광고환영

광고문의환영

من فواتير الكهرباء إلى كرامة السكن: كيف تعيد كوريا الجنوبية تعريف «الرفاه الطاقي» للفئات الأكثر هشاشة؟

من فواتير الكهرباء إلى كرامة السكن: كيف تعيد كوريا الجنوبية تعريف «الرفاه الطاقي» للفئات الأكثر هشاشة؟

الطاقة حين تصبح شأناً معيشياً لا رقمًا في الفاتورة

في الأخبار القادمة من كوريا الجنوبية، قد تمر بعض العناوين سريعاً على القارئ إذا بدت لأول وهلة تقنية أو إدارية الطابع. لكن خلف خبر إعلان مؤسسة «كوريا الشرق-الغربية للطاقة» استكمال مشروعها الاجتماعي رقم 31 ضمن مبادرة تحمل اسماً لافتاً هو «ترتيب الطاقة الذكي والمبتكر»، تكمن قصة أعمق بكثير من مجرد أعمال صيانة منزلية أو استبدال مصابيح قديمة بأخرى موفرة. ما حدث في جوهره هو توسيع لفكرة «الرفاه الطاقي» من معناها التقليدي المرتبط فقط بتخفيف أعباء فاتورة الكهرباء أو التدفئة، إلى معنى أشمل يمس جودة الحياة نفسها: حرارة البيت في الشتاء، برودته في الصيف، شدة الإضاءة في المساء، وكفاءة استهلاك الطاقة في تفاصيل الحياة اليومية.

هذا النوع من الأخبار يهم القارئ العربي أيضاً، ليس فقط لأن كوريا الجنوبية باتت حاضرة بقوة في وجدان الجمهور العربي عبر الدراما والسينما والموسيقى والثقافة الشعبية، بل لأن القضية نفسها مألوفة في مدننا وأحيائنا. في العالم العربي، يعرف كثيرون معنى أن يعيش المرء في منزل يسرّب الحر شتاءً أو يحتفظ بحرارة خانقة صيفاً، أو في شقة قديمة تستهلك من الكهرباء أكثر مما تحتمل ميزانية الأسرة. ونعرف أيضاً أن الفقر ليس دائماً نقصاً في الدخل فقط، بل قد يكون أيضاً ضعفاً في بنية السكن، ورداءة في العزل، وإنارة غير كافية، ونوافذ لا تحمي من تقلبات الطقس. من هنا، تبدو التجربة الكورية جديرة بالقراءة، لأنها تنقل النقاش من سؤال «كم تدفع الأسرة؟» إلى سؤال أكثر إنسانية: «كيف تعيش الأسرة داخل بيتها؟».

بحسب المعطيات المعلنة، فإن المشروع استهدف الأسر الهشة ومرافق الرعاية الاجتماعية التي تحتاج إلى تحسين عاجل في بيئتها السكنية والمعيشية. وشملت الأعمال تدعيم العزل، وتجديد الجدران الداخلية، وتحسين النوافذ، وتركيب إنارة عالية الكفاءة من نوع «إل إي دي»، إلى جانب أجهزة لإدارة استهلاك الكهرباء. قد تبدو هذه العناصر متفرقة للوهلة الأولى، لكنها في الواقع مترابطة على نحو شديد الدلالة: العزل يقلل الهدر الحراري، والنوافذ الجيدة تخفف تسرب الهواء، والإنارة الموفرة تقلص الاستهلاك مع رفع مستوى الإضاءة، وأجهزة إدارة الطاقة تساعد على فهم الاستهلاك وضبطه. بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بتبرع رمزي، بل بمنظومة تدخل صغيرة الحجم نسبياً، كبيرة الأثر في حياة من يعيشون تحت ضغط الهشاشة الاقتصادية.

في الصحافة العربية، اعتدنا أن نتابع أخبار الدعم الاجتماعي على شكل إعانات نقدية، أو قوافل غذائية، أو حملات موسمية في رمضان والأعياد أو في الشتاء القارس. وهذه كلها ضرورية ومقدّرة، لكنها غالباً تتعامل مع الحاجة بوصفها طارئة أو مؤقتة. أما النموذج الذي يبرز في هذه المبادرة الكورية، فهو أقرب إلى ما يمكن تسميته «الصدقة المؤسسية طويلة الأثر» إن جاز التعبير: تدخل يحسّن البيت نفسه، أي المساحة التي تتشكل فيها الحياة اليومية للأسرة، بما يجعل أثره ممتداً على مدى شهور وربما سنوات. وهذا ما يمنح الخبر بعده الحقيقي.

ما الذي فعلته المؤسسة الكورية بالضبط؟

الجهة التي تقف وراء المشروع هي «كوريا الشرق-الغربية للطاقة»، وهي شركة طاقة عامة في كوريا الجنوبية تعمل في قطاع توليد الكهرباء. وفي السياق الكوري، تلعب المؤسسات العامة أدواراً تتجاوز التشغيل الاقتصادي إلى ما يشبه المسؤولية الاجتماعية المرتبطة بطبيعة نشاطها الأساسي. لذلك ليس غريباً أن تأتي مبادرة من هذا النوع من جهة تعمل أصلاً في مجال الطاقة، بل لعل هذا هو المعنى الأهم فيها: المؤسسة لا تكتفي بإنتاج الكهرباء، بل تحاول أن تسهم في جعل استخدامها أكثر عدلاً وكفاءة لدى الفئات الأكثر ضعفاً.

الخبر المعلن أفاد بأن المؤسسة أنهت في الخامس والعشرين من الشهر الجاري المرحلة المعروفة باسم «النسخة رقم 31» من البرنامج. والتعبير الرقمي هنا ليس تفصيلاً شكلياً. في الثقافة الإدارية الكورية، كما في كثير من النماذج الآسيوية القائمة على التراكم والانضباط المؤسسي، يعكس ترقيم المبادرات استمرارية البرنامج وتحوله إلى سياسة عمل ثابتة، لا إلى نشاط احتفالي عابر. بمعنى آخر، نحن لا نتحدث عن مبادرة صيغت لالتقاط صورة جماعية ونشر بيان صحفي، بل عن مشروع تكرر مرات عديدة منذ انطلاقه في عام 2021، حتى صار علامة من علامات العمل الاجتماعي للمؤسسة.

الأعمال التي شملها الدعم تحمل أهمية مزدوجة. فمن ناحية أولى، هي أعمال ملموسة يمكن قياس أثرها مباشرة على المنزل أو المرفق الاجتماعي. ومن ناحية ثانية، هي أعمال ترتبط بجوهر مفهوم «الضعف الطاقي» أو «الهشاشة الطاقية». هذا المفهوم، الذي قد يبدو جديداً على بعض القراء العرب، يشير إلى حالة تكون فيها الأسرة غير قادرة على الحصول على الطاقة اللازمة للعيش الكريم، سواء بسبب ارتفاع التكاليف، أو سوء حالة المسكن، أو ضعف تجهيزاته، أو اجتماع هذه العوامل كلها. ولذلك فإن علاج المشكلة لا يتحقق فقط بدفع جزء من الفاتورة، بل قد يبدأ أحياناً من إصلاح النافذة أو تدعيم الجدار أو تغيير منظومة الإضاءة.

في هذا الإطار، قدمت المؤسسة الكورية حزمة متكاملة: عزل حراري، أعمال داخلية لتحسين الجدران، إصلاحات في النوافذ، تركيب إنارة حديثة موفرة، وتثبيت أجهزة لإدارة استهلاك الكهرباء. ومغزى هذه الحزمة أنها تنظر إلى المسكن باعتباره وحدة متكاملة، لا مجموعة أعطال منفصلة. فالعزل وحده لا يكفي إذا كانت النوافذ رديئة، والإضاءة الجيدة تفقد جزءاً من قيمتها إذا ظل الاستهلاك منفلتاً أو البيئة الداخلية متعبة نفسياً وبصرياً. هذا التفكير المنظومي هو ما يمنح المشروع فرادته.

لماذا يبدو العزل والإنارة خبراً مهماً؟

في المجتمعات التي اعتادت متابعة الأخبار الكبرى: انتخابات، أزمات دبلوماسية، تحولات اقتصادية، قد يبدو الحديث عن النوافذ والعزل والإنارة أمراً صغيراً. لكنه في الحقيقة من أكثر الأخبار اتصالاً بحياة الناس. فكم من أسرة عربية تعرف أن المشكلة ليست فقط في ثمن الكهرباء، بل في أن البيت نفسه «يأكل» الطاقة أكلاً؛ نافذة قديمة تسمح بتسرب الهواء، سقف غير معزول، جدران تحتفظ بالرطوبة، ومصابيح تستهلك كثيراً وتضيء قليلاً. في هذه الحالات، يصبح المسكن عبئاً إضافياً على الفقر، لا مجرد إطار محايد للعيش.

من هذه الزاوية، يمكن فهم ما فعلته المؤسسة الكورية باعتباره انتقالاً من منطق «الدعم الاستهلاكي» إلى منطق «التأهيل البنيوي». الدعم الاستهلاكي يخفف العبء لفترة، لكنه لا يغير الشروط التي تولد هذا العبء. أما التأهيل البنيوي، فيسعى إلى تعديل البنية التي تجعل الأسرة عرضة لهدر الطاقة أساساً. وهذه الفكرة ليست بعيدة عن تجارب عربية معروفة في ترميم بيوت الأسر المحتاجة أو تأهيل مساكن المتضررين، لكنها هنا تأتي مرتبطة تحديداً بلغة الطاقة والكفاءة والاستدامة.

العزل الحراري، على سبيل المثال، ليس ترفاً هندسياً. إنه في البيئات الباردة يحمي من فقدان الدفء، وفي البيئات الحارة يحد من تسرب الحرارة إلى الداخل. والنتيجة أن الأسرة تحتاج إلى استهلاك أقل من الكهرباء أو الوقود لتأمين مستوى معقول من الراحة. أما تحسين النوافذ، فهو في كثير من الحالات خط الدفاع الأول ضد التقلبات المناخية والضجيج والرطوبة. وتجديد الجدران الداخلية ليس شأناً تجميلياً فحسب، بل يمكن أن يكون جزءاً من استعادة الإحساس بالنظام والكرامة في مكان السكن، وهو أمر لا يقل أهمية عن المردود المالي.

ثم تأتي الإضاءة. وفي الثقافة العربية، لطالما ارتبط النور بمعانٍ معنوية إلى جانب معناه العملي: الطمأنينة، القدرة على الدراسة، الشعور بالأمان، انتظام تفاصيل الحياة داخل البيت. لذلك فإن استبدال الإضاءة الضعيفة أو المكلفة بإنارة حديثة أكثر كفاءة ليس مجرد تحديث تقني، بل تحسين مباشر لشروط المعيشة، خاصة لدى كبار السن والأطفال والمستخدمين اليوميين لمرافق الرعاية. وعندما تضاف إلى ذلك أجهزة إدارة استهلاك الكهرباء، يصبح لدى الأسرة أو المؤسسة أداة تساعدها على تقليل الهدر، وفهم أوقات الاستهلاك، وضبط ما يمكن ضبطه من دون المساس بالاحتياجات الأساسية.

هنا يظهر بوضوح أن الطاقة ليست ملفاً منفصلاً عن الكرامة الاجتماعية. وحين تعالجها كوريا الجنوبية على هذا النحو، فهي تقدم مثالاً على كيف يمكن لسياسات تبدو تقنية أن تحمل مضموناً اجتماعياً عميقاً.

من الإحسان العابر إلى المسؤولية المرتبطة بالاختصاص

من الجوانب اللافتة في هذه القصة أن المؤسسة القائمة على المبادرة ليست جمعية خيرية بالمعنى التقليدي، بل شركة عامة تعمل في مجال إنتاج الكهرباء. وهذا يفتح باباً مهماً لفهم تحولات العمل الاجتماعي في كوريا الجنوبية. فبدلاً من الاكتفاء بالتبرع العام أو الرعاية الرمزية، تتجه بعض المؤسسات إلى توظيف خبرتها الأساسية في خدمة المجتمع. شركة الطاقة تدعم كفاءة الطاقة. مؤسسة صحية تطور خدمات الوقاية. شركة اتصالات تردم الفجوة الرقمية. بهذا المعنى، تصبح المسؤولية الاجتماعية أقل استعراضاً وأكثر التصاقاً بجوهر الوظيفة المؤسسية.

في السياق العربي، لدينا أمثلة متفرقة على هذا المنحى، حين تتبنى شركات أو مؤسسات عامة برامج لها صلة مباشرة بخبرتها. لكن كثيراً من أنشطة المسؤولية الاجتماعية ما زال يدور في إطار المناسبات أو المبادرات المحدودة الأثر. أما النموذج الكوري فيعكس قدراً من التنظيم والتراكم، بحيث يتحول العمل الاجتماعي إلى مسار مستمر ومقاس النتائج، لا مجرد ملحق للعلاقات العامة.

وليس من المصادفة أن تتحدث المؤسسة عن المشروع بوصفه أحد برامجها التمثيلية منذ عام 2021. فمن الواضح أن الفكرة باتت جزءاً من هويتها العامة. وهذا مهم لأن قضايا الهشاشة الطاقية لا تُحل بحملة قصيرة. إنها تحتاج إلى استمرارية، وإلى قدرة على الوصول إلى الحالات الأكثر احتياجاً، وإلى تنسيق مع سلطات محلية أو هيئات رعاية تعرف ميدانياً أين توجد الفجوات الأكثر إلحاحاً.

اللافت أيضاً أن المشروع لم يقتصر على منازل أفراد، بل شمل مرافق رعاية اجتماعية. وهذه نقطة بالغة الأهمية. ففي البيوت الخاصة، ينعكس التحسين على أسرة واحدة أو عدد محدود من الأشخاص. أما في مرافق الرعاية، فقد يمتد الأثر إلى شرائح أوسع من المستفيدين: كبار السن، ذوو الإعاقة، أو فئات تحتاج إلى خدمات يومية أو دورية. وهذا يضاعف القيمة الاجتماعية لكل تدخل، لأن البيت هنا ليس فقط بيتاً بالمعنى الفردي، بل فضاءً جماعياً للرعاية.

وبهذا المعنى، يصبح المشروع أقرب إلى استثمار اجتماعي في البنية التحتية للحياة اليومية. إنه لا يوزع سلعة تُستهلك سريعاً، بل يعيد تشكيل المكان الذي تُمارس فيه الحياة. وهذه الفلسفة تستحق التوقف عندها، خاصة في زمن تتزايد فيه كلفة المعيشة عالمياً، وتزداد معه الحاجة إلى حلول تترك أثراً طويل الأمد.

أولسان الصناعية والسؤال الاجتماعي خلف صورة كوريا الحديثة

الخبر جاء من مدينة أولسان، وهي مدينة تحمل في المخيال الكوري صورة صناعية بامتياز. أولسان معروفة بثقلها في قطاعات الصناعة والطاقة والتصنيع، وغالباً ما تُستحضر بوصفها رمزاً لكوريا المنتجة، لا كوريا الترفيهية التي يعرفها جمهور الدراما ونجوم البوب. لكن هذا بالتحديد ما يجعل الحدث معبّراً: داخل المدينة التي ترمز إلى القوة الصناعية، يظهر سؤال العدالة الاجتماعية في الوصول إلى بيئة سكنية لائقة.

كثيراً ما تُرى كوريا الجنوبية من الخارج على أنها بلد التكنولوجيا السريعة، والشركات العملاقة، والقطارات الدقيقة، والهواتف الذكية، ونجوم الثقافة الجماهيرية. وهذه الصورة صحيحة جزئياً، لكنها تخفي طبقات أخرى من الواقع، بينها تحديات الشيخوخة السكانية، وتفاوتات الدخل، ووجود فئات تعيش في مساكن قديمة أو في ظروف لا تستفيد بالكامل من مظاهر الازدهار العام. لذلك فإن مثل هذه الأخبار تذكّرنا بأن المجتمعات الحديثة، مهما بلغت من التقدم، لا تتجاوز الحاجة إلى سياسات يومية تعتني بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الكرامة.

في العالم العربي أيضاً، نعرف هذا التناقض. فمدن النفط أو الصناعة أو الأبراج اللامعة قد تضم في أطرافها أحياء تحتاج إلى تدخلات أساسية في السكن والخدمات. والدرس هنا أن الحداثة لا تقاس فقط بارتفاع البنايات أو تطور البنى الكبرى، بل كذلك بمدى قدرة المجتمع على إيصال ثمارها إلى الفئات الأكثر هشاشة. عندما تتحول الطاقة من رمز للتنمية الصناعية إلى أداة لتحسين بيت أسرة محدودة الدخل، نكون أمام معنى أعمق للتنمية.

وتكتسب هذه النقطة مزيداً من الأهمية إذا وضعناها في سياق النقاش العالمي حول التحول الطاقي، وخفض الانبعاثات، وكفاءة الاستخدام. ففي كثير من الأحيان، تُطرح هذه المفاهيم بلغة نخبوية أو تقنية، بينما يظل المواطن العادي بعيداً عنها. لكن ما فعلته هذه المبادرة هو أنها جعلت الكفاءة الطاقية ملموسة في أبسط صورها: بيت أقل برداً، أقل حرّاً، أقل ظلمة، وأقل هدراً. هذه ترجمة إنسانية مباشرة لسياسات تبدو مجردة في الوثائق والاستراتيجيات.

«الرفاه الطاقي».. مفهوم كوري يحتاج إلى شرح عربي

من المفيد هنا التوقف عند مصطلح «الرفاه الطاقي» أو «الرفاهية الطاقية»، لأن ترجمته الحرفية قد لا تنقل تماماً مضمونه للقارئ العربي. في النقاشات الكورية، كما في بعض الأدبيات الدولية، لا يعني هذا المفهوم الرفاه بالمعنى الكمالي، بل الحق في الوصول الآمن والعادل والمستدام إلى الطاقة التي تتيح حياة يومية كريمة. إنه قريب من فكرة أن تكون الطاقة خدمة أساسية متاحة بكفاءة، لا سلعة تثقل الضعفاء وحدهم بأعبائها.

هذا المفهوم يتقاطع مع ما قد يعرفه القارئ العربي من نقاشات حول «الفقر الطاقي»، أي حالة عدم قدرة الأسرة على تدفئة المسكن أو تبريده أو إنارته أو تشغيل ضرورياته بكلفة معقولة. لكن التجربة الكورية تضيف بُعداً آخر: لا يكفي أن تصل الطاقة، بل يجب أن يكون المسكن نفسه مؤهلاً لاستقبالها واستعمالها بكفاءة. فمن غير المنطقي أن تدعم أسرة في دفع الفاتورة بينما نوافذها مكسورة أو جدرانها غير معزولة أو إنارتها متهالكة.

في هذا المعنى، تبدو المبادرة أشبه بإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والطاقة داخل البيت. ليس الهدف دفع الناس إلى استهلاك أكثر، بل تمكينهم من استهلاك أذكى وأعدل. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن بعض برامج الدعم قد تقع في فخ التوسعة الكمية من دون معالجة الهدر البنيوي. أما عندما تقترن المساعدة بأعمال تحسين ملموسة، فإنها تحقق منفعة مالية وبيئية وصحية في آن واحد.

في البيئات العربية، يمكن تخيل أمثلة مشابهة بسهولة: أسرة في حي شعبي تحتاج إلى عزل بسيط يخفف استنزاف المكيف في الصيف، أو منزل قديم في منطقة باردة يحتاج إلى إصلاح فتحات الهواء والنوافذ، أو مرفق اجتماعي يستهلك كثيراً بسبب إنارة قديمة ومعدات غير كفؤة. حين ننظر إلى الأمر بهذه الطريقة، لا يعود «الرفاه الطاقي» تعبيراً غريباً، بل يصبح قريباً من هموم الناس اليومية، تماماً كما ترتبط موائد رمضان ليس فقط بالطعام، بل بالدفء الاجتماعي والتنظيم المنزلي والقدرة على استقبال الحياة بكرامة.

البيت بوصفه نقطة البداية في سياسات الحماية الاجتماعية

أهم ما في هذا الخبر ربما هو اختياره البيت نقطة انطلاق. فالبيت ليس مجرد جدران وسقف، بل فضاء الراحة والأمان والعائلة والخصوصية. وإذا اختل هذا الفضاء، انعكس الخلل على الصحة والنوم والتعليم والحالة النفسية والإنفاق. والذين يعملون في الشأن الاجتماعي يعرفون أن المشكلات المعيشية نادراً ما تكون منفصلة عن بعضها: برد المسكن قد يعني مرضاً أكثر، ومرض أكثر قد يعني غياباً عن العمل أو المدرسة، وإنارة ضعيفة قد تعني صعوبة في المذاكرة أو الحركة، وهدر كهربائي قد يعني اقتطاعاً من ميزانية الغذاء أو الدواء.

لهذا، فإن تحسين المنزل ليس مسألة تجميلية، بل تدخل في صميم الحماية الاجتماعية. ومن الناحية المهنية الصحفية، هذا هو جوهر القصة: مؤسسة عامة كورية قررت أن تنظر إلى الطاقة من داخل البيت، لا من أعلى الشبكة الكهربائية فقط. وهي زاوية تبدو شديدة الذكاء لأنها تجمع بين الاقتصاد الاجتماعي والاستدامة البيئية والكرامة الإنسانية.

ومع ذلك، يبقى من الضروري الالتزام بالدقة: المعلومات المتاحة علناً حول هذه المرحلة من المشروع تقتصر على إعلان إنجازها وطبيعة الأعمال المشمولة فيها وخلفيتها كجزء من برنامج مستمر منذ عام 2021. أما الأرقام التفصيلية مثل عدد المستفيدين أو حجم الميزانية أو التوزيع الدقيق للحالات، فلم تُذكر في المعطيات المتوافرة. وهذه نقطة مهمة في الكتابة الصحفية المهنية، حتى لا يتحول الحماس لفكرة نبيلة إلى مبالغة في استنتاج ما لم يُعلن رسمياً.

لكن حتى ضمن هذا الإطار المحدود من المعلومات، فإن دلالة الحدث واضحة: ثمة مسار في كوريا الجنوبية يربط بين الطاقة والسكن والرعاية المجتمعية، ويحوّل الخبرة التقنية إلى أداة لخدمة الفئات الأضعف. وهذا بحد ذاته يكفي لجعل الخبر جديراً بالمتابعة، لا سيما في منطقة عربية تبحث هي الأخرى عن صيغ أكثر ذكاءً وإنصافاً للدعم الاجتماعي.

ماذا يمكن أن يتعلمه القارئ العربي من هذه القصة؟

ليس المطلوب من القارئ العربي أن ينظر إلى التجربة الكورية بوصفها وصفة جاهزة قابلة للاستنساخ حرفياً. فلكل بلد ظروفه المناخية، وأطره المؤسسية، وبنية مساكنه، ومستويات دخله، وأولوياته الاجتماعية. لكن ما يمكن استخلاصه من هذه القصة هو الفكرة الأساسية: الدعم الأكثر فعالية ليس دائماً ما يُصرف سريعاً، بل ما يغيّر شروط المعيشة نفسها. وقد يكون إصلاح نافذة، أو تدعيم عزل، أو تحديث إنارة، أكثر جدوى على المدى الطويل من مساعدة نقدية محدودة الأثر.

كما أن الخبر يلفت الانتباه إلى دور المؤسسات العامة وشركات الطاقة تحديداً في الاضطلاع بمسؤولية اجتماعية مرتبطة بتخصصها. ففي منطقتنا، حيث تشكل الطاقة ملفاً اقتصادياً وسياسياً يومياً، قد يكون من المفيد توسيع تصورنا للدور الاجتماعي لهذه المؤسسات، بحيث يشمل برامج لتأهيل مساكن الفئات الضعيفة، وتحسين كفاءة الاستهلاك في المرافق الاجتماعية، ونشر أدوات بسيطة لفهم الاستهلاك وترشيده.

من ناحية أخرى، تؤكد التجربة الكورية أن السياسات الكبيرة يمكن أن تبدأ من تفاصيل منزلية شديدة التواضع. وهذا درس مهم في زمن تنجذب فيه بعض الحكومات والمؤسسات إلى المشاريع الضخمة ذات البريق الإعلامي، بينما تظل حاجات البيوت الصغيرة معلقة بين التعاطف المؤقت والانتظار الطويل. وربما لهذا بالذات تحمل هذه القصة قيمة رمزية: فهي تذكرنا بأن الكرامة الاجتماعية قد تبدأ من مصباح أفضل، وجدار أكثر دفئاً، ونافذة أقل تسرباً.

في النهاية، ليست هذه مجرد قصة عن مؤسسة كورية أنجزت مشروعاً اجتماعياً جديداً. إنها قصة عن كيفية ترجمة مفاهيم كبرى مثل العدالة والاستدامة والرفاه إلى عناصر ملموسة في البيت. وهي أيضاً تذكير بأن القوة الناعمة الكورية لا تتجلى فقط في الدراما والأغاني والموضة، بل في نماذج إدارية واجتماعية تحاول أن تصل بالتنمية إلى أكثر زوايا الحياة اليومية تواضعاً واحتياجاً. ومن هنا تأتي أهمية الخبر للقارئ العربي: لأنه يفتح نافذة على كوريا أخرى، أقل صخباً من الشاشات وأكثر قرباً من الأسئلة التي تعرفها كل أسرة تبحث عن بيت أدفأ، وإنارة أفضل، وحياة أقل قسوة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات