
مونديال يأتي في غير موعده المعتاد
عندما يتحدث الجمهور العربي عن كأس العالم، غالبا ما تتبادر إلى الذهن صور السهر الطويل، والمقاهي المكتظة، والشاشات العملاقة التي تجمع الناس حتى ساعات الفجر. هذا المشهد مألوف من الرباط إلى الرياض، ومن القاهرة إلى الدوحة، وهو ليس بعيدا أيضا عن الذاكرة الكورية الجنوبية التي ارتبطت طويلا بمباريات الليل والهتاف الجماعي في الشوارع والساحات العامة. لكن النسخة المقبلة من كأس العالم 2026 تفرض على كوريا الجنوبية واقعا مختلفا تماما: مباريات المنتخب في دور المجموعات تأتي صباحا وفي أيام عمل، ما يدفع المجتمع الكوري إلى إعادة اختراع طريقة التشجيع نفسها.
اللافت هنا أن الحماسة لم تتراجع، بل تغيّر شكلها فقط. فبدلا من أن تكون المباراة حدثا يعلّق الحياة اليومية مؤقتا، باتت تتسلل إلى قلب اليوم العملي والدراسي. هذه ليست مجرد مسألة توقيت عابر، بل تحوّل اجتماعي وثقافي يكشف كيف تتعامل كوريا الجنوبية مع الرياضة الكبرى بوصفها جزءا من النسيج اليومي، لا مجرد احتفال استثنائي خارج الزمن المعتاد.
وإذا كان المشاهد العربي يعرف جيدا كيف تغيّر فروق التوقيت عادات المتابعة، سواء في بطولات أوروبا أو في مونديالات تقام في الأميركيتين، فإن ما يجري في كوريا يقدم نموذجا أكثر تنظيما ووضوحا. المجتمع هناك لا يكتفي بالتأقلم الفردي مع المباريات، بل يحاول امتصاصها داخل مؤسساته: الشركات ترتب قاعات مشاهدة داخلية، المطاعم تغيّر قوائمها، والمدارس والجامعات تواجه بدورها سؤالا عمليا حول كيفية التوفيق بين الالتزام اليومي والحدث الرياضي الأكبر في العالم.
بهذا المعنى، فإن قصة مونديال الصباح في كوريا الجنوبية ليست فقط عن كرة القدم، بل عن طريقة إدارة الشغف داخل مجتمع سريع الإيقاع، شديد التنظيم، وعالي الحساسية تجاه الأحداث الجماعية. إنها قصة عن انتقال التشجيع من الفضاء المفتوح إلى الفضاء المؤسسي، ومن الفوضى الجميلة للشارع إلى الانضباط العملي داخل أماكن العمل.
من «تشيماك» الليلية إلى برانش المونديال
في الثقافة الشعبية الكورية، ثمة كلمة يعرفها كل متابع للموجة الكورية تقريبا: «تشيماك»، وهي اختصار يجمع بين الدجاج المقلي والبيرة، وقد تحولت خلال السنوات الماضية إلى رمز شبه رسمي لمتابعة المباريات واللقاءات الجماهيرية. كان هذا الثنائي الغذائي حاضرا في الليالي الكروية كما لو أنه طقس اجتماعي كامل، يشبه في الوجدان العربي ارتباط بعض المباريات بالشاي الثقيل أو القهوة أو الوجبات السريعة التي تستهلك على عجل بين الشوطين.
لكن صباح المونديال لا يناسب «تشيماك» بالمعنى التقليدي. فمن غير المنطقي أن تبدأ الشركات يوم العمل بتجهيزات ليلية الطابع، ولا أن يتعامل الموظفون مع مباراة صباحية كما لو كانت سهرة تمتد إلى ما بعد منتصف الليل. لذلك بدأت تظهر في كوريا الجنوبية أنماط جديدة من الاستهلاك المصاحب للتشجيع: وجبات برانش، قوائم غداء مبكرة، عروض خفيفة تناسب أجواء الصباح، وحتى صيغ ترويجية مصممة خصيصا لجمهور يريد المشاهدة من دون أن ينسحب من يومه بالكامل.
هذا التحول يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه عميق في دلالته. فالطعام في مثل هذه المناسبات ليس تفصيلا جانبيا، بل جزء من هوية الحدث. وعندما يتغير الطعام المصاحب للمباراة، فهذا يعني أن التجربة الاجتماعية نفسها يعاد تصميمها من جديد. لم يعد الهدف سهرة جماعية صاخبة بقدر ما صار المطلوب هو دمج المتعة بالعملية، والحماس بالالتزام، والتشجيع بإدارة الوقت.
وللقارئ العربي هنا مدخل واضح للفهم. فنحن نعرف كيف يفرض الزمن منطقه على الطقوس الاجتماعية: مباريات ما بعد الإفطار في رمضان تختلف عن مباريات آخر الليل، ومباريات الظهيرة في أيام العمل لها جمهورها وسلوكها المختلف. ما يحدث في كوريا الجنوبية قريب من هذه الفكرة، لكنه يأخذ شكلا أكثر مؤسسية. السوق نفسه يتغير استجابة لتوقيت البطولة، لا بوصفه أزمة بل فرصة لإنتاج عادات جديدة.
ومن المهم التوقف عند نقطة أخرى: في بلد شديد التنافسية وسريع الحركة مثل كوريا الجنوبية، لا يمكن للحياة أن تتوقف كليا بسبب مباراة، حتى لو كانت مباراة للمنتخب الوطني في كأس العالم. لذلك نشأت صيغة وسطى: لا إنكار للحدث، ولا استسلام كامل له، بل إعادة توزيعه على اليوم اليومي. وهنا تحديدا تظهر قدرة الثقافة الكورية على التكيّف السريع، وهي قدرة يعرفها متابعو الصناعة الكورية في الموسيقى والدراما والتقنية، ويبدو أنها حاضرة أيضا في مدرجات التشجيع وإن بشكل مختلف.
الشركات الكورية تدخل على خط التشجيع
أبرز ما يكشفه هذا التحول هو أن مكان التشجيع لم يعد الشارع فقط، بل دخل إلى قلب المؤسسات. شركات كورية كبرى في قطاعات التجزئة والموضة والأغذية والمشروبات بدأت تهيئ مساحات داخلية لموظفيها من أجل متابعة مباريات المنتخب من دون أن يتحول ذلك إلى تعطيل كامل للعمل. هذه الخطوة لا تعني مجرد تساهل إداري، بل تعكس فهما جديدا لعلاقة المؤسسة بموظفيها، حيث يمكن تحويل اللحظة الرياضية إلى أداة تواصل داخلي وتعزيز للروح الجماعية.
في واحدة من أبرز الأمثلة المتداولة، تستعد شركة «إي لاند وورلد» لتنظيم مشاهدة جماعية لمباراة كوريا الجنوبية أمام التشيك داخل قاعة كبرى في مركز الأبحاث والتطوير التابع لها في سيول، بمشاركة مئات الموظفين من قطاع الأزياء. الصورة هنا لافتة: قاعة اجتماعات أو مؤتمر تتحول مؤقتا إلى ما يشبه ساحة تشجيع، لكن من دون أن تفقد طابعها المنظم. كأن المؤسسة تقول لموظفيها: يمكنكم أن تعيشوا حماسة المنتخب، ولكن داخل إطار ينسجم مع إيقاع العمل لا يصطدم به.
هذه المقاربة تفتح بابا أوسع لفهم المجتمع الكوري المعاصر. فقبل سنوات، كان من السهل تصور أن مشاهدة الرياضة أثناء ساعات العمل مسألة استثنائية أو حساسة، وربما تُنظر إليها باعتبارها تشتيتا. أما اليوم، فبعض المؤسسات يفضّل احتواء الحدث بدل مقاومته. والسبب عملي بقدر ما هو ثقافي: إذا كان الموظفون سيتابعون المباراة على أي حال عبر هواتفهم أو شاشاتهم الصغيرة، فلماذا لا يُنظَّم الأمر بصورة جماعية أكثر انضباطا وفائدة؟
في العالم العربي، يمكن العثور على حالات مشابهة، خاصة في المناسبات الكروية الكبرى أو مباريات المنتخبات في البطولات القارية والعالمية. كم من مؤسسة خففت ساعات العمل أو سمحت بشاشات في قاعات الاستراحة عندما يخوض منتخب وطني مباراة حاسمة؟ غير أن الفارق في الحالة الكورية يكمن في درجة التنظيم وسرعة تحويل التشجيع إلى جزء من «ثقافة الشركة» نفسها. هنا لا يبدو الأمر تنازلا استثنائيا، بل آلية إدارة حديثة للحماس الجماعي.
ولعل الأهم من كل ذلك أن هذه الصيغة تُنتج نوعا مختلفا من العلاقات داخل مكان العمل. ففي الشارع، يمكن للجمهور أن يهتف وسط آلاف الغرباء، أما داخل الشركة فالمشاعر تُشارك بين زملاء يعرف بعضهم بعضا، وبين إدارات وفرق وأقسام مختلفة. هذا يمنح الحدث كثافة إنسانية من نوع آخر: المدراء والموظفون، الجدد والقدامى، يتفاعلون مع اللحظة نفسها خارج اللغة الرسمية المعتادة. ولمن يعرف طبيعة المجتمعات الآسيوية ذات الهرمية المهنية الواضحة، فإن لهذه اللحظات المشتركة قيمة رمزية لا يُستهان بها.
المنتخب الكوري بين ثقل التوقعات وحساسية البداية
ما يضاعف أهمية هذا التحول أن الأمر لا يتعلق بمباراة عادية، بل ببداية مشوار المنتخب الكوري الجنوبي في كأس العالم 2026 ضمن المجموعة الأولى، حيث يواجه التشيك في افتتاح مشواره. ومثل هذه المباريات الأولى غالبا ما تحمل وزنا نفسيا ومعنويا كبيرا، لأنها لا تحدد فقط النقاط، بل تصوغ نبرة البطولة كلها بالنسبة للفريق والجمهور على حد سواء.
قائد المنتخب سون هيونغ مين، الاسم الأكثر حضورا في كرة القدم الكورية الحديثة، عبّر بوضوح عن ثقل اللحظة حين أكد أن كل مباراة في كأس العالم تساوي الكثير في حياة اللاعب، وأنه عازم على تقديم ما هو أبعد من أقصى ما يملكه. هذا النوع من التصريحات لا يُقرأ في كوريا الجنوبية كعبارات بروتوكولية فقط، بل بوصفه تعبيرا عن حس وطني ومسؤولية تمثل المنتخب أمام جمهور يحمّل هذه البطولة مكانة عاطفية كبيرة.
أما المدرب هونغ ميونغ بو، وهو اسم له رمزيته التاريخية في الكرة الكورية، فقد شدد بدوره على أن التحضيرات لم تشهد أي تهاون، وأن التشكيلة الأساسية حُسمت، وأن الفريق خاض الإعداد المطلوب بدقة. استدعاء هذا الخطاب في الإعلام الكوري ليس تفصيلا فنيا فقط، بل جزء من بناء المزاج العام قبل المباراة. فعندما يشعر الجمهور أن الفريق استعد بكل الجدية الممكنة، يصبح التشجيع بدوره نوعا من الوفاء لجهد سبق صافرة البداية.
هنا نفهم لماذا لم يؤدّ التوقيت الصباحي إلى تبريد المشاعر. بالعكس، يبدو أن ثقل المباراة زاد من رغبة المجتمع في إيجاد حلول عملية لمتابعتها جماعيا. وكأن الرسالة الضمنية هي أن أهمية المنتخب لا تسمح بترك الناس فرادى أمام هواتفهم في ساعات الدوام. لذلك يجري ابتكار مساحات جماعية بديلة تؤدي وظيفة الشارع، ولكن بوسائل تناسب الصباح.
ومن منظور عربي، تبدو هذه الصورة مألوفة في جوهرها. فحين يخوض منتخب وطني مباراة مصيرية، لا يعود السؤال: هل سنتابع؟ بل كيف سنتابع؟ هذا بالضبط ما يحدث في كوريا الجنوبية الآن. المعادلة ليست بين الحضور والغياب، بل بين شكل قديم للتشجيع وشكل جديد تفرضه الظروف الزمنية. والنتيجة أن رهبة البداية، مقرونة بكاريزما نجوم المنتخب وخبرة الجهاز الفني، صنعت حالة تعبئة مختلفة، أقل صخبا ربما، لكنها لا تقل عمقا.
من الشارع إلى المؤسسة: ماذا يعني تبدّل ثقافة التشجيع؟
على مدى عقود، ارتبطت صورة التشجيع الكوري في الوعي العالمي بمشاهد «الشياطين الحمر»، وهي التسمية التي تُطلق على جمهور المنتخب الكوري الجنوبي المعروف بقمصانه الحمراء وهتافاته المنظمة وحضوره الكثيف في الساحات العامة. بعد مونديال 2002 تحديدا، أصبحت هذه المشاهد جزءا من الذاكرة البصرية لكرة القدم الآسيوية: حشود ضخمة في الميادين، بحر من اللون الأحمر، وأناشيد جماعية تعكس طاقة وطنية هائلة.
لكن ما يحدث اليوم لا يعني اختفاء هذه الثقافة، بل انتقالها إلى صيغة أخرى. بدلا من ميدان عام يحتشد فيه الآلاف، قد نجد قاعة مؤتمرات داخل شركة، أو مساحة مشتركة في جامعة، أو مطعما يفتح شاشاته مبكرا لزبائن الصباح. هنا تنتقل الحماسة من الفضاء المفتوح إلى الفضاء المنظم، ومن الجمهور المجهول إلى الجماعات الصغيرة والمتوسطة ذات الروابط المسبقة.
هذا الانتقال يحمل دلالة اجتماعية مهمة. ففي التشجيع الجماهيري المفتوح، يذوب الفرد داخل كتلة بشرية أكبر، ويصبح الانفعال جماعيا في أقصى درجاته. أما في التشجيع داخل مكان العمل أو الدراسة، فالعلاقة أكثر قربا وخصوصية. الأشخاص يعرفون بعضهم، ويتشاركون يوميا في مهام أو علاقات أكاديمية أو مهنية، ثم يجدون أنفسهم يتقاسمون لحظة وطنية واحدة. النتيجة ليست فقط تشجيعا للمنتخب، بل إعادة تشكيل مؤقتة للعلاقات داخل المؤسسة نفسها.
من هنا تأتي التحليلات الكورية التي ترى في مونديال الصباح فرصة لتعزيز التواصل الداخلي في أماكن العمل. فالمباراة تصبح لغة مشتركة بين أقسام قد لا تلتقي كثيرا، وبين أجيال مهنية مختلفة، وبين مستويات إدارية متباينة. وفي مجتمعات العمل المعاصرة، حيث تبحث الشركات باستمرار عن طرق لرفع الإحساس بالانتماء وتحسين المزاج الداخلي، يبدو أن كرة القدم تقدم أحيانا ما تعجز عنه الاجتماعات الرسمية وبرامج الموارد البشرية.
لكن الأهم من ذلك كله هو أن هذه الظاهرة تؤكد أن الثقافة الجماهيرية في كوريا الجنوبية ليست جامدة. فالبلاد التي اعتادت أن تُدهش العالم بقدرتها على تصدير الموسيقى والدراما والتجميل والتقنية، تبدو قادرة أيضا على إعادة تصميم طقوسها الرياضية بسرعة لافتة. الزمن تغيّر، فتغيّر معه شكل التشجيع. وهذا بحد ذاته علامة على حيوية المجتمع، لا على تراجعه.
لماذا يهم هذا القارئ العربي؟
قد يسأل بعض القراء: لماذا يستحق هذا التحول في كوريا الجنوبية كل هذا الاهتمام خارج حدودها؟ الجواب أن الرياضة الكبرى لم تعد مجرد نتائج ومباريات، بل صارت نافذة لفهم المجتمعات. وطريقة استقبال بلد ما لكأس العالم تقول الكثير عن إيقاعه الاقتصادي، وثقافته المهنية، وعلاقته بالفضاء العام، بل وحتى عن كيفية إدارة التوازن بين الفردي والجماعي.
بالنسبة للقارئ العربي المتابع للثقافة الكورية، فإن هذه القصة تكشف وجها أقل استهلاكا في التغطيات المعتادة. فنحن نعرف كوريا الجنوبية كثيرا من خلال الدراما ونجوم الكيبوب والمطاعم ومستحضرات العناية، لكن المونديال الصباحي يكشف شيئا آخر: كيف يتصرف المجتمع الكوري عندما يُدفع إلى تعديل عاداته الجماعية تحت ضغط ظرف عالمي مثل توقيت البطولة. هنا لا نرى صورة ترفيهية فقط، بل صورة مجتمع يدير عاطفته العامة بأدوات عملية.
كما أن في الأمر تقاطعا مع تجارب عربية معروفة. في بلداننا أيضا، كثيراً ما تُفرض على الناس فروق توقيت غير مريحة، وتتحول المتابعة إلى تفاوض يومي مع العمل والدراسة والأسرة. غير أن المقارنة مع كوريا الجنوبية تطرح سؤالا مثيرا: إلى أي حد تستطيع المؤسسات أن تتبنى الشغف الشعبي بدلا من تجاهله؟ وهل يمكن للرياضة أن تصبح أداة لبناء مساحات مشتركة داخل أماكن العمل، بدل أن تبقى مجرد استراحة أو تسربا من الدوام؟
ثم إن متابعة هذه الظاهرة تمنح الجمهور العربي فهما أعمق لما يجعل كوريا الجنوبية حالة خاصة في الثقافة المعاصرة. فالديناميكية نفسها التي جعلت هذا البلد بارعا في إعادة تشكيل منتجاته الثقافية وتصديرها عالميا، هي على الأرجح ما يجعله قادرا على إعادة تشكيل طقوس التشجيع المحلية بحسب الحاجة. من «تشيماك» الليل إلى «برانش» الصباح، ومن الساحات الكبرى إلى قاعات الشركات، نحن أمام مجتمع لا يتخلى عن شغفه، بل يبدّل وعاءه فقط.
في المحصلة، لا يبدو أن كوريا الجنوبية تخسر شيئا من حرارة المونديال بسبب توقيت الصباح. الذي يتغير هو المسرح، لا القصة. الهتاف قد يصبح أقل صخبا من ساحات 2002، لكنه أكثر التصاقا بالحياة اليومية. والمباراة التي كانت تفصل الليل عن النهار، باتت اليوم تمر عبر ممرات الشركات وصفوف الجامعات وطاولات البرانش. هكذا يكتب الكوريون فصلهم الجديد مع كأس العالم: أقل فوضى، أكثر تنظيما، لكن بالقدر نفسه من الترقب والاعتزاز الوطني.
مشهد كوري جديد تحت عين العالم
من المرجح أن يلفت هذا المشهد أنظار المتابعين الدوليين، ليس فقط لأن كوريا الجنوبية من أكثر البلدان حيوية في التعامل مع الثقافة الجماهيرية، بل لأن ما يجري فيها قد يتحول إلى نموذج يتكرر في دول أخرى تواجه ظروفا مشابهة. فالعالم المعاصر، بخاصة بعد صعود أنماط العمل المرنة والهجينة، بات أكثر استعدادا لاحتواء الأحداث الكبرى داخل الحياة المهنية بدلا من فصلها عنها تماما.
وفي هذا الإطار، تبدو كوريا الجنوبية وكأنها تقدم نسخة حديثة من التشجيع الرياضي: لا تشترط السهر ولا الحشود الهائلة، بل تعتمد على الدمج الذكي بين الواجب والمتعة. هذه ليست رومانسية الساحات المفتوحة التي أحبها كثيرون في مونديالات سابقة، لكنها ربما تعكس طبيعة العصر الحالي، حيث يُعاد تنظيم كل شيء تقريبا داخل الجداول والفضاءات المؤسسية، من دون أن يفقد معناه الرمزي بالكامل.
وبالنسبة إلى مباراة التشيك تحديدا، فإن الدقائق التي تسبقها في كوريا الجنوبية لن تكون أقل إثارة مما يجري في الملعب. في مكان ما داخل شركة في سيول، ستُرتّب المقاعد مبكرا وتُشغّل الشاشة الكبيرة. وفي مطعم ما، ستُقدَّم وجبات صباحية على إيقاع الترقب. وفي فصل دراسي أو سكن جامعي، سيحاول الطلبة التوفيق بين مسؤولياتهم ورغبتهم في التقاط لحظة وطنية جامعة. هذه كلها صور صغيرة، لكنها مجتمعة تقول الكثير عن بلد يعيش الرياضة بوصفها لغة مشتركة عابرة للوظائف والأعمار.
لذلك فإن التحول الجاري في ثقافة التشجيع الكورية لا ينبغي أن يُقرأ كمجرد تعديل في العادات الاستهلاكية أو كأثر جانبي لفارق التوقيت. إنه، في جوهره، مثال على قدرة المجتمعات الحديثة على إعادة صياغة طقوسها العامة من دون أن تفقد كثافتها العاطفية. وهذه ربما هي الفكرة الأهم: الشغف لا يختفي عندما تتغير الظروف، بل يبحث عن شكل جديد يناسبها.
في النهاية، إذا كانت كرة القدم مرآة للمجتمعات كما يقال كثيرا، فإن كوريا الجنوبية تقدم في مونديال 2026 صورة واضحة عن نفسها: مجتمع شديد التنظيم، سريع التكيّف، لا يتنازل عن جماعيته حتى وهو يعيد توزيعها داخل جداول العمل والدراسة. وبينما يترقب الجمهور العربي أخبار المنتخب الكوري ونجمه سون هيونغ مين ومشهد «الشياطين الحمر»، فإن ما يستحق المتابعة أيضا هو ما يجري خارج الملعب: هناك، في قاعات الشركات وعلى موائد الصباح، تتشكل نسخة جديدة من الحماسة الكورية.
0 تعليقات