광고환영

광고문의환영

غوانغجو الكورية تراهن على الشركات الناشئة الشابة: دعم مالي وتسريع أعمال لمواجهة سؤال بقاء الشباب في المدن

غوانغجو الكورية تراهن على الشركات الناشئة الشابة: دعم مالي وتسريع أعمال لمواجهة سؤال بقاء الشباب في المدن

من خبر محلي إلى قضية اجتماعية أوسع

في كوريا الجنوبية، لا تُقرأ أخبار دعم الشركات الناشئة الشابة بوصفها أخباراً اقتصادية تقنية فحسب، بل بوصفها نافذة على سؤال اجتماعي أكبر: كيف يمكن للمدن خارج العاصمة أن تُبقي شبابها فيها، لا أن تخسرهم تباعاً لصالح سيول والمناطق الأكثر ثراءً؟ هذا بالضبط ما يفسر أهمية الإعلان الذي صدر في مدينة غوانغجو الكورية، حيث فتحت السلطات المحلية باب التقديم لبرنامجين يستهدفان شركات ناشئة يقودها شباب، أحدهما مخصص لتمويل تطوير التكنولوجيا والمنتج، والآخر لتسريع الأعمال وبناء القدرات. في ظاهره، قد يبدو الخبر محدوداً بأرقام صغيرة نسبياً: 14 شركة فقط ستُختار. لكن في جوهره، يحمل هذا الإعلان دلالة تتجاوز العدد، لأنه يكشف عن الطريقة التي بدأت بها الحكومات المحلية الكورية تنظر إلى أزمة الشباب، ليس باعتبارها أزمة بطالة فقط، بل أيضاً أزمة استقرار ومعيشة وفرصة عادلة داخل الأقاليم.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو الفكرة مألوفة أكثر مما نتصور. في كثير من البلدان العربية، من المغرب إلى العراق، ومن مصر إلى الأردن، يدور النقاش نفسه تقريباً: هل يكفي أن نعلن مبادرات لريادة الأعمال، أم أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد تسجيل الشركة على الورق؟ كثير من الشباب يستطيعون تأسيس مشروع صغير، لكنهم يصطدمون سريعاً بتكاليف تطوير المنتج، وإجراءات الترخيص، وصعوبة الوصول إلى السوق، والحاجة إلى شبكة علاقات وخبرة لا يملكها المؤسس في بداياته. ما يجري في غوانغجو يلفت الانتباه لأنه يقترب من هذه العقدة تحديداً؛ أي من الفجوة بين ولادة الفكرة وقدرتها على التحول إلى عمل قابل للاستمرار.

السلطات في غوانغجو أعلنت أن الدعم لن يقتصر على تشجيع معنوي أو منحة عامة، بل سيتوزع بين تمويل مباشر لنفقات ضرورية في مرحلة التأسيس المبكرة، وبرنامج متخصص في التسريع والإرشاد. وهذا التفصيل مهم، لأن جزءاً كبيراً من فشل الشركات الناشئة لا يعود إلى غياب الحماس أو نقص الأفكار، بل إلى سوء التوقيت، وضعف التوجيه، وارتفاع كلفة الانتقال من نموذج أولي إلى منتج يمكن بيعه فعلياً. لهذا السبب، يُنظر إلى الخطوة الكورية على أنها محاولة للتعامل مع “عنق الزجاجة” الحقيقي في مسار الشركات الشابة.

كما أن توقيت الإعلان، في الثاني من يونيو/حزيران 2026، ليس تفصيلاً عابراً. ففي كوريا الجنوبية، حيث يتزايد القلق من التفاوت بين المركز والأقاليم ومن صعوبة تثبيت الشباب في المدن غير المركزية، تتحول السياسات المحلية الصغيرة نسبياً إلى إشارات سياسية واجتماعية ذات وزن. من هنا، فإن خبر غوانغجو ليس مجرد دعوة للتقديم، بل رسالة تقول إن البلدية تريد أن تكون شريكاً في صناعة بقاء الشباب داخل المدينة، لا مجرد جهة ترصد أرقام البطالة أو تعلن شعارات عامة عن الابتكار.

كيف صُمم البرنامج؟ دعم مالي من جهة وتسريع أعمال من جهة أخرى

بحسب ما أعلنته مدينة غوانغجو، فإن البرنامج ينقسم إلى مسارين واضحين. الأول هو دعم مخصص لما يمكن تسميته “الارتقاء التقني” للشركات الناشئة الشابة، والثاني هو برنامج “أكسليريتنغ” أو تسريع أعمال. ومصطلح “تسريع الأعمال” قد لا يكون شائعاً بالدرجة نفسها لدى جميع القراء العرب، لذلك من المفيد توضيحه: هو برنامج احتضان وتطوير مكثف تقدمه جهات متخصصة لمساعدة الشركات الناشئة على صقل نموذجها التجاري، وفهم السوق، وبناء شبكات المستثمرين والشركاء، وتحسين آليات التسويق والإدارة، وغالباً ما يكون ذلك عبر تدريب وإرشاد وجلسات تقييم ومتابعة عملية. أي أنه ليس مجرد تمويل، بل بنية مرافقة تساعد المشروع على تجنب أخطاء المراحل الأولى.

الشق الأول من البرنامج، المتعلق بتطوير التكنولوجيا والمنتج، يستهدف 6 شركات. أما الشق الثاني، الخاص بتسريع الأعمال، فيستهدف 8 شركات، ليبلغ المجموع 14 شركة ستتلقى دعماً في هذه الدورة. قد يسأل البعض: هل الرقم صغير؟ نعم، هو محدود من حيث العدد، لكنه يحمل معنى في طريقة التفكير الإداري. فالمدينة لا تحاول توزيع مبالغ رمزية على عدد كبير من المشاريع لتعلن نجاحاً إعلامياً واسعاً، بل تعتمد منطق الانتقاء والتركيز على عدد أقل، مع محاولة منح دعم أكثر التصاقاً بحاجات الشركة الفعلية.

في المسار المالي، يتراوح الدعم بين 10 ملايين و20 مليون وون كوري، وهي مبالغ مخصصة لتغطية نفقات محددة ترتبط بعملية “التسويق الأولي” أو “التحول إلى منتج تجاري”. وتشمل هذه النفقات تصنيع النماذج الأولية، وتحسين جودة المنتجات، ونقل التكنولوجيا، والحصول على براءات الاختراع أو الشهادات والاعتمادات، إضافة إلى تكاليف التسويق. هذه القائمة تكشف الكثير عن فهم السلطات المحلية لطبيعة الأزمة. فالخطر الذي يواجه الشركات الناشئة المبكرة ليس دائماً في نقص الفكرة، بل في كلفة إثبات أن هذه الفكرة قابلة لأن تصبح منتجاً موثوقاً ومتوافقاً مع متطلبات السوق.

ومن يعرف تجارب رواد الأعمال في العالم العربي، سيدرك سريعاً أن هذه البنود تمثل في العادة أصعب المراحل. فهناك فرق كبير بين مشروع يُعرض في مسابقة شبابية وبين شركة تستطيع فعلاً إنتاج سلعة أو خدمة بمواصفات مستقرة، وتحصل على الاعتمادات اللازمة، ثم تدفع تكاليف الوصول إلى العملاء. كثير من المبادرات تتعثر هنا تحديداً. لذلك، فإن ما فعلته غوانغجو هو أنها وضعت المال في نقاط الاختناق العملية، لا في العناوين العامة.

أما برنامج تسريع الأعمال، فهو مهم بالقدر نفسه، وربما أكثر من المال في بعض الحالات. لأن كثيراً من الشركات الناشئة تنهار ليس فقط بسبب الفقر المالي، بل بسبب فقر المعلومات والخبرة والشبكات. هنا تتدخل برامج التسريع لتقديم نوع من “الخبرة المؤسسية السريعة” التي تعوض جزءاً من الفجوة بين حماس المؤسس الشاب وقسوة السوق. هذا المزج بين التمويل والتأهيل هو ما يجعل البرنامج لافتاً في نظر المتابعين، لأنه يشير إلى أن البلدية لا تريد الاكتفاء بمنح شيك مالي، بل تسعى إلى مرافقة عملية التثبيت في السوق.

من يحق له التقديم؟ الشباب والمرحلة المبكرة والارتباط بالمكان

وضعت المدينة معايير دقيقة للمستفيدين. فالشركات المؤهلة هي تلك التي لم يمض على تأسيسها أكثر من ثلاث سنوات حتى تاريخ الإعلان، وأن يكون عمر الممثل القانوني أو المدير التنفيذي 39 عاماً أو أقل، وأن تكون الشركة قائمة في غوانغجو. هذه الشروط الثلاثة تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة تعكس فلسفة سياسية وإدارية واضحة: الشباب، والمرحلة المبكرة، والهوية المحلية.

أولاً، هناك تعريف محدد للشباب. وفي السياق الكوري، كثيراً ما تُستخدم فئة عمرية أوسع نسبياً مما اعتاده بعض القراء العرب، إذ يمكن أن يُصنف من هم دون الأربعين ضمن برامج الشباب في بعض السياسات العامة. وهذا مرتبط بطبيعة سوق العمل الكوري، وتأخر الاستقرار الوظيفي أو العائلي لدى قطاعات من الجيل الجديد، إضافة إلى طول المسار التعليمي والمهني. بالتالي، فإن وضع سقف 39 عاماً ليس مجرد تفصيل بيروقراطي، بل هو انعكاس لتعريف محلي لمرحلة الشباب والعمل المبكر.

ثانياً، يشترط البرنامج أن تكون الشركة في سنواتها الثلاث الأولى. وهذا شرط حاسم، لأنه يميز بين مشروع لا يزال يحاول تثبيت أقدامه وبين شركة تجاوزت مرحلة الخطر الأولي وبدأت تدخل مسار نمو أكثر انتظاماً. الرسالة هنا أن الدعم ليس موجهاً إلى قصص النجاح الجاهزة، بل إلى المشاريع التي لا تزال تصارع من أجل البقاء. وهذه نقطة تستحق الانتباه، لأن كثيراً من السياسات في أماكن عدة تميل إلى الاحتفاء بالشركات التي نجحت بالفعل، بينما تكون الشركات الأكثر هشاشة هي الأقل قدرة على الوصول إلى الدعم.

ثالثاً، يربط البرنامج الاستفادة بالموقع الجغرافي، أي بوجود الشركة في غوانغجو نفسها. وهذا منطقي من زاوية الإدارة المحلية، لأن تمويل البلدية يفترض أن ينعكس على النسيج الاقتصادي للمدينة، وأن يسهم في خلق وظائف ونشاط اقتصادي داخلها، لا أن يتسرب إلى مناطق أخرى. في هذه النقطة تحديداً، تبدو التجربة الكورية قريبة من أسئلة عربية معاصرة: كيف تمنع المدن الثانوية نزيف الكفاءات نحو العاصمة؟ وكيف تجعل الانتماء إلى المدينة ليس مجرد مسألة سكن، بل أيضاً مسألة فرصة اقتصادية؟

هذه الشروط مجتمعة تعني أن البرنامج لا يتعامل مع ريادة الأعمال كعنوان فضفاض، بل كسياسة مستهدفة بدقة. وهو ما يضفي على الخطوة قيمة إضافية. فالسياسات العامة تصبح أكثر جدية عندما تعرف لمن توجه مواردها، وفي أي مرحلة، ولماذا. وفي حالة غوانغجو، يبدو أن المدينة تحاول القول إنها تعرف أن المشكلة ليست في غياب أفكار بين الشباب، بل في هشاشة البدايات داخل المجال المحلي.

لماذا تركز غوانغجو على النماذج الأولية والاعتمادات والتسويق؟

إذا قرأنا بنود الدعم بنداً بنداً، سنجد أن المدينة تستهدف الحلقة التي غالباً ما تنكسر فيها الشركات الناشئة. فإنتاج نموذج أولي ليس مجرد خطوة تقنية، بل هو لحظة انتقال من الفكرة النظرية إلى شيء ملموس يمكن اختباره وعرضه على المستثمرين والعملاء. وتحسين المنتج يعني الانتقال من نسخة أولية إلى منتج أكثر نضجاً وقدرة على المنافسة. أما نقل التكنولوجيا، فهو ضروري في كثير من الأحيان عندما تكون الفكرة واعدة لكن الشركة لا تملك كل المعرفة الفنية أو الملكية المطلوبة لتطويرها بنفسها.

ثم تأتي مسألة البراءات والاعتمادات، وهي من أكثر الجوانب تعقيداً وكلفة بالنسبة إلى الشركات الصغيرة. في الأسواق الحديثة، لا يكفي أن يكون المنتج جيداً؛ بل يجب أن يكون محمياً قانونياً، أو معترفاً به وفق المعايير التقنية والتنظيمية، خصوصاً إذا كان يتعلق بالصحة أو الأغذية أو الإلكترونيات أو البرمجيات التي تتطلب شهادات معينة. هذا الجانب يشبه إلى حد ما ما يواجهه رواد الأعمال العرب حين يصطدمون بمتطلبات الهيئات التنظيمية، أو بتكاليف التسجيل والحماية القانونية، أو بتعقيدات النفاذ إلى السوق الرسمي.

أما التسويق، فهو القصة التي يُساء فهمها كثيراً. إذ يميل بعض صناع السياسات إلى اعتبار التسويق كمالياً أو مؤجلاً، بينما الواقع أن شركات كثيرة تفشل لأنها لا تصل إلى جمهورها، أو لأنها لا تعرف كيف تُعرّف نفسها بطريقة تنافسية. في بيئة مزدحمة بالخيارات، يصبح التسويق جزءاً من البنية الأساسية للشركة، لا زينة إضافية. وغوانغجو، من خلال إدراج التسويق ضمن بنود الدعم المباشر، تعترف ضمناً بأن السوق لا يكافئ الفكرة الجيدة تلقائياً، بل يكافئ الفكرة التي تعرف كيف تُقدَّم وتُباع.

الأهم من ذلك أن هذا النهج يعكس تحولاً في نظرة السلطات المحلية الكورية إلى ريادة الأعمال. فبدلاً من حصر القضية في لحظة “تأسيس شركة”، يجري التعامل معها بوصفها سلسلة مراحل متشابكة: تطوير منتج، حماية ملكية، امتثال للمعايير، تعريف بالسوق، وبناء قدرة إدارية. ولهذا فإن البرنامج، برغم تواضع حجمه النسبي، يكشف عن نضج في تشخيص المشكلة. إنه يقول بصراحة إن المعركة الحقيقية ليست في إطلاق المشروع، بل في تمكينه من الصمود.

في العالم العربي، كثيراً ما نسمع تعبير “من الفكرة إلى السوق”، لكنه يبقى أحياناً شعاراً عاماً أكثر منه خطة تنفيذ. أما في الخبر الكوري، فإن “العبور إلى السوق” جرى تفكيكه إلى عناصر قابلة للدعم والقياس. وهذا ما يمنح الخطوة قيمتها العملية. فالسياسة الجيدة ليست فقط تلك التي تعلن نياتها، بل التي تعرف أين تضع المال وأين تضع الخبرة.

ما الذي تقوله هذه الخطوة عن السياسة المحلية في كوريا الجنوبية؟

لوقت طويل، ارتبطت صورة كوريا الجنوبية في الإعلام الدولي بالسياسات المركزية الكبرى: شركات التكنولوجيا العملاقة، الصناعات التصديرية، والتعليم التنافسي، وخطط التوظيف الوطنية. لكن الأخبار الآتية من المدن والأقاليم تقدم وجهاً آخر للبلاد، وجهاً أقل صخباً وأكثر التصاقاً بالحياة اليومية للناس. ففي المدن غير المركزية، تتحول سياسة الشباب إلى معركة حول البقاء الديموغرافي والاقتصادي معاً. وإذا كانت سيول تمثل مركز الجاذبية الأكبر، فإن مدناً مثل غوانغجو تحتاج إلى أدوات تمنع تحولها إلى محطة عبور فقط.

في هذا السياق، يمكن فهم البرنامج الجديد كجزء من محاولة أوسع لتعزيز “الاستقرار المحلي” للشباب. هذا المفهوم لا يعني مجرد توفير وظيفة، بل يعني خلق شروط تجعل الشاب قادراً على تصور مستقبل كامل داخل مدينته: عمل، مشروع، دخل، شبكة علاقات، وربما لاحقاً أسرة وحياة مستقرة. ومن هنا تأتي قيمة دعم الشركات الناشئة: فهي ليست فقط أداة ابتكار اقتصادي، بل وسيلة للحفاظ على الحيوية الاجتماعية للمدينة.

ومن المثير هنا أن البلدية اختارت مقاربة دقيقة لا شعبوية. فهي لا تقول إن البرنامج سيحل كل مشكلات الشباب، ولا تعرض أرقاماً ضخمة للاستهلاك السياسي. بل تقدم مسارين محددين، وعدداً محدداً من المستفيدين، وشروطاً دقيقة، وبنوداً واضحة للإنفاق. هذا النوع من السياسات قد لا يصنع عناوين ضخمة فوراً، لكنه كثيراً ما يكون أكثر قابلية للتقييم والمساءلة. أي إن السؤال لاحقاً لن يكون: كم مرة تحدثنا عن دعم الشباب؟ بل: هل استطاعت هذه الشركات الأربع عشرة أن تعبر إلى السوق وتبقى؟

كما أن فصل الدعم المالي عن دعم التسريع يكشف فهماً متقدماً نسبياً لتنوع احتياجات الشركات المبكرة. فليست كل شركة تحتاج إلى المبلغ نفسه، ولا إلى نوع الدعم نفسه. بعض الشركات تحتاج إلى تصنيع وتجريب، وأخرى تحتاج إلى إرشاد استثماري أو تسويقي أو قانوني. هذه النظرة التفصيلية تعكس أن الإدارة المحلية لا تتعامل مع الشركات الناشئة ككتلة واحدة، بل ككيانات تمر بمراحل مختلفة من النضج.

في الخطاب العربي العام عن التجارب الآسيوية، نميل أحياناً إلى اختزال النجاح في الانضباط أو في المعجزة الاقتصادية. لكن هذا الخبر يذكّرنا بأن جانباً من نجاح الدول والمدن يكمن في التفاصيل الإدارية: كيف تُصمم السياسة؟ كيف يُحدد المستفيد؟ كيف تُربط الموارد بالعقبات الحقيقية؟ هذه الأسئلة الصغيرة هي التي تصنع الفارق على الأرض أكثر مما تصنعه الخطب الكبرى.

ما الذي يعنيه ذلك للقراء العرب؟ دروس تتجاوز كوريا

قد يظن البعض أن خبر برنامج محلي في مدينة كورية بعيدة لا يحمل الكثير للمنطقة العربية. لكن الحقيقة أن القصة تمس قضايا شديدة القرب منا. ففي معظم الدول العربية، هناك نقاش واسع حول بطالة الشباب، والهجرة الداخلية نحو العواصم، وضعف الفرص في المدن الطرفية، وصعوبة تحويل الأفكار إلى مؤسسات مستدامة. وما يحدث في غوانغجو يعرض نموذجاً واحداً من نماذج التعامل مع هذه العقدة: لا تكتف بتشجيع الشباب على “الحلم”، بل ساعدهم في مرحلة تثبيت الحلم على الأرض.

الدرس الأول هو أن السياسة الفعالة لا تحتفي بالتأسيس وحده. من السهل نسبياً أن تعلن مسابقات أو حاضنات تمنح جوائز أولية، لكن الأصعب هو أن تواكب الشركة في المراحل التي تلي الإعلان والاحتفال. في الثقافة الشعبية العربية، كما في الأمثال المتداولة، كثيراً ما يُقال إن “البداية سهلة والدوام أصعب”. هذا المعنى نفسه يظهر هنا بوضوح: التحدي ليس أن تسجل شركتك، بل أن تظل موجوداً بعد عام أو عامين، وأن تعرف كيف تطور منتجك وتدخل السوق.

الدرس الثاني هو أن المدن تحتاج إلى سياسات محلية دقيقة، لا نسخ عامة من وصفات مركزية. فغوانغجو لا تنافس سيول بالطريقة نفسها، ولذلك تبحث عن أدواتها الخاصة. وفي العالم العربي أيضاً، ليست حاجات مدينة مثل طنجة هي نفسها حاجات القاهرة أو البصرة أو صفاقس أو إربد. عندما تُصمم المبادرات على مستوى محلي، مع فهم للسياق الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، تصبح أقرب إلى النتائج الملموسة.

الدرس الثالث هو أن ربط الشباب بالمكان يمر عبر الاقتصاد بقدر ما يمر عبر الهوية. لا يكفي أن نقول للشباب ابقوا في مدنكم، بل يجب أن نسأل: ماذا سيفعلون هناك؟ وكيف سيبنون حياة كريمة؟ هذا السؤال حاضر بقوة في التجربة الكورية. البرنامج ليس دعوة عاطفية إلى الانتماء، بل محاولة لصناعة مصلحة عملية في البقاء والنمو داخل المدينة.

أخيراً، يوضح هذا الخبر أن الأرقام ليست كل شيء. صحيح أن 14 شركة فقط ستستفيد في هذه المرحلة، لكن المغزى الأهم يكمن في الطريقة: دعم موجَّه، وتمويل مرتبط بعقبات محددة، وبرنامج تطوير مهني موازٍ. وفي عالم السياسات العامة، قد تكون الطريقة أهم من الرقم لأنها هي التي تحدد ما إذا كانت الموارد ستُهدر أم ستتحول إلى أثر حقيقي.

في المحصلة، ما فعلته غوانغجو هو أنها وضعت يدها على سؤال شديد الحداثة وفي الوقت نفسه شديد الإنسانية: كيف نمنح الشباب فرصة لا لكي يبدأوا فقط، بل لكي يستقروا ويكبروا مع مدنهم؟ هذا السؤال ليس كورياً وحده، بل هو سؤال عربي أيضاً، وربما لهذا السبب يستحق هذا الخبر المحلي في شرق آسيا كل هذا الاهتمام من قارئ عربي يتابع تحولات المجتمعات بقدر ما يتابع أخبار الاقتصاد.

بين الدعم المحدود والرسالة الكبيرة

يبقى واضحاً أن برنامجاً من هذا النوع لن يحل بمفرده أزمة الشباب أو فجوة التنمية بين العاصمة والأقاليم في كوريا الجنوبية. غير أن أهميته تكمن في أنه يعكس اتجاهاً في التفكير، لا مجرد عملية صرف مالي. فحين تقرر مدينة أن تساند شركات شابة عمرها أقل من ثلاث سنوات، يقودها مؤسسون دون الأربعين، وتواجه كلفة بناء المنتج وحمايته وتسويقه، فإنها تقول عملياً إنها تفهم أين يبدأ التعثر الحقيقي.

هذه الرسالة تستحق التأمل عربياً أيضاً. لأن جزءاً من تعثر المبادرات عندنا لا يتعلق فقط بندرة الموارد، بل أحياناً بطريقة توزيعها أو سوء تشخيص نقطة الضعف. هل نحتاج إلى مزيد من الشعارات عن الابتكار؟ أم إلى مزيد من البرامج التي تساعد على اجتياز أول امتحان حقيقي في السوق؟ وهل المطلوب أن نحتفل بعدد الشركات المسجلة، أم بعدد الشركات التي بقيت ووسعت أعمالها وخلقت وظائف؟

غوانغجو قدمت، من خلال خطوة إدارية محلية، إجابة عملية ولو على نطاق محدود: ابدأ من الميدان، من حاجات المشروع في مرحلته الحرجة، ومن حاجة المدينة إلى شبابها بقدر حاجة الشباب إلى المدينة. وبينما يستمر العالم في الحديث عن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والمستقبل، تذكّرنا هذه القصة بأن تفاصيل مثل نموذج أولي، وشهادة اعتماد، وخطة تسويق، وجلسة إرشاد، قد تكون هي الفاصل الحقيقي بين شركة تُولد وتموت سريعاً، وأخرى تجد مكانها في السوق وتبقى.

لهذا، فإن قيمة الخبر لا تُقاس فقط بما أعلنته بلدية غوانغجو اليوم، بل بما يطرحه من أسئلة على صانعي السياسات في كل مكان: كيف نحول ريادة الأعمال من شعار شبابي لامع إلى مسار استقرار اجتماعي واقتصادي؟ وكيف نبني مدناً لا يضطر شبابها إلى مغادرتها بحثاً عن فرصة أولى؟ تلك هي الخلفية الأوسع التي تجعل من هذا الإعلان المحلي قصة تستحق المتابعة، لا في كوريا الجنوبية وحدها، بل في كل مجتمع يبحث عن مستقبل أكثر توازناً بين الإنسان والمكان والعمل.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات