광고환영

광고문의환영

«يوهان» الكورية على أعتاب المئة: كيف تعيد صناعة الدواء في سيول كتابة قصة الصعود من السوق المحلية إلى المنافسة العالمية؟

«يوهان» الكورية على أعتاب المئة: كيف تعيد صناعة الدواء في سيول كتابة قصة الصعود من السوق المحلية إلى المنافسة العالمية؟

مئوية لا تتحدث عن الماضي فقط

في العادة، حين تقترب شركة عريقة من إطفاء شمعتها المئة، تميل خطاباتها إلى استدعاء الذاكرة: صور المؤسسين، أرشيف الإعلانات القديمة، وشعارات الوفاء للتقاليد. لكن المشهد في كوريا الجنوبية يبدو مختلفاً هذه المرة. فشركة «يوهان» للأدوية، التي تستعد لبلوغ مئة عام على تأسيسها في 20 يونيو 2026، اختارت أن تجعل عنوان المناسبة ليس الحنين إلى الماضي، بل الاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي، مع هدف واضح وطموح: التحول إلى واحدة من أكبر خمسين شركة دواء في العالم.

هذا الإعلان لا يمكن قراءته كخبر مؤسسي عابر، ولا كمجرد مادة احتفالية مرتبطة بعمر شركة نجت من تقلبات القرن العشرين. الأهم من ذلك أنه يقدم نافذة لفهم التحول الأوسع الذي تشهده كوريا الجنوبية في قطاعاتها الصناعية. فالدولة التي ارتبط اسمها طويلاً بالإلكترونيات والسيارات والسفن، ثم دخلت بقوة إلى المجال الثقافي عبر الدراما الكورية والـ«كي-بوب»، تسعى الآن إلى ترسيخ حضورها في واحد من أصعب القطاعات وأكثرها حساسية: صناعة الدواء والتقنيات الحيوية.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو هذا التطور امتداداً طبيعياً لما نعرفه عن كوريا الجنوبية بوصفها اقتصاداً يتقن القفز من قطاع إلى آخر عبر الرهان على التعليم والتكنولوجيا والانضباط المؤسسي. لكن صناعة الدواء ليست كصناعة الهواتف أو الشاشات. هنا، لا تكفي السرعة ولا القدرة التصنيعية وحدهما. المطلوب سنوات من البحث، وإنفاق ضخم على التطوير، وتجارب سريرية طويلة، وقدرة على تحمل الفشل المتكرر قبل الوصول إلى دواء ناجح أو تقنية علاجية قابلة للتسويق. من هذه الزاوية، فإن رسالة «يوهان» تحمل معنى أبعد من حدود الشركة نفسها: إنها إعلان عن نضج مرحلة جديدة في الاقتصاد الكوري.

واللافت أن الشركة لم تكتفِ بالحديث عن «التوسع» أو «تعزيز التنافسية»، وهي تعابير مألوفة في بيانات الشركات، بل استخدمت هدفاً قابلاً للقياس والمقارنة: دخول نادي أكبر 50 شركة دواء عالمياً. هذا النوع من الأهداف يكشف ثقة بالنفس من جهة، لكنه يكشف أيضاً استعداداً للخضوع لمقاييس السوق العالمية، حيث لا مكان للمجاملات ولا يكفي التاريخ وحده لحجز موقع على الخريطة.

في العالم العربي، اعتدنا في السنوات الأخيرة على نقاشات واسعة حول الأمن الدوائي، والتصنيع المحلي، وسلاسل الإمداد، خاصة بعد جائحة كورونا التي ذكّرت الجميع بأن الدواء ليس مجرد سلعة، بل جزء من الأمن الوطني. من هنا، تبدو قصة «يوهان» الكورية ذات صلة مباشرة بجمهورنا: إنها نموذج لشركة بدأت محلية، لكنها تبني طموحها اليوم على الابتكار والبحث العلمي، لا على الاكتفاء بالسوق الداخلية فقط.

من قلب سيول الاستعمارية إلى اقتصاد المعرفة

تاريخ «يوهان» يمنح قصتها بعداً رمزياً مهماً. فالشركة تأسست في يونيو 1926 في حي جونغنو في سيول، على يد يو إيل-هان، وهو اسم يرتبط في الذاكرة الكورية ليس فقط بريادة الأعمال، بل أيضاً بالحركة الوطنية والاستقلالية. في السياق الكوري، لا يمكن فصل سيرة بعض رجال الأعمال الأوائل عن مرحلة مقاومة الاستعمار الياباني، وهي مرحلة عميقة الأثر في تشكيل الهوية الوطنية للبلاد. لذلك، فإن الحديث عن شركة أسسها ناشط استقلالي لا يندرج في باب الزخرفة التاريخية، بل يدخل في صميم فهم كيفية نشأة بعض المؤسسات الكورية الكبرى.

العبارة المنسوبة إلى مؤسس الشركة، ومفادها أن «الشعب السليم وحده يستطيع استعادة سيادته المفقودة»، تلخص جانباً مهماً من مناخ تلك المرحلة. الصحة هنا لم تكن مسألة فردية أو تجارية، بل قضية وطنية تتصل بفكرة النهوض والاستقلال والاعتماد على الذات. ولعل هذا قريب، في معناه الرمزي، من تجارب عربية ربطت بين التحرر الوطني وبناء المؤسسات الحديثة، سواء في التعليم أو الصحة أو الصناعة. فكما عرفت مجتمعاتنا نخباً رأت في إنشاء المدارس والمستشفيات والمطابع عملاً وطنياً، شهدت كوريا أيضاً نشوء شركات حملت منذ البداية تصوراً اجتماعياً لدورها.

لكن ما يمنح هذه السيرة قيمتها اليوم ليس فقط بعدها التاريخي، بل كيفية ترجمتها إلى استمرارية مؤسسية. هناك شركات كثيرة تبدأ بشعارات نبيلة، ثم تتآكل مع الوقت أو تتحول إلى أسماء بلا روح. أما في حالة «يوهان»، فإن السردية التي تُقدَّم اليوم تحاول الربط بين روح التأسيس وبين الاستثمار المتواصل في البحث والتطوير، وكأن الشركة تقول إن رسالتها الأولى لم تكن مجرد بيع الأدوية، بل المساهمة في بناء قدرة صحية وعلمية مستدامة.

هذا الربط شديد الأهمية في كوريا الجنوبية المعاصرة، حيث يُنظر إلى الشركات الكبرى ليس فقط كمحركات ربح، بل أيضاً كأعمدة في قصة الصعود الوطني. صحيح أن النموذج الكوري تعرّض لانتقادات كثيرة، خاصة ما يتعلق بتركيز النفوذ الاقتصادي في أيدي تكتلات كبيرة، إلا أن أحد أسرار نجاحه كان القدرة على تحويل الشركات إلى أدوات للتعلم الصناعي والتوسع التكنولوجي. من هذه الزاوية، تمثل «يوهان» نموذجاً خاصاً: شركة دواء عريقة تحاول أن تثبت أن طول العمر لا يعني الركود، بل يمكن أن يكون منصة لانطلاقة جديدة.

للقارئ العربي، قد تحيل هذه الفكرة إلى سؤال أكبر: كيف تستطيع مؤسسة محلية أن تبقى وفية لرسالتها الأصلية، وفي الوقت نفسه تتأقلم مع عالم تحكمه مختبرات متعددة الجنسيات، وقوانين تنظيمية صارمة، ومنافسة علمية شرسة؟ هذا بالضبط هو التحدي الذي تسعى «يوهان» إلى تقديم نفسها باعتبارها قادرة على مواجهته.

لماذا يختلف قطاع الدواء عن بقية الصناعات؟

حين تتحدث شركة أدوية عن «الاستثمار في التكنولوجيا»، قد يمر التعبير مروراً عادياً عند بعض القراء، لأنه صار مستخدماً في كل القطاعات تقريباً. لكن في عالم الدواء، لهذا التعبير معنى أدق وأثقل. فالتكنولوجيا هنا لا تعني تحديث خطوط الإنتاج فقط، بل تعني قبل كل شيء بناء معرفة علمية متراكمة، وتمويل أبحاث طويلة الأجل، وتطوير مركبات أو علاجات جديدة، والدخول في شراكات مع مختبرات ومراكز أبحاث، ثم المرور عبر مراحل تنظيمية وعلمية معقدة قبل أن يصل المنتج إلى المريض.

بهذا المعنى، فإن الإنفاق على البحث والتطوير في صناعة الدواء ليس ترفاً دعائياً، بل هو المحدد الفعلي لهوية الشركة. هناك فرق جوهري بين شركة تكتفي بإنتاج أدوية تقليدية أو بدائل جنيسة، وشركة تريد أن تُعرف باعتبارها مطوّراً لأدوية مبتكرة أو تقنيات علاجية جديدة. الأولى يمكن أن تنافس في السعر وحجم السوق، أما الثانية فعليها أن تنافس في العمق العلمي، والقدرة على الابتكار، وتحمل المخاطر.

وهذا ما يجعل الرسالة الصادرة عن «يوهان» لافتة. فالشركة لا تطرح نفسها باعتبارها اسماً قديماً يسعى إلى الحفاظ على مكانته، بل ككيان يرى أن مستقبله مرهون باستمرار الاستثمار التكنولوجي. في الأدبيات الاقتصادية، يُقرأ هذا النوع من الخطاب على أنه إعلان عن تموضع استراتيجي جديد أو متجدد: أي أن الشركة تختار أن تعرّف نفسها من خلال ما ستبتكره، لا من خلال ما راكمته فقط.

في العالم العربي، نعرف جيداً صعوبة بناء صناعة دوائية متقدمة. لدينا تجارب مهمة في التصنيع المحلي في مصر والسعودية والأردن والمغرب والجزائر ودول أخرى، لكن الانتقال من التصنيع إلى الابتكار البحثي الواسع ما يزال تحدياً كبيراً لأسباب تتعلق بالتمويل، وبناء المنظومات البحثية، وحجم السوق، والتشريعات، وربط الجامعات بالصناعة. لذلك، تبدو التجربة الكورية جديرة بالاهتمام، لأنها تظهر كيف يمكن لدولة متوسطة المساحة والموارد الطبيعية أن تبني تفوقها عبر الإنسان والمعرفة والمؤسسة.

ومن المهم هنا توضيح مفهوم قد لا يكون مألوفاً بالكامل لدى بعض القراء: حين يقال إن شركة كورية تسعى لأن تصبح «شركة أدوية عالمية»، فالمقصود ليس فقط أن تصدّر منتجاتها إلى الخارج، بل أن تكون لاعباً معترفاً به في سباق تطوير العلاجات الجديدة، وأن تمتلك قدرة تفاوضية وشراكات عابرة للحدود، وأن تحوز ثقة الجهات التنظيمية والمستثمرين والأنظمة الصحية في أكثر من سوق. هذه مرتبة مختلفة تماماً عن مجرد النجاح التجاري المحلي.

لذلك، فإن اختيار «يوهان» التركيز على التكنولوجيا في لحظة المئوية ليس مجرد تحسين لصورتها العامة، بل هو رسالة إلى المستثمرين، وإلى السوق، وإلى الدولة الكورية نفسها، بأن المرحلة المقبلة ستُبنى على العلم طويل النفس، لا على الإنجاز الرمزي وحده.

«أفضل 50 عالمياً»... هدف رقمي أم إعادة تعريف للهوية؟

في لغة الإعلام الاقتصادي، تكثر الأهداف الطموحة التي تُرفع في المناسبات الكبرى ثم تتبخر مع الوقت. لكن هدف «دخول قائمة أكبر 50 شركة دواء في العالم» يستحق التوقف عنده، لأنه ليس مجرد شعار فضفاض. إنه هدف يضع الشركة داخل معيار دولي واضح، حيث تقارن نفسها بلاعبين يملكون رساميل هائلة، ومحافظ أدوية واسعة، وشبكات أبحاث وتوزيع تمتد عبر القارات.

هذا النوع من الأهداف مهم لأنه يغير سلوك المؤسسة نفسها. عندما تقول شركة إنها تريد أن تكون «أفضل» محلياً، قد يكفيها تحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز حصتها السوقية. أما حين تقول إنها تريد أن تصبح بين الخمسين الكبار عالمياً، فهذا يعني أن عليها إعادة النظر في أولوياتها: حجم الإنفاق على البحث، نوعية الشراكات، القدرة على استقطاب الكفاءات، نمط التواصل مع الأسواق الخارجية، وحتى طريقة بناء السمعة المؤسسية.

وبالنسبة لكوريا الجنوبية، يحمل هذا الهدف دلالة إضافية. على مدى عقود، ارتبطت صورة الصناعة الكورية في الخارج بقدرتها على التصنيع المتقن والسريع، ثم بإبداعها في التكنولوجيا الاستهلاكية. أما في قطاع الأدوية، فالصعود أبطأ وأكثر تعقيداً. ولهذا، فإن إعلان شركة بحجم «يوهان» هذا الطموح في لحظة تاريخية كهذه يعني أن الثقة في القطاع لم تعد مجرد أمنية، بل باتت تستند إلى تراكمات حقيقية في البحث والتطوير.

ومع ذلك، يجب التعامل مع الأمر بقدر من الواقعية المهنية. فمجرد إعلان الهدف لا يعني أن الطريق معبّد. صناعة الدواء العالمية من أكثر الصناعات احتكاراً للمعرفة ورأس المال. وتَقدُّم شركة آسيوية في هذا المضمار يتطلب ليس فقط نجاحات بحثية، بل أيضاً استدامة مالية، وقدرة على حماية الملكية الفكرية، ومرونة في مواجهة تقلبات الأسواق والتنظيمات. لذلك، فإن القيمة الخبرية الأساسية هنا ليست الادعاء بتحقيق إنجاز نهائي، بل إعلان الوجهة التي قررت الشركة أن تسير نحوها.

في الصحافة العربية، نستخدم أحياناً تعبير «الانتقال من منطق البقاء إلى منطق التأثير». وهذا تحديداً ما تعكسه رسالة «يوهان». فالشركة التي كان يمكنها الاكتفاء بالاحتفال بعراقتها، اختارت أن تضع نفسها في سباق التأثير العالمي. وهذا التحول في النبرة ليس تفصيلاً لغوياً؛ إنه يعكس كيف تنظر الشركات الكورية اليوم إلى نفسها وإلى موقعها في الاقتصاد الدولي.

ومن منظور أوسع، فإن الطموح الرقمي الواضح يساعد أيضاً في مساءلة الشركة مستقبلاً. فالأهداف القابلة للقياس تمنح المتابعين والمحللين معياراً للحكم، بدلاً من الاكتفاء بخطابات عامة عن «النمو» و«التطوير». وهذا بحد ذاته تطور مهم في ثقافة الشركات، لأنه يربط السردية المؤسسية بالمساءلة والأداء.

ما الذي تقوله هذه القصة عن كوريا الجنوبية اليوم؟

لا يمكن فهم خبر «يوهان» بمعزل عن القصة الكورية الأشمل. فالدولة التي خرجت من الحرب الكورية مدمرة وفقيرة، ثم تحولت خلال عقود قليلة إلى قوة صناعية وتكنولوجية وثقافية، تحاول الآن تثبيت أقدامها في ميادين أعلى قيمة وأكثر اعتماداً على المعرفة العميقة. وإذا كانت «الموجة الكورية» قد أوصلت الدراما والموسيقى والطعام الكوري إلى البيوت العربية، فإن ما يحدث في قطاع الدواء يفتح نافذة على موجة أقل صخباً لكنها ربما أكثر تأثيراً على المدى الطويل: موجة العلم الحيوي والصحة.

في المخيال العربي، غالباً ما تُختزل كوريا الجنوبية في صورتين: صورة حديثة براقة تمثلها شركات الإلكترونيات ونجوم الفن، وصورة سياسية متوترة بحكم قربها من كوريا الشمالية. لكن خلف هاتين الصورتين، ثمة اقتصاد يعمل بهدوء على ترسيخ نفسه في قطاعات استراتيجية مثل الرقائق والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية. ومن هنا، فإن خبر «يوهان» يساعد على توسيع فهمنا لكوريا المعاصرة، بعيداً من الاستهلاك الثقافي وحده.

كما أن القصة تعكس تحولاً في مفهوم القوة الاقتصادية نفسه. فاليوم، لم تعد المكانة العالمية تُقاس فقط بعدد المصانع أو حجم الصادرات، بل أيضاً بالقدرة على إنتاج المعرفة الطبية، وامتلاك التقنيات العلاجية، والمشاركة في رسم مستقبل الصحة العامة. هذه المجالات تمثل ما يمكن تسميته «القوة الحيوية» للدول: أي قدرتها على حماية حياة الناس وتحويل العلم إلى قيمة اقتصادية وسياسية.

ومن زاوية أخرى، فإن إصرار شركة كورية عريقة على الحديث عن المستقبل في مناسبة المئة يكشف عن ثقافة مؤسسية شديدة الحيوية. ففي كثير من البيئات الاقتصادية، يتحول التاريخ الطويل إلى عبء من الرضا الذاتي، بينما تحاول «يوهان» تقديمه كرأس مال معنوي للاستثمار في المقبل. هذه النقطة تحديداً مهمة، لأنها تفسر جانباً من النجاح الكوري: احترام الماضي، لكن من دون السكن فيه.

ولعل هذا ما يفسر أيضاً كيف استطاعت كوريا أن تنتقل من استيراد المعرفة إلى إنتاجها. فالمسألة ليست معجزة كما توصف أحياناً في الخطاب الإعلامي العربي، بل نتيجة خيارات تراكمية: تعليم، انضباط، دعم للبحث، شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وجرأة على دخول صناعات عالية المخاطر. وخبر «يوهان» لا يفعل سوى تذكيرنا بأن هذا المسار لم يتوقف، بل ينتقل إلى مستويات أكثر تعقيداً.

ما الذي يعنيه ذلك للقارئ العربي وصنّاع القرار في المنطقة؟

ربما يكون السؤال الأكثر أهمية عربياً هو: ما الذي نتعلمه من هذه القصة؟ أول ما يمكن ملاحظته هو أن بناء شركة دواء ذات طموح عالمي لا يبدأ من حملة تسويقية، بل من رؤية بعيدة المدى تقبل الاستثمار في المعرفة حتى عندما لا تكون العوائد فورية. كثير من الاقتصادات العربية تتحدث اليوم عن التنويع، وتحريرها من الاعتماد على النفط أو القطاعات التقليدية، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في القدرة على بناء قطاعات كثيفة المعرفة تتحمل المنافسة العالمية.

الدرس الثاني يتعلق بالعلاقة بين الهوية الوطنية والاقتصاد. «يوهان» تستحضر سيرة مؤسسها المرتبطة بالاستقلال والصحة العامة، لكنها لا تفعل ذلك بوصفه تذكاراً، بل كأساس أخلاقي لمشروع حديث. في العالم العربي، لدينا رصيد تاريخي ضخم من مؤسسات تأسست على أفكار النهضة والتنمية والاعتماد على الذات، لكن كثيراً منها لم ينجح في تحويل هذا الرصيد إلى استراتيجيات معاصرة. الفارق هنا أن الكوريين، في حالات ناجحة كهذه، استطاعوا ترجمة الرمزية الوطنية إلى استثمار مؤسسي طويل الأجل.

أما الدرس الثالث فيتعلق بالأمن الصحي. بعد التجارب العالمية القاسية مع الأوبئة واختناقات سلاسل الإمداد، بات واضحاً أن امتلاك قدرات دوائية وبحثية ليس ترفاً. الخبر الكوري يذكرنا بأن الصناعة الدوائية الناجحة لا تُبنى عند لحظة الأزمة فقط، بل قبلها بسنوات طويلة من البحث والتراكم. وإذا كانت دول عربية عدة قد بدأت بالفعل الاستثمار في الصناعات الدوائية والتقنيات الحيوية، فإن التحدي المقبل يتمثل في الانتقال من منطق «التصنيع تحت الترخيص» إلى منطق «الابتكار المنتج محلياً».

كما أن القصة تفتح باباً للتأمل في مسألة الشراكات الآسيوية العربية. فعوض النظر إلى كوريا الجنوبية فقط كسوق للسيارات أو الإلكترونيات أو المحتوى الثقافي، يمكن للمنطقة العربية أن ترى فيها شريكاً محتملاً في التدريب والبحث والاستثمار الصحي ونقل الخبرة التنظيمية. هذا النوع من التعاون قد يكون أكثر استدامة وأشد فائدة من العلاقات التجارية التقليدية، لأنه يساهم في بناء قدرات محلية لا في استيراد منتجات فقط.

وفي النهاية، ثمة جانب إنساني لا ينبغي إغفاله. فصناعة الدواء، على الرغم من لغة الأرقام والاستثمارات، تمس حياة الناس مباشرة. وعندما تقرر شركة عمرها قرن أن تجعل رهانها الأساسي هو البحث العلمي والتوسع في تطوير الأدوية، فهي تراهن في نهاية المطاف على مستقبل ترتبط فيه الأعمال بالصحة العامة. وهذه رسالة يفهمها القارئ العربي جيداً، خصوصاً في منطقة أصبحت فيها قضايا العلاج والدواء والوصول العادل إلى الرعاية الصحية جزءاً من النقاش العام اليومي.

بين ذاكرة المؤسس وأفق المختبر

ما تقوله قصة «يوهان» في المحصلة هو أن الشركات المئوية لا تُقاس فقط بعدد السنوات التي مرت عليها، بل بما إذا كانت قادرة على تحويل الزمن إلى خبرة قابلة للتجدد. هنا تكمن المفارقة الجميلة: شركة نشأت في عشرينيات القرن الماضي، في سياق وطني مضطرب، تجد نفسها بعد قرن تقريباً تتحدث بلغة المختبرات العالمية، والاستثمار التكنولوجي، والمنافسة على مستوى الكوكب.

هذه ليست مجرد حكاية نجاح كورية أخرى تضاف إلى سلسلة القصص التي يعشقها العالم عن الصعود الآسيوي. إنها أيضاً قصة عن كيفية إدارة الاستمرارية: كيف يبقى المؤسس حاضراً من دون أن يتحول إلى قيد، وكيف يصبح التاريخ منصة لا متحفاً، وكيف تُصاغ الطموحات بلغة قابلة للحساب لا بالشعارات وحدها.

ومن منظور صحفي عربي، فإن أهمية الخبر لا تنبع من أن شركة كورية أعلنت هدفاً كبيراً فحسب، بل من أن هذا الإعلان يعكس حركة أوسع داخل الاقتصاد الكوري: انتقال متزايد من الصناعات القائمة على الكفاءة الإنتاجية إلى صناعات قائمة على الابتكار العلمي الثقيل. وإذا كانت المنطقة العربية تتابع كوريا غالباً من نافذة الثقافة الشعبية، فإن من المفيد التطلع أيضاً إلى نافذة الاقتصاد الصحي، حيث تُبنى أشكال جديدة من القوة والتأثير.

قد لا تصل «يوهان» غداً إلى قائمة الخمسين الكبار، وقد تواجه الطريق ما تواجهه كل شركات الدواء من عقبات وتجارب مكلفة وتقلبات قاسية. لكن ما يهم الآن هو أن الاتجاه قد أُعلن بوضوح: لا اكتفاء بالتراث، ولا ارتكان إلى السمعة المحلية، بل سعي إلى مكانة تُنتزع في سوق عالمية لا تعترف إلا بمن يملك المعرفة والاستمرارية والقدرة على المخاطرة المحسوبة.

وفي هذا كله، تبدو «يوهان» وكأنها تقدم درساً يتجاوز كوريا نفسها: المستقبل لا تصنعه الذكرى وحدها، بل ما نقرره ونحن نقف على عتبتها. وبين ذاكرة المؤسس وأفق المختبر، تختار الشركة الكورية أن تكتب فصلها الثاني بلغة القرن الحادي والعشرين. وهذا، بحد ذاته، خبر اقتصادي وثقافي يستحق أن يقرأه العرب باهتمام.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات