
بوسان لا تكتفي بصورة المدينة البحرية
في الأخبار القادمة من كوريا الجنوبية هذا الأسبوع، لم تكن بوسان مجرد مدينة شاطئية تستقبل الزوار على إيقاع البحر والأسماك الطازجة وأضواء الليل، بل ظهرت بوصفها منصة دولية لواحد من أكثر مجالات التقنية غرابة وجاذبية في آن واحد: تكنولوجيا الشم وتحليل الروائح وتوظيفها رقمياً. ففي منطقة هايونداي، إحدى أشهر واجهات بوسان البحرية، انطلقت أعمال «المؤتمر الدولي الأول HIRC» بتنظيم من مركز العرض الشمي البشري في جامعة بوسان الوطنية، على مدى أربعة أيام من 10 إلى 13 من الشهر الجاري، بمشاركة نحو 160 باحثاً ومسؤولاً وخبيراً من داخل كوريا وخارجها.
الخبر في ظاهره أكاديمي، لكن ما بين سطوره أبعد من قاعة مؤتمرات وأوراق بحثية وعروض علمية. نحن أمام لحظة تقول شيئاً مهماً عن كوريا اليوم: البلد الذي عرفه العرب أولاً عبر الدراما، ثم عبر الكيبوب، ثم عبر مستحضرات التجميل والطعام والثقافة الرقمية، يحاول الآن أن يضيف طبقة أخرى إلى صورته العالمية، طبقة تمزج البحث العلمي بتجارب الإنسان الحسية. وإذا كانت سيول غالباً ما تحتكر صورة الحداثة الكورية في أذهان الجمهور العربي، فإن بوسان تبدو هنا وكأنها تقول إنها ليست مجرد «المدينة الثانية» في الاقتصاد أو السكان، بل مدينة قادرة على إنتاج معنى جديد للحضور الدولي.
للقارئ العربي، قد يبدو مصطلح «العرض الشمي» أو «الشم الرقمي» غريباً للوهلة الأولى. لكن الفكرة الأساسية أبسط مما توحي به التسمية التقنية: كيف يمكن التقاط الروائح، وتحليلها، ثم إعادة إنتاجها أو استخدامها ضمن أنظمة رقمية أو روبوتية أو تجريبية؟ نحن نتحدث هنا عن حاسة كثيراً ما جرى تهميشها في عالم التكنولوجيا الذي هيمنت عليه الصورة والصوت لعقود. فالشاشات تنقل ما نراه، والسماعات تنقل ما نسمعه، أما ما نشمه، أي ذلك الجزء الحميمي من الذاكرة البشرية، فبقي خارج التجربة الرقمية إلى حد بعيد.
في الثقافة العربية، لسنا بعيدين عن هذا المعنى. الذاكرة عندنا ترتبط بالرائحة بقدر ما ترتبط بالصورة، إن لم يكن أكثر. يكفي أن نستدعي رائحة القهوة العربية في الصباح، أو رائحة الهيل والزعفران والعود في البيوت والمجالس، أو حتى رائحة الخبز الساخن في الأحياء القديمة، لندرك أن الشم ليس تفصيلاً ثانوياً في الحياة الاجتماعية. لذلك فإن هذا النوع من الأبحاث، وإن بدا شديد التخصص، يمس في العمق سؤالاً إنسانياً عاماً: كيف تحفظ التقنية التجربة البشرية بكل طبقاتها، لا بسطحها البصري فقط؟
من هذه الزاوية، فإن المؤتمر الذي افتتح في هايونداي ليس مجرد حدث علمي داخلي، بل خبر يستحق التوقف عنده عربياً، لأنه يكشف اتجاهاً في كوريا المعاصرة: الانتقال من تصدير المحتوى الثقافي الجذاب إلى بناء منظومات علمية تسعى إلى تعريف مستقبل التجربة الحسية نفسها.
ما هو «العرض الشمي» ولماذا يلفت الانتباه؟
مصطلح «العرض الشمي» ليس متداولاً بعد في الإعلام العربي، ولهذا يحتاج إلى شرح بعيد عن الغموض. المقصود به، وفق ما تعكسه وقائع المؤتمر، حقل بحثي يتعامل مع الروائح بوصفها بيانات وتجربة يمكن رصدها وتحليلها وتوظيفها. أي أننا لا نتحدث فقط عن صناعة العطور أو أدوات قياس جودة الهواء في صورتها التقليدية، بل عن محاولة إدخال الشم إلى فضاء التفاعل التكنولوجي مثلما أُدخلت الصورة والصوت من قبل.
حين يشاهد الناس اليوم فيلماً أو يزورون متحفاً رقمياً أو يخوضون تجربة واقع افتراضي، فإنهم يعتمدون غالباً على العين والأذن. لكن ماذا لو أمكن، في المستقبل، أن تُضاف رائحة البحر إلى مشهد الميناء، أو رائحة الغابة إلى تجربة بيئية تعليمية، أو حتى رائحة مرتبطة بمنتج أو مكان أو ذكرى ضمن مساحات التسويق والسياحة والعلاج والتأهيل؟ هذا هو الأفق الذي يجعل هذا المجال مثيراً للاهتمام، حتى لو كان ما زال في مرحلة أكاديمية وتجريبية في جوانب كثيرة منه.
ولأن الرائحة مرتبطة بالذاكرة والعاطفة على نحو عميق، فإن إدخالها إلى التكنولوجيا قد يغيّر طريقة تصميم التجارب البشرية في المستقبل. في العالم العربي، اعتدنا أن نصف الأمكنة بروائحها: رائحة البحر في الإسكندرية، رائحة الياسمين في دمشق، رائحة البخور في الخليج، رائحة البرتقال في شتاءات المغرب، ورائحة الخبز والزعتر في مدن الشام. هذه الأبعاد لا تظهر كاملة في الصور ولا حتى في أجمل الأفلام. لذلك فإن أي محاولة علمية للاقتراب من هذا العالم الحسي تحمل إمكانات ثقافية، وليس فقط تقنية.
غير أن المهنية الصحافية تقتضي عدم الذهاب بعيداً في الاستنتاجات. المؤتمر الكوري لا يعني، بحسب المعطيات المتاحة، أن العالم على وشك استقبال أجهزة منزلية تنقل الروائح على نطاق واسع غداً صباحاً، ولا يعني أيضاً إعلاناً مباشراً عن منتجات سياحية أو تجارية جاهزة. ما يعنيه ببساطة أن هذا الحقل بات ناضجاً بما يكفي ليحظى بأول مؤتمر دولي متخصص من نوعه، وأن باحثين من أكثر من جهة وجدوا ما يكفي من الأسئلة العلمية لفتح نقاش عابر للحدود حوله.
وهذه نقطة مهمة بحد ذاتها. ففي كثير من الأحيان، تبدأ التحولات الكبرى في حياة الناس من مؤتمرات صغيرة نسبياً لا تعرفها الجماهير، ثم تتراكم نتائجها لاحقاً في الجامعات والمختبرات والشركات والسياسات العامة. من هنا، فإن أهمية الحدث لا تقاس فقط بعدد الحاضرين، بل بكونه يعلن أن «الشم» انتقل من هامش الابتكار إلى طاولة النقاش الدولي المنظم.
لماذا اختارت القصة هايونداي بالذات؟
إذا كان هناك مكان في بوسان يعرفه كثير من الزوار العرب والكوريين معاً، فهو هايونداي. هذه المنطقة الساحلية صارت، خلال السنوات الماضية، مرادفاً لصورة بوسان الحديثة: فنادق كبرى، شاطئ شهير، بنية تحتية تستوعب الفعاليات، ومشهد يجمع بين البحر والمدينة في إطار واحد. لذلك فإن انعقاد المؤتمر في فندق جراند جوسون بهايونداي ليس تفصيلاً لوجستياً محضاً، بل عنصر يحمل دلالة رمزية واضحة.
المدن لا تُبنى صورتها الدولية فقط عبر المعالم السياحية أو المهرجانات، بل أيضاً عبر نوعية الأحداث التي تستطيع احتضانها. وحين تستضيف مدينة كبرى فعالية علمية متخصصة ذات طابع دولي، فإنها تبعث برسالة مختلفة عن الرسالة السياحية المعتادة. الرسالة هنا تقول إن هذا المكان ليس محطة للاسترخاء أو التصوير فقط، بل مساحة يمكن أن يلتقي فيها البحث والمعرفة والضيافة والاقتصاد الحضري في وقت واحد.
للقارئ العربي الذي قد يعرف بوسان من خلال فيلم، أو مباراة رياضية، أو حتى خبر عن سوق السمك الشهير، فإن هذا الجانب يضيف طبقة جديدة إلى فهم المدينة. بوسان ليست نسخة بحرية من سيول، وليست مجرد بديل أكثر هدوءاً للعاصمة، بل مدينة لها شخصيتها الخاصة: ميناء عالمي، وتاريخ تجاري، وخبرة متراكمة في استقبال الأحداث والمعارض، وحضور جامعي وبحثي واضح. ومن هذا المنظور، يبدو اختيار هايونداي منطقياً، لأن المكان نفسه يشكل جزءاً من السردية التي يريد الحدث أن يقدّمها عن بوسان.
هناك أيضاً بعد آخر يستحق التوقف. المؤتمرات الأكاديمية لا تنفصل عملياً عن التجربة الحضرية. فالباحث الذي يأتي لإلقاء ورقة علمية لا يعيش داخل القاعة فقط، بل يختبر المطار والشارع والمطعم والفندق والمشهد العام. وبالتالي، فإن أي فعالية دولية من هذا النوع تعمل بصورة غير مباشرة على إعادة تعريف المدينة لدى ضيوفها. هؤلاء لا يعودون إلى بلدانهم حاملين نتائج جلسات النقاش فحسب، بل يحملون انطباعاً عن كفاءة التنظيم، وسهولة الحركة، ونوعية الضيافة، والقدرة على الجمع بين العمل والتجربة المدنية.
في هذا السياق، يمكن القول إن هايونداي قدّمت لبوسان خدمة مزدوجة: فهي احتضنت حدثاً علمياً في مجال بالغ الحداثة، وفي الوقت نفسه وفّرت إطاراً بصرياً ومدينياً يجعل صورة المؤتمر أكثر التصاقاً بفكرة المدينة المنفتحة على العالم. وهذا النوع من التراكم هو ما يصنع لاحقاً العلامة الحضرية لأي مدينة تريد أن تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.
جامعة بوسان الوطنية ودور الجامعات في صناعة صورة المدن
الجهة المنظمة للمؤتمر هي مركز العرض الشمي البشري في جامعة بوسان الوطنية، وهي واحدة من أبرز الجامعات الوطنية في كوريا الجنوبية. وفي العادة، يركّز الإعلام العربي عند الحديث عن الجامعات الكورية على التصنيفات الأكاديمية أو على سمعة العاصمة التعليمية، لكن هذا الحدث يذكّرنا بدور آخر لا يقل أهمية: الجامعة بوصفها منتجاً لصورة المدينة ومكانتها، لا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات.
حين تنجح جامعة إقليمية أو وطنية في إطلاق مؤتمر دولي هو الأول من نوعه في مجال ناشئ، فإنها تفعل أكثر من تنظيم حدث علمي. إنها تضع المدينة التي تنتمي إليها على خريطة النقاش العالمي في ذلك التخصص. وهذا ما فعلته جامعة بوسان الوطنية هنا. فاسم بوسان لم يظهر فقط لأن المؤتمر أقيم على أرضها، بل لأن مؤسسة أكاديمية محلية هي التي بادرت إلى صناعة المناسبة نفسها.
هذه المسألة تبدو مألوفة في كثير من الدول التي أدركت مبكراً أن «اقتصاد المعرفة» لا ينفصل عن سمعة المدن. فالجامعة القوية تجذب الباحثين والتمويل والشراكات والطلاب، ومن ثم تسهم في تحريك الفنادق والمطاعم والنقل والأنشطة المساندة. ومع الوقت، لا تبقى المدينة معروفة بمينائها أو أسواقها أو شواطئها فحسب، بل أيضاً بجامعاتها ومختبراتها ومؤتمراتها ومراكزها المتخصصة.
في العالم العربي، نملك تجارب مشابهة بدرجات متفاوتة. مدن مثل القاهرة وبيروت والرباط والشارقة والدوحة، على اختلاف السياقات، اكتسبت جانباً من حضورها الإقليمي والدولي من دور الجامعات والمعارض والمنتديات الفكرية فيها. ولذلك فإن قراءة خبر بوسان من هذه الزاوية تساعد القارئ العربي على فهم أوسع: الموجة الكورية ليست فقط فرقة موسيقية أو مسلسلاً ناجحاً، بل أيضاً قدرة مؤسسية على تحويل البحث العلمي إلى جزء من هوية المكان.
ويزداد هذا المعنى وضوحاً حين نلاحظ حضور ممثلين عن جامعة بوسان الوطنية ووزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كوريا، إلى جانب مسؤولي مدينة بوسان وباحثين محليين ودوليين. هذه التركيبة لا تبدو بروتوكولية فقط، بل تكشف أن المجال المطروح يحظى باهتمام متعدد المستويات: أكاديمي، وحكومي، ومحلي. صحيح أن الخبر لا يتضمن إعلاناً عن خطط استثمارية أو سياسات كبرى، لكن مجرد اجتماع هذه الأطراف حول مؤتمر أول من نوعه يكشف أن الدولة الكورية، بمؤسساتها المختلفة، تراقب هذا النوع من المعارف الجديدة وتمنحه مساحة ظهور علنية.
160 باحثاً ليسوا رقماً صغيراً في عالم التخصصات الدقيقة
قد يقرأ بعضهم أن عدد المشاركين في الافتتاح بلغ نحو 160 شخصاً، فيمر على الرقم مروراً عابراً، خاصة إذا قورن بمهرجانات شعبية تستقطب عشرات الآلاف أو معارض تقنية عملاقة تستقبل حشوداً أكبر بكثير. لكن المقارنة هنا قد تكون مضللة. ففي المؤتمرات الأكاديمية المتخصصة جداً، ليست القيمة في الكتلة العددية، بل في كثافة الخبرة ونوعية الحضور.
حين يجتمع هذا العدد من الباحثين والمسؤولين والخبراء في مجال دقيق مثل تحليل الروائح وتقنيات الشم والتطبيقات المرتبطة بها، فإننا نتحدث عن مساحة حوار مركزة يمكن أن تنتج شراكات، ومشاريع مشتركة، وأفكاراً بحثية لاحقة، وربما معايير جديدة للنقاش في هذا الحقل. وفي كثير من التخصصات الناشئة، تبدأ الشبكات الدولية الفاعلة من دوائر أصغر بكثير من المؤتمرات الجماهيرية الضخمة.
من الناحية الصحافية، يحمل الرقم دلالة أخرى: الحدث ليس استعراضاً عاماً موجهاً للجمهور العريض، بل نواة مهنية جادة. هذا النوع من اللقاءات قد لا يصنع عناوين صاخبة في الإعلام اليومي، لكنه غالباً ما يترك أثراً أبعد زمناً. فمن داخل هذه اللقاءات تخرج اللغة التي ستحدد لاحقاً كيف يتحدث العالم عن مجال ما، وما هي أولوياته وأسئلته وأخلاقياته وتطبيقاته المحتملة.
ومن المهم أيضاً الانتباه إلى أن أول مؤتمر دولي في أي مجال لا يُقاس فقط بما ينجزه في دورته الأولى، بل بما إذا كان ينجح في تأسيس تقليد قابل للاستمرار. تعبير «الأول من نوعه» مغرٍ في العناوين، لكنه لا يكتسب معناه الحقيقي إلا إذا تبعته دورات لاحقة وشبكات تعاون ممتدة ومنشورات وأبحاث ومشاريع. ومع ذلك، فإن قيمة البداية تبقى قائمة، لأن كل مسار مؤسسي كبير يبدأ من لحظة افتتاح أولى، ومن قرار اتخذته جهة ما بأن الوقت قد حان لجمع أهل الاختصاص حول طاولة واحدة.
بالنسبة إلى بوسان، فإن استضافة هذا الحجم النوعي من الحضور تعني أن المدينة لا تستقبل السياح والمتسوقين فقط، بل أيضاً من ينتجون معرفة جديدة. وهذا فارق مهم في زمن تتنافس فيه المدن على جذب «الزائر ذي القيمة العالية»، سواء كان مستثمراً أو باحثاً أو مشاركاً في حدث علمي. فالاقتصاد الحضري المعاصر لم يعد يقتصر على إنفاق السائح التقليدي، بل يشمل كذلك ما تجلبه المؤتمرات البحثية من اتصال دولي وسمعة وشبكات عمل طويلة الأمد.
حين تلتقي التكنولوجيا بالذاكرة: ماذا يعني ذلك للسياحة والثقافة؟
الجانب الأكثر إثارة في هذا الحدث ليس علمياً فقط، بل ثقافي أيضاً. ففكرة التعامل مع الروائح تكنولوجياً تفتح باباً واسعاً للتفكير في علاقة الإنسان بالمكان. نحن لا نتذكر المدن من خلال صورها وحسب، بل من خلال أثرها الحسي الكامل. رائحة البحر في الصباح، رائحة المطر على الحجر، رائحة القهوة في بهو الفندق، رائحة الخشب في المتحف، كلها عناصر تصنع ما يمكن تسميته «ذاكرة الإقامة» أو «ذاكرة العبور».
وفي هذا المعنى، يبدو المؤتمر أقرب إلى سؤال عن مستقبل التجربة الإنسانية منه إلى مجرد خبر عن مختبرات وأجهزة. لو تطورت هذه الأبحاث على المدى الطويل، فقد يكون لها أثر على تصميم المتاحف، والتعليم التفاعلي، والعلاج التأهيلي، وتجارب الواقع الافتراضي، وحتى على أساليب تقديم الوجهات السياحية. لكن مرة أخرى، لا بد من التأكيد أن الخبر الحالي لا يعلن عن منتجات جاهزة، بل يفتح باباً على اتجاه بحثي يزداد وضوحاً.
هنا بالذات يمكن للقارئ العربي أن يجد صدى خاصاً. ثقافاتنا مبنية، بدرجة كبيرة، على الحواس. الأسواق القديمة في فاس أو القاهرة أو صنعاء لا تُقرأ بالعين وحدها، كما أن المجلس الخليجي لا يكتمل حضوره من دون البخور، والبيت الشامي لا ينفصل عن رائحة الياسمين أو الطبخ المنزلي، والمقهى العربي ليس مجرد مكان للجلوس بل فضاء له هواء خاص ونكهة خاصة. لذلك فإن إدخال الشم إلى التكنولوجيا ليس ترفاً غرائبياً كما قد يظن البعض، بل محاولة للاقتراب من شيء نعرفه جيداً في حياتنا اليومية: أن الذاكرة الحقيقية متعددة الحواس.
ومن الناحية السياحية، يمكن قراءة الحدث بوصفه مؤشراً على تحوّل أوسع في تعريف الجاذبية الحضرية. لم يعد يكفي للمدينة أن تكون جميلة في الصور؛ الأهم أن تبدو مكاناً تقع فيه أشياء ذات معنى. بوسان اليوم لا تكتفي بتسويق نفسها عبر الشاطئ والميناء والمأكولات البحرية، بل تظهر أيضاً كمدينة تستضيف نقاشاً عالمياً حول واحدة من أكثر تقنيات المستقبل ارتباطاً بالتجربة الإنسانية المباشرة.
هذا لا يعني أن مؤتمر HIRC سيحوّل بوسان فوراً إلى عاصمة عالمية للشم الرقمي، فمثل هذه الأحكام تحتاج إلى وقت ومراكمة. لكنه يثبت أن المدينة تملك الجرأة المؤسسية على احتضان موضوع جديد قبل أن يصبح شائعاً. وفي عالم الإعلام والسياحة والثقافة، هذه الجرأة هي غالباً ما يسبق التحوّل الفعلي في الصورة العامة.
ما الذي تكشفه القصة عن كوريا الجنوبية اليوم؟
خلال العقدين الأخيرين، اعتاد الجمهور العربي أن يتابع كوريا الجنوبية من بوابات مألوفة: الدراما الرومانسية، موسيقى البوب، مستحضرات العناية بالبشرة، المطاعم الكورية، ثم لاحقاً المنصات الرقمية والمنتجات التقنية. لكن ثمة طبقة أخرى أقل حضوراً في التغطية العامة، وهي طبقة البحث العلمي المتخصص الذي يتحرك في الخلفية ويعيد تشكيل صورة البلد ببطء وثبات.
هذا المؤتمر مثال واضح على تلك الطبقة. فأن تستضيف كوريا فعالية توصف بأنها الأولى دولياً في مجال العرض الشمي، فهذا يعني أن البلاد لا تراهن فقط على شهرتها الثقافية الجماهيرية، بل تعمل أيضاً على ترسيخ حضورها في مجالات معرفية جديدة قد تكون أقل بريقاً إعلامياً اليوم، لكنها لا تقل وزناً استراتيجياً على المدى الأبعد. وهذا جزء من سر القوة الكورية: القدرة على الجمع بين الصورة الناعمة والقاعدة المؤسسية، بين ما يراه الجمهور وما تبنيه المختبرات.
كما تكشف القصة عن شيء مهم في طريقة إدارة المدن الكورية الكبرى خارج العاصمة. بوسان لا تنتظر أن تُعرّف نفسها مقارنة بسيول، بل تبني سرديتها الخاصة عبر البحر واللوجستيات والفعاليات والبحث الأكاديمي. هذا النوع من التوازن بين المركز والأطراف يفسر لماذا تبدو كوريا، رغم صغر مساحتها نسبياً، بلداً متعدد المراكز في الإنتاج الثقافي والعلمي والحضري.
كذلك، يحمل الخبر معنى يرتبط بفكرة «الموجة الكورية» نفسها. فالهاليو، كما يعرفها كثير من المتابعين، لم تعد مجرد موجة ترفيهية. إنها اليوم بيئة أوسع من الابتكار والثقافة والمؤسسات والتعليم والتقنية. وما يهم القارئ العربي هنا هو أن فهم كوريا المعاصرة يتطلب تجاوز الاستهلاك الثقافي إلى متابعة ما تنتجه الجامعات والمختبرات والمنتديات العلمية. فهناك أيضاً تتشكل صورة البلد، وربما هناك أيضاً يكمن بعض سر استمرارية حضوره العالمي.
ومن زاوية مهنية بحتة، فإن قوة هذا الخبر تأتي من توازنه: الوقائع الأساسية واضحة ومحددة، من مكان الانعقاد إلى الجهة المنظمة إلى عدد الحاضرين وطبيعة المجال. أما التحليل، فينبغي أن يبقى منضبطاً بما تسمح به هذه الوقائع. ولهذا فإن القراءة الأكثر دقة ربما تكون كالتالي: بوسان شهدت انطلاق مؤتمر دولي أول من نوعه في مجال ناشئ يركز على الشم والتقنيات المرتبطة به، وهذا وحده كافٍ ليجعل من الحدث إشارة مهمة إلى اتجاهات البحث والمدينة والبلد معاً.
بين الحقيقة المباشرة والمعنى الأوسع
في نهاية المطاف، لا يحتاج هذا الخبر إلى مبالغة كي يكون مثيراً للاهتمام. الحقيقة المباشرة وحدها لافتة: جامعة بوسان الوطنية افتتحت في هايونداي مؤتمراً دولياً أولياً يركز على تكنولوجيا الشم وتحليل الروائح واستخداماتها، بحضور نحو 160 باحثاً ومسؤولاً من الداخل والخارج. هذه معطيات واضحة وصلبة، وهي كافية لتفسير سبب الاهتمام الذي حظي به الحدث منذ يومه الأول.
لكن المعنى الأوسع يتجاوز البيان الخبري. نحن أمام مدينة بحرية معروفة سياحياً، تستضيف نقاشاً علمياً حول أكثر الحواس التصاقاً بالذاكرة والوجدان. وأمام جامعة محلية تستخدم البحث المتقدم لكي تضع اسم مدينتها على خريطة تخصص ناشئ. وأمام كوريا تواصل توسيع صورتها العالمية، ليس فقط عبر الثقافة الشعبية، بل عبر المعرفة المنظمة أيضاً.
بالنسبة إلى القراء العرب، قد تكون هذه إحدى أكثر القصص الكورية دلالة في الأسابيع الأخيرة، لأنها تنقل صورة مختلفة عن معنى الحداثة. الحداثة ليست فقط ناطحات سحاب وتطبيقات ذكية وقطارات سريعة، بل أيضاً القدرة على طرح أسئلة جديدة عن الإنسان نفسه: كيف يرى؟ كيف يسمع؟ وكيف يشم؟ وما الذي يمكن للتقنية أن تفعله بهذه الحواس من دون أن تفقدها بعدها الإنساني؟
من بوسان، يأتي الجواب في صيغة أولية ومفتوحة: المستقبل لا يخص العين وحدها. وربما لهذا السبب بالذات يستحق هذا المؤتمر أن يُقرأ باهتمام، لا باعتباره خبراً علمياً متخصصاً فقط، بل بوصفه علامة على مدينة وبلد يحاولان إعادة تعريف التجربة الحديثة من أعمق أبوابها وأكثرها التصاقاً بالذاكرة البشرية: باب الرائحة.
0 تعليقات