
من شلال عابر إلى وجهة للإقامة والتأمل
في وقت تتسابق فيه مدن كثيرة حول العالم، من الخليج إلى شرق آسيا، لإيجاد توازن دقيق بين التنمية الحضرية والحفاظ على البيئة، أعلنت مدينة سوغويبو في جزيرة جيجو الكورية الجنوبية بدء المرحلة الثانية من مشروع إنشاء «غابة حضرية للاستجابة المناخية» مرتبطة بمنطقة شلال أونغتو. وقد يبدو الخبر للوهلة الأولى محلياً يخص مدينة كورية تقع في أقصى الجنوب، لكنه في حقيقته يعبّر عن اتجاه أوسع بات يلفت الانتباه في كوريا الجنوبية: تحويل السياسات البيئية من شعارات تقنية إلى مساحات ملموسة يعيشها الناس يومياً، وخصوصاً في المدن التي تقوم هويتها على الطبيعة والسياحة معاً.
سوغويبو، وهي ثاني أكبر مدن جزيرة جيجو، لا تُقرأ فقط بوصفها نقطة على الخارطة الكورية، بل باعتبارها نموذجاً لمكان نجح في بناء سمعته على جماله الطبيعي. جيجو نفسها تحتل مكانة خاصة في المخيال الكوري؛ فهي جزيرة العطلات والبحر والحمم البركانية والمرتفعات الخضراء، وتشبه في حضورها الرمزي لدى الكوريين بعض الجزر العربية التي تقترن بالاستجمام والهدوء والخروج من صخب المدن الكبرى. ولهذا فإن أي مشروع يطال طبيعة جيجو لا يُنظر إليه على أنه مجرد تحسين عمراني، بل بوصفه إعادة تعريف للعلاقة بين السكان والزائرين من جهة، وبين المكان ومناظره من جهة أخرى.
المشروع الجديد يركّز على المنطقة المحيطة بشلال أونغتو، وهو معلم طبيعي معروف في سوغويبو، ليحوّل محيطه من نقطة مشاهدة سريعة إلى فضاء أرحب للتمشية والجلوس والاستمتاع بالمشهد. هذا التحوّل مهم في منطق التخطيط الحضري الحديث، لأن قيمة الموقع السياحي لم تعد تُقاس فقط بجماله الفوتوغرافي، بل بقدرته على إبقاء الزائر في المكان مدة أطول، وعلى جعل السكان المحليين أيضاً يشعرون بأنه جزء من حياتهم اليومية وليس مجرد مرفق مخصص للسيّاح.
وفق المعطيات المعلنة، تستهدف المرحلة الثانية مساحة تقارب هكتارين، مع استثمار يبلغ ملياري وون كوري، أي ما يعادل نحو 20 مليار وون بالمعيار الكوري المستخدم في الخبر، وبمساهمة حكومية مركزية تشكّل نصف التمويل. وستشمل الأعمال غرس ما يزيد على 180 ألف شجرة من الأنواع المخصّصة لتخزين الكربون، وإنشاء منصة واحدة لمشاهدة الشلال، ومظلّة استراحة من نوع «باغورا»، إضافة إلى مسار مشي يمتد لمسافة 1.5 كيلومتر. هذه الأرقام ليست تقنية فحسب، بل تكشف عن فلسفة واضحة: البيئة ليست مجرد غطاء أخضر، بل تجربة مكانية متكاملة تجمع بين الظل والهواء والمشهد والحركة والراحة.
وبهذه المقاربة، تتقدّم سوغويبو خطوة إضافية في طريقة تعاملها مع مواردها الطبيعية. فهي لا تعرض الشلال كمنظر يُرى من بعيد ثم يُغادر، بل تسعى إلى صياغة محيطه بوصفه مكاناً يُقام فيه لبعض الوقت، وربما يُعاد اكتشافه في كل فصل من فصول السنة. وهذه الفكرة، إذا ما قورنت بالسياقات العربية، تذكّرنا بالنقاشات الدائرة حول كيفية تحويل الكورنيشات والحدائق العامة والواجهات الطبيعية في مدننا إلى أماكن تعزّز جودة الحياة، لا إلى مواقع عابرة للاستهلاك البصري فقط.
ما معنى «الغابة الحضرية للاستجابة المناخية»؟
من المصطلحات التي قد تبدو جديدة على القارئ العربي تعبير «الغابة الحضرية للاستجابة المناخية». وفي السياق الكوري، لا يُستخدم هذا المصطلح كزينة لغوية أو تسمية علاقات عامة، بل يشير إلى سياسة تجمع بين هدفين في آن واحد: رفع القدرة على امتصاص الكربون وتخفيف آثار التغيّر المناخي، وإنشاء فضاءات عامة قابلة للاستخدام اليومي من قبل السكان. أي أن الغابة هنا ليست غابة نائية خارج العمران، بل بنية تحتية خضراء داخل النطاق المعيشي.
الفكرة بحد ذاتها ليست بعيدة عن النقاشات العالمية. فمع تزايد موجات الحر، وارتفاع درجات الحرارة في المدن، وتراجع المساحات المفتوحة، صار الحديث عن الأشجار والممرات المظلّلة والحدائق أقل ارتباطاً بالترف وأكثر ارتباطاً بالصحة العامة والعدالة الحضرية. الأشجار تخفّف الحرارة، وتحسّن جودة الهواء، وتمنح الشوارع بعداً إنسانياً. لكنها في الوقت نفسه تبني ذاكرة للمكان. فالسكان يتذكّرون المدينة عبر طرق مشيهم، عبر الأماكن التي يجلسون فيها، وعبر المناظر التي ترتبط بمزاجهم اليومي. من هنا تأتي أهمية المشروع في سوغويبو، لأنه يحاول أن يترجم مفاهيم المناخ إلى تفاصيل حسية: ظلّ، وممر، ونقطة مشاهدة، واستراحة.
وفي الثقافة الكورية، كما في ثقافات آسيوية عديدة، ثمة تقدير متزايد لفكرة «الشفاء عبر الطبيعة»، وهي فكرة اكتسبت حضوراً أقوى بعد جائحة كورونا، حين أعادت المجتمعات تقييم أهمية الفضاءات المفتوحة. لم يعد الذهاب إلى الطبيعة حدثاً موسمياً أو سياحياً فقط، بل جزءاً من عناية الأفراد بصحتهم الجسدية والنفسية. لذلك فإن الغابة الحضرية في هذا السياق لا تخدم البيئة وحدها، بل تلامس تصورات معاصرة عن الرفاهية والهدوء والتنفس بعيداً من الضغط اليومي.
ولعل ما يلفت في المقاربة الكورية هو هذا الدمج بين التخطيط الإداري الصارم والبعد الجمالي. فالسياسات البيئية هناك كثيراً ما تأتي بلغة مؤسساتية دقيقة، لكن تنفيذها في مواقع مثل جيجو يمنحها بعداً ملموساً وشديد القرب من الناس. عوض أن يبقى «امتصاص الكربون» رقماً في تقرير حكومي، يتحوّل إلى غابة يستطيع الناس السير فيها، وموضع ظل يرتادونه، ومشهد طبيعي يعودون إليه مع أبنائهم أو ضيوفهم.
هذه النقطة أساسية لفهم لماذا لا يمكن النظر إلى المشروع على أنه زراعة أشجار فقط. فالغابة الحضرية، كما يُراد لها في سوغويبو، هي أيضاً استثمار في صورة المدينة. وهي صورة لم تعد تفصل بين البيئة والسياحة والحياة اليومية. وفي ذلك ما يقدّم درساً مهماً لمدن كثيرة في منطقتنا العربية، حيث تتجاور مشاريع التشجير مع الحاجة إلى جعلها قابلة للاستخدام الحقيقي، لا مجرد أحزمة خضراء تُرى من نافذة السيارة.
المرحلة الثانية تبني على الأولى.. من الهيكل الأساسي إلى التجربة الكاملة
اللافت في المشروع أن المرحلة الثانية لا تبدأ من الصفر. فالمدينة كانت قد أنهت بالفعل المرحلة الأولى العام الماضي، باستثمارات بلغت 2.5 مليار وون، مع تمويل حكومي مركزي بنسبة 50 في المئة أيضاً. وخلال تلك المرحلة جرى غرس أكثر من 16 ألف شجرة، وإنشاء مسارات للمشي، وساحة عشبية، ومرافق استراحة مثل الأجنحة التقليدية الصغيرة. وإذا كانت المرحلة الأولى قد أرست الهيكل العام للمساحة الخضراء، فإن المرحلة الثانية تبدو أقرب إلى مرحلة تعميق الارتباط بين الغابة الحضرية وشلال أونغتو نفسه.
هذا التدرّج مهم في المشاريع الحضرية الناجحة. فالمساحات العامة لا تُبنى فقط عبر دفعة مالية واحدة أو قرار إداري سريع، بل عبر تراكم مراحل يختبر فيها المخططون كيفية استخدام الناس للمكان، وكيف يمكن تطويره على نحو أكثر ذكاء. في العالم العربي، كثيراً ما تُفتتح الحدائق والساحات بحماسة كبيرة، ثم تتراجع جاذبيتها بسبب ضعف الربط بينها وبين محيطها الطبيعي أو الخدمي. أما في الحالة الكورية هنا، فثمة محاولة لإحكام الترابط بين العناصر: الغابة، والشلال، والمنصة، والممرات، ونقاط الاستراحة.
عندما يزور شخص موقعاً طبيعياً، فهو لا يتفاعل مع عنصر واحد فقط. لا تكفي روعة الشلال إذا كان الوصول إليه مرهقاً أو إذا غابت أماكن الجلوس أو كانت الحركة داخله محدودة. لهذا، فإن قيمة المرحلة الثانية تكمن في أنها تتعامل مع «تجربة المستخدم» بلغة التخطيط العمراني. أي أنها تسأل: كيف يدخل الناس إلى المكان؟ أين يسيرون؟ أين يتوقفون؟ ماذا يشاهدون؟ هل يستطيعون البقاء؟ هل يعودون مجدداً في موسم آخر؟
هذا النوع من التفكير ينسجم مع التحولات الجارية في صناعة السياحة أيضاً. فالسائح المعاصر، سواء كان كورياً أو أجنبياً، لم يعد يبحث فقط عن لقطة سريعة لمعلم مشهور، بل عن تجربة متكاملة تشمل الحركة والهدوء والتفاعل مع الطبيعة. وكلما زادت قدرة المكان على منح الزائر إحساساً بالانغماس، ارتفعت جاذبيته وازدادت قيمته الاقتصادية والثقافية. من هنا، فإن المرحلة الثانية ليست مجرد توسعة هندسية، بل إعادة صياغة لزمن الزيارة نفسه: من مرور خاطف إلى إقامة أطول.
كما أن الربط بين المرحلة الأولى والثانية يكشف عن فهم مؤسسي لفكرة «البنية التحتية الخضراء». فهي لا تُعامل كمشروع تجميلي منفصل، بل كجزء من شبكة خدمات مدنية تجعل المشي والراحة والتواصل مع الطبيعة عناصر أساسية في الحياة الحضرية. وهذا الفهم يجعل الغابة أقرب إلى مرفق عام لا يقل أهمية عن الطرق أو الإضاءة أو المراكز الخدمية، وإن اختلفت وظيفته وشكله.
شلال أونغتو بوصفه رمزاً للمكان لا مجرد معلم طبيعي
يحمل شلال أونغتو قيمة رمزية تتجاوز المياه المتساقطة والصخور المحيطة به. ففي المدن التي ترتبط هويتها بالطبيعة، يصبح كل معلم طبيعي جزءاً من السردية المحلية. وجيجو، كما يعرف المتابعون للثقافة الكورية، ليست مجرد مقصد سياحي داخلي، بل فضاء متخيل في الدراما والبرامج التلفزيونية والذاكرة الشعبية. هي الجزيرة التي يقصدها الأزواج الجدد، والعائلات الباحثة عن إجازة هادئة، والمسافرون الراغبون في الابتعاد عن صخب سيول والمدن الصناعية الكبرى. لذلك فإن أي تطوير في موقع مثل أونغتو يمسّ جانباً من صورة جيجو لدى الكوريين أنفسهم.
في هذا السياق، يبدو رهان سوغويبو واضحاً: تحويل الشلال من «مكان يُشاهد» إلى «مكان يُعاش». فإضافة منصة للمشاهدة لا تعني فقط تحسين زاوية الرؤية، بل تعني تنظيم علاقة الزائر بالمشهد. والمنصة، في التخطيط السياحي، تقوم بدور مزدوج؛ فهي تمنح تجربة بصرية أفضل، وتحمي في الوقت نفسه البيئة المحيطة من الاستخدام العشوائي. أما المظلّة وممرات المشي فهما يضيفان بعداً إنسانياً يتيح للزائر أن يمكث، لا أن يكتفي بزيارة سريعة ثم المغادرة.
هذا النوع من المشاريع يذكّرنا بأهمية التفاصيل الصغيرة في صناعة المكان. في المدن العربية أيضاً، كثيراً ما تُهمل تلك التفاصيل لصالح مشاريع كبرى أكثر صخباً وأعلى تكلفة. لكن التجارب العالمية تُظهر أن جودة التجربة اليومية قد تُبنى أحياناً من ممر جيد التصميم، أو مساحة ظل مريحة، أو نقطة تطل على منظر طبيعي من دون تشويه. وفي حالة أونغتو، يتبدّى أن المدينة تسعى إلى بناء تلك الجودة بالتدريج، من خلال عناصر لا تبدو ضخمة في ظاهرها، لكنها مؤثرة في التجربة النهائية.
كما أن الشلال، حين يُربط بغابة حضرية، يكتسب وظيفة جديدة تتجاوز كونه معلماً جغرافياً. يصبح نقطة مركزية في شبكة من الحركة والاستراحة والتأمل. وربما هنا يكمن الجانب الأكثر ذكاء في المشروع: هو لا يصنع معلماً جديداً من الصفر، بل يضاعف قيمة معلم قائم عبر إعادة ترتيب محيطه. وهذا أسلوب أقل كلفة وأكثر احتراماً لهوية المكان من مشاريع تغيّر الطبيعة جذرياً أو تحاول استبدالها بواجهات إسمنتية مبالغ فيها.
ومن منظور الإعلام الثقافي، فإن مثل هذه المشاريع تستحق المتابعة لأنها تكشف كيف تعيد كوريا الجنوبية إنتاج صورتها الداخلية والخارجية. فبلد اشتهر عالمياً بالصناعات التقنية والدراما والكيبوب، يحرص في الوقت نفسه على تقديم نفسه بوصفه مجتمعاً يعيد استثمار موارده الطبيعية في إطار معاصر. وهذا ما يجعل خبر شلال أونغتو أبعد من كونه خبراً بلديّاً؛ إنه جزء من قصة أوسع عن كيفية مزاوجة كوريا بين القوة الناعمة والمشهد البيئي.
البيئة والسياحة والراحة اليومية.. معادلة واحدة في مكان واحد
أحد أبرز أوجه المشروع يتمثل في نجاحه النظري على الأقل في جمع ثلاثة مسارات كانت تُعالَج غالباً بشكل منفصل: حماية البيئة، وتنشيط السياحة، وتحسين جودة الحياة اليومية للسكان. في كثير من النماذج التقليدية، تُقدَّم البيئة وكأنها عبء تنظيمي، وتُقدَّم السياحة كقطاع اقتصادي منفصل، بينما تُترك راحة السكان لمبادرات صغيرة متفرقة. أما في هذا المشروع، فالمعادلة أكثر تكاملاً: الأشجار تخدم المناخ، لكنها أيضاً تصنع مشهداً أجمل؛ الممرات تخدم الزوار، لكنها أيضاً تشجّع السكان على استخدام المكان؛ والمنصة ترفع جاذبية الشلال، لكنها تنظم الزيارة وتحافظ على التجربة.
هذا الربط بين الوظائف الثلاث مهم جداً في عصر تتزايد فيه الضغوط على المدن السياحية. فالمكان الذي ينجذب إليه الزوار قد يفقد توازنه إذا لم تُنظَّم حركته، وإذا لم يشعر السكان بأنهم شركاء فيه لا متفرجون على تسليعه. جيجو تحديداً تواجه منذ سنوات نقاشات حول كثافة الزوار، وأثر السياحة على البيئة والموارد المحلية. لذلك يمكن قراءة المشروع الحالي بوصفه محاولة لتطوير السياحة من داخل فكرة الاستدامة، لا عبر التوسع الكمي وحده.
من جهة أخرى، فإن زراعة أكثر من 180 ألف شجرة مخصّصة لتخزين الكربون تمنح المشروع ثقلاً بيئياً واضحاً. صحيح أن الأرقام تحتاج دائماً إلى متابعة ميدانية لمعرفة نوعية الأشجار وكثافتها وقدرتها الفعلية على التكيّف، لكن الرسالة العامة لا لبس فيها: المدينة تريد أن توسّع مخزونها الأخضر بوصفه خط دفاع في مواجهة آثار التغيّر المناخي. وهذه الفكرة تتردد اليوم في مدن عديدة من العالم، من سيول إلى الرياض وأبوظبي والدار البيضاء، حيث باتت الأشجار جزءاً من خطاب التخطيط وليس فقط من الزينة الحضرية.
غير أن الأهم ربما هو أن المشروع لا يقدّم البيئة بصورة وعظية أو منفصلة عن متعة العيش. فالمواطن أو الزائر لن يأتي إلى المكان لأنه قرأ تقريراً عن الكربون، بل لأنه يجد ممشى جيداً وظلاً ومنظراً ومتنفساً. وهنا تتحقق فعالية السياسة البيئية: حين تصبح جزءاً من السلوك الطبيعي للناس. إن المشي في الغابة، والجلوس قرب الشلال، وقضاء وقت أطول في فضاء طبيعي منظم، كلها ممارسات يومية تتقاطع مع أهداف مناخية أكبر من دون أن يشعر الفرد بأنه يشارك في حملة رسمية ثقيلة اللغة.
وقد تكون هذه النقطة بالتحديد من أكثر ما يمكن أن يلهم المدن العربية. فحين تُصاغ المشاريع البيئية على أنها تحسين مباشر لنمط الحياة، تصبح أكثر قابلية للدعم الشعبي والاستمرارية. أما إذا ظلت حبيسة التقارير التقنية، فإن المسافة بينها وبين الناس تبقى واسعة. ومشروع أونغتو يقدّم مثالاً على طريقة أخرى: اجعل السياسة البيئية قابلة للمشي، قابلة للجلوس، وقابلة للتصوير أيضاً، وستجد أنها تدخل حياة الناس بسلاسة أكبر.
أثر اقتصادي واجتماعي يتجاوز حجم الاستثمار
بحساب إجمالي مرحلتي المشروع، يصل حجم الإنفاق إلى 4.5 مليار وون، وهو رقم ليس ضخماً إذا ما قورن بمشاريع بنية تحتية كبرى، لكنه قد يترك أثراً مضاعفاً إذا نُفذ بكفاءة. فالقيمة الاقتصادية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس فقط بما يُصرف عليها، بل بما تخلقه من جاذبية واستدامة واستخدام طويل الأمد. عندما تصبح المنطقة المحيطة بالشلال أكثر قدرة على استضافة الزوار والسكان، فإن الأنشطة الاقتصادية الصغيرة في محيطها من مقاهٍ ومطاعم ومتاجر وخدمات نقل يمكن أن تستفيد بدورها من ارتفاع مدة البقاء في المكان.
وفي أدبيات التنمية المحلية، يُعد هذا النوع من المشاريع من أكثر الأدوات فعالية في إعادة تنشيط المناطق من دون الدخول في دوامة البناء الثقيل. فبدلاً من إنشاء معالم صناعية مكلفة أو مجمعات تجارية قد تُفقد المكان روحه، يجري الاستثمار في العنصر الذي يملكه الموقع أصلاً: طبيعته. وهذا التفكير يتناغم مع تحولات عالمية تعطي أفضلية للمشاريع التي تعزّز هوية المكان بدل أن تستبدلها.
اجتماعياً أيضاً، يحمل المشروع دلالات مهمة. المساحات الخضراء ليست كمالية، بل ترتبط بالصحة النفسية والنشاط البدني والتفاعل الاجتماعي. في المجتمعات الحضرية الحديثة، حيث تتزايد العزلة الفردية وضغوط العمل، تصبح المسارات الطبيعية وفضاءات الجلوس العامة جزءاً من البنية الداعمة للحياة اليومية. وقد أظهرت دراسات كثيرة أن قرب السكان من المساحات الخضراء ينعكس على مستويات الرضا العام وعلى أنماط الحركة والنشاط. من هنا، يمكن النظر إلى الغابة الحضرية في سوغويبو بوصفها أيضاً استثماراً اجتماعياً، لا مجرد مشروع مشهدي.
ولأن جيجو تعتمد بدرجة كبيرة على الاقتصاد المرتبط بالزوار، فإن تحسين جودة التجربة هناك يعني عملياً حماية أحد أهم أصولها الاقتصادية. السائح الذي يجد مكاناً منظماً وغنياً بالتفاصيل وقابلاً للتمهل، هو سائح أكثر ميلاً للإنفاق والعودة والتوصية بالموقع لغيره. ومع تنامي ثقافة السفر البطيء والبحث عن التجارب الأصيلة، تزداد أهمية المشاريع التي تعطي الزائر إحساساً بالاندماج في المكان لا بالاستهلاك السريع له.
بهذا المعنى، فإن مشروع أونغتو يعكس فهماً متقدماً لما يمكن أن تصنعه الاستثمارات المتوسطة الحجم إذا وُجهت بعناية. فهو ليس مجرد رقم في ميزانية بلدية، بل جزء من اقتصاد أوسع قوامه جودة المشهد، وراحة الاستخدام، وإعادة تدوير القيمة الطبيعية للموقع في خدمة المجتمع المحلي والسياحة المستدامة معاً.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟
قد يسأل القارئ العربي: لماذا ينبغي أن يلفت انتباهنا مشروع غابة حضرية قرب شلال في جزيرة كورية؟ الجواب أن الخبر يقدّم أكثر من واقعة محلية؛ إنه يفتح نافذة على الطريقة التي تعيد بها كوريا الجنوبية تعريف التنمية الثقافية والبيئية في آن واحد. فالموجة الكورية التي تصل إلى الجمهور العربي غالباً عبر الموسيقى والدراما والأزياء والطعام، ترتكز في العمق أيضاً على صورة بلد منظم، حريص على جودة الحياة، وقادر على تحويل حتى مشاريعه البيئية المحلية إلى جزء من سردية وطنية حديثة.
ثم إن المقارنة مع أوضاعنا العربية تجعل الخبر أكثر أهمية. كثير من المدن العربية تخوض اليوم نقاشات مشابهة حول التشجير، والفضاءات العامة، والقدرة على مقاومة الحر، وخلق أماكن صديقة للمشي. وفي بعض العواصم والمدن الساحلية، تتجه السياسات فعلاً نحو مضاعفة المساحات الخضراء وتحسين الواجهات الطبيعية. لكن التحدي الدائم يبقى في الانتقال من فكرة «التجميل» إلى فكرة «العيش». أي من زرع الأشجار بوصفها صورة، إلى زرعها بوصفها بنية تحتية اجتماعية وبيئية.
الخبر مهم أيضاً لأنه يذكّر بأن الجاذبية السياحية لا تُصنع دائماً عبر المشاريع العملاقة. أحياناً، يكفي أن تعيد المدينة الاعتبار لشلال، أو غابة، أو ممشى، أو ظل، لكي تغيّر علاقتها بالناس. وهذا درس بالغ الأهمية لمدننا، حيث توجد مواقع طبيعية وثقافية كثيرة تحتاج إلى إدارة ذكية أكثر مما تحتاج إلى استعراض عمراني. فالمكان الناجح ليس فقط ما يثير الإعجاب عند الافتتاح، بل ما يبقى حيّاً ومستخدمًا بعد سنوات.
ومن زاوية المتابعة الثقافية لكوريا، فإن مشروع سوغويبو يكشف مرة أخرى أن فهم المجتمع الكوري لا يكتمل من خلال الثقافة الشعبية وحدها. صحيح أن الكيبوب والدراما نافذتان واسعتان، لكن السياسات المحلية، وأنماط العيش، وإدارة الفضاءات العامة، كلها عناصر لا تقل أهمية في تفسير جاذبية التجربة الكورية المعاصرة. وحين تنجح مدينة مثل سوغويبو في تحويل فضاء طبيعي إلى مشروع مناخي وإنساني وسياحي في الوقت نفسه، فإنها تقدّم مثالاً حياً على هذه الدينامية.
في النهاية، ما يجري قرب شلال أونغتو ليس مجرد زراعة أشجار ولا مجرد تحسين موقع سياحي. إنه محاولة لترجمة سؤال كبير عن المناخ والمدينة والحياة اليومية إلى مشهد قابل للمشي والجلوس والتأمل. وهذه ربما هي اللغة الأكثر إقناعاً في زمن الأزمات البيئية: أن يرى الناس السياسة العامة أمامهم على شكل ظل وشجر وماء وطريق. وبينما تواصل جيجو بناء صورتها كجزيرة طبيعة وراحة، تبدو سوغويبو وكأنها تقول إن مستقبل المدن لا يُقاس فقط بارتفاع الأبراج، بل أيضاً بقدرتها على أن تمنح سكانها وزوارها مكاناً أفضل للتنفس والبقاء.
0 تعليقات