
فيلم عن حلبة الثيران أم عن الإنسان حين يفتنه العنف؟
في موسم سينمائي تتزاحم فيه الأعمال الساعية إلى الصدمة السريعة أو الإثارة البصرية السهلة، يبرز الفيلم الوثائقي «عزلة بعد الظهيرة» بوصفه عملاً يختار الطريق الأصعب: أن يقترب كثيراً من موضوعه من دون أن يمنحه براءة مجانية، وأن يكشف سحر المشهد من دون أن يمحو كلفته الأخلاقية. الفيلم، الذي أصبح من العناوين اللافتة في التغطيات الثقافية الكورية، لا يكتفي بتقديم مصارعة الثيران الإسبانية كفرجة غريبة آتية من ثقافة بعيدة، بل يحولها إلى سؤال مفتوح حول الحدود الفاصلة بين الفن والعنف، بين الطقس والدم، وبين البطولة الجماهيرية ووحشة الفرد في قلب الاستعراض.
من هذه الزاوية، لا يبدو العمل مجرد نافذة على تقليد إسباني قديم يعرفه كثيرون من الصور السياحية أو من الحضور المتكرر في الأدب والسينما الغربية، بل يصبح مادة ملائمة تماماً لنقاش عربي أوسع. فالمشاهد العربي ليس بعيداً عن أسئلة من هذا النوع. في تراثنا أيضاً أشكال من الفرجة التي ارتبطت بالشجاعة الجسدية، واستعراض القوة، وامتحان الرجولة أمام الجمهور. من سباقات الهجن والفروسية الشعبية إلى بعض الممارسات الاحتفالية التي كانت تُقرأ بوصفها شجاعة أو بطولة، لطالما عرف المجال العربي توتراً بين ما يعده المجتمع إرثاً ينبغي صونه، وما يعاد النظر فيه لاحقاً على ضوء مفاهيم حديثة عن الرفق بالحيوان وكرامة الكائنات وحدود المتعة العامة.
هذا ما يجعل «عزلة بعد الظهيرة» مهماً بالنسبة إلى قارئ عربي لا يتابع الثقافة الكورية بوصفها موجة ترفيهية فقط، بل بوصفها أيضاً نافذة على كيف تنظر صناعة الإعلام والثقافة في شرق آسيا إلى القضايا الكونية الشائكة. فحين تلتفت التغطية الكورية إلى وثائقي عن مصارعة الثيران، فهي لا تحتفي بخصوصية إسبانيا فحسب، وإنما تشير كذلك إلى قدرة السينما المعاصرة على نقل النقاش الأخلاقي عبر الحدود، بحيث تصبح حلبة في مدريد أو إشبيلية سؤالاً مطروحاً في سيول، ثم في القاهرة وبيروت والرياض والدار البيضاء.
الفيلم لا يبدأ من الإدانة المباشرة، ولا من الاحتفاء الساذج. إنه يضع المشاهد داخل التجربة: أمام الثور، أمام جسد المصارع، أمام الجمهور الذي يهتف، وأمام الخوف الذي يكاد يسمع له صوت. ومن هنا تنشأ قوته الحقيقية. فبدلاً من أن يملي عليك ما يجب أن تفكر فيه، يجبرك على أن تسأل نفسك: ماذا أرى بالضبط؟ ولماذا أشعر في اللحظة نفسها بالانجذاب والرفض؟
مصارعة الثيران: تقليد أوروبي قديم في مواجهة حساسية أخلاقية جديدة
من الضروري هنا أن نشرح للقارئ العربي، بعيداً من الاختزال، طبيعة مصارعة الثيران في الثقافة الإسبانية. هذا التقليد، المعروف باسم «الكوريدا»، ليس مجرد لعبة بين إنسان وحيوان، بل طقس كامل له قواعده وملابسه وحركاته وتسلسله الرمزي. يدخل المصارع بلباس احتفالي مطرز، تتقدم الحركة فيه كما لو أنها رقصة محسوبة، وتؤدى المواجهة أمام جمهور يرى في ما يجري جزءاً من هوية ثقافية عريقة. لهذا السبب، ظل هذا التقليد لعقود طويلة يحظى بمكانة شبه أسطورية في المخيلة الإسبانية، ووجد طريقه إلى الأدب والفن والسينما، بل وإلى الخطاب القومي ذاته.
لكن هذه الصورة لم تعد مستقرة كما كانت. في العقود الأخيرة، تصاعدت الانتقادات الحقوقية والأخلاقية لمصارعة الثيران، وازدادت حملات مناهضة ما يعده كثيرون تعذيباً منظماً لحيوان يُستدرج إلى حلبة تنتهي عادة بموته. وبينما يرى المدافعون عنها أنها إرث تاريخي لا يجوز محوه بقرارات أخلاقية متعجلة، يرد المعارضون بأن التاريخ نفسه لا يمنح أي ممارسة حصانة أبدية. وهذا الجدل، في الحقيقة، ليس أوروبياً صرفاً. إنه يشبه نقاشات عربية معاصرة حول كثير من العادات والتقاليد التي كانت تُعامل طويلاً باعتبارها فوق المساءلة، ثم أعاد المجتمع تفكيكها تحت ضغط قيم جديدة ووعي مختلف.
ما يفعله «عزلة بعد الظهيرة» أنه لا يحول هذا الجدل إلى مناظرة تلفزيونية مكررة. لا يجلس طرفاً مؤيداً وطرفاً معارضاً أمام الكاميرا، ولا يوزع الأحكام على نحو خطابي. بدلاً من ذلك، يذهب إلى قلب الحدث، كأنما يقول إن بعض الأسئلة لا تُفهم تماماً إلا حين نرى بنيتها الحية. كيف يتشكل الحماس الشعبي؟ ما الذي يجعل آلاف العيون تتابع جسداً بشرياً يغامر بهذا القدر من القرب من الخطر؟ وكيف يصبح الحيوان، في اللحظة نفسها، خصماً ورمزاً وضحية؟
هذا الخيار الإخراجي يذكّرنا بأن السينما الوثائقية الأكثر نضجاً ليست دائماً تلك التي تشرح كثيراً، بل تلك التي تعرف متى تترك الواقع يتكلم بصورته وصوته. وعلى هذا المستوى، يبدو الفيلم أقرب إلى مرآة أخلاقية منه إلى بيان سياسي. إنه لا يبرئ الطقس من دمه، لكنه أيضاً لا يتظاهر بأن جاذبيته الجماهيرية مجرد سوء فهم عابر. وهنا تكمن صعوبته وجرأته معاً.
أندريس روكا راي: نجم جماهيري وجسد معرّض للخطر
في مركز الفيلم يقف المصارع العالمي أندريس روكا راي، وهو اسم معروف في دوائر مصارعة الثيران في إسبانيا والعالم الناطق بالإسبانية. غير أن الفيلم لا يقدمه على طريقة البورتريه البطولي التقليدي، حيث تتحول الشخصية الرئيسية إلى أسطورة مغلقة لا تصدع فيها. على العكس، الكاميرا تلاحقه في لحظات الإعداد والانتظار، في تفاصيل اللباس، في ملامح التوتر، وفي طريقة استعداده لدخول الحلبة كما لو أنه يدخل امتحاناً جسدياً ونفسياً معاً.
واحدة من أكثر الصور دلالة، بحسب ما يتضح من بنية الفيلم، هي تلك المتعلقة بارتداء زي المصارع. هذا الزي ليس مجرد لباس مهني، بل جزء من طقس له هيبته وتاريخه ومشقته. يحتاج إلى مساعدة، ويبدو ارتداؤه أقرب إلى التهيؤ لشعيرة عامة منه إلى تجهيز عابر قبل مباراة. هنا يلتقط الفيلم بذكاء فكرة أن البطولة، في كثير من الثقافات، لا تُصنع من الفعل النهائي وحده، بل من الطقوس التي تسبقه: من التهيؤ، من الصمت، من الانضباط، من تلك اللحظات التي يواجه فيها الإنسان نفسه قبل أن يواجه الجمهور.
لكن روكا راي ليس ناسكاً معزولاً في محراب الخطر. الفيلم يُظهره أيضاً بصفته نجماً شعبياً يلتقط الصور مع المعجبين، ويستقبل النظرات والإعجاب، ويؤدي دور الشخصية العامة التي تنتظرها الجموع. هذه الازدواجية شديدة الأهمية. فالمسألة هنا ليست مجرد رجل يقف أمام ثور، بل صناعة كاملة للبطولة الجماهيرية، حيث يتحول الخطر الحقيقي إلى رأس مال رمزي، ويصبح القرب من الموت جزءاً من هالة الشهرة.
وهذا بدوره يفتح باباً عربياً للنقاش. فكم من نجومية معاصرة، في الرياضة أو الفن أو حتى فضاءات التواصل الاجتماعي، تقوم على تحويل المخاطرة إلى صورة قابلة للاستهلاك؟ صحيح أن السياق مختلف، لكن الآلية النفسية متقاربة: الجمهور ينجذب إلى من يذهب أبعد من المألوف، إلى من يختبر الحد الأقصى، إلى من يبدو أنه يضع جسده أو سمعته أو حياته على المحك أمام عيون الآخرين. غير أن «عزلة بعد الظهيرة» يرفض أن يترك هذه النجومية تمر بلا مساءلة. إذ كلما اقترب من بطل الحلبة، كشف أيضاً هشاشته الجسدية، وثقل ما يفعله، وكلفة هذا الدور على الإنسان لا على الصورة وحدها.
لغة الكاميرا: حين تصبح الأنفاس جزءاً من الحكاية
إحدى نقاط القوة الأساسية في الفيلم تكمن في شكله السمعي والبصري. فبدلاً من الاكتفاء بالتصوير من مسافة مريحة، يستخدم المخرج اقتراباً حاداً من الشخصيات ومن فضاء الحلبة، إلى جانب تسجيل دقيق للأصوات، بما فيها الأنفاس والهمسات وتوتر الجسد. هذا التفصيل ليس تقنياً فقط، بل أخلاقي أيضاً. لأن ما يبدو من بعيد عرضاً منسقاً وجميلاً، قد ينكشف من قرب بوصفه مساحة خوف وارتجاف وصدام عضوي مباشر.
القارئ العربي الذي اعتاد مشاهدة نقل تلفزيوني للأحداث الكبرى يعرف جيداً كيف تغيّر زاوية التصوير معنى ما نراه. مباراة كرة قدم من المدرجات ليست هي نفسها من كاميرا تلتقط قطرات العرق على وجه لاعب قبل ضربة جزاء. وكذلك هنا، فمصارعة الثيران من مقعد بعيد قد تبدو استعراضاً ذا إيقاع تقليدي، لكن حين تلتصق الكاميرا بوجه المصارع أو بحركة الثور أو بصوت احتكاك الخطوات على الرمل، تتحول التجربة إلى شيء أكثر كثافة وأقل براءة.
هذا الاقتراب لا يهدف إلى مضاعفة التشويق فقط، رغم أنه ينجح في ذلك بوضوح، بل إلى نسف المسافة الآمنة التي يتكئ عليها المشاهد عادة. أنت لا ترى مشهداً خارجياً فحسب، بل تكاد تدخل إليه جسدياً. تسمع التنفس المضطرب، تلمح التردد الخاطف قبل الحركة، وتشعر بأن البطولة هنا ليست مفهوماً مجرداً بل توتراً عصبياً حاداً. وفي الوقت ذاته، يترتب على هذا القرب أثر آخر أكثر إزعاجاً: أن الدم نفسه يصبح أوضح، وأن أثر العنف لا يعود قابلاً للتجميل بسهولة.
بمعنى آخر، الشكل في «عزلة بعد الظهيرة» ليس زينة فوق المضمون، بل هو المضمون نفسه. فالكاميرا حين تقترب إلى هذا الحد تقول للمشاهد: إذا كنت ستنبهر، فلتنبهر بكل شيء، لا بنصف المشهد فقط. انبهر بالمهارة، نعم، لكن انظر أيضاً إلى الألم. استمع إلى الهتاف، لكن لا تتجاهل صوت الخوف. هذه الثنائية هي التي تمنح الفيلم ثقله الفني والفكري معاً.
الدم الذي لا يختفي: كيف يرفض الفيلم تزيين القسوة
أخطر ما في كثير من الأعمال التي تتناول موضوعات عنيفة أنها قد تسقط، عن قصد أو من دونه، في تجميل العنف أو تحويله إلى فرجة منزوعة العواقب. أما «عزلة بعد الظهيرة» فيبدو حريصاً على تفادي هذا الفخ. فهو لا يتراجع عندما يصل الأمر إلى الجروح والطعَن والدماء، ولا يكتفي بإظهار الجانب المسرحي من المواجهة. الثور هنا ليس مجرد قوة هائجة في مواجهة براعة إنسانية، بل كائن يُدفع تدريجياً إلى مصير دموي واضح.
هذه الصراحة البصرية مهمة للغاية، لأنها تمنع المشاهد من الاستسلام الكامل لسحر الطقس. فالصورة الجميلة موجودة، والحركة المدروسة موجودة، والرهبة الجماهيرية موجودة، لكن الثمن حاضر أيضاً. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى في الفيلم: إن أكثر مشاهده جمالاً قد تكون أيضاً أكثر مشاهده إيلاماً. وهذه مفارقة تعرفها السينما الجيدة جيداً؛ إذ كثيراً ما تكمن قوتها في قدرتها على جعل المتلقي يدرك أنه منجذب إلى ما يرفضه أخلاقياً.
بالنسبة إلى قارئ عربي، يمكن تشبيه هذا الأثر بتلك اللحظة التي نشاهد فيها عملاً فنياً متقناً عن الحرب أو السجون أو الفقر، فنجد أنفسنا معجبين بجمال الصورة رغم قسوة الموضوع. الفرق هنا أن الفيلم يدفع هذا التناقض إلى أقصى حد، لأن العنف ليس خلفية، بل هو قلب الحدث ذاته. من هنا، فإن السؤال الذي يتركه العمل لا يتعلق بمصارعة الثيران وحدها، بل بموقع المتفرج في زمن الصورة: هل يكفي أن نشعر بالرفض الأخلاقي نظرياً، فيما نحن نواصل الاستمتاع عملياً بما نراه؟
اللافت أيضاً أن الفيلم، وفقاً لروحه العامة، لا يمحو الثور من الوعي السردي. فهو لا يتعامل معه كمجرد أداة لاختبار بطولة المصارع، بل يترك حضوره الثقيل يظل معلقاً في ذاكرة المشاهد. العينان، الارتباك، الجسد المثقل بالنزف، النهاية المحتومة؛ كلها عناصر تُبقي الضحية مرئية داخل عرض صُمم تاريخياً حول مجد الإنسان. وهذا قرار فني له قيمة أخلاقية واضحة، لأنه يرفض أن يذيب الكائن المتألم في احتفالية الجمهور.
ألبرت سيرا والزمن الطويل للمراقبة
يقف وراء الفيلم المخرج الإسباني ألبرت سيرا، المعروف في الأوساط السينمائية بأسلوبه الخاص واهتمامه بالأشكال السردية التي تمزج التأمل بالاستفزاز البصري. الجديد هنا أنه يذهب إلى الوثائقي لا بوصفه جنساً شرحياً، بل بوصفه مساحة للإنصات الطويل والمراقبة المتراكمة. فمتابعة روكا راي على امتداد فترة زمنية طويلة تعني أن الفيلم لا يبني فهمه من زيارة عابرة أو انطباع سريع، بل من معايشة ممتدة تكشف ما لا يظهر في الزيارات السياحية أو التقارير التلفزيونية القصيرة.
هذه النقطة أساسية لأنها تفسر لماذا لا يخرج الفيلم بخلاصة تبسيطية. الزمن الطويل يربك الأحكام السريعة. كلما بقيت الكاميرا مع موضوعها زمناً أطول، ظهرت طبقات إضافية: الملل إلى جانب التوتر، الروتين إلى جانب الاحتفال، التعب إلى جانب البطولة، والإنسان العادي داخل القناع العام. ومن هنا، يصبح الوثائقي أشبه بعملية حفر هادئة في بنية المهنة والطقس والجمهور، لا مجرد تعليق خارجي عليها.
في الصحافة الثقافية العربية، كثيراً ما نحتاج إلى تذكير بأن العمل الوثائقي ليس أقل تعقيداً من الروائي، بل قد يكون أكثر حساسية لأن الواقع لا يطيع المخرج بسهولة. ولذلك فإن قيمة «عزلة بعد الظهيرة» لا تنحصر في موضوعه، بل في صبره على موضوعه. هذا الصبر هو ما يسمح للصورة بأن تلتقط التناقضات من داخلها، لا من فوقها. والنتيجة فيلم لا يتحدث عن العنف فحسب، بل يراقب كيف يتحول العنف إلى نظام جمالي واجتماعي متكامل، ثم كيف يتصدع هذا النظام أمام نظرة قريبة بما يكفي لكشف شقوقه.
لماذا يهم القارئ العربي أن يتابع هذا الفيلم الآن؟
قد يسأل البعض: ما الذي يجعل فيلماً عن تقليد إسباني موضوعاً مهماً في صحيفة عربية تتابع الثقافة الكورية والموجة الكورية؟ الجواب أن حركة الثقافة اليوم لم تعد تسير في خطوط وطنية مغلقة. ما يُناقش في سيول عن وثائقي إسباني يمكن أن يكون مدخلاً ضرورياً لنقاش عربي عن حدود الفن، وعن أخلاق التلقي، وعن دور الإعلام الثقافي في التعامل مع أعمال لا تُريح ضمير المشاهد ولا تسمح له بالحياد الكامل.
ثم إن الاهتمام الكوري بهذا النوع من الأعمال يكشف اتساع المشهد الثقافي هناك خارج الإطار المعتاد لدى الجمهور العربي، الذي يربط كوريا الجنوبية غالباً بالدراما والكي-بوب والنجوم الشباب. صحيح أن هذه القطاعات تحتل مساحة كبرى من القوة الناعمة الكورية، لكن المشهد أوسع من ذلك بكثير. ثمة صحافة ثقافية ونقد سينمائي ومتابعة حقيقية لأعمال عالمية تتقاطع مع الأسئلة الأخلاقية والسياسية والجمالية في آن واحد. ومن المفيد لنا عربياً ألا نحصر قراءتنا للموجة الكورية في الترفيه الخفيف فقط، بل أن نلتفت كذلك إلى نوعية الأعمال والموضوعات التي تستحق النقاش في المجال العام هناك.
فوق ذلك، يأتي الفيلم في لحظة عالمية يعاد فيها التفكير في معنى «التراث». لم تعد كلمة التراث كافية وحدها لمنح أي ممارسة قداسة تلقائية. في عالم اليوم، تُعرض التقاليد القديمة على محكمة الأسئلة الجديدة: ماذا تفعل هذه الممارسة بالكائنات الحية؟ ما الرسالة التي تنقلها؟ كيف تتشكل متعتنا منها؟ وما الحد الذي يتحول عنده الاحترام الثقافي إلى تبرير للأذى؟ هذه الأسئلة مطروحة في مجتمعاتنا العربية أيضاً، سواء تعلق الأمر بعادات اجتماعية أو طقوس احتفالية أو صور موروثة عن البطولة والقوة والهيبة.
لهذا، فإن «عزلة بعد الظهيرة» ليس فيلماً بعيداً عنا كما قد يبدو للوهلة الأولى. إنه عمل يعيد ترتيب علاقتنا بالنظر نفسه. يذكّرنا بأن المشاهدة ليست فعلاً بريئاً، وأن ما نسميه أحياناً جمالاً قد يكون مبنياً على ألم مُستبعَد من الوعي، وأن أفضل الأفلام ليست تلك التي تمنحنا أجوبة مريحة، بل تلك التي تُصعّب علينا العودة إلى يقيننا السابق.
أسئلة تبقى بعد انطفاء الشاشة
في نهاية المطاف، تبدو القيمة الكبرى لـ«عزلة بعد الظهيرة» في أنه لا يرفع إصبعه ليعظ، ولا يفرش السجادة الحمراء للفرجة الخالصة. إنه يقيم في المنطقة الرمادية الشائكة بين الإدانة والانبهار، وهي منطقة لا يحبها كثير من المتلقين لأنها تسلبهم راحة الموقف السريع. لكن ربما هذه هي الوظيفة الأهم للسينما الجادة: أن تزعزع البداهات، وأن تُري الإنسان نفسه وهو يشارك، ولو بالنظر فقط، في آليات معقدة من التمجيد والاستمتاع والإنكار.
الفيلم، بهذا المعنى، ليس عن مصارع ثيران واحد، ولا عن حلبة إسبانية بعينها، بل عن قابلية البشر لتحويل الخطر إلى طقس، والدم إلى مشهد، والوحدة الداخلية إلى بطولة عامة. كما أنه عن قدرة الصورة، حين تكون ذكية وصبورة، على فضح ما نحاول تغليفه بالزينة والرمزية والتاريخ. وربما لهذا السبب بالذات حظي باهتمام يتجاوز حدود بلده وموضوعه، ووصل صداه إلى التغطيات الثقافية الكورية، ومنها إلى نقاش عربي يستحق أن يتوسع.
في زمن تتسابق فيه المنصات على جذب الانتباه عبر الإثارة الفورية، يقدّم «عزلة بعد الظهيرة» درساً معاكساً: يمكن للصورة أن تكون آسرة من دون أن تكون بريئة، ويمكن للفيلم أن يكون جميلاً من دون أن يطلب منا نسيان القسوة التي يقوم عليها. وبين الفتنة والنفور، بين إعجاب العين واعتراض الضمير، يتركنا العمل أمام سؤال أعمق من موضوعه المباشر: ماذا يحدث لنا عندما نصير متفرجين على عنف صيغ بعناية ليبدو فناً؟
ذلك سؤال لن تجيب عنه الحلبة وحدها، ولا إسبانيا وحدها، ولا السينما وحدها. إنه سؤال يخص كل مجتمع يعيد فحص ما ورثه، وكل مشاهد يظن أن التلقي فعل محايد، وكل صحافة ثقافية تحاول أن ترى أبعد من الخبر إلى ما يستبطنه من معنى. ومن هذه الزاوية، فإن «عزلة بعد الظهيرة» ليس مجرد عنوان عابر في نشرة ثقافية، بل مناسبة نادرة لإعادة التفكير في صلة الجمال بالقسوة، وفي مسؤولية العين وهي تنظر.
0 تعليقات