيه.

حين تصبح السلامة العامة جزءاً من القوة الناعمة

على مدى العقدين الأخيرين، نجحت كوريا الجنوبية في تثبيت مكانتها العالمية من خلال الثقافة الشعبية والصناعة والتكنولوجيا. لكن ما يجري في مجال التدريب على الإطفاء والإنقاذ يبيّن أن «الهاليو» أو الموجة الكورية يمكن قراءتها أيضاً كتمدد للخبرة المؤسسية. فالدول لا تصدر الأغاني والمسلسلات فقط؛ هي تصدر أيضاً طرق التنظيم، ومناهج الإدارة، وأنماط التدريب، ومعايير السلامة.

في السياق العربي، اعتدنا استخدام مفهوم «القوة الناعمة» للإشارة إلى السينما أو الإعلام أو التعليم أو الخطاب الثقافي. غير أن هذا المفهوم اتسع اليوم ليشمل ما يمكن تسميته «القوة المؤسسية الناعمة»: أي القدرة على جعل الآخرين يرون في تجربتك الإدارية نموذجاً قابلاً للتعلم. حين يأتي خبراء إطفاء من فيتنام إلى كوريا ليتعلموا منها، فهذا يعني أن المؤسسة الكورية نفسها باتت موضع ثقة واهتمام، تماماً كما كانت الجامعات الغربية، لعقود طويلة، قبلة للباحثين من أنحاء العالم.

هذه النقلة ليست بسيطة. فالثقة في النظام العام لا تُبنى بحملات دعائية، بل بنتائج قابلة للقياس، وبسمعة متراكمة. وإذا كانت كوريا الجنوبية تستثمر اليوم في نقل خبرتها في إدارة الكوارث، فهذا يوحي بأنها تعي أن صورتها الخارجية يمكن أن تتعزز أيضاً من خلال كفاءة مؤسساتها المدنية، لا من خلال الاستهلاك الثقافي وحده.

واللافت أن هذا المسار ينسجم مع تحولات أوسع في آسيا، حيث باتت بلدان المنطقة تتبادل الخبرات فيما بينها بوتيرة أعلى، بعيداً عن النموذج التقليدي الذي كان يحصر طلب المعرفة في الغرب. بالنسبة للعالم العربي، يحمل هذا دلالة مهمة: مراكز الخبرة لم تعد حكراً على العواصم الغربية الكبرى، بل باتت موزعة على دول آسيوية نجحت في بناء أنظمة فعالة في التعليم والصناعة والخدمات والطوارئ. ومن هنا، فإن ما جرى في تايبيك يمكن قراءته كجزء من إعادة تشكيل خرائط المعرفة المهنية في القرن الحادي والعشرين.

ما الذي يعنيه هذا الخبر للقراء العرب؟

قد يسأل قارئ عربي: لماذا ينبغي أن نهتم بتدريب رجال إطفاء فيتناميين في كوريا الجنوبية؟ الجواب أن الخبر لا يخص هذين البلدين وحدهما. إنه يتعلق بسؤال عالمي يمس كل مدينة وحي وبيت: كيف تبني الدول جهاز استجابة قادر على حماية الناس عند وقوع الخطر؟ وحين نرى نموذجاً للتعاون المهني العابر للحدود في هذا المجال، فإننا لا نقرأ مجرد حدث بروتوكولي، بل نقرأ درساً في كيفية تطوير المرافق العامة عبر الشراكات والتدريب وتبادل التجارب.

في كثير من البلدان العربية، برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات لتحديث الدفاع المدني، ورفع الجاهزية للكوارث، وتطوير منظومات الاستجابة السريعة. لكن التحديات لا تزال قائمة، خصوصاً مع التوسع العمراني، وارتفاع الكثافة السكانية، وتزايد المباني الشاهقة، وتغير المناخ، وما يحمله من موجات حر وجفاف وسيول وحرائق. لهذا، فإن أي خبر عن تطوير كفاءات الإطفاء والإنقاذ في آسيا يمكن أن يكون مادة مفيدة لصناع القرار والمهتمين بالشأن العام في منطقتنا.

ولعل الرسالة الأهم هنا هي أن التقدم في هذا القطاع لا يبدأ بالمشهد البطولي وحده، رغم أهميته، بل يبدأ من المدرسة، والمنهج، والتمرين، والانضباط، والتقييم. في المخيلة العربية، تحظى مهنة الإطفاء باحترام عالٍ لأنها ترتبط بالتضحية والشجاعة. لكن الشجاعة وحدها لا تكفي إذا لم تحطها منظومة علمية متينة. وهذا بالضبط ما يوحي به البرنامج الكوري: صناعة رجل إطفاء قادر، وقائد ميداني منضبط، ومدرب أكاديمي ينقل الخبرة على أسس منهجية.

الأمر الآخر الذي يهم القارئ العربي هو أن الخبر يعيد تعريف صورة كوريا الجنوبية في أذهان الجمهور. نعم، كوريا بلد الثقافة الشعبية الجاذبة، لكنها أيضاً بلد التدريب العام، والانضباط المؤسسي، والتعلم العملي. تماماً كما عرف العرب اليابان من بوابة الجودة الصناعية، وألمانيا من بوابة التعليم المهني، يمكن أن تتكرس صورة كوريا تدريجياً كمرجع في بعض جوانب الإدارة العامة والتأهيل الميداني، ومنها قطاع الإطفاء.

التعاون الكوري الفيتنامي… وما بعد حفل التخرج

في ختام الدورة، أعرب مدير مدرسة الإطفاء في غانغوون كيم ميونغ-جونغ عن أمله في أن تسهم المهارات المتقدمة وخبرات القيادة التي اكتسبها المشاركون في تعزيز سلامة المواطنين في فيتنام، مؤكداً التوجه نحو ترسيخ التعاون بين البلدين في مجال الإطفاء. هذا النوع من التصريحات قد يبدو مألوفاً في المناسبات الرسمية، لكنه في هذا السياق يحمل مضموناً عملياً، لأن نجاح البرنامج لن يقاس بما قيل في الحفل، بل بما سيحدث لاحقاً داخل محطات الإطفاء وقاعات التدريس في فيتنام.

السؤال الأهم بعد أي دورة من هذا النوع هو: هل تتحول المعرفة إلى ممارسة؟ هل يستطيع رجال الإطفاء الذين تلقوا التدريب نقل ما تعلموه إلى زملائهم؟ هل يطور الأساتذة الذين شاركوا مناهجهم وبرامجهم التعليمية على ضوء التجربة الكورية؟ وهل تنشأ لاحقاً قنوات أوسع للتعاون تشمل زيارات متبادلة، أو برامج تدريب متقدمة، أو محاكاة مشتركة للكوارث؟ هذه هي المرحلة التي تفصل بين «الحدث» و«الأثر».

من زاوية صحافية، تبدو هذه القصة مهمة لأنها ترصد نوعاً من التعاون الهادئ الذي لا يملأ عناوين السياسة، لكنه يلامس حياة الناس مباشرة. فإذا تحسنت قدرة جهاز الإطفاء في أي بلد على إنقاذ الأرواح واحتواء الحرائق، فإن المستفيد النهائي ليس المؤسسة، بل المواطن العادي: الأسرة في شقتها، والعامل في مصنعه، والمريض في المستشفى، والطالب في مدرسته. لهذا فإن الاستثمار في التدريب هنا ليس شأناً تقنياً بارداً، بل هو استثمار في الأمان الاجتماعي.

وفي زمن تتزايد فيه الكوارث الطبيعية والحرائق الحضرية والحوادث المعقدة، يصبح تبادل الخبرة بين الدول ضرورة لا ترفاً. ربما لن تحظى مدرسة إطفاء في مدينة كورية صغيرة بالاهتمام نفسه الذي تحظى به حفلة لفرقة كيبوب عالمية، لكن تأثيرها في حياة الناس قد يكون أعمق بكثير. ذلك أن الثقافة تبني الجسور بين الشعوب، أما أنظمة السلامة الجيدة فتنقذ هذه الشعوب حين تشتد المحن.

خلاصة المشهد أن كوريا الجنوبية تقدم نفسها اليوم، بهدوء وثبات، ليس فقط كدولة تُزار للترفيه أو الدراسة أو التجارة، بل أيضاً كمساحة للتعلم من مؤسساتها العامة. ومن تايبيك، المدينة البعيدة عن ضجيج الواجهات السياحية، تخرج رسالة آسيوية واضحة: الخبرة في حماية الأرواح يمكن أن تكون بدورها لغة تعاون دولي، ووجهاً جديداً من وجوه الحضور الكوري في العالم. وللقارئ العربي، في هذا الخبر أكثر من حكاية خارجية؛ فيه تذكير بأن بناء الدولة الحديثة يمر أيضاً من هنا: من مدرسة الإطفاء، ومن غرفة التدريب، ومن الرجل الذي يتعلم كيف يتخذ القرار الصحيح في الدقيقة الأصعب.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات