광고환영

광고문의환영

ثلاثة عقود من صناعة الكفاءات الإعلامية في كوريا الجنوبية: كيف تكشف احتفالية «كونكوك» عن الوجه الهادئ لقوة سيول الناعمة؟

ثلاثة عقود من صناعة الكفاءات الإعلامية في كوريا الجنوبية: كيف تكشف احتفالية «كونكوك» عن الوجه الهادئ لقوة سيول الناعمة؟

ثلاثون عاماً لا تُقاس بالاحتفال وحده

في الأخبار اليومية السريعة، قد يبدو الاحتفال بمرور ثلاثين عاماً على تأسيس برنامج دراسات عليا في الإعلام والعلاقات العامة داخل جامعة كورية جنوبية خبراً أكاديمياً محدود الأثر. لكن قراءة أعمق لهذا الحدث تكشف أنه أبعد من مناسبة بروتوكولية أو لقاء بين إدارة جامعة وخريجيها. ففي سيول، أقامت جامعة كونكوك احتفالاً بالذكرى الثلاثين لتأسيس كلية الدراسات العليا للإعلام والعلاقات العامة في مقر «المركز الصحافي الكوري» الواقع في قلب العاصمة، بحضور رئيس الجامعة وون جونغ-بيل، ورئيسة رابطة الخريجين لي جا-يون، ونحو 130 مشاركاً من الأكاديميين والخريجين والمهتمين. ومن حيث الشكل، بدا الأمر مناسبة لاسترجاع مسيرة بدأت عام 1995. أما من حيث الدلالة، فهو مشهد يلخّص كيف بنت كوريا الجنوبية، بهدوء وتراكم، بنية مهنية وتعليمية تدعم إعلامها وصناعاتها الثقافية ورسائلها العامة.

بالنسبة إلى القارئ العربي الذي يتابع الدراما الكورية، والكي-بوب، والأفلام التي صارت تحصد الجوائز العالمية، قد يبدو أن جاذبية كوريا الجنوبية نتاج مباشر للمحتوى وحده. غير أن هذه الصورة، على جاذبيتها، لا تكتمل إلا إذا نظرنا إلى ما وراء الكاميرا وخلف الشاشات: إلى المؤسسات التي تُدرّب من يكتبون الرسائل، ويصوغون السرديات، ويديرون الاتصال العام، ويفهمون العلاقة الحساسة بين الإعلام والمجتمع والتقنية. ما جرى في سيول هذا الأسبوع يفتح نافذة مهمة على هذه الخلفية، ويذكرنا بأن ما تسميه الأدبيات الحديثة «القوة الناعمة» لا ينبت تلقائياً، بل يحتاج إلى تعليم منظم، وشبكات خريجين، ومساحات مهنية تتقاطع فيها الصحافة مع العلاقات العامة والاتصال المؤسسي.

في العالم العربي، نعرف جيداً أن بناء المؤسسات المهنية أبطأ إيقاعاً من ضجيج الأخبار، لكنه أشد أثراً على المدى الطويل. ومن يتأمل تاريخ الإعلام العربي، من الصحف الكبرى في القاهرة وبيروت إلى القنوات العابرة للحدود في الخليج، سيدرك أن تحولات المشهد لم تكن نتيجة المواهب الفردية وحدها، بل ثمرة مدارس تدريب، وكليات إعلام، وغرف أخبار خرّجت أجيالاً كاملة. لهذا فإن خبر احتفال جامعة كونكوك لا يخص كوريا الجنوبية وحدها، بل يقدّم مادة مهمة لأي قارئ عربي يريد فهم كيف تُدار منظومة الاتصال في بلد صار أحد أبرز منتجي الثقافة الشعبية في العالم.

لماذا يحمل «المركز الصحافي الكوري» هذه الرمزية؟

اختيار مكان الاحتفال ليس تفصيلاً ثانوياً. فقد استضاف «المركز الصحافي الكوري» في وسط سيول المناسبة، وهو مكان ذو قيمة رمزية داخل المشهد الإعلامي الكوري، لأنه يجمع في الذاكرة المهنية بين الصحافة والمؤسسات الإعلامية وفعاليات النقاش العام. وفي دول كثيرة، تكون بعض المباني أكثر من مجرد قاعات؛ تصبح جزءاً من التاريخ المهني نفسه. كما يذكّرنا اتحاد الإذاعة والتلفزيون في بعض العواصم العربية، أو مباني الصحف العريقة التي ارتبطت بمراحل سياسية وثقافية مهمة، يمثل هذا المركز في سيول نقطة التقاء بين الخبر، وصانع الخبر، ومَن يدرسون كيف يُنتج الخطاب العام.

أن تختار جامعة كونكوك هذا الموقع تحديداً للاحتفال يعني أن المناسبة أرادت الخروج من حدود الحرم الجامعي إلى الفضاء المهني الأوسع. وكأن الرسالة تقول إن التعليم الإعلامي في كوريا الجنوبية ليس شأناً نظرياً معزولاً، بل جزء من البنية العامة التي تنظّم العلاقة بين المؤسسات والجمهور والمنصات. وهذا مهم في وقت باتت فيه الفواصل بين الصحافة التقليدية، والعلاقات العامة، وصناعة المحتوى، والاتصال الرقمي، أقل وضوحاً مما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاثة.

في الثقافة الكورية المعاصرة، للمكان العام المهني دلالة خاصة. كثير من المناسبات لا تُقام فقط حيث يتسع المكان للضيوف، بل حيث يحمل الموقع معنى مؤسسياً. لذلك فإن قراءة هذا الحدث يجب ألا تتوقف عند عدد الحضور أو الكلمات الرسمية، بل ينبغي أن تشمل أيضاً اختيار مسرح المناسبة بوصفه جزءاً من الرسالة. لقد أرادت الجامعة أن تقول، بشكل غير مباشر، إن مسيرتها خلال ثلاثين عاماً كانت متصلة عضوياً بقلب البيئة الإعلامية الكورية، لا على هامشها.

ومن هنا يمكن فهم الاحتفال بوصفه لحظة مراجعة عامة أيضاً. فحين تجتمع جامعة، وخريجون، ورموز من الوسط المهني في مكان ذي صلة مباشرة بالصحافة، فإن المناسبة تتحول إلى نوع من المحاسبة الرمزية لمسار التعليم نفسه: ماذا علّم هذا البرنامج؟ وكيف غيّرت العقود الثلاثة الماضية طبيعة المهنة؟ وما الذي يجب أن يتعلمه الجيل الجديد في عصر المنصات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟

من 1995 إلى اليوم: جيل كامل عبر من الصحيفة الورقية إلى الشاشة الذكية

تأسست كلية الدراسات العليا للإعلام والعلاقات العامة في جامعة كونكوك عام 1995، وهي سنة ليست عابرة إذا وضعناها في سياق التحول الكوري. كان العالم آنذاك مختلفاً جذرياً: الإنترنت لم يكن قد أعاد تشكيل المجال العام بعد بالصورة التي نعرفها، والهواتف المحمولة لم تكن قد تحولت إلى غرف أخبار متنقلة في جيوب الناس، ووسائل التواصل الاجتماعي لم تكن قد ظهرت بوصفها لاعباً يغيّر قواعد انتشار المعلومة والسمعة والأزمة. أن تستمر مؤسسة تعليمية إعلامية منذ ذلك الوقت حتى اليوم، فهذا يعني أنها عاشت كل التحولات المفصلية تقريباً: من هيمنة الصحف والبث التلفزيوني، إلى صعود المنصات الرقمية، ثم اقتصاد المحتوى، وصولاً إلى بيئة تتداخل فيها الصحافة مع تحليل البيانات والاتصال المؤسسي وإدارة السمعة الرقمية.

تقول الجامعة إن البرنامج خرّج حتى الآن نحو 650 خريجاً. وربما لا يبدو الرقم ضخماً إذا قورن بمؤسسات تعليمية جماهيرية، لكنه في سياق التعليم المهني المتخصص يحمل وزناً مختلفاً. فالنوع هنا لا يقل أهمية عن العدد، وربما يتقدّم عليه. في برامج الدراسات العليا المهنية، لا يُقاس الأثر فقط بعدد الشهادات الممنوحة، بل بمدى انتشار الخريجين في مفاصل المؤسسات، وبقدرتهم على تشكيل طرق العمل، وإدخال معايير جديدة، وبناء شبكات ثقة متبادلة. وهذا أمر مألوف في العالم العربي أيضاً؛ فكثير من المدارس المهنية الرفيعة لا تُخرج عشرات الآلاف، لكنها تترك بصمتها لأن خريجيها ينتشرون في مواقع مؤثرة.

ومن اللافت أن السنوات الثلاثين التي قطعتها هذه المؤسسة تتطابق تقريباً مع السنوات التي انتقلت فيها كوريا الجنوبية من بلد يعرفه كثيرون بصناعته الثقيلة وتطوره التقني، إلى بلد ترتبط صورته عالمياً كذلك بالمحتوى الثقافي والقدرة العالية على إدارة الصورة الوطنية. خلال هذه المرحلة، لم يكن الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل صار جزءاً من تكوين العلامة الكورية نفسها، سواء في الداخل أو الخارج. ومن هنا تصبح المؤسسات التي تدرّب متخصصين في الإعلام والعلاقات العامة والاتصال مؤسسات شريكة في تشكيل هذا التحول، ولو بصورة غير مباشرة.

بالنسبة للقارئ العربي، يمكن تشبيه هذه المسيرة بتلك الفترات التي شهدت فيها مؤسساتنا الصحافية انتقالاً من الرصاص الطباعي إلى النشر الرقمي، ومن نشرة الأخبار المسائية إلى التحديث اللحظي على الهاتف. الفرق أن التجربة الكورية تبدو، وفق هذا الحدث، أكثر ميلاً إلى تحويل هذا التحول إلى مسار تعليمي منظم، لا مجرد استجابة متفرقة للسوق. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن الفارق بين مجتمع يتغير ومجتمع يدير تغيّره يكمن غالباً في التعليم.

بين الإعلام والعلاقات العامة: اسم المؤسسة يشرح جزءاً من التحول

اسم هذه الكلية وحده يستحق التوقف: «الإعلام والعلاقات العامة». ففي هذا الجمع بين المجالين إشارة إلى تحوّل عميق في فهم الاتصال داخل المجتمعات الحديثة. الإعلام، في معناه التقليدي، يرتبط بالمصلحة العامة، ونقل الوقائع، وصناعة الأجندة العامة، ومراقبة السلطة والمجتمع. أما العلاقات العامة فتتحرك، في العادة، في مساحة تمثيل المؤسسات وتنظيم رسائلها وبناء الثقة بينها وبين الجمهور. وبين المجالين مسافات أخلاقية ومهنية معروفة، لكنهما يلتقيان في نقطة مركزية: كلاهما يشتغل على المعلومة، والسرد، والإقناع، وإدارة المعنى.

في بيئة رقمية كثيفة ومتشابكة مثل كوريا الجنوبية، لا يعود ممكناً تعليم هذه الحقول باعتبارها جزرًا منفصلة بالكامل. الصحافي يحتاج إلى فهم كيف تتواصل المؤسسات، وخبير العلاقات العامة يحتاج إلى إدراك منطق العمل الصحافي، ومخطط الاتصال العام بات مضطراً إلى التعامل مع فضاء تذوب فيه الحدود بين الخبر، والبيان، والمحتوى، والتفاعل المباشر. لهذا فإن وجود برنامج متخصص يجمع هذه المسارات يوحي بأن التعليم الكوري يحاول التكيّف مع واقع لم تعد فيه المهنة ذات تعريف واحد بسيط.

وفي العالم العربي، نرى التحدي نفسه يتكرر، وإن بأشكال مختلفة. فالمؤسسات الإعلامية الكبرى باتت توظّف خبرات في الاتصال الرقمي، وإدارة المجتمعات الإلكترونية، وقياس الأثر، وصناعة المحتوى القصير، إلى جانب المحررين والمراسلين التقليديين. كما أن المؤسسات الحكومية والخاصة أصبحت أكثر وعياً بأن الرسالة لا تكفي وحدها، بل يجب أن تُصاغ على أساس فهم الجمهور وسياقاته وتوقعاته. لذلك فإن ما تقوله جامعة كونكوك عن ثلاثين عاماً من التعليم ليس بعيداً عن أسئلة مطروحة في عواصم عربية كثيرة: كيف نُعد إعلامياً أو متخصصاً في الاتصال قادراً على فهم المجتمع، لا مجرد استخدام الأدوات؟

هذا التقاطع بين الإعلام والعلاقات العامة يفسّر أيضاً سبب الاهتمام بشبكات الخريجين. لأن سوق العمل هنا لا يتحرك في خط واحد، بل عبر دوائر متداخلة تشمل الصحافة، والاتصال المؤسسي، والعلاقات العامة، والتخطيط للمحتوى، والاتصال الحكومي، والاستشارات. وعندما تُخرّج مؤسسة واحدة عشرات الدفعات على مدى ثلاثين عاماً، فإنها لا تبني فقط رصيداً أكاديمياً، بل تنتج شبكة مهنية تتقاطع داخلها الخبرات والأدوار والتأثيرات.

رسالة العميد: حين تجتمع النظرية والممارسة والتقنية والعلوم الإنسانية

أبرز ما خرج من الاحتفال، على مستوى المعنى، هو ما قاله عميد الكلية كيم دونغ-غيو عن التطلع إلى مواصلة إعداد «متخصصين إعلاميين مبدعين» يجمعون بين النظرية والممارسة، والتقنية والتكوين الإنساني. قد تبدو هذه العبارة مألوفة في لغة المؤسسات التعليمية، لكنها في الحقيقة تختصر المعضلة الأساسية التي يواجهها تعليم الإعلام اليوم، ليس في كوريا الجنوبية فقط، بل في العالم كله.

فالنظرية هنا لا تعني الترف الأكاديمي، بل تعني امتلاك أدوات لفهم كيف يعمل المجتمع، وكيف تتشكل الرسائل، وكيف تتأثر الجماعات باللغة والصورة والإطار والسياق. والممارسة لا تعني فقط إتقان التحرير أو إعداد الحملات، بل تعني الاحتكاك بالسوق، وفهم الإيقاع المهني، والتعامل مع الأزمات، وصناعة القرار تحت ضغط الوقت. أما التقنية، فهي أكثر من مجرد إجادة منصة أو برنامج؛ إنها وعي بتحول الوسيط نفسه، من منصات النشر إلى تحليل البيانات إلى الذكاء الاصطناعي وأدوات الرصد والقياس. ويبقى التكوين الإنساني، أو ما وصفه الخطاب الكوري بـ«العلوم الإنسانية»، البعد الذي يمنح المهنة حسها الأخلاقي والاجتماعي، ويمنعها من التحول إلى ممارسة تقنية باردة.

هذا الرباعي يذكّرنا، عربياً، بنقاشات قديمة متجددة حول تعليم الإعلام: هل نخرّج صحافيين يعرفون الكتابة فقط؟ أم نحتاج إلى من يفهم الفلسفة الاجتماعية للاتصال؟ هل يكفي أن يتقن الطالب أدوات التصوير والمونتاج وإدارة المنصات؟ أم يجب أن يعرف كذلك التاريخ، وعلم الاجتماع، والنفس الجماعي، واللغة بوصفها حاملة للهوية؟ التجربة الكورية، كما تكشفها هذه المناسبة، تميل بوضوح إلى الخيار الثاني: أي إلى بناء مهني متعدد الأدوات، لكنه أيضاً متعدد الوعي.

وهذا التوجه له صلة مباشرة بسبب نجاح التجربة الكورية في تصدير محتواها إلى العالم. فالمحتوى الذي ينجح دولياً ليس بالضرورة الأكثر ضجيجاً، بل غالباً الأكثر قدرة على فهم الإنسان وتقديم رسالة مقنعة في قالب تقني حديث. ومن هنا يمكن قراءة تصريحات العميد ليس فقط بصفتها رؤية تربوية، بل كذلك بصفتها تعبيراً عن وعي كوري أوسع بأن معركة الصورة والرسالة في القرن الحادي والعشرين لا تُحسم بالأدوات وحدها.

الخريجون بوصفهم بنية تحتية غير مرئية للمشهد العام

حضور رئيسة رابطة الخريجين في الاحتفال، إلى جانب مسؤولي الجامعة، يسلط الضوء على جانب غالباً ما يُغفل في قراءة المؤسسات التعليمية: الخريجون ليسوا مجرد ذاكرة للماضي، بل هم امتداد حي للمؤسسة داخل السوق والمجتمع. في البرامج المهنية تحديداً، تلعب روابط الخريجين دوراً يتجاوز الطابع الاجتماعي أو الاحتفالي، لتصبح منصة لتبادل الفرص والخبرات، وإسناد الداخلين الجدد إلى السوق، وربط المناهج التعليمية بما يستجد في الواقع العملي.

حين نتحدث عن نحو 650 خريجاً خلال ثلاثين عاماً، فنحن نتحدث، في الجوهر، عن شبكة ممتدة داخل مجالات متعددة: صحافة، علاقات عامة، اتصال حكومي، تخطيط محتوى، تواصل مؤسسي، وربما مجالات ثقافية وإبداعية أخرى تتقاطع مع هذه التخصصات. وفي المجتمعات الحديثة، كثيراً ما تعمل هذه الشبكات بصمت، لكنها تترك أثراً عميقاً في طريقة تداول المعلومة وصناعة الرسالة والاستجابة للأزمات. إنها أشبه بما يمكن تسميته «البنية التحتية غير المرئية» للحياة العامة.

هذا المعنى ليس غريباً على التجربة العربية. فمن يعرف كيف تعمل غرف الأخبار والمؤسسات الكبرى في المنطقة يدرك قيمة الشبكات المهنية التي تبدأ من قاعات الدراسة ولا تنتهي عند التخرج. في أحيان كثيرة، يكون الفارق بين بيئة إعلامية مرتجلة وبيئة أكثر نضجاً هو وجود هذا النوع من الروابط التي تنقل الخبرة وتخلق معايير مشتركة. ولذلك فإن التركيز على رابطة الخريجين في مناسبة كهذه ليس تفصيلاً ثانوياً، بل جزء من تفسير كيف يستمر الأثر التعليمي خارج أسوار الجامعة.

والأهم من ذلك أن شبكات الخريجين تتيح للمؤسسات التعليمية أن تراجع نفسها باستمرار. فالسوق يتغير بسرعة أكبر من المناهج أحياناً، لكن الخريجين العائدين من مواقع العمل يحملون معهم إشارات مبكرة عن التغير: ما المهارات المطلوبة؟ ما الأدوات الجديدة؟ أين يختل التوازن بين السرعة والمصداقية؟ كيف تتغير علاقتنا بالجمهور؟ ومن هذه الزاوية، تبدو الذكرى الثلاثون ليس كاحتفال بالماضي فقط، بل كآلية لاستشراف المستقبل عبر الخبرات المتراكمة.

ما الذي يهم القارئ العربي في هذه القصة؟

قد يسأل قارئ عربي: لماذا يجب أن نهتم بخبر أكاديمي من سيول في خضم عالم مزدحم بالأزمات والصراعات والتحولات الكبرى؟ الجواب أن مثل هذه الأخبار تكشف الطبقات العميقة التي تصنع صورة الدول وقدرتها على التأثير. فمن السهل أن نرى النتيجة النهائية في شكل دراما كورية ناجحة أو حملة ترويجية دولية محكمة أو مؤسسات عامة تتقن مخاطبة جمهورها. لكن من الأصعب، والأكثر أهمية، أن نرى كيف جرى إعداد الأشخاص الذين يصنعون هذه الرسائل، وكيف بُنيت البيئة التعليمية التي تؤهلهم.

في السنوات الأخيرة، ازداد الحضور الكوري في المزاج الثقافي العربي، من المنصات الرقمية إلى المقاهي التي تبث الأغاني الكورية، ومن اهتمام الشباب باللغة الكورية إلى اتساع سوق المنتجات الثقافية المرتبطة بها. غير أن هذا الانتشار لا يمكن فهمه فقط باعتباره موجة شعبية عابرة. وراءه عمل مؤسسي طويل في مجالات الاتصال، والترجمة، والتسويق الثقافي، والإعلام، والتعليم. واحتفال جامعة كونكوك يقدّم مثالاً صغيراً لكنه كاشف على هذا العمل المتراكم.

كما أن في هذه القصة ما يخص مستقبل التعليم الإعلامي عربياً. فالمعادلة التي تطرحها المؤسسة الكورية — الجمع بين النظرية والتطبيق، وبين التقنية والبعد الإنساني — هي نفسها المعادلة التي تحتاجها المنطقة العربية إذا أرادت تطوير إعلام أكثر مهنية ومرونة وقدرة على التفاعل مع الجمهور الجديد. فالمسألة ليست في استيراد نموذج جاهز، بل في فهم أن الإعلام لم يعد يُدرّس بوصفه مهارة منفصلة، بل كحقل متعدد الروافد يتقاطع فيه المجتمع بالتكنولوجيا وبالأخلاق المهنية.

ومن زاوية أخرى، تذكّرنا هذه المناسبة بأن الاستثمار في التعليم المتخصص ليس أقل أهمية من الاستثمار في البنية التقنية أو في المنصات. فكم من مؤسسة تمتلك أحدث الأدوات لكنها تفتقد الكوادر القادرة على استخدامها بمسؤولية وذكاء؟ وكم من محتوى يفشل لا لأن التقنية ناقصة، بل لأن الرسالة فقيرة أو السياق مغفَل؟ هذه أسئلة عربية بامتياز، كما هي أسئلة كورية، ولهذا يبدو الخبر، رغم محليته، عابراً للحدود.

الوجه الهادئ للقوة الناعمة الكورية

غالباً ما تُختصر القوة الناعمة الكورية في مشاهد صاخبة: حفلات موسيقية، مسلسلات ناجحة، موضة تجميل، أو منتجات ثقافية تجذب الشباب. لكن الوجه الهادئ لهذه القوة، وربما الأكثر رسوخاً، يوجد في مؤسسات التعليم والتدريب وبناء الكفاءات. هذا الوجه لا يحصد ملايين المشاهدات، ولا يتصدر الترند، لكنه هو الذي يضمن استمرار القدرة على إنتاج الرسالة وتطويرها ومراجعتها. ومن هنا تبدو الذكرى الثلاثون لكلية الدراسات العليا للإعلام والعلاقات العامة في جامعة كونكوك مناسبة تحمل معنى أبعد من حدودها الأكاديمية المباشرة.

ففي عالم يعيش فيضاناً من المعلومات، لم تعد قيمة المؤسسات تُقاس فقط بقدرتها على الكلام، بل بقدرتها على الكلام المسؤول والمفهوم والمؤثر. وكوريا الجنوبية، التي بنت سمعتها خلال العقود الأخيرة على مزيج من الصناعة والتكنولوجيا والثقافة، تبدو واعية بأن إدارة الصورة الوطنية تحتاج إلى متخصصين يفهمون العالم بقدر ما يفهمون الوسائط. وهذا ما يجعل رسالة الاحتفال واضحة: المستقبل لن يكون لمن يملك المنصة فقط، بل لمن يملك أيضاً الكادر القادر على استخدامها بعين مهنية وعقل نقدي وحس إنساني.

هذه الخلاصة قد تبدو نظرية، لكنها تمس الحياة اليومية مباشرة. فالمتخصص الذي يتخرج من مثل هذه البرامج قد يعمل لاحقاً في مؤسسة صحافية تنقل خبراً أكثر دقة، أو في جهاز عام يصوغ رسالة أوضح للمواطنين، أو في شركة ثقافية تقدم محتوى يفهم جمهوره، أو في منظمة تدير أزمة اتصالية بحكمة. أي أن أثر التعليم الإعلامي لا يبقى في القاعة الدراسية، بل يعود إلى المجتمع في صورة معلومات أفضل، وتواصل أكثر نضجاً، ووعي أعمق بالمسؤولية العامة.

لهذا، فإن الاحتفال الذي شهدته سيول ليس مجرد مناسبة داخلية لجامعة تحتفي بعمرها المؤسسي، بل هو تذكير بأن وراء كل مشهد ثقافي ناجح منظومة أقل ظهوراً وأكثر حسماً: منظومة إعداد الإنسان. وللقارئ العربي الذي يتابع كوريا الجنوبية من بوابة الفن والترفيه، لعل هذه القصة تضيف طبقة جديدة من الفهم: فالموجة الكورية ليست فقط ما نراه على الشاشة، بل أيضاً ما يحدث في قاعات الدرس، وفي شبكات الخريجين، وفي المؤسسات التي تدرك أن الاتصال الناجح يبدأ من التعليم الجاد وينتهي إلى مجتمع أكثر قدرة على فهم نفسه ومخاطبة العالم.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات