
مدينة كورية تطرح سؤالاً يعرفه العرب جيداً
في كثير من المدن العربية، من القاهرة إلى بغداد، ومن الرباط إلى جدة، لا تبدو إدارة المياه مجرد ملف تقني يخص المهندسين وحدهم، بل قضية يومية تمس حياة الناس مباشرة: أين تذهب مياه الأمطار؟ كيف تُحمى الأحياء السكنية من الفيضانات؟ وهل تنفق البلديات أموالها على حلول دائمة أم على أعمال تتكرر كل موسم؟ هذا السؤال نفسه عاد بقوة في كوريا الجنوبية، وتحديداً في مدينة دايجون، بعدما أثارت منظمتان بيئيتان جدلاً واسعاً بشأن سياسة تجريف الأنهار التي تنفذها السلطات المحلية.
القضية، في ظاهرها، تبدو هندسية: إزالة الرواسب والطمي من مجاري الأنهار لتوسيع مسار تدفق المياه. لكن ما كشفته المنظمتان البيئيتان حوّلها إلى نقاش أوسع بكثير عن فلسفة المدينة في التعامل مع النهر، وعن حدود الحلول السريعة عندما تواجه المدن تغير المناخ وتقلبات الطقس وضغط العمران الحديث. ووفق المعطيات التي طرحتها المنظمتان، فإن ثمانية مقاطع من الأنهار الوطنية في دايجون شهدت أعمال تجريف جديدة، رغم أن تلك المقاطع نفسها خضعت للتجريف خلال العامين الماضيين.
هذا التفصيل ليس هامشياً، لأنه يضع الرأي العام أمام سؤال بالغ الحساسية: إذا كانت المواقع نفسها تحتاج إلى تجريف مرة أخرى خلال فترة وجيزة، فهل نحن أمام سياسة وقاية فعالة من الفيضانات، أم أمام دورة متكررة من الإنفاق والصيانة لا تعالج جذور المشكلة؟ هنا تبدأ القصة الحقيقية، وهنا أيضاً يصبح الخبر الكوري قابلاً للفهم بالنسبة إلى القارئ العربي، الذي يعرف من تجارب مدنه أن المعركة مع الماء ليست فقط معركة بنية تحتية، بل معركة تخطيط وإدارة ورؤية طويلة المدى.
دايجون ليست مدينة هامشية في كوريا الجنوبية. إنها واحدة من أهم مدن الوسط الكوري، وتتمتع بمكانة علمية وإدارية معروفة، كما أن الأنهار فيها ليست مجرد خطوط زرقاء على الخريطة، بل جزء من المشهد الحضري ومن حياة السكان اليومية. لذلك فإن أي قرار يخص النهر ينعكس على السلامة العامة، وعلى المساحات الخضراء، وعلى طرق التنزه، وعلى صورة المدينة نفسها. ولهذا السبب لم تبقَ المسألة حبيسة تقارير فنية، بل تحولت إلى نقاش اجتماعي وسياسي يزداد اتساعاً.
ما الذي تقوله المنظمات البيئية في دايجون؟
بحسب بيان أصدره كل من اتحاد الحركة البيئية في دايجون وتحالف دايجون-تشونغنام الأخضر، فإن مراقبة ميدانية لمواقع تجريف الأنهار الوطنية أظهرت أن أعمال إعادة التجريف تُنفذ في ثمانية مقاطع سبق تجريفها خلال العامين الأخيرين. وتقول المنظمتان إن هذا الواقع يضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى النهج المعتمد من قبل المدينة في منع الفيضانات.
في الخطاب الكوري العام، تلعب المنظمات المدنية والبيئية دوراً مهماً في الرقابة على السياسات المحلية، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالموازنات العامة والبيئة الحضرية. وهذه سمة قد تبدو مألوفة أيضاً في العالم العربي، حيث باتت منظمات المجتمع المدني، وإن بدرجات متفاوتة من بلد إلى آخر، جزءاً من النقاش حول الشفافية وحسن إدارة الموارد. لكن ما يميز الحالة الكورية هو أن مثل هذه البيانات غالباً ما تجد طريقها سريعاً إلى النقاش الإعلامي، لأنها تمس مسائل عملية وحياتية يشعر بها المواطن مباشرة.
المنظمتان لم تعترضا على مشروع واحد بعينه فقط، ولم تطرحا المسألة بصفتها خلافاً فنياً محدوداً، بل ذهبتا إلى أبعد من ذلك، معتبرتين أن أسلوب التجريف المتكرر ليس سياسة مستدامة للوقاية من الفيضانات. وبدلاً من الاكتفاء بإزالة الرواسب كلما تراكمت، طالبتا بوضع ما سمّتاه «إجراءات وقائية قائمة على الطبيعة». هذا التعبير أصبح خلال السنوات الأخيرة من المصطلحات الأساسية في النقاش البيئي العالمي، وهو يشير، ببساطة، إلى استخدام خصائص الطبيعة نفسها في التخفيف من المخاطر، بدلاً من الاعتماد الكامل على الحلول الخرسانية أو التدخلات الهندسية المتكررة.
ولأن المصطلح قد لا يكون واضحاً لكل القراء، يمكن شرحه من زاوية عربية مألوفة: حين تُترك بعض السهول الفيضية لتؤدي دورها الطبيعي في امتصاص فائض المياه، أو تُوسع المساحات الخضراء القادرة على التقاط مياه الأمطار، أو يُعاد تصميم ضفاف الأنهار بحيث تتنفس مع تغير المواسم بدلاً من حبسها داخل قنوات صلبة ضيقة، فإن المدينة تكون قد اختارت حلاً «قائماً على الطبيعة». إنه تفكير مختلف عن مجرد إرسال الحفارات كل فترة لإزالة ما تراكم من طمي.
التجريف المتكرر: حل هندسي أم دائرة لا تنتهي؟
التجريف، في حد ذاته، ليس إجراءً غريباً أو عديم الفائدة. في بلدان كثيرة، بما فيها دول عربية، تلجأ السلطات إلى إزالة الرمال والطمي والرواسب من قيعان الأنهار أو المجاري المائية بهدف تحسين انسياب المياه وتقليل احتمالات الفيضانات. ومن الناحية التقنية، يبدو الإجراء منطقياً: إذا تراكمت الرواسب وضاق مجرى الماء، ارتفع منسوب الخطر مع الأمطار الغزيرة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التدخل المؤقت إلى نمط دائم، وعندما تصبح المواقع نفسها بحاجة إلى الأعمال نفسها بوتيرة متقاربة.
هذا ما تحاول المنظمتان البيئيتان في دايجون قوله للرأي العام. فوجود ثمانية مقاطع أُعيد تجريفها خلال عامين فقط يوحي، من وجهة نظرهما، بأن المدينة لا تعالج أسباب المشكلة بقدر ما تدير نتائجها الظاهرة. والمقصود بأسباب المشكلة هنا ليس فقط تراكم الرواسب الطبيعي، بل ربما أيضاً طبيعة تصميم المجرى المائي، وضغط العمران على ضفاف الأنهار، والتغير في أنماط الأمطار، وحتى الفلسفة العامة التي تنظر إلى النهر باعتباره قناة لتصريف المياه بسرعة لا فضاءً بيئياً واجتماعياً متكاملاً.
في مدن عربية عديدة، تعود الشكوى ذاتها بصيغ مختلفة: أعمال إسفلت تتكرر كل شتاء، إصلاحات لمصارف المياه تُعاد كل عام، أو مشاريع تصريف لا تمنع الغرق عند أول عاصفة قوية. لهذا السبب يلقى الجدل الكوري صدى مفهوماً لدى القارئ العربي؛ لأنه يذكره بالسؤال المزمن حول الفارق بين المعالجة المؤقتة والسياسة العامة المستدامة. ليس كل عمل ميداني دليلاً على الفعالية، تماماً كما أن كثرة المعدات في موقع ما لا تعني أن المشكلة في طريقها إلى الحل النهائي.
المفارقة هنا أن التجريف، عندما يتكرر على النحو الذي تشير إليه المنظمات البيئية، قد يفقد جزءاً من مبرره السياسي أمام الناس. فالمواطن العادي قد يقبل بصوت الحفارات إذا قيل له إن العمل استثنائي وضروري لحمايته من الفيضان، لكنه سيبدأ بالتساؤل عندما يرى الأعمال تعود إلى المكان نفسه بعد فترة قصيرة: هل كان المشروع الأول ناقصاً؟ هل الطبيعة أقوى من طريقة المعالجة؟ أم أن المدينة اختارت حلاً يعرف الجميع مسبقاً أنه يحتاج إلى تكرار مكلف؟
63 مليار وون تقريباً؟ لا، بل 6.3 مليارات وون… والرقم يظل ثقيلاً
إحدى أكثر النقاط حساسية في هذا الملف تتعلق بالكلفة. فقد قالت المنظمتان إن إعادة التجريف في المقاطع نفسها استلزمت إنفاق 6.3 مليارات وون كوري، وهو ما يعادل تقريباً 63억원 في الصياغة الكورية الأصلية، أي مبلغاً كبيراً بمقاييس الإنفاق المحلي على مشروعات الإدارة البيئية. وبغض النظر عن طريقة تحويل الرقم إلى العملات الأخرى، فإن الرسالة الأساسية واضحة: نحن أمام تكلفة معتبرة لإنجاز عمل في مواقع سبق أن شهدت تدخلاً مماثلاً خلال وقت قريب.
حين يدخل المال العام إلى النقاش، تتبدل طبيعة القصة. فهي لم تعد سجالاً بيئياً بين ناشطين وسلطات محلية، بل أصبحت أيضاً مسألة رقابة على الإنفاق. وفي العالم العربي، يعرف الصحفيون والقراء جيداً أن الأرقام هي التي تحول كثيراً من القضايا الفنية إلى شأن عام. لأن سؤال «هل التجريف مفيد؟» قد يظل نظرياً لبعض الوقت، أما سؤال «لماذا ندفع مجدداً للموقع نفسه؟» فهو سؤال مباشر، بسيط، ومفهوم شعبياً.
المنظمتان عبّرتا عن ذلك بوضوح عندما اعتبرتا أن إعادة إنفاق هذا المبلغ على المقاطع نفسها قد تعني أحد أمرين: إما أن أعمال التجريف السابقة لم تحقق غرضها في الوقاية من الفيضانات، أو أن المدينة تسير نحو نموذج يتطلب ضخ أموال كبيرة بشكل دوري للحفاظ على المستوى نفسه من الحماية. كلا الاحتمالين صعب سياسياً. الأول يفتح باب الشك في فعالية السياسات السابقة، والثاني يطرح معضلة الاستدامة المالية على المدى الطويل.
الإنفاق هنا لا يُقرأ بصفته رقماً مجرداً فقط، بل بوصفه دلالة على نوع النموذج الإداري الذي تتبناه المدينة. ففي زمن تتنافس فيه أولويات البلديات بين الإسكان، والنقل، والمساحات الخضراء، والخدمات الاجتماعية، تصبح طريقة صرف الأموال على الأنهار مرآة لفلسفة الحكم المحلي نفسها. هل تنفق المدينة على الحلول التي تقلل الحاجة إلى التدخل مستقبلاً، أم على إجراءات تتطلب تكراراً دائماً؟ هذه معادلة ليست كورية وحدها، بل هي سؤال حضري عالمي بامتياز.
ما معنى «الحلول القائمة على الطبيعة» في السياق الكوري؟
حين تطالب منظمات دايجون بـ«إجراءات وقائية قائمة على الطبيعة»، فهي لا تطرح شعاراً إنشائياً بقدر ما تدعو إلى تغيير زاوية النظر إلى النهر. في كوريا الجنوبية، كما في بلدان صناعية كثيرة، شهدت العقود الماضية هيمنة مقاربة هندسية صارمة في إدارة المياه: تعميق المجاري، تدعيم الضفاف، التسريع في تصريف مياه الأمطار، والاعتماد على بنية تحتية ثقيلة ومباشرة. هذه المقاربة حققت نتائج مهمة في بعض الأحيان، لكنها واجهت أيضاً انتقادات متزايدة، خصوصاً حين تبين أن مقاومة الطبيعة بشكل مستمر تكلّف كثيراً وقد لا تكون الأجدى دائماً.
الحلول القائمة على الطبيعة، في المقابل، تدعو إلى الاستفادة من الوظائف الأصلية للنظم البيئية. وهذا قد يشمل، وفقاً لما هو متداول عالمياً، توسيع المساحات التي يمكن أن تستوعب فيضاناً موسمياً محدوداً، أو استعادة الأراضي الرطبة التي تعمل مثل إسفنجة تمتص المياه، أو تشجير الضفاف، أو تقليل تغطية الأرض بالخرسانة والإسفلت في المناطق الحضرية بحيث تتمكن التربة من امتصاص جزء من مياه الأمطار. هذه ليست وصفة واحدة جاهزة، بل فلسفة تخطيطية ترى أن الأمان لا يتحقق فقط عبر الحفر والردم والجدران الإسمنتية.
قد تبدو هذه الأفكار بعيدة للوهلة الأولى عن هموم المواطن الذي يريد حماية بيته من السيول، لكنها في الحقيقة وثيقة الصلة بالنتيجة النهائية. فالمدينة التي تمنح الماء مجالاً للحركة المنظمة والامتصاص الطبيعي قد تقلل من ضغط الجريان السريع الذي يحول المطر الغزير إلى خطر مفاجئ. وهنا يمكن للقارئ العربي أن يستحضر نماذج متباينة من مدن المنطقة: مدن أكلها الإسمنت فاختنقت عند الأمطار، وأخرى بدأت تتجه تدريجياً إلى حلول أكثر مرونة عبر الحدائق الماصة للمياه أو توسيع شبكات التصريف الطبيعية.
في دايجون تحديداً، يكتسب هذا النقاش بُعداً إضافياً لأن النهر ليس مجرد ملف سلامة، بل جزء من المجال العام. الكوريون يستخدمون ضفاف الأنهار كثيراً للمشي وركوب الدراجات والاستراحة، والأنهار في المدن الكورية تؤدي دوراً اجتماعياً وثقافياً لافتاً. لذلك فإن أي سياسة لإدارتها تترك أثرها على نوعية الحياة أيضاً، لا على الأمان فقط. من هنا، فإن دعوة المنظمات البيئية لا تبدو موجهة إلى المختبرات أو المكاتب الفنية وحدها، بل إلى تصور المدينة لنفسها: هل تريد نهراً يُدار كأنبوب تصريف، أم فضاءً حضرياً حيّاً متعدد الوظائف؟
من النهر إلى المدينة: كيف تتحول قضية فنية إلى خبر مجتمعي؟
أهمية هذا الملف لا تعود فقط إلى تفاصيله التقنية، بل إلى الطريقة التي انتقل بها من ميدان الأعمال إلى المجال العام. في الصحافة الكورية، كما في صحافات عديدة حول العالم، تتحول قضايا البيئة والميزانيات المحلية إلى أخبار كبرى عندما تلامس الحياة اليومية وتكشف توتراً بين ما تعلنه السلطات وما يراه المواطن على الأرض. هذا بالضبط ما حدث هنا: مراقبة ميدانية، بيان علني، أرقام واضحة، وسؤال بسيط لكنه نافذ: لماذا نعيد الحفر في الأماكن نفسها؟
في الثقافة السياسية الكورية، للبيانات الصادرة عن المنظمات المدنية وزن معتبر، خصوصاً إذا كانت مبنية على رصد موقعي ومصحوبة بلغة تربط القضية بالمصلحة العامة. والمنظمتان في دايجون لم تقدما المسألة بوصفها صراعاً أيديولوجياً، بل بوصفها نقاشاً حول الاستدامة والكفاءة والاختيار الصحيح للأدوات. وهذا ما يمنح القضية طابعاً مجتمعياً لا نخبوياً. فحتى من لا يتابع السياسات البيئية يمكنه أن يفهم معنى أن تُصرف أموال جديدة على أعمال متكررة في نطاق محدود زمنياً.
في السياق العربي، يمكن تشبيه هذه اللحظة بما يحدث حين تنشر جهة رقابية أو مبادرة أهلية صوراً لمشروع خدمي أُعيد تنفيذه بعد أشهر من إنجازه، فتتحول المسألة من خبر محلي عابر إلى نقاش عن الحوكمة والجدوى والرقابة. الصحافة المهنية هنا لا تكتفي بنقل المعلومة، بل تسأل: ما الذي تكشفه الحادثة عن طريقة إدارة الشأن العام؟ وفي حالة دايجون، تكشف الحادثة عن صراع هادئ لكنه عميق بين منطق «التدخل السريع عند الحاجة» ومنطق «إعادة التفكير في شكل العلاقة مع النهر من الأساس».
هذا التحول من التقنية إلى السياسة، ومن الحفر إلى الفلسفة، هو ما يجعل القصة مهمة خارج كوريا أيضاً. لأن العالم كله، لا سيما المدن التي تواجه تقلبات مناخية متزايدة، يجد نفسه أمام المعادلة نفسها: هل نبني أنظمة دفاعية أشد صلابة، أم نبحث عن مرونة أكبر بالتعاون مع الطبيعة؟ والجواب في الغالب ليس أبيض أو أسود، لكنه يبدأ من مساءلة فعالية الأدوات المستخدمة حالياً، وهو ما فعلته منظمات دايجون بوضوح.
ما الذي لا نعرفه بعد؟ وما المطلوب من بلدية دايجون؟
المعطيات المتاحة حتى الآن تُظهر بوضوح موقف المنظمات البيئية، لكنها لا تقدم في المقابل شرحاً مفصلاً من جانب بلدية دايجون حول أسباب إعادة التجريف في تلك المقاطع الثمانية. وهذا نقص مهم في المشهد، لأن الإدارة المحلية قد تمتلك تفسيرات مرتبطة بتغير طبيعة الرواسب، أو بمتطلبات السلامة الموسمية، أو بخصوصية كل مقطع من النهر. غير أن غياب هذا التفسير المفصل عن النقاش العلني يترك الساحة مفتوحة أمام التساؤلات، ويمنح انتقادات المجتمع المدني زخماً إضافياً.
في القضايا من هذا النوع، لا يكفي للسلطات أن تقول إنها تعمل من أجل منع الفيضانات. المطلوب، في لغة الإدارة الحديثة، هو تقديم تفسير قابل للفهم العام: لماذا أُعيد التجريف هنا تحديداً؟ ما النتائج التي حققتها الأعمال السابقة؟ كيف تُقاس الفعالية؟ وما الذي يجعل الحل الحالي أفضل من بدائل أخرى أقل تكراراً وربما أكثر انسجاماً مع البيئة؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً إعلامياً، بل جزء من المساءلة الديمقراطية حول المشاريع العامة.
الملف يحتاج أيضاً إلى تمييز أساسي بين الاستجابة العاجلة والخطة بعيدة المدى. فمن الممكن، من حيث المبدأ، أن تحتاج بعض المقاطع إلى تدخل سريع قبل موسم الأمطار، لكن ذلك لا يعفي المدينة من واجب بناء استراتيجية أشمل تقلل مستقبلاً الحاجة إلى التدخل المتكرر. هذا التمييز بالغ الأهمية، لأن كثيراً من المدن تقع في فخ إدارة الطوارئ الدائمة، فتبدو نشطة على السطح لكنها تؤجل الإصلاح البنيوي عاماً بعد عام.
ومن زاوية صحفية، فإن المرحلة التالية من هذه القصة ستكون أكثر أهمية من البيان الأول نفسه. لأن السؤال لن يكون فقط: ماذا قالت المنظمات البيئية؟ بل ماذا ستفعل المدينة بعد هذا الاعتراض؟ هل ستكتفي بالدفاع عن إجراءاتها، أم ستفتح نقاشاً أوسع حول بدائل إدارة النهر؟ هل ستنشر بيانات أكثر تفصيلاً عن الكلفة والفعالية؟ وهل ستشرك السكان والخبراء والمجتمع المدني في إعادة تقييم السياسات الحالية؟ هنا يتحدد ما إذا كانت القضية ستبقى سجالاً عابراً أم ستتحول إلى لحظة مراجعة حضرية جدية.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟
قد يظن البعض أن خبر إعادة تجريف نهر في مدينة كورية بعيدة لا يحمل ما يكفي من الصلة المباشرة بالمنطقة العربية. لكن الحقيقة أن هذا النوع من القصص يهم القارئ العربي لسببين على الأقل. الأول أن مدناً عربية كثيرة تعيش بدورها ضغطاً متزايداً بين البنية التحتية القديمة، والنمو العمراني السريع، والطقس المتقلب الذي صار يأتي بأمطار أكثر كثافة في أزمنة أقصر. والثاني أن النقاش حول الإنفاق المتكرر على الحلول المؤقتة هو نقاش يعرفه العرب جيداً في ملفات المياه والطرق والكهرباء والصرف الصحي.
ثم إن متابعة كوريا الجنوبية لا تعني فقط متابعة الدراما والكي-بوب، رغم الحضور الطاغي للموجة الكورية في الثقافة الشعبية العربية. فخلف الصورة الثقافية اللامعة تقف دولة تواجه، مثل غيرها، أسئلة معقدة عن البيئة والعدالة الحضرية والميزانيات العامة. وهذه القصص هي التي تمنح التغطية العربية لكوريا عمقها الحقيقي: أن ننظر إلى المجتمع الكوري ليس بوصفه منتجاً للترفيه فقط، بل باعتباره ساحة سجالات مدنية وإدارية وإنسانية شبيهة بما نعرفه في مجتمعاتنا.
من هذه الزاوية، تبدو قضية دايجون درساً في معنى المدينة الحديثة. فالنهر فيها ليس هامشاً جغرافياً، بل نقطة التقاء بين الأمن البيئي، ونوعية الحياة، والمال العام، وصوت المجتمع المدني. والسؤال الذي طرحته المنظمتان البيئيتان لا يخص دايجون وحدها: إلى أي حد يمكن لمدينة أن تواصل الاعتماد على الأعمال المتكررة من دون أن تراجع أصل المشكلة؟
هذا سؤال تعرفه المنطقة العربية جيداً، لأنه يتكرر كلما واجهت مدينة سيولاً مفاجئة أو غرقت شوارعها في موسم مطير أو عاد مشروع خدمي إلى نقطة الصفر بعد إنفاق جديد. لذلك فإن الخبر الكوري، في جوهره، ليس بعيداً عنا. إنه خبر عن المدينة الحديثة حين تتردد بين حل سريع وحكمة طويلة الأمد، وعن المجتمع حين يطالب بأن تكون الحفارات أقل صخباً، لكن السياسات أكثر عمقاً.
وفي انتظار رد أكثر تفصيلاً من سلطات دايجون، يبقى الثابت أن هذا الجدل نجح في نقل ملف الأنهار من لغة العقود والمناقصات إلى لغة الناس اليومية. وعندما يحدث ذلك، يتحول النهر من عنصر طبيعي صامت إلى شاهد على طريقة إدارة المدينة لنفسها. تلك هي القصة الحقيقية التي خرجت من دايجون: ليست مجرد إعادة تجريف، بل إعادة فتح سؤال قديم ومتجدد معاً، من سيول إلى العواصم العربية، عن كيف نصنع مدينة آمنة من دون أن ندخل في دورة لا تنتهي من الإنفاق على الأعراض بدل معالجة الأسباب.
0 تعليقات