광고환영

광고문의환영

هيروكازو كوري-إيدا يعود إلى سيول: فيلم جديد عن الفقد والذاكرة يعمّق صلته بالجمهور الكوري

هيروكازو كوري-إيدا يعود إلى سيول: فيلم جديد عن الفقد والذاكرة يعمّق صلته بالجمهور الكوري

زيارة تتجاوز الترويج إلى معنى العلاقة

حين يعود المخرج الياباني هيروكازو كوري-إيدا إلى سيول بعد عام واحد فقط من زيارته السابقة، فإن الخبر لا يُقرأ في كوريا الجنوبية بوصفه محطة دعائية عابرة لفيلم جديد، بل باعتباره حلقة إضافية في علاقة ثقافية وفنية أخذت تتشكل بهدوء بين صانع أفلام كبير وجمهور بات يعرف لغته السينمائية جيدًا. ففي العاصمة الكورية، حيث تتجاور الصالات التجارية الواسعة مع جمهور شديد الحساسية للتفاصيل الفنية، حضر كوري-إيدا عرضًا صحفيًا لفيلمه الجديد «الخروف في الصندوق» في مجمع ميغابوكس كويكس في منطقة غانغنام، وأرفق حضوره برسالة مباشرة قال فيها إنه يحمل «مودة خاصة» تجاه كوريا. هذه العبارة، على بساطتها، لم تمر كتحية بروتوكولية، لأن قائلها ليس مجرد اسم أجنبي على ملصق، بل مخرج ارتبط في ذاكرة المشاهد الكوري بتجربة سابقة شديدة القرب، هي فيلم «بروكر» الذي جمعه بعدد من أبرز نجوم كوريا الجنوبية.

في الإعلام العربي، كثيرًا ما نقرأ عن زيارات النجوم إلى المهرجانات والأسواق الفنية، لكن بعض الزيارات تكون أثقل من غيرها دلالة. والفرق هنا يشبه الفارق بين ضيف يمر لالتقاط الصور، وآخر يعود إلى بيت صار يعرف زواياه ووجوهه. كوري-إيدا، صاحب الأفلام التي تقارب العائلة والهشاشة الإنسانية والروابط غير المكتملة، لا يأتي إلى سيول كمن يطرق بابًا مجهولًا. هو يعود إلى مدينة يعرف فيها ممثلين وفنيين وعاملين في الصناعة، ويعرف أيضًا أن هناك جمهورًا سيتعامل مع عمله الجديد لا من باب الفضول تجاه «سينما يابانية»، بل من باب متابعة مخرج صار جزءًا من النقاش السينمائي الكوري نفسه.

هذه النقطة مهمة للقارئ العربي أيضًا. ففي زمن تتداخل فيه الصناعات الثقافية الآسيوية وتتجاوز الحدود السياسية واللغوية، لم تعد العلاقات الفنية مجرد تبادل أفلام بين بلدين، بل صارت بناءً بطيئًا للثقة. وكما نرى في العالم العربي كيف يمكن لمسلسل سوري أو فيلم مصري أو عمل مغربي أن يجد جمهورًا يتعامل معه بوصفه قريبًا وجدانيًا رغم اختلاف اللهجة والبيئة، فإن المشهد الكوري-الياباني هنا يكشف شيئًا مشابهًا: أن السينما، حين تلامس الأسئلة الكبرى عن العائلة والحزن والذاكرة، تستطيع أن تختصر مسافات كثيرة لا تختصرها السياسة ولا السوق وحدهما.

ومن هذه الزاوية، فإن عودة كوري-إيدا إلى سيول ليست مجرد خبر ثقافي في صفحات الترفيه، بل علامة على مكانة الجمهور الكوري اليوم في خريطة المشاهدة الآسيوية. فأن يحرص مخرج من هذا الوزن على الحضور شخصيًا بعد فترة قصيرة نسبيًا، يعني أن كوريا الجنوبية لم تعد فقط قوة مصدّرة للمحتوى، بل أيضًا سوقًا نقدية وعاطفية يريد صنّاع الأفلام الكبار أن يسمعوا فيها رد الفعل الأول، وأن يختبروا فيها مدى وصول أعمالهم إلى المتلقي.

فيلم عن المستقبل القريب... لكنه يحدق في جرح قديم

الفيلم الجديد «الخروف في الصندوق» يبدو، من وصفه الأول، كأنه ينتمي إلى سينما الخيال العلمي: زوجان يعملان في مجال العمارة يدخل إلى حياتهما روبوت بشري الهيئة يشبه ابنهما الراحل كاكيرو. لكن من يعرف عالم كوري-إيدا يدرك بسرعة أن التكنولوجيا هنا ليست البطل الحقيقي، ولا أن الإطار المستقبلي هو ما يشغله في المقام الأول. ما يهم هذا المخرج عادة هو ما تفعله الفكرة بالروح البشرية: ماذا يعني أن يعود إلى البيت وجه يشبه من فقدناه؟ هل يصبح العزاء ممكنًا، أم يتحول الحنين إلى فخ؟ وهل يمكن للبديل أن يرمم الفقد، أم أنه يفتح الجرح على نحو أعمق؟

هذه الأسئلة تذكّرنا، نحن القراء العرب، بموروث طويل من التأمل في معنى الغياب. في ثقافتنا، لا يُنظر إلى الفقد بوصفه حدثًا عابرًا، بل باعتباره اختبارًا للذاكرة والصبر والرضا، وامتحانًا لعلاقة الإنسان بما لا يمكن استرداده. من هنا تبدو فرضية الفيلم لافتة جدًا: بدل أن يواجه الأبوان غياب الابن عبر الذكرى وحدها، يجدان أمامهما كائنًا يشبهه، يتحرك مثله، وربما يستدعي نبرة صوته أو عاداته. هنا لا يعود السؤال: كيف ننسى؟ بل: هل يحق لنا أصلًا أن نحاول التعويض؟ وما الحد الفاصل بين الوفاء للراحل والتعلق بصورة قد تمنعنا من العبور إلى حياة أخرى؟

الفيلم، بحسب المعطيات المتاحة، لا يتعامل مع الروبوت البشري بصفته معجزة تقنية مبهرة، بل كمرآة للفراغ الذي تتركه الخسارة داخل البيت. وهذا في حد ذاته اختيار فني مهم. فالأعمال التجارية غالبًا ما تقدم الذكاء الاصطناعي والروبوتات كخطر كوني أو تطور مذهل، بينما كوري-إيدا يجرّ الموضوع إلى المكان الذي يجيده: المائدة المنزلية، الصمت بين الزوجين، نظرة الأم، ارتباك الأب، ذلك النوع من المشاهد التي تبدو ساكنة ظاهريًا، لكنها تحمل في داخلها توترًا نفسيًا كثيفًا. كأن الفيلم يقول إن أكثر ما يكشفه التقدم التكنولوجي ليس قدرته على تقليد الإنسان، بل هشاشة الإنسان نفسه حين يواجه إمكان الاستبدال.

وهنا تكمن قوة الفكرة. فالمستقبل القريب في هذا العمل ليس فضاءً باردًا من المعدن والشاشات، بل امتداد للحاضر بكل آلامه. في النهاية، سيخرج المشاهد، على الأرجح، وهو لا يتذكر فقط أن هناك روبوتًا يشبه ابنًا ميتًا، بل يتساءل عن معنى العائلة نفسها: هل العائلة رابطة دم؟ أم ذاكرة مشتركة؟ أم ألم مقيم؟ أم شكل من أشكال التعايش مع النقص؟ هذه أسئلة يعرفها المشاهد العربي جيدًا، لأنها تشبه الأسئلة التي طرحتها أعمال درامية عربية كثيرة، وإن بوسائط مختلفة: كيف نكمل البيت بعد الغياب؟ وكيف يتغير معنى الحب حين يصير ممتزجًا بالحزن؟

كوري-إيدا ولغة العائلة التي يفهمها الجميع

منذ سنوات، يحتل هيروكازو كوري-إيدا مكانة خاصة في السينما الآسيوية والعالمية بفضل قدرته على تحويل التفاصيل اليومية إلى مادة أخلاقية وعاطفية عميقة. هو من المخرجين الذين لا يصرخون في أفلامهم، بل يهمسون، لكن ذلك الهمس يصل بعيدًا. العائلة عنده ليست مؤسسة مثالية، وليست أيضًا ساحة صراع صاخب على الطريقة الميلودرامية التقليدية. إنها، في الغالب، مساحة مركبة من الحب والالتباس والتقصير والاحتياج، حيث لا يكون الناس أشرارًا بقدر ما هم ناقصون، ولا يكون الخلل نتيجة مؤامرة بل نتيجة ضعف بشري مألوف.

هذا ما يجعل حضوره مفهومًا ومؤثرًا لدى الجمهور الكوري، كما لدى جمهور عربي يتابع السينما العالمية بعين أكثر خبرة مما قد يظنه البعض. فالقضايا التي يشتغل عليها لا تحتاج إلى شروحات ثقافية معقدة كي تُفهم. صحيح أن هناك سياقات يابانية وكورية خاصة، لكن الفكرة المركزية تبقى إنسانية: من الذي نصير إليه حين تنكسر الروابط التي نعيش داخلها؟ وكيف نعيد تعريف الأسرة عندما لا تعود تشبه صورتها التقليدية؟ هذه أسئلة رأينا صداها في أدب نجيب محفوظ حين فتش في تصدعات البيت المصري، وفي الدراما الشامية حين قاربت السلطة العائلية والحنين والميراث، وفي أعمال عربية حديثة تناولت التفكك الاجتماعي من زاوية البيت لا من زاوية الشعارات.

لذلك، فإن فيلمًا مثل «الخروف في الصندوق» لا يبدو غريبًا تمامًا على ذائقة عربية مثقفة، حتى لو كان إطارُه التقني حديثًا. فجوهر الموضوع قديم قدم الإنسان: كيف نعيش مع الغياب؟ وإذا عاد إلينا الغائب في هيئة ما، فهل نحتضنه أم نهرب منه؟ في التراث العربي، هناك دومًا حساسية عالية تجاه الشبيه والبديل والصورة. وربما لهذا سيكون من السهل على القارئ العربي أن يلتقط البعد الفلسفي للفيلم، بعيدًا عن اختزاله في تصنيف «خيال علمي» فقط.

كما أن عبارة كوري-إيدا التي طلب فيها من الجمهور أن «يرى ما لا يُرى» تنسجم تمامًا مع هذه اللغة الإخراجية. هو لا يريد من المشاهد أن يكتفي بما هو أمام العين: الروبوت، الفكرة المستقبلية، الغرابة السردية. بل يدعوه إلى ملاحظة طبقات أخرى: الحداد الذي لم يكتمل، التعلق الذي قد يتحول إلى عبء، الأسئلة التي لا يقولها الأزواج لبعضهم حين يكون الألم أكبر من الكلام. وهذه بالضبط من سمات السينما التي تعيش طويلًا: أنها لا تقدم رسائل جاهزة، بل تفتح مساحات للتأمل.

لماذا يهتم الكوريون به إلى هذا الحد؟

إذا كان هناك سبب مباشر يجعل الإعلام الكوري يتعامل مع زيارة كوري-إيدا بهذا القدر من الاهتمام، فهو أن العلاقة بينه وبين الجمهور الكوري لم تعد نظرية. في عام 2022، قدّم فيلم «بروكر» بمشاركة نجم كوريا الكبير سونغ كانغ-هو، إلى جانب كانغ دونغ-وون والمغنية والممثلة آيو. يومها لم يكن الأمر مجرد تعاون بين مخرج ياباني وممثلين كوريين، بل حدثًا ثقافيًا أوسع، لأن الفيلم أثبت أن الحوار بين الصناعتين اليابانية والكورية يمكن أن ينتج عملًا ذا نبرة مستقلة، لا يخضع تمامًا لصورة أي من الطرفين عن نفسه.

أكثر من ذلك، ارتبط «بروكر» في الذاكرة الكورية بإنجاز مهم حين نال سونغ كانغ-هو جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان. هذه اللحظة منحت التعاون وزنًا إضافيًا، وجعلت اسم كوري-إيدا جزءًا من سردية فخر فني كوري أيضًا، لا مجرد اسم ضيف أجنبي مرّ على الصناعة. وحين يعود هذا المخرج إلى سيول ويتحدث بحرارة عن معرفته بالعاملين الكوريين وعن عاطفته الخاصة تجاه البلاد، فإن تصريحاته تجد تربة جاهزة لتلقيها بإيجابية، لأن هناك أساسًا سابقًا من التجربة المشتركة.

في العالم العربي، نفهم جيدًا قيمة هذه الروابط العابرة للحدود حين تكون مبنية على عمل حقيقي. فالفنان الذي يقف على المسرح ليمدح بلدًا ما يمكن أن يبدو مجاملًا إذا لم يكن قد نسج صلة فعلية مع ناسه وصناعته الثقافية. أما عندما يأتي الكلام بعد تعاون مؤثر ونجاح ملموس، فإنه يكتسب صدقية مختلفة. وهذا ما ينطبق على كوري-إيدا في الحالة الكورية. الجمهور هناك لا يسمع عبارة «أحب كوريا» كما لو أنها بروتوكول صحفي، بل يضعها في سياق معرفة متبادلة وتجربة شراكة قائمة فعلًا.

كما أن هناك عاملًا آخر لا ينبغي إغفاله: كوريا الجنوبية نفسها صارت اليوم جمهورًا مرجعيًا في آسيا. الاهتمام الكبير بالسينما، وانتشار ثقافة النوادي السينمائية والمهرجانات، وتداخل الذائقة الشعبية مع الذائقة الفنية، كلها عناصر تجعل من استقبال سيول للأفلام الأجنبية حدثًا مهمًا لصنّاعها. ولهذا يمكن فهم سعادة كوري-إيدا بالعودة المبكرة نسبيًا، وبمرافقة أحد ممثلي الفيلم معه، على أنها رسالة مفادها أن عرض الفيلم في كوريا ليس تفصيلًا ثانويًا في خطة التوزيع، بل محطة تحمل قيمة معنوية ونقدية عالية.

الممثلون وترجمة الغرابة إلى إحساس إنساني

يلعب التمثيل دورًا حاسمًا في فيلم من هذا النوع، لأن الفكرة نفسها دقيقة وحساسة. فإذا طغت البرودة على الأداء، تحولت الحكاية إلى تمرين ذهني جاف؛ وإذا زاد الانفعال على الحد، انقلبت إلى ميلودراما مفتعلة. لهذا يلفت الأنظار اختيار أياسي هاروكا لدور أوتوني، إلى جانب دايغو، المعروف أساسًا بوصفه عضوًا في ثنائي كوميدي شهير، في دور كينسوكي، بينما يؤدي كواكي ريمو دور الروبوت البشري الشبيه بالابن الراحل.

أياسي هاروكا تملك حضورًا قادرًا على الجمع بين الشعبية والرهافة، وهي ميزة مهمة في شخصية أم تتحرك بين الحداد والحنين والارتباك الأخلاقي. فالأم في مثل هذه القصص ليست مجرد طرف متألم، بل هي مركز العاطفة كلها، والشخصية التي سيتابع المشاهد عبرها تحول العلاقة مع «البديل». أما وجود دايغو في دور الزوج فيعطي إشارة أخرى إلى طبيعة الفيلم. اختيار ممثل ذي خلفية كوميدية لا يعني بالضرورة تخفيف الحزن، بل يمكن أن يعني إدخال ملمح من الحياة اليومية العادية، ذلك الهواء البسيط الذي يمنع الفيلم من الغرق في الكآبة الخالصة. وهذا منسجم إلى حد بعيد مع أسلوب كوري-إيدا، الذي يجيد جعل الألم يظهر من داخل الروتين المنزلي، لا في خطابات كبرى.

أما التحدي الأصعب فيبقى عند كواكي ريمو. فدور الروبوت البشري في أعمال كهذه يقع دائمًا على حد السكين. إذا بدا آليًا أكثر من اللازم، تعثرت الصلة العاطفية التي يفترض أن يشعر بها الأبوان؛ وإذا بدا إنسانيًا تمامًا، تلاشت الفكرة التوترية التي يقوم عليها العمل. المطلوب، على الأرجح، هو تلك المسافة الدقيقة بين الألفة والغرابة: أن يلمح المشاهد الابن في هذا الكائن، ثم يتراجع فجأة ليتذكر أنه ليس الابن. وهذه المنطقة النفسية تحديدًا هي ما قد يصنع الفارق بين فيلم ذكي وفيلم مؤثر فعلًا.

ومن المثير أيضًا أن حضور أحد ممثلي العمل مع المخرج إلى سيول يوحي بأن الفريق يدرك حساسية تقديم هذه الفكرة أمام جمهور شديد الانتباه للتفاصيل. فالمشاهد الكوري، مثل كثير من المشاهدين العرب المتابعين للسينما الجادة، لا يكتفي بسؤال «ما القصة؟»، بل يسأل أيضًا: كيف جرى الإمساك بدرجات المشاعر؟ هل كان الأداء مقنعًا؟ هل خدمت الشخصيات الفكرة أم بدت مجرد أدوات لها؟ هذه الأسئلة ستكون على الأرجح جزءًا من النقاش المتوقع حول الفيلم بعد طرحه.

أن ترى ما لا يُرى: مفتاح قراءة الفيلم

من أكثر العبارات التي استوقفت المتابعين في المؤتمر الصحفي دعوة كوري-إيدا الجمهور إلى أن «يرى ما لا يُرى». هذه الجملة تصلح، عمليًا، مفتاحًا لقراءة الفيلم كله. فالمرئي في القصة واضح: عائلة، ابن راحل، روبوت يشبهه، مستقبل قريب. لكن اللامرئي هو ما يهم المخرج: الذنب الصامت، توقّف الزمن داخل البيت، اختلاف الأم والأب في طريقة الحداد، خوف الإنسان من أن يصير الحب قابلًا للاستنساخ.

في الصحافة الثقافية العربية، كثيرًا ما نواجه معضلة تقديم الأفلام ذات الطابع التأملي إلى جمهور متنوع الاهتمامات. وغالبًا ما يكون التحدي هو مقاومة إغراء تلخيص العمل في فكرته السطحية. في حالة هذا الفيلم، سيكون من السهل جدًا أن نقول إنه «فيلم عن روبوت يشبه ابنًا ميتًا». لكن هذا الوصف، رغم صحته الظاهرية، قد يظلم العمل إذا أغفل ما يريد كوري-إيدا الوصول إليه. فالقضية ليست إن كان الروبوت قادرًا على محاكاة الإنسان، بل إن كان الإنسان نفسه يستطيع احتمال هذه المحاكاة من دون أن ينهار ميزانه الداخلي.

كما أن الدعوة إلى رؤية «غير المرئي» تحمل بعدًا أخلاقيًا أيضًا. فهي تستفز المتلقي كي لا يتعامل مع الفقد كموضوع استهلاكي أو كعنصر درامي لإثارة التعاطف فقط. بل ليفكر في الحداد باعتباره عملية معقدة وغير خطية، وفي العائلة باعتبارها مكانًا تتجاور فيه الرغبة في الشفاء مع الرغبة في التشبث بالألم. وفي هذا المعنى، يبدو الفيلم قريبًا من أعمال أدبية وسينمائية عربية تعاملت مع الفجيعة لا باعتبارها حادثة، بل باعتبارها إقامة طويلة داخل الروح.

هذا النوع من السينما لا يقدم متعة فورية للجميع، لكنه غالبًا ما يترك أثرًا أعمق. فهو يطلب من المشاهد أن يشارك في بناء المعنى، وأن ينتبه إلى الصمت بقدر انتباهه إلى الحوار، وإلى المسافة بين الشخصيات بقدر انتباهه إلى ما تقول. لذلك، فإن العبارة التي أطلقها المخرج ليست مجرد جملة ترويجية لافتة، بل تعريف مختصر لطريقته الفنية، وربما وعد ضمني بأن الفيلم سيكافئ من يشاهده بعين صبورة لا بعين مستعجلة.

ما الذي يعنيه هذا الخبر عربيًا؟

قد يسأل بعض القراء العرب: لماذا ينبغي أن نهتم بخبر زيارة مخرج ياباني إلى سيول لفيلم جديد؟ الجواب أن المسألة لا تخص كوريا واليابان وحدهما، بل تكشف تحولات أوسع في خريطة الثقافة الشعبية الراقية في آسيا، وهي تحولات يتابعها الجمهور العربي اليوم باهتمام متزايد. الموجة الكورية التي دخلت البيوت العربية عبر الدراما والموسيقى والطعام والأزياء لم تعد تقتصر على المحتوى الكوري الخالص، بل صارت أيضًا بوابة يتعرف عبرها المشاهد العربي إلى شبكة أوسع من التفاعلات الثقافية في شرق آسيا.

حين نغطي خبرًا كهذا عربيًا، فنحن لا نعيد إنتاج خبر أجنبي فحسب، بل نقرأه ضمن سياقنا: ما الذي يقوله عن مكانة الجمهور؟ ما الذي يقوله عن عبور الأفكار بين اللغات؟ وكيف يمكن لصناعة ثقافية آسيوية أن تتعامل مع موضوعات كونية مثل الفقد والتكنولوجيا والعائلة من دون أن تفقد خصوصيتها؟ هذه أسئلة تهم القارئ العربي الذي صار أكثر اطلاعًا على الدراما والسينما الكوريتين، وصار يعرف أن خلف البريق الصناعي هناك أيضًا تقاليد سردية جادة تمنح المسألة عمقًا إنسانيًا حقيقيًا.

ومن زاوية أخرى، يقدم هذا الخبر درسًا مهمًا في كيفية بناء الجسور الثقافية. فالعلاقة بين كوري-إيدا والجمهور الكوري لم تُبنَ بحملات دعائية صارخة، بل عبر عمل فني مشترك، وعودة متكررة، ولغة احترام متبادل. وهذا نموذج يستحق التأمل عربيًا، خصوصًا في وقت تبحث فيه الصناعات الثقافية في المنطقة عن صيغ أذكى للتعاون العابر للحدود، سواء داخل العالم العربي أو مع آسيا وأوروبا وأفريقيا. فالتبادل الثقافي الناجح لا يقوم فقط على الصفقات، بل على معرفة متبادلة واعتراف حقيقي بحساسية الجمهور الآخر.

في النهاية، يبدو أن «الخروف في الصندوق» مرشح لأن يكون أكثر من مجرد فيلم جديد في سجل مخرج كبير. إنه اختبار إضافي لقدرة كوري-إيدا على إدخال سؤال إنساني قديم إلى فضاء مستقبلي، ومن ثم جعله مفهومًا وحميميًا لجمهور يعيش اليوم قلقًا عالميًا متزايدًا حول الذكاء الاصطناعي وحدود التقنية. وهو، في الوقت نفسه، مناسبة جديدة لتأكيد أن سيول صارت محطة لا غنى عنها في الدورة المعنوية للأفلام الآسيوية الكبرى. وبين هذا وذاك، يبقى الأهم أن الفيلم، إذا صدقت المؤشرات، سيعيد طرح سؤال لا يشيخ: ما الذي يبقى من الإنسان عندما نحاول أن نستعيد من فقدناه بصورة أخرى؟

ذلك سؤال لا يخص اليابانيين أو الكوريين وحدهم. إنه سؤال يخص كل بيت عرف الغياب، وكل أم تمسكت بالذكرى، وكل أب حاول أن يبدو متماسكًا، وكل مجتمع يزداد قربًا من التكنولوجيا فيما يظل عاجزًا عن اختراع بديل حقيقي للحب والرحيل. وربما لهذا تحديدًا يستحق خبر عودة كوري-إيدا إلى سيول كل هذا الاهتمام: لأنه يحمل، خلف مناسبة صحفية بسيطة، وعدًا بفيلم يحدق في أعمق ما في الإنسان، لا في أحدث ما في الآلة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات