
دبلوماسية كورية جديدة تتجاوز الكيبوب والدراما
في السنوات الأخيرة، اعتاد الجمهور العربي أن يتابع أخبار كوريا الجنوبية من بوابات مألوفة: موجة الدراما الكورية، وصعود فرق الكيبوب، والتكنولوجيا المتقدمة، ومنتجات التجميل التي غزت الأسواق. لكن ثمة باباً آخر أخذ يفتح بهدوء، وربما بعمق أكبر على المدى البعيد، وهو باب الدبلوماسية الثقافية المرتبطة بالتراث الإنساني. في هذا السياق، أعلنت هيئة التراث الكوري، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن سياسات التراث الوطني في كوريا الجنوبية، اختيار اللجنة الوطنية الكورية لليونسكو لتنفيذ مشروع يهدف إلى تعزيز قدرات غانا في مواجهة تأثيرات التغير المناخي على تراثها الثقافي في إقليم أكرا الكبرى.
الخبر في ظاهره إداري وتقني، لكنه في جوهره يكشف عن تحوّل مهم في الطريقة التي تقدّم بها سيول نفسها إلى العالم. فبدلاً من الاكتفاء بتصدير الثقافة الشعبية أو إبراز قوتها الصناعية، تتجه كوريا الجنوبية إلى توسيع حضورها في ملف أكثر حساسية وتعقيداً: حماية الذاكرة الإنسانية المادية من آثار المناخ المتقلب. هنا لا نتحدث عن مشروع ترميم مبنى قديم فحسب، بل عن محاولة لربط ملفين أصبحا من أكثر ملفات العالم إلحاحاً: التغير المناخي وصون التراث.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا التحرك بعيداً جغرافياً، لكنه ليس بعيداً من حيث المعنى. فالعالم العربي نفسه يعرف جيداً ما معنى أن يصبح التراث في مواجهة الرياح، والرطوبة، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة، والزحف العمراني، والنزاعات كذلك. من صنعاء القديمة إلى مدينة فاس، ومن آثار وادي رم إلى أحياء القاهرة التاريخية، يتزايد الإدراك بأن حماية التراث لم تعد مسألة ثقافية فقط، بل صارت قضية تخطيط وبيئة وتنمية ومجتمعات محلية أيضاً. لهذا، فإن ما تفعله كوريا الجنوبية في غانا يمكن قراءته باعتباره نموذجاً جديداً من التعاون الدولي، قد يحمل دروساً تتجاوز القارة الإفريقية نحو مناطق أخرى بينها منطقتنا.
كما أن هذا التحرك يضيف طبقة جديدة إلى مفهوم «القوة الناعمة» الكورية. ففي الخطاب العربي الشائع، ترتبط القوة الناعمة غالباً بالأغنية والدراما والمطبخ والموضة. أما هنا، فإن كوريا الجنوبية تحاول أن تقول إن حضورها العالمي لا يقتصر على الشاشات والمنصات الرقمية، بل يمتد إلى المشاركة في حماية مواقع تراثية تواجه مخاطر بيئية حقيقية. وهذه رسالة سياسية وثقافية في آن واحد: بلد نجح في بناء نموذج اقتصادي وتقني حديث، ويريد اليوم أن يترجم خبرته المؤسسية إلى مساهمة في قضايا التراث العالمي.
ما الذي تعنيه هذه الخطوة عملياً في غانا؟
المعطيات المعلنة تشير إلى أن المشروع يركّز على «تعزيز القدرات» في إقليم أكرا الكبرى في غانا، لمواجهة تأثيرات التغير المناخي على التراث الثقافي. وتعبير «تعزيز القدرات» ليس تفصيلاً لغوياً عابراً، بل هو مصطلح شائع في أدبيات التعاون الدولي، ويقصد به نقل المعرفة، وتدريب الكوادر، وبناء أنظمة إدارة محلية، وتحسين آليات الرصد والاستجابة، بدلاً من الاكتفاء بتدخلات إسعافية قصيرة الأمد. بلغة أبسط، ليس المطلوب أن تأتي جهة أجنبية لتنجز مهمة ثم تغادر، بل أن تساعد المؤسسات المحلية على امتلاك الأدوات اللازمة لفهم الخطر والتعامل معه بنفسها على المدى الطويل.
هذا مهم لأن التغير المناخي لا يهدد التراث بنفس الطريقة في كل مكان. ففي بعض المواقع يكون الخطر في ارتفاع مستوى البحر، وفي مواقع أخرى في الأمطار الغزيرة أو التآكل أو الرطوبة أو موجات الحرارة أو حتى تغيّر أنماط استخدام الأرض. ومن ثمّ، فإن أي مشروع جاد لا بد أن يبدأ بفهم طبيعة الخطر في المكان المحدد، ثم تصميم استجابات ملائمة له. وفي حالة غانا، فإن التركيز على أكرا الكبرى يمنح المشروع بعداً ميدانياً واضحاً، حتى إن التفاصيل الكاملة المتعلقة بالميزانية، والجدول الزمني، والمواقع المستهدفة تحديداً، لم تُعلن بعد بصورة موسعة.
ولأن الحديث يدور عن مواقع ذات صلة بالتراث العالمي، فإن الأمر يتجاوز حدود الدولة الوطنية بالمعنى الثقافي. حين تُدرج مواقع ما على قائمة التراث العالمي، تصبح جزءاً من ذاكرة إنسانية مشتركة، لا من ذاكرة شعب واحد فقط. هذا لا يلغي سيادة الدولة المالكة للموقع، ولا دور المجتمع المحلي، لكنه يضيف مسؤولية رمزية وأخلاقية على المجتمع الدولي. من هنا، يمكن فهم لماذا يُنظر إلى الخطوة الكورية على أنها أكثر من مجرد منحة أو تعاون ثنائي؛ إنها مشاركة في حماية سجل بشري مشترك من آثار أزمة كونية.
في المقابل، تبقى العبرة في التنفيذ. فالخبرة الدولية في هذا المجال تقول إن كثيراً من المشاريع تحمل عناوين واعدة، لكنها تواجه لاحقاً تحديات تتعلق بالتنسيق المحلي، واستمرارية التمويل، وقدرة التدريب على التحول إلى ممارسة يومية، ومدى انخراط المجتمعات القريبة من المواقع التراثية. لذا فإن نجاح المشروع الكوري في غانا لن يقاس فقط بعدد الورش أو التقارير، بل بمدى بناء نظام محلي قادر على الاستمرار والتكيف بعد انتهاء المرحلة الأولى من الدعم.
حين يصبح المناخ قضية تراث لا قضية بيئة فقط
أهمية هذا التطور تكمن في أنه يعكس تحولاً عالمياً أوسع: التغير المناخي لم يعد ملفاً بيئياً محصوراً في درجات الحرارة والانبعاثات والكوارث الطبيعية، بل تمدد إلى مجالات بدت سابقاً بعيدة عنه، ومنها التراث الثقافي. فالمباني التاريخية والمواقع الأثرية والحصون القديمة والواجهات المعمارية التقليدية ليست كيانات مجرّدة، بل مواد وأحجار وأخشاب وأسطح وبيئات عمرانية تعيش في الطبيعة وتتأثر بها. وكل تغير في المطر أو الرياح أو الرطوبة أو حرارة الأرض يترك أثره، ببطء أو بسرعة، على تلك الشواهد.
هذه الفكرة ليست غريبة على العالم العربي. يكفي أن ننظر إلى ما تفعله الرطوبة والملوحة بالمباني الساحلية القديمة، أو ما تسببه العواصف الرملية من تآكل، أو كيف تؤثر الحرارة المتطرفة على مواد البناء التقليدية. بل إن كثيراً من المدن العربية العتيقة بُنيت أصلاً بمنطق التكيف مع المناخ: الأزقة الضيقة لتخفيف الحرارة، والأفنية الداخلية لتنظيم الهواء، والمواد المحلية لانسجامها مع البيئة. لكن تغير المناخ بوتيرته الحالية يربك هذه التوازنات التاريخية، ويجعل من الضروري إعادة التفكير في سياسات الحماية والإدارة.
من هنا، فإن ما يحدث في غانا تحت رعاية مؤسسات كورية ويونسكوية، يحمل دلالة مفاهيمية مهمة: صون التراث اليوم لا يقتصر على الترميم والحفظ والتوثيق، بل يتطلب أيضاً قراءة علمية للمخاطر المستقبلية. أي أن السؤال لم يعد فقط: كيف نحافظ على هذا المبنى كما هو؟ بل أيضاً: كيف نضمن أن يبقى صامداً أمام ظروف طبيعية لم تكن بالحجم نفسه قبل عقود؟ هذا ينقل إدارة التراث من موقع الدفاع التقليدي إلى موقع التخطيط الاستباقي.
وبالقياس إلى تجارب عربية معروفة، يمكن القول إن هذه المقاربة تقترب من منطق «الوقاية خير من العلاج»، وهو منطق مألوف في الثقافة العربية والإسلامية، سواء في الصحة أو في إدارة الموارد. فالتراث الذي لا تُرصد مخاطر المناخ على محيطه مبكراً قد يصل إلى لحظة تصبح فيها كلفة الإنقاذ أعلى بكثير، وربما متأخرة. لهذا تبدو مشاريع «بناء القدرات» ذات أهمية خاصة، لأنها تسعى إلى خلق حس مؤسسي دائم، لا مجرد استجابة وقتية لحدث طارئ.
لماذا تختار كوريا الجنوبية هذا المسار الآن؟
السؤال الأهم ربما ليس ماذا ستفعل كوريا الجنوبية في غانا فحسب، بل لماذا تتحرك بهذا الاتجاه الآن؟ الإجابة تبدأ من فهم كيف تطورت مؤسسات التراث في كوريا الجنوبية نفسها. فخلال العقود الماضية، لم تنشغل سيول فقط بحماية قصورها التاريخية ومعابدها ومواقعها الأثرية، بل طورت منظومة إدارية وقانونية وتعليمية مرتبطة بالتراث، تشمل التسجيل والصون والتوثيق والبحث والتوعية. وفي السياق الكوري، اكتسب مفهوم التراث معنى واسعاً يتجاوز الأبنية والقطع الأثرية إلى التراث غير المادي أيضاً، مثل الطقوس والفنون التقليدية والحرف والممارسات الشعبية.
هذا مهم لأن الجمهور العربي قد لا يكون على دراية كاملة بأن كوريا الجنوبية تنظر إلى التراث بوصفه جزءاً من مشروعها الوطني الحديث، لا بقايا من الماضي فقط. من هنا، فإن هيئة التراث الكوري ليست مؤسسة رمزية، بل لاعب حكومي فعلي له سياسات وبرامج وشراكات. أما اللجنة الوطنية الكورية لليونسكو، فهي من المؤسسات التي تعمل عند تقاطع الثقافة والتعليم والتعاون الدولي، وتؤدي دوراً في ربط الدولة الكورية بأطر العمل التي تقودها منظمة اليونسكو عالمياً.
وبعبارة صحافية مباشرة، تسعى سيول إلى تحويل خبرتها المحلية في إدارة التراث إلى رصيد دبلوماسي خارجي. وهذا ليس أمراً جديداً تماماً في العلاقات الدولية؛ دول كثيرة استخدمت خبراتها المؤسسية كأداة لتعزيز حضورها، من إدارة المياه إلى التعليم والصحة. الجديد هنا هو أن كوريا الجنوبية تدخل بقوة أكبر إلى ميدان التراث المناخي، أي المنطقة التي تلتقي فيها الثقافة بالبيئة بالتنمية.
كما أن هذه الخطوة تنسجم مع تحول أوسع في صورة كوريا الجنوبية عالمياً. فبعد أن نجحت في تقديم نفسها قوة تكنولوجية وثقافية، تبدو الآن حريصة على الظهور أيضاً كطرف مسؤول في القضايا العالمية العامة. ومن هذه الزاوية، فإن غانا ليست مجرد متلقٍ للدعم، بل شريك في مساحة تقول فيها كوريا الجنوبية إنها قادرة على تقديم نموذج تعاون يتجاوز الخطاب إلى الممارسة الميدانية.
لكن هذا المسار يحمّل سيول أيضاً مسؤولية إضافية. فحين تعلن دولة ما أنها تريد أن تكون «دولة رائدة في التراث»، فإن هذا اللقب لا يُمنح بالشعارات، بل يُختبر في نوعية الشراكات، واحترام السياقات المحلية، والقدرة على الإنصات قبل تقديم الحلول. وهذا هو المعيار الذي ستُقاس به التجربة الكورية في غانا لاحقاً.
إفريقيا في قلب مشهد التعاون الثقافي الدولي
اختيار غانا يحمل بدوره أبعاداً تتجاوز الملف الفني. فإفريقيا، رغم غناها الهائل بالمواقع التاريخية وبالتراث المادي وغير المادي، لا تزال كثيراً ما تُقدَّم في الإعلام الدولي من زوايا أحادية: أزمات، نزاعات، فقر، أو تنافس جيوسياسي. بينما تكشف مثل هذه المشاريع عن وجه آخر للقارة، بوصفها حاضنة لذاكرة حضارية تحتاج إلى شراكات عادلة ومسؤولة للحفاظ عليها في مواجهة التغيرات الكونية.
غانا على وجه الخصوص بلد ذو مكانة رمزية في غرب إفريقيا، ليس فقط سياسياً، بل تاريخياً وثقافياً أيضاً. وحين تتجه الشراكة إلى إقليم أكرا الكبرى، فإنها تذهب إلى مساحة ليست هامشية في السردية الوطنية الغانية. وحتى لو لم تُعلن كل التفاصيل بشأن المواقع المتأثرة، فإن التركيز على هذا الإقليم يشي بأن المشروع يتعامل مع منطقة ذات وزن إداري وتاريخي، ما يعزز أهميته.
بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن تشبيه هذه الرمزية بما تمثله مدن تاريخية عربية كالقيروان أو القدس أو حلب أو مسقط القديمة، حيث يصبح أي حديث عن الحماية مسألة تتجاوز الحجر إلى الهوية والذاكرة والانتماء. فالتراث ليس زينة حضارية، بل وعاء يختزن قصص المجتمعات وتحولاتها وجرحها وفرحها. وعندما يصيبه ضرر مناخي أو عمراني، فإن الخسارة لا تكون مادية فقط، بل معنوية أيضاً.
ومن هذه النقطة بالتحديد، يبرز بُعد مهم في الخبر: كوريا الجنوبية لا تدخل إلى إفريقيا في هذا الملف بصفتها ممولاً فحسب، بل بوصفها وسيط خبرة وشريك مؤسساتي عبر قناة اليونسكو. هذا النوع من العمل، إذا أُحسن تنفيذه، قد يجنّب المشروع الوقوع في فخ «المساعدة من الأعلى»، ويمنحه بدل ذلك طابع الشراكة المهنية التي تعترف بأولوية الاحتياجات المحلية.
غير أن حساسية العمل الثقافي في أي بلد تقتضي دائماً احترام السياق الاجتماعي والتاريخي. فالموقع التراثي لا ينفصل عن محيطه البشري، وأي خطة لإدارته أو حمايته يجب أن تراعي السكان المحليين، والسلطات المختصة، وأصحاب المعرفة التقليدية، لا أن تُفرض من الخارج. وهنا سيكون من الضروري متابعة كيف ستُترجم عبارة «تعزيز القدرات» على الأرض: هل ستعني تدريباً فعلياً ونقل أدوات، أم مجرد تقارير ومؤتمرات؟
ما الذي يمكن أن يتعلمه العالم العربي من هذه التجربة؟
منطقتنا العربية ليست بعيدة عن هذا النقاش إطلاقاً. بل ربما هي من أكثر المناطق حاجة إلى مقاربات تربط بين التراث والتغير المناخي بصورة مؤسسية. ففي بلدان عربية عدة، نرى اهتماماً متنامياً بالمواقع التاريخية من حيث الترميم والترويج السياحي، لكن ربط ذلك بخطط مناخية متكاملة ما زال يحتاج إلى مزيد من التطوير. لهذا، فإن التجربة الكورية في غانا تستحق المتابعة عربياً، ليس لأنها تصدر وصفة جاهزة، بل لأنها تشير إلى اتجاه عالمي جديد ينبغي أخذه بجدية.
أول درس هو أن حماية التراث لم تعد شأناً ثقافياً معزولاً داخل وزارات الثقافة أو الهيئات الأثرية. المطلوب اليوم شراكة بين خبراء التراث، وعلماء المناخ، والبلديات، ومؤسسات التخطيط، والمجتمعات المحلية. وهذا ما يبدو أن المشروع الكوري يحاول الإقرار به من خلال التركيز على بناء القدرات لا على الإصلاح السطحي فقط.
الدرس الثاني هو أن الدبلوماسية الثقافية يمكن أن تكون أكثر نفعاً من صورتها التقليدية. ففي العالم العربي، اعتدنا استخدام هذا المصطلح للدلالة على المعارض الفنية، والأسابيع الثقافية، والفعاليات الرمزية. لكن الخبر القادم من سيول يذكّر بأن الدبلوماسية الثقافية قد تعني أيضاً حماية موقع مهدد، أو تدريب كوادر محلية، أو إنشاء آلية إنذار مبكر لمخاطر تصيب التراث. أي إنها تصبح دبلوماسية منتجة، لا احتفالية فقط.
أما الدرس الثالث، فهو أن أي مشروع دولي ناجح في هذا المجال يحتاج إلى التواضع المعرفي. فليس كل ما ينجح في شرق آسيا يصلح آلياً في غرب إفريقيا أو في المشرق العربي. من هنا تبرز قيمة النماذج التي تبدأ بالسؤال والاستماع وجمع البيانات المحلية، قبل القفز إلى الحلول. وإذا التزمت كوريا الجنوبية بهذا النهج في غانا، فقد تمنح نفسها فرصة لبناء سمعة مختلفة في ملف التعاون الثقافي.
وفي النهاية، ثمة مفارقة لافتة: البلد الذي يعرفه ملايين العرب عبر الدراما الرومانسية والأغاني الشبابية، يحاول اليوم أن يُعرف أيضاً عبر ملفات أكثر هدوءاً وأبعد أثراً، مثل حماية التراث الإنساني من المناخ. وهذه المفارقة ليست سلبية، بل تعكس نضجاً في الدور الدولي. فالقوة الثقافية الحقيقية لا تُقاس فقط بما يجذب الجمهور اليوم، بل أيضاً بما يسهم في حماية ذاكرة البشر غداً.
بين الطموح والاختبار: هل تنجح «كوريا التراثية» في كسب الثقة؟
الخطاب الرسمي الكوري وصف المشروع بأنه فرصة لوضع أساس طويل الأمد وشامل لصون التراث الثقافي في غانا، وفي الوقت نفسه لتعزيز مكانة كوريا الجنوبية بوصفها دولة رائدة في مجال التراث. هذا الطموح مفهوم من منظور الدول التي تسعى إلى توسيع حضورها الدولي، لكنه يضع المشروع منذ البداية تحت مجهر التقييم. فالعالم لم يعد يكتفي بسماع العناوين الكبرى؛ ما يهم هو ما الذي سيتحقق فعلاً على الأرض، وكيف، وبأي شراكة، وبأي أثر مستدام.
إذا نجحت التجربة، فقد تفتح الباب أمام نمط جديد من المساعدات الثقافية الكورية، يمتد إلى بلدان أخرى ومناطق أخرى، وربما يتحول إلى نموذج تعاون يربط بين التراث والمناخ والتنمية المحلية. أما إذا تعثرت، فسيكون ذلك تذكيراً بأن العمل في التراث الدولي يحتاج إلى صبر أكثر من البريق، وإلى إنصات أكثر من الاستعراض.
في كل الأحوال، فإن ما جرى إعلانه يمثل لحظة تستحق الانتباه: كوريا الجنوبية تعيد تعريف جزء من دورها الخارجي، وغانا تصبح ساحة اختبار لهذه المقاربة، واليونسكو توفر الإطار المؤسسي الذي يمنح المشروع بعده الدولي. وبين هذه العناصر كلها، يبرز سؤال كبير يهم العالم العربي أيضاً: كيف نحمي تراثنا في زمن تغيّر فيه المناخ أسرع مما تتكيف معه السياسات؟
ربما لا يقدّم الخبر إجابة كاملة بعد، لكنه يضع إصبعه على السؤال الصحيح. وهذا في حد ذاته بداية مهمة. فحين تتحول حماية التراث من شأن متحفي إلى قضية مستقبل، نكون أمام فهم جديد للثقافة: ليست مجرد ماضٍ نحتفي به، بل مسؤولية نتشاركها كي لا تضيع ذاكرة الأماكن تحت ضغط بيئة تتغير بلا هوادة.
ومن هنا، فإن متابعة هذه المبادرة الكورية في غانا لن تكون شأناً آسيوياً إفريقياً فحسب، بل ملفاً عالمياً يمس كل من يملك مدينة قديمة، أو حصناً تاريخياً، أو موقعاً أثرياً، أو ذاكرة جماعية يخشى عليها من الفقد. وفي عالم عربي يملك بعضاً من أقدم طبقات الحضارة الإنسانية، تبدو الرسالة واضحة: التغير المناخي لم يعد يهدد المستقبل وحده، بل بدأ يطرق أبواب الماضي أيضاً.
0 تعليقات