광고환영

광고문의환영

من باندونغ إلى العالم: كيف تحوّل مهرجان الثقافة الكورية في إندونيسيا إلى خبر دولي يستحق التوقف عنده؟

من باندونغ إلى العالم: كيف تحوّل مهرجان الثقافة الكورية في إندونيسيا إلى خبر دولي يستحق التوقف عنده؟

أبعد من حفلة ثقافية عابرة

في العادة، تمرّ أخبار المهرجانات الثقافية في الخارج بوصفها مادة خفيفة على هامش السياسة والاقتصاد والأمن. غير أن ما جرى في مدينة باندونغ الإندونيسية أخيراً يستحق قراءة مختلفة، لأنه لا يتعلق بمجرد عرض للغناء الكوري أو تذوّق أطعمة آسيوية، بل يكشف عن طريقة متقدمة تتعامل بها كوريا الجنوبية مع حضورها الخارجي، عبر ما يُعرف في الأدبيات السياسية والثقافية بـ«الدبلوماسية العامة». والمقصود هنا ليس التفاوض بين الحكومات بالمعنى التقليدي، بل بناء صورة وصداقات ومصالح مشتركة مع المجتمعات مباشرة، من خلال الثقافة والتعليم والسياحة والمنتجات اليومية.

الفعالية التي أُقيمت في باندونغ بولاية جاوة الغربية، بتنظيم من سفارة كوريا الجنوبية في إندونيسيا وبمشاركة مؤسسات كورية عدة، حملت عنواناً يعكس هذا المعنى: تقديم الثقافة الكورية بوصفها طيفاً واسعاً لا يقتصر على الموسيقى والدراما. ففي هذا الحدث اجتمعت عناصر متعددة من «الهاليو» أو «الموجة الكورية»؛ من K-POP إلى الطعام الكوري، ومن مستحضرات التجميل إلى التفاعل مع الجامعات والمهتمين بالسياحة والتعليم. والنتيجة أن المشهد بدا أقرب إلى نموذج مصغّر لكيفية دخول الثقافة الكورية إلى الحياة اليومية في مجتمعات آسيوية وإسلامية كبرى.

وللقارئ العربي، يمكن تشبيه الأمر بالطريقة التي تتحول بها بعض الفعاليات الكبرى في منطقتنا من مجرد احتفال تراثي إلى منصة نفوذ رمزي واقتصادي. تماماً كما لا يكون «موسم الرياض» أو «معرض الشارقة الدولي للكتاب» أو «مهرجان جرش» مناسبة فنية فحسب، بل مساحة لعرض صورة بلد ما وقدرته على اجتذاب الجمهور والاستثمار وبناء الشراكات، فإن مهرجان باندونغ الكوري أرسل رسالة مشابهة: الثقافة هنا ليست زينة، بل أداة حضور طويل المدى.

الخبر يصبح دولياً عندما يعبّر عن تحوّل أوسع من الحدث نفسه. وما حدث في باندونغ يشي بأن كوريا الجنوبية لم تعد تعتمد فقط على بريق فرقة غنائية أو نجاح مسلسل على منصة عالمية، بل باتت تبني شبكة تماس يومية مع الجمهور الأجنبي: ماذا يأكل؟ ماذا يشتري؟ ماذا يدرس؟ أين يتجمع؟ وكيف يمكن أن يشارك بنفسه لا أن يبقى متفرجاً فقط؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل من مهرجان محلي في مدينة إندونيسية خبراً له دلالات تتجاوز حدود المكان.

ما الذي جرى في باندونغ تحديداً؟

أقيمت الفعاليات في موقعين يحملان دلالة واضحة: مركز «باسكال» التجاري، وهو فضاء استهلاكي وترفيهي واسع يرتاده الجمهور اليومي، وجامعة «تلكوم»، وهي مؤسسة تعليمية تمثل شريحة الشباب والطلاب والمهتمين بالتقنية والاتصال. اختيار هذين الموقعين ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل جزء من الرسالة نفسها. فالمركز التجاري يعني أن الثقافة تلتقي السوق وأن الإعجاب قد يتحول إلى استهلاك فعلي للمنتج أو رغبة في السفر أو الاهتمام بالمطبخ والموضة. أما الجامعة فتعني أن الثقافة تلتقي التكوين المعرفي والجيل الصاعد الذي سيصبح لاحقاً مترجماً أو رائد أعمال أو صانع محتوى أو سائحاً أو باحثاً عن منحة دراسية.

تميّز البرنامج بجمعه بين مسابقات وعروض K-POP وتجارب K-FOOD وK-BEAUTY، أي بين الموسيقى والطعام والجمال. هذا الجمع مهم، لأن الموجة الكورية في كثير من التغطيات الإعلامية العربية تُختزل في الأغاني والدراما، بينما الواقع الحالي أوسع من ذلك بكثير. فالمطبخ الكوري بات واحداً من أكثر أبواب التعرّف إلى كوريا انتشاراً، ومستحضرات التجميل الكورية أصبحت جزءاً من سوق عالمي تتقاطع فيه الموضة مع الطب التجميلي والعناية بالبشرة، وهما مجالان يحظيان باهتمام متزايد في العالم العربي أيضاً.

ومن العناصر اللافتة في الحدث تقديم منتجات غذائية كورية حاصلة على شهادات «حلال». وهذا البعد ليس ثانوياً، خصوصاً في بلد مثل إندونيسيا، أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم. هنا يتضح أن التوسع الثقافي لا ينجح بمجرد نقل المنتج كما هو، بل عبر مواءمته مع المعايير الدينية والاجتماعية للمجتمع المضيف. وهذه نقطة سيفهمها القارئ العربي جيداً، لأن سؤال «الحلال» في الغذاء ليس مجرد بند رقابي، بل مسألة ثقة وهوية وعلاقة بين المنتج والمستهلك. عندما تنتبه كوريا إلى هذا التفصيل، فهي تقول ضمنياً إنها لا تريد جمهوراً عابراً يلتقط الصور، بل سوقاً مستدامة وشراكة قائمة على الاحترام.

كما أن مسابقات رقص K-POP جذبت اهتماماً كبيراً، وهو ما يؤشر إلى انتقال الموجة الكورية من خانة «المشاهدة» إلى خانة «المشاركة». لم يعد الجمهور يكتفي بسماع الأغنية أو متابعة الفيديو، بل صار يعيد إنتاج التجربة بجسده وصوته وصورته على منصات التواصل. وهذا التحول جوهري في الثقافة المعاصرة، لأن القيمة لم تعد في المحتوى وحده، بل في قابلية الناس لتبنّيه وإعادة تمثيله بلغاتهم ولهجاتهم وحركاتهم. في العالم العربي نرى أمثلة مشابهة حين تتحول أغنية أو رقصة أو وصفة طعام إلى تحدٍّ جماهيري على «تيك توك» أو «إنستغرام»، فتغدو الثقافة أكثر رسوخاً لأنها تدخل الممارسة اليومية لا الاستهلاك السلبي فقط.

الدبلوماسية العامة الكورية: من العرض إلى بناء العلاقة

الجهات المشاركة في تنظيم الحدث تكشف الكثير من معناه. فإلى جانب السفارة الكورية في إندونيسيا، حضرت مؤسسات معنية بالثقافة والتعليم والغذاء والتبادل الدولي والسياحة. هذا الحضور المؤسسي المتعدد يوضح أن كوريا الجنوبية لا تنظر إلى الثقافة باعتبارها ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد أو التعليم أو الترويج السياحي. بل تتعامل معها كبوابة تدخل منها اهتمامات أخرى، من استهلاك المنتجات الغذائية إلى الرغبة في تعلم اللغة الكورية، ومن متابعة الفرق الموسيقية إلى التفكير في زيارة سيول أو بوسان، أو حتى الدراسة في الجامعات الكورية.

في الصحافة العربية، اعتدنا طويلاً على الحديث عن «القوة الناعمة» بوصفها مفهوماً نظرياً فضفاضاً. لكن ما تقدمه كوريا هنا أقرب إلى تطبيق عملي ملموس: أغنية تقود إلى طبق طعام، وطبق الطعام يفتح باباً لشراء منتج، والمنتج يخلق فضولاً بشأن المجتمع المنتج، وهذا الفضول قد يتحول إلى سفر أو دراسة أو تعاون أكاديمي أو اهتمام باللغة. إنها سلسلة مترابطة، وليست فعاليات متجاورة بلا صلة. وإذا بدا التعبير دقيقاً بعض الشيء، فذلك لأن النجاح الكوري في الخارج لم يعد قائماً على المصادفة، بل على هندسة مدروسة للعلاقة بين الثقافة والسوق والصورة الوطنية.

هذا النموذج يختلف عن الفكرة التقليدية للمعارض الوطنية التي تقدّم البلد في صورة رسمية جامدة. فالدبلوماسية العامة الكورية تبدو أقل خطابية وأكثر حسية. بدلاً من الحديث الطويل عن إنجازات الدولة، تتيح لك أن تلمس منتجاً، وتشارك في رقصة، وتتذوق طبقاً، وتلتقط صورة، وتتعرف إلى جامعة، ثم تخرج بانطباع إيجابي قد يترجم مستقبلاً إلى قرار استهلاكي أو تعليمي. وهذا ما يفسر قول السفير الكوري في جاكرتا إن المناسبة تشكل فرصة لتقريب الشعبين من بعضهما عبر الثقافة. خلف هذه العبارة الدبلوماسية الهادئة تكمن فلسفة كاملة: العلاقات لا تُبنى فقط في قاعات التفاوض، بل أيضاً في فضاءات الحياة اليومية.

الأهم أن هذا الأسلوب ينسجم مع المزاج العالمي الراهن، حيث لم تعد صورة الدولة تُصنع عبر البيانات الرسمية وحدها. اليوم، يمكن لبلد ما أن يربح قلوب الشباب في قارة أخرى عبر الموسيقى أو الألعاب الإلكترونية أو المطبخ أو المسلسلات أكثر مما يربحها عبر الخطابات السياسية. وقد استوعبت كوريا الجنوبية هذه المعادلة مبكراً، ثم طورتها من مجرد نجاحات فنية متفرقة إلى منظومة مؤسساتية متماسكة. مهرجان باندونغ يقدم مثالاً واضحاً على ذلك: المؤسسات لا تعمل كلٌّ على حدة، بل تتكامل فوق منصة واحدة.

من K-POP إلى K-FOOD وK-BEAUTY: كيف تغيّرت ملامح الهاليو؟

خلال السنوات الماضية، تعرّف جزء كبير من الجمهور العربي إلى كوريا الجنوبية عبر الدراما والأغاني. كثيرون دخلوا هذا العالم من بوابة مسلسل رومانسي أو فرقة شهيرة، ثم توسع فضولهم لاحقاً إلى اللغة والطعام والعادات. لكن ما تكشفه فعالية باندونغ هو أن هذه المرحلة الأولى لم تعد كافية لشرح ظاهرة الهاليو في صورتها الراهنة. فالموجة الكورية اليوم ليست نوعاً فنياً واحداً، بل «حزمة حياة» كاملة، تشمل ما يُؤكل وما يُستخدم وما يُستهلك وما يُتداول رقمياً.

الأمر هنا شبيه، بدرجة ما، بانتقال الاهتمام العالمي بالثقافة العربية من صورة تقليدية محصورة في الموسيقى أو المطبخ، إلى اهتمام أوسع بالتصميم والموضة والقهوة المختصة والسينما والمنصات الرقمية. حين تتوسع الثقافة خارج تصنيف واحد، تصبح أقوى وأقدر على البقاء. وهذا ما حدث للهاليو: لم تعد ظاهرة مرهونة بنجمة غناء أو موسم درامي، بل صارت شبكة أذواق وعلامات وعادات يومية.

في حالة K-FOOD، مثلاً، لم يعد الطبق الكوري مجرد عنصر exotic أو «غرائبي» يجرَّب بدافع الفضول، بل بات جزءاً من اقتصاد ضخم يتكيف مع الأذواق المحلية. الأطعمة الحلال التي عُرضت في باندونغ تقدم نموذجاً واضحاً لهذا التكيف. كوريا لا تصدّر وصفاتها فقط، بل تعيد التفكير في شكل المنتج وتغليفه وشهاداته بما يناسب الأسواق المختلفة. وهذه براعة مهمة، لأن الثقافة التي لا تُحسن الإصغاء إلى المجتمع المضيف سرعان ما تصطدم بحدودها. وفي العالم العربي، حيث تتنوع التقاليد الغذائية وتتداخل الاعتبارات الدينية والاجتماعية، فإن أي حضور أجنبي ذكي لا بد أن يبدأ من هذا الفهم التفصيلي.

أما K-BEAUTY، فهي ربما واحدة من أكثر الأدوات الكورية نفاذاً إلى الحياة اليومية، لأنها ترتبط بمجال شديد القرب من الأفراد: العناية بالنفس. لا يحتاج المستهلك هنا إلى معرفة سياسية أو اهتمام أكاديمي بكوريا، يكفي أن يقتنع بجودة المنتج أو بفعالية روتين العناية بالبشرة. ومن هذه النقطة الصغيرة قد يبدأ التوسع في الاهتمام الأوسع بالثقافة الكورية. ولعل هذا ما جعل مستحضرات التجميل الكورية حاضرة بقوة في متاجر كثيرة من الخليج إلى شمال أفريقيا، لا باعتبارها موضة عابرة فقط، بل بوصفها جزءاً من اقتصاد ثقافي واسع يتقن تحويل الصورة الجمالية إلى علامة ثقة.

في المقابل، لا يزال K-POP يحتفظ بدوره المركزي، لكن ليس بوصفه المنتج الوحيد، بل المحرك العاطفي الذي يفتح الأبواب أمام بقية القطاعات. الأغنية تجذب الانتباه أولاً، غير أن الاستدامة تتحقق عندما يجد المتابع ما هو أبعد من المسرح: مطعماً، ومنتجاً، ودورة لغة، ومنحة دراسية، وخط سير سياحياً. وبهذا المعنى، فإن مهرجان باندونغ لا يقول إن زمن K-POP انتهى، بل إنه دخل مرحلة أكثر نضجاً، حيث صار رأس الحربة ضمن منظومة أوسع.

لماذا باندونغ وليس جاكرتا؟ دلالة الجغرافيا خارج العواصم

اختيار باندونغ يحمل رسالة بحد ذاته. فالأحداث الدولية الكبرى كثيراً ما تتركز في العواصم، حيث السفارات والمراكز الثقافية والواجهات الرسمية. لكن نقل النشاط إلى مدينة مثل باندونغ يعني أن الانتشار الكوري في إندونيسيا لم يعد مقتصراً على النخب الحضرية في جاكرتا. إنه ينتقل إلى فضاءات أخرى، إلى مدن جامعية وتجارية قادرة على توليد جمهور جديد أقل تشبعاً وربما أكثر استعداداً للتفاعل.

باندونغ ليست مدينة هامشية في الوعي الآسيوي؛ لها مكانة تاريخية في ذاكرة الجنوب العالمي منذ مؤتمر باندونغ الشهير عام 1955، حين اجتمعت دول آسيوية وأفريقية لصوغ خطاب استقلالي في مواجهة الاستقطاب الدولي. ومن المفارقة الجميلة أن المدينة نفسها، التي حملت يوماً رمزية سياسية كبرى، تتحول اليوم إلى مسرح لرمزية ثقافية من نوع آخر: كيف تتنافس الدول على الحضور في العالم عبر الجاذبية لا عبر الاصطفاف.

بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن قراءة هذا الخيار من زاوية مألوفة لدينا. فحين تتجه المبادرات الثقافية الكبرى في المنطقة إلى مدن غير العواصم، كأن تقام مهرجانات نوعية في العلا أو طنجة أو صلالة أو وهران أو الأقصر، فإن الرسالة تكون دائماً أن الثقافة لا يجب أن تبقى حبيسة المركز السياسي. وينطبق الأمر نفسه على النشاط الكوري في باندونغ: هو توسيع للخريطة، وتوزيع للنفوذ الرمزي، واستثمار في جمهور محلي متنوع، لا في منصة رسمية واحدة.

ومن المهم أيضاً أن باندونغ تقع في جاوة الغربية، حيث الكثافة السكانية والتنوع الاجتماعي والاقتصادي. عندما تنجح فعالية ثقافية في مثل هذا السياق، فهي لا تكسب جمهوراً نخبوياً فقط، بل تلامس شريحة أوسع من الشباب والعائلات والطلاب والمستهلكين. وهذا ما يجعلها أكثر قيمة من حدث مغلق داخل قاعة رسمية في العاصمة. الثقافة، في النهاية، تقاس بقدرتها على النزول إلى الشارع والجامعة والمركز التجاري، لا فقط بالتصفيق البروتوكولي.

الجامعة والمركز التجاري: معادلة الشباب والسوق

واحدة من أكثر النقاط ذكاءً في هذا الحدث هي الجمع بين فضاءين مختلفين ظاهرياً: الجامعة والمول. الجامعة تمثل المعرفة والتطلعات المستقبلية، بينما يمثل المركز التجاري سلوك الاستهلاك اليومي. وعندما يجتمع الفضاءان في برنامج ثقافي واحد، فإن الرسالة تصبح واضحة: كوريا تريد أن تكون جزءاً من الخيال المهني والعلمي للشباب، وفي الوقت نفسه جزءاً من اختياراتهم اليومية في الطعام والتجميل والترفيه.

في جامعة «تلكوم»، لا يكون الحضور مجرد حضور احتفالي. هناك جمهور لديه قابلية للتحول إلى شريك في المستقبل: طالب يدرس الترجمة، شابة مهتمة بصناعة المحتوى، باحث في الإعلام الرقمي، أو مهندس يفكر في فرص التعاون الأكاديمي والتقني. الجامعة هنا ليست مسرحاً للإبهار فقط، بل حاضنة لعلاقات طويلة الأمد. وحين تدخل الثقافة إلى الحرم الجامعي، فهي تكسب نوعاً من الشرعية المعرفية، لأنها تصبح جزءاً من الحوار حول اللغة والدراسات الآسيوية والاقتصاد الإبداعي.

أما المركز التجاري، فهو المكان الذي تُختبر فيه قابلية الثقافة للتحول إلى سلوك اقتصادي. الإعجاب بالموسيقى أو الدراما شيء، وشراء المنتج أو تجربة الطعام أو البحث عن عرض سياحي شيء آخر. من هنا تبدو المراكز التجارية في كثير من بلدان آسيا والعالم العربي أكثر من مجرد أماكن للتسوق؛ إنها مساحات اجتماعية وإعلامية أيضاً، حيث تتشكل الموضة وتتقاطع الاتجاهات وتنتشر الصور بسرعة. لهذا، فإن حضور الثقافة الكورية في «باسكال» لا يعني مجرد إقامة منصة عروض، بل الدخول إلى نقطة تماس مباشرة مع السوق.

هذا الدمج بين الشباب والسوق، بين المعرفة والاستهلاك، هو جوهر ما يجعل الموجة الكورية قادرة على الاستمرار. فالثقافة التي تبقى في حدود الإعجاب الرمزي قد تخفت مع الوقت، أما الثقافة التي تنسج خيوطاً مع التعليم والمنتج والسياحة، فإنها تتحول إلى بنية أكثر صلابة. وربما هنا تكمن إحدى أهم الدروس لأي دولة تريد تطوير حضورها الثقافي خارج حدودها: النجاح لا يصنعه عنصر واحد، بل منظومة تتكامل فيها القصة مع المؤسسة، والصورة مع التجربة.

ما الذي يعنيه ذلك للقراء العرب؟

بالنسبة إلى الجمهور العربي المتابع للموجة الكورية، فإن خبر باندونغ يقدم مفاتيح لفهم المرحلة الجديدة من الهاليو. كثيرون في العالم العربي يستهلكون بالفعل جانباً من هذا الحضور: مسلسلات كورية مترجمة، منتجات تجميل، وصفات طعام، وربما اهتمام متزايد بتعلم اللغة. لكن ما يظهر اليوم هو أن كوريا لا تترك هذه الاهتمامات متناثرة، بل تعمل على جمعها ضمن سردية واحدة عن البلد: بلد حديث، مبتكر، قريب من الشباب، وقادر على احترام خصوصيات المجتمعات التي يتوجه إليها.

وهذه النقطة الأخيرة بالذات تهم المنطقة العربية. فكل تجربة ثقافية وافدة تُختبر لدينا على مستويين: مدى جاذبيتها، ومدى قدرتها على التكيّف مع الخصوصيات المحلية. نجاح كوريا في إندونيسيا عبر المنتجات الحلال والمشاركة التفاعلية والرهان على المؤسسات التعليمية يرسل إشارة إلى أن القوة الناعمة الفعالة ليست تلك التي تطلب من الآخرين التكيّف الكامل معها، بل التي تعدّل مداخلها وأدواتها من دون أن تفقد هويتها. وهذا درس في غاية الأهمية في زمن تتنافس فيه دول كثيرة على العبور إلى أسواق وثقافات متعددة.

من زاوية عربية أوسع، يفتح الخبر أيضاً باب التساؤل حول كيفية إدارة بلداننا لقوتها الثقافية الخاصة. لدينا رصيد هائل في الموسيقى والدراما والمطبخ واللغة والتراث والحرف والصناعات الإبداعية، لكن تحويل هذا الرصيد إلى شبكة نفوذ ناعم مستدام يحتاج إلى ما هو أكثر من المواهب الفردية. يحتاج إلى تنسيق بين المؤسسات الثقافية والتعليمية والسياحية والاقتصادية، تماماً كما فعلت الجهات الكورية في باندونغ. وهذا لا يعني نسخ النموذج الكوري حرفياً، بل التفكير في جوهره: كيف تتحول الثقافة إلى تجربة عابرة للقطاعات؟

كما أن هذا التطور الكوري يفسر جزئياً سبب بقاء الاهتمام العالمي بالهاليو في صعود، رغم تغير اتجاهات الذوق السريع في العصر الرقمي. عندما ترتبط الثقافة بأنماط حياة متكاملة، يصبح من الأصعب أن تتلاشى. وربما لهذا السبب لم تعد الموجة الكورية مجرد «صيحة» شبابية، بل باتت مادة جادة للنقاش في الإعلام والجامعات والأسواق. وهذا يفسر لماذا يمكن لفعالية واحدة في مدينة آسيوية أن تتحول إلى خبر دولي يحمل دلالات على تحولات أوسع في شكل العلاقات الثقافية بين الدول والشعوب.

خبر صغير في ظاهره.. كبير في معناه

قد يبدو مهرجان الثقافة الكورية في باندونغ خبراً بسيطاً للوهلة الأولى: عروض موسيقية، أطعمة، منتجات تجميل، وجمهور شاب متحمس. لكن القراءة المتأنية تكشف أنه مشهد مكثف لتحول أكبر. كوريا الجنوبية تقدم نفسها للعالم اليوم بطريقة مختلفة: لا عبر الضجيج فقط، ولا عبر الرهان على نجم واحد أو عمل درامي واحد، بل عبر تصميم تجربة متكاملة تدخل من منافذ الحياة اليومية وتحترم خصوصية المجتمع المضيف.

في هذا تكمن أهمية الحدث كخبر دولي. العالم لم يعد يراقب فقط من يفوز في المعارك السياسية، بل أيضاً من ينجح في كسب الخيال العام، ومن يحسن تحويل الثقافة إلى لغة تواصل طويلة الأمد. وباندونغ قدمت مثالاً عملياً على ذلك: عاصمة ثقافية مصغرة ليوم واحد، تجمع الموسيقى بالطعام بالجمال بالتعليم بالسياحة، وتقول إن النفوذ في القرن الحادي والعشرين قد يبدأ أحياناً من أغنية ورقصة ووجبة تحمل شهادة حلال.

وللقارئ العربي، فإن متابعة هذا النوع من الأخبار لا تعني مجرد الاهتمام ببلد بعيد، بل فهم التحولات التي تعيد صياغة المشهد الثقافي العالمي كله. فالمنافسة بين الدول لم تعد فقط على السلاح والاستثمار والتكنولوجيا، بل أيضاً على من يستطيع أن يكون أقرب إلى الناس في ذوقهم اليومي وعاداتهم وأحلامهم. وكوريا الجنوبية، كما يبدو من مشهد باندونغ، تتقدم بخطى واثقة في هذا المضمار، عبر دبلوماسية ناعمة تعرف جيداً أن الطريق إلى القلوب يمر أحياناً من الجامعة والمركز التجاري بقدر ما يمر من السفارة وقاعة المؤتمرات.

لهذا كله، لا ينبغي النظر إلى ما جرى في باندونغ باعتباره مهرجاناً آخر في روزنامة الفعاليات الثقافية، بل بوصفه مؤشراً على مرحلة جديدة من حضور كوريا في العالم الإسلامي والآسيوي، وربما في العالم العربي أيضاً. إنها مرحلة عنوانها أن الثقافة لم تعد مجرد واجهة، بل أصبحت بنية استراتيجية متكاملة، تتقاطع فيها الهوية مع السوق، والخيال مع السياسة، والذوق الشخصي مع العلاقات الدولية. ومن هنا بالتحديد، صار خبر باندونغ يستحق أن يتصدر النقاش، لا كحكاية ترفيهية عابرة، بل كنافذة لفهم كيف يتشكل العالم ثقافياً أمام أعيننا.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات