
مهرجان جديد… لكن بسؤال قديم يتجدد
في الوقت الذي تبدو فيه كوريا الجنوبية وكأنها تعيش ذروة ازدهارها الموسيقي، من قاعات الحفلات المكتظة إلى الجولات العالمية التي تحمل نجوم الكيبوب إلى عواصم الشرق والغرب، يظهر في سيول حدث ثقافي لا يريد الاكتفاء بإضافة موعد جديد إلى رزنامة المهرجانات. «مهرجان يونغ-هي» الذي ينطلق بين 12 و14 من الشهر الجاري في محيط مركز مابو للفنون في العاصمة الكورية، يطرح سؤالا أعمق بكثير من أسماء المشاركين أو عدد التذاكر المباعة: إذا كانت النساء، وخصوصا جمهور المعجبات، في قلب القوة الشرائية والرمزية التي تدفع السوق الموسيقية الكورية إلى الأمام، فلماذا لا تزال المنصات المخصصة لإبراز الموسيقيات وصاحبات التجارب النسائية أقل مما تستحقه من حضور؟
هذا السؤال ليس هامشيا في سياق «الهاليو» أو الموجة الكورية التي يعرفها القارئ العربي جيدا، سواء عبر الدراما أو الموسيقى أو حتى مستحضرات التجميل والطعام الكوري. فمنذ سنوات، لم يعد الحديث عن الثقافة الكورية الجنوبية محصورا في ظاهرة جماهيرية عابرة، بل بات نقاشا حول صناعة ثقافية متكاملة تمتلك القدرة على التصدير والتأثير وإعادة تشكيل الذوق العام. ومن داخل هذه الصناعة نفسها، يأتي «مهرجان يونغ-هي» كمرآة ناقدة، لا كاحتفال محض. إنه يقول بصورة غير مباشرة إن السوق الذي كبر بفضل جمهور نسائي واسع، محليا وعالميا، يحتاج اليوم إلى مراجعة شكلية ومضمونية: من يقف في الواجهة؟ ومن تُروى قصته؟ ومن يُعامل بوصفه استثناء رغم أن حضوره أصيل ومتجذر؟
في العالم العربي، قد تبدو هذه الأسئلة مألوفة على نحو لافت. فكما عرفنا في السينما والمسرح والغناء سجالا طويلا حول تمثيل النساء، ليس فقط كأصوات على الخشبة، بل كصانعات معنى واتجاه، تبدو كوريا الجنوبية اليوم أمام نقاش مشابه لكن بصياغة تناسب صناعتها الحديثة. الفرق أن هذا النقاش يخرج هناك من داخل لحظة نجاح كاسح، لا من داخل أزمة تراجع. وهذا ما يمنحه أهمية خاصة: أن تراجع البنية الثقافية وأنت في صعود، لا حين تضطر إلى ذلك تحت ضغط الانكماش.
اسم «يونغ-هي»… من «الاسم العادي» إلى فكرة الاعتراف
أحد أكثر عناصر المهرجان إثارة للاهتمام ليس حتى قائمته الفنية، بل اسمه نفسه. «يونغ-هي» اسم نسائي شائع في الذاكرة الكورية، ارتبط تقليديا بشخصية الفتاة أو الطالبة في الكتب المدرسية القديمة، بما يشبه حضور أسماء مثل «فاطمة» أو «سلمى» أو «ليلى» في وجدان عربي عام حين نريد الإشارة إلى اسم مألوف، قريب من الحياة اليومية، غير نخبوي وغير متكلف. اختيار هذا الاسم لا يبدو اعتباطيا؛ فالقائمون على المهرجان يريدون، بحسب ما أوضحته المغنية وكاتبة الأغاني أوه جي-أون، أن يستدعوا «المرأة الأكثر اعتيادية»، ثم يردوا إليها ما سمته «المجد والفرح».
في اللغة والمعنى، يحمل الاسم أيضا دلالة إضافية مستمدة من الكتابة الصينية-الكورية القديمة، حيث يمكن فهمه بوصفه تركيبا يلامس معنى «البهجة والمجد». وهنا تتضح الفكرة المركزية للمهرجان: ليس الاحتفاء بصورة المرأة بوصفها شعارا دعائيا، بل رد الاعتبار إلى نساء جرى التقليل من شأنهن أو إبقاؤهن في الظل، داخل الموسيقى وخارجها. هذه المقاربة تمنح المهرجان طابعا فكريا يتجاوز منطق «اللاين أب» أو الأسماء اللامعة. فالحدث يريد أن يقول إن وراء اختيار الاسم موقفا من الثقافة نفسها: أي النساء نعتبرهن عاديات إلى درجة تجاهلهن؟ وأي إنجازات نمر عليها من دون أن تتحول إلى سردية عامة؟
في الصحافة الثقافية العربية، كثيرا ما ننتبه إلى أن معارك التسمية ليست أقل أهمية من معارك المحتوى. اختيار اسم بسيط ومألوف قد يكون أحيانا أكثر قوة من عنوان صاخب ومركب، لأنه يستدعي حياة الناس العاديين لا نخبتهم فقط. وهذا ما يفعله «يونغ-هي»: يسحب النقاش من منطقة الشعارات الكبرى إلى الحميمي واليومي، إلى المرأة التي قد لا تكون نجمة بالضرورة، لكنها أسهمت في تكوين الذائقة والعمل والإنتاج والتلقي.
من هنا، لا يمكن قراءة الاسم على أنه مجرد هوية بصرية أو علامة تسويقية. إنه مدخل إلى فهم المشروع كله. فحين تختار منظمة مهرجان أن تتحدث عن «نساء مقيمات بأقل من قيمتهن»، فهي لا تتحدث عن نقص في الشهرة وحدها، بل عن بنية تقييم كاملة: من يُمنح الشرعية الفنية؟ من يُقدَّم باعتباره صانعا للمشهد؟ ومن يظل، رغم منجزه، محاصرا في الهوامش أو في خانة التقدير الانتقائي المحدود؟
النساء في قلب السوق… لكن ليس دائما في قلب السردية
أهم ما يلفت في النقاش الدائر حول المهرجان أنه ينطلق من مسلمة باتت واضحة في الصناعة الكورية: جمهور النساء، وخصوصا الفاندوم النسائي، ليس تفصيلا جانبيا في قصة النجاح، بل محرك أساسي لها. الفاندوم، وهي كلمة شائعة في الثقافة الكورية المعاصرة وتعني مجتمع المعجبين المنظمين حول فنان أو مجموعة أو نوع موسيقي، تطور في كوريا إلى قوة اجتماعية واقتصادية هائلة. هؤلاء لا يشترون الألبومات والتذاكر فحسب، بل يصنعون التريند، ويديرون حملات الدعم، وينظمون الفعاليات، ويحولون المتابعة الفنية إلى شبكة تواصل عابرة للحدود.
والقارئ العربي الذي تابع ظواهر مثل جماهير الفرق الكورية في الرياض وجدة ودبي والقاهرة، أو رأى كيف تتحول حفلة واحدة إلى حدث تتداوله المنصات لأيام، يدرك أن الحديث عن الفاندوم لم يعد مجرد وصف لولاء فني. إنه بنية اجتماعية لها اقتصادها ومفرداتها وطقوسها. وفي قلب هذه البنية تقف النساء، سواء كمعجبات شابات، أو كمنظمات لمجتمعات الدعم الرقمي، أو حتى كمنتجات للمعنى عبر الترجمة والترويج وصناعة المحتوى.
لكن المفارقة التي يسلط عليها «مهرجان يونغ-هي» الضوء هي أن هذا الثقل الجماهيري النسائي لا ينعكس دائما بالدرجة نفسها على شكل المنصات أو طبيعة التمثيل. فالصناعة التي تستفيد من طاقة جمهور نسائي واسع قد لا تمنح، على المستوى البنيوي، المساحة الكافية للموسيقيات كي يظهرن ضمن إطار جامع يضعهن في مركز الرؤية لا على هامشها. هنا تحديدا يصبح المهرجان أشبه بسؤال نقدي موجَّه إلى الصناعة: كيف يمكن لسوق تقوده نساء في التلقي أن يكون أكثر جرأة في الاعتراف بالنساء في الخلق والقيادة والتمثيل؟
هذا النوع من الأسئلة يجد صداه في بيئاتنا العربية أيضا. فمنذ عقود، كانت النساء حاضرات بقوة في جمهور الغناء والدراما والفعاليات الثقافية، لكن ترجمة هذا الحضور إلى تمثيل متوازن في دوائر القرار والإنتاج لم تكن تلقائية دائما. ولعل قيمة التجربة الكورية هنا أنها لا تكتفي بالحديث عن «تمكين» بصيغته الخطابية، بل تضعه داخل معادلة السوق نفسه: من يدفع العجلة؟ ومن يظهر في الواجهة؟
ومن المهم هنا التنبيه إلى أن القضية ليست منافسة صفرية بين الرجال والنساء في المشهد الموسيقي. ما يطرحه المهرجان، كما يبدو من خلفيته الفكرية، ليس إقصاء طرف لحساب آخر، بل إعادة ضبط عدسة الرؤية بحيث تصبح أكثر عدلا ودقة. أي أن الاعتراف بتأثير النساء في السوق يجب أن يوازيه اعتراف بمساحات النساء على المسرح وفي السردية الثقافية المحيطة به.
تشكيلة المشاركات… تنوع يرفض الصورة النمطية
تضم قائمة المشاركات في المهرجان أسماء وازنة في الموسيقى الكورية مثل لي سانغ-أون، وكيم يون-آه، وسونوو جونغ-آه، إلى جانب فنانات مثل إيرَانغ، ويوجو، وكيم سا-وول، وناين، وآن شين-آيه. بالنسبة إلى المتابع العربي، قد لا تكون كل هذه الأسماء معروفة بالدرجة نفسها التي تحظى بها فرق الكيبوب الجماهيرية، لكن هذا بالتحديد جزء من المعنى الذي يريد المهرجان إبرازه. فالموسيقى الكورية أكبر بكثير من صورة الكيبوب اللامع ذات الإيقاع السريع والمنصات العملاقة. هناك مشهد غني من المغنيات وكاتبات الأغاني والمستقلات وصاحبات المشاريع الفنية التي تمزج بين البوب والروك والفولك والبديل والتجريب.
هذه النقطة تستحق التوقف عندها طويلا أمام القارئ العربي، لأن صورة كوريا الموسيقية في منطقتنا تختزل أحيانا في المنتج الأكثر تصديرا والأكثر ربحية، كما حدث سابقا مع اختزال الموسيقى العربية في لون تجاري واحد رغم اتساعها من الطرب إلى البديل إلى الراب إلى الموسيقى الإلكترونية. «مهرجان يونغ-هي» يحاول كسر هذا الاختزال عبر تجميع فنانات ينتمين إلى أجيال وأساليب وتجارب مختلفة، من دون حشرهن في قالب نسائي موحد. وهذه رسالة مهمة بحد ذاتها: لا توجد «موسيقى نسائية» بالمعنى التجانسي المبسط، بل توجد موسيقيات لكل واحدة لغتها وحساسيتها وسيرتها الفنية.
من الناحية التحريرية، يبدو هذا الخيار أكثر ذكاء من المراهنة على نجمات معدودات فقط. صحيح أن الأسماء الكبيرة تمنح الحدث ثقلا فوريا، لكن بناء السردية حول التنوع يمنحه عمقا أطول عمرا. حين تجتمع أسماء من خلفيات متباينة على مسرح واحد، يصبح المهرجان منصة لعرض اتساع الطيف لا قوة الاستعراض وحدها. وهذا ما يجعل الحدث قابلا للقراءة كنافذة على «المشهد» لا كحفل نجومي عابر.
بل إن أهم ما في التشكيلة ربما هو أنها ترفض التعامل مع الفنانات بوصفهن «فئة خاصة» معزولة. على العكس، هي تعرضهن كجزء أصيل من التيار العام للموسيقى الكورية، مع إبراز الفوارق بينهن لا طمسها. في هذا المعنى، لا يسعى المهرجان إلى صناعة صورة مثالية ناعمة عن «المرأة الفنانة»، بل إلى إظهارها ككيان معقد ومتنوع ومتناقض أحيانا، تماما كما هو حال أي مشهد فني حي.
من الحفل إلى «المهرجان المركب»… لماذا الشكل مهم بقدر المضمون؟
الحدث يوصف في كوريا بأنه «مهرجان ثقافي فني مركب»، وهذه العبارة ليست تفصيلا تنظيميا. في السياق الكوري، كما في بلدان كثيرة، اعتادت المهرجانات الموسيقية أن تُقرأ غالبا عبر معايير مألوفة: من يشارك؟ كم سعر التذكرة؟ من تصدر الملصق؟ ما حجم التنافس على الحجز؟ أما حين يصر المنظمون على وصف الحدث بأنه مركب، فهم يقولون إن التجربة أوسع من مجرد صعود فنانة إلى المسرح وأداء مجموعة من الأغنيات. هناك رغبة في بناء فضاء ثقافي يضم الأداء الحي، والنقاشات، والرسائل الرمزية، وطرائق التفاعل بين الجمهور والمكان.
هذا البعد مهم لأن الصناعة الموسيقية الكورية، على نجاحها، تواجه مثل غيرها خطر التحول إلى ماكينة إنتاج سريعة الإيقاع، تقيس أثرها بالأرقام فقط. والمهرجان المركب يحاول، ولو جزئيا، أن يستعيد المعنى الثقافي للحدث الفني: أن يخرج الجمهور وهو يحمل فكرة أيضا، لا مجرد صور ومقاطع قصيرة للنشر على المنصات. بهذا المعنى، يصبح «يونغ-هي» أقرب إلى بيان ثقافي مصاغ على هيئة فعالية فنية.
ولعل اختيار مركز مابو للفنون ومحيطه في سيول يضيف طبقة أخرى من الدلالة. منطقة مابو معروفة بحيويتها الثقافية وقربها من أحياء لها رمزية في مشهد الموسيقى والفنون المستقلة، ما يمنح المهرجان جذورا مكانية تتجاوز منطق الاستئجار العابر لقاعات الحفلات. كما أن الشراكة بين مؤسسة ثقافية عامة مثل مؤسسة مابو الثقافية، وجهة إنتاج خاصة مثل «يور سامر»، تكشف عن تقاطع مهم بين القطاع العام والخاص في دعم مبادرة تحمل مضمونا فنيا واجتماعيا في آن واحد.
بالنسبة إلى المتابع العربي، يمكن تشبيه ذلك بأهمية أن تستضيف مؤسسة ثقافية عامة مهرجانا لا يكتفي بتقديم عروض، بل يفتح مساحة لسؤال من يملك السردية الثقافية داخل الصناعة. فحين يلتقي الفضاء العام بالمبادرة الفنية الخاصة، يتحول الحدث إلى مؤشر على أن النقاش لم يعد محصورا في الهامش، بل بدأ يجد مكانه في البنية الثقافية الأوسع.
ما الذي يعنيه هذا للموجة الكورية عند الجمهور العربي؟
قد يسأل القارئ العربي: لماذا ينبغي لنا أن نهتم بمهرجان محلي في سيول بينما تمتلئ الساحة بأخبار الفرق العالمية والجولات الضخمة ونتائج القوائم؟ الجواب أن مثل هذا الحدث يسمح لنا بفهم الموجة الكورية من داخلها، لا فقط من واجهتها اللامعة. فالهاليو التي وصلت إلى العالم العربي عبر الدراما والبوب والأزياء ليست كتلة صلبة بلا نقاشات داخلية. على العكس، هي فضاء ثقافي متحرك يتجادل مع نفسه حول التمثيل، والعدالة الرمزية، وتوزيع الضوء، وحدود الصناعة، وعلاقة الجمهور بالمحتوى.
هذا الفهم مهم لأن جزءا من جاذبية الثقافة الكورية في منطقتنا يعود إلى قدرتها على المزج بين الصنعة العالية والقصة الإنسانية. الجمهور العربي لا يتابع الكيبوب فقط بسبب الإيقاع والرقص، بل لأنه يجد وراءه حكايات تدريب وتعب وصعود ومنافسة وانضباط. واليوم يضيف «مهرجان يونغ-هي» طبقة جديدة إلى هذه الحكايات: حكاية من بنى السوق، ومن ينتظر أن ينعكس ذلك على طبيعة المنصات والتمثيل.
كما أن هذا الحدث يفتح نافذة مفيدة للمقارنة مع واقعنا الثقافي. ففي العالم العربي أيضا، يزداد الوعي بأن الجمهور لم يعد متلقيا سلبيا، بل شريكا في تشكيل السوق عبر المنصات الرقمية والتذاكر والاتجاهات والولاءات. ومع اتساع أدوار الجمهور، يصبح سؤال التمثيل أكثر إلحاحا: كيف تنعكس خرائط الاستهلاك على خرائط الإنتاج؟ وكيف ننتقل من الاعتراف بقوة الجمهور إلى مراجعة من يتصدر الصورة ومن يبقى خارجها؟
ومن زاوية أخرى، يذكّرنا المهرجان بأن الموجة الكورية ليست مجرد نجاح في التسويق، بل أيضا قدرة على إنتاج نقاش ثقافي حول النجاح نفسه. وهذه نقطة أساسية لمن يتابع كوريا بوصفها نموذجا ثقافيا. فالقوة الناعمة لا تتعزز فقط بتصدير الأعمال، بل كذلك بإظهار أن داخل هذا النجاح أصواتا قادرة على النقد وإعادة التفكير وفتح مسارات جديدة.
هل يغير مهرجان واحد الصناعة؟ ربما لا… لكنه يغيّر الأسئلة
من المبكر بطبيعة الحال الجزم بأن «مهرجان يونغ-هي» سيقلب موازين الصناعة الموسيقية الكورية أو يفتح تلقائيا الباب أمام موجة واسعة من المهرجانات المماثلة. الصناعات الثقافية لا تتغير بقرار واحد ولا بفعالية واحدة، بل عبر تراكمات مؤسسية وجماهيرية ونقدية. لكن قيمة هذا الحدث لا تُقاس فقط بما يفعله فورا، بل بما يجعله ممكنا على مستوى النقاش العام. إنه يخلق سابقة رمزية، ويمنح اللغة اللازمة لطرح الأسئلة التي كانت موجودة ربما في الهامش من قبل.
فحين تنجح فعالية كهذه في جذب الانتباه، فإنها لا تقول فقط إن هناك جمهورا لهذا النوع من البرمجة، بل تقول أيضا إن المنظور نفسه مطلوب. أي إن الناس لا يبحثون حصرا عن «من يغني»، بل عن «ماذا يعني هذا التجميع؟» و«لماذا الآن؟». وهذه نقلة مهمة في طريقة تلقي الأخبار الثقافية حتى على المستوى الإعلامي. فبدلا من تغطية الحدث كمادة ترفيهية خفيفة، يصبح قابلا للمعالجة بوصفه علامة على تحولات أعمق داخل الصناعة.
ثم إن المهرجان يقدّم نموذجا مختلفا لكيفية الحديث عن النساء في المجال الثقافي. فهو لا يضعهن في موقع الضحية فقط، ولا يتعامل مع حضورهن بوصفه زينة خطابية أو «موسم احتفاء» عابر. بل يربط قضيتهن بالسوق وبالذائقة وبالمنصات وبالاعتراف المتأخر. وهذا الربط أكثر نضجا من المقاربات الرمزية المجردة، لأنه يسأل عن البنية لا عن الصورة فحسب.
إذا لقي الحدث تفاعلا جماهيريا ونقديا لافتا، فمن المرجح أن يتحول إلى مؤشر تستند إليه فعاليات أخرى داخل كوريا وخارجها. أما إذا بقي تأثيره محدودا، فسيظل مع ذلك قد أدى وظيفة مهمة: وضع إصبع واضح على فجوة يصعب بعد اليوم تجاهلها. وفي الحالتين، يكون قد نجح في أهم ما تطمح إليه الفعاليات الثقافية الجادة: أن يترك سؤالا مقلقا ومثمرا بعد انتهاء الأضواء.
المشهد المقبل… من يملك الحق في أن يكون «العادي» في الثقافة؟
ربما تكمن قوة «مهرجان يونغ-هي» النهائية في أنه يعيد تعريف ما هو «عادي» في الثقافة الكورية. فالاسم نفسه، كما أسلفنا، يحيل إلى المرأة العادية، لكن المهرجان يقول ضمنيا إن «العادي» ليس ما يجب تهميشه، بل ما يجب الإنصات إليه بوصفه قاعدة المجتمع وذاكرته وحساسيته اليومية. وفي زمن الصناعات الكبرى، كثيرا ما يُطغى الاستثنائي واللامع على ما هو يومي وعميق ومؤسس. لذلك يبدو الحدث وكأنه دفاع عن حق النساء في أن يكنّ مركزا لا استثناء، وقاعدة لا هامشا.
هذا المعنى يهم القارئ العربي لسبب إضافي: لأن معارك الثقافة عندنا أيضا تدور، في جانب منها، حول من يمتلك تعريف «الطبيعي» و«المألوف» و«المستحق». من الذي يعتبر حضوره بديهيا على المسرح أو في الصورة أو في موقع القيادة؟ ومن الذي يحتاج في كل مرة إلى تبرير وجوده أو تأطيره تحت عنوان خاص؟ «يونغ-هي» لا يقدّم إجابات نهائية، لكنه يذكّر بأن أبسط الاختيارات، من اسم المهرجان إلى طريقة ترتيب برمجته، يمكن أن تتحول إلى موقف سياسي وثقافي رصين.
في المحصلة، لا تبدو أهمية المهرجان في كونه حدثا نسائيا فحسب، بل في كونه اختبارا لمرحلة جديدة من نضج الصناعة الموسيقية الكورية. مرحلة لم تعد تكتفي بتصدير النجاح، بل بدأت تسائل هندسته الداخلية: من يلمع؟ ومن يُرى؟ ومن يكتب القصة؟ وإذا كانت الموجة الكورية قد نجحت خلال العقدين الماضيين في إقناع العالم بقدرتها على الإنتاج، فإن التحدي المقبل ربما يكون في إقناع العالم، ونفسها أيضا، بقدرتها على توزيع الضوء بعدالة أكبر.
لهذا كله، يستحق «مهرجان يونغ-هي» المتابعة من خارج كوريا بقدر ما يستحقها من داخلها. ليس لأنه يحمل أرقاما قياسية أو يَعِد بمنافسة استعراضية مع المهرجانات الضخمة، بل لأنه يعبّر عن لحظة مساءلة داخل صناعة ناجحة. وفي عالم الثقافة، غالبا ما تكون لحظات المساءلة هذه هي التي تفتح الباب أمام المشاهد الأهم في المستقبل.
0 تعليقات