
الكوميديا حين تصبح أداة لمساءلة المجتمع
في السنوات الأخيرة، اعتاد الجمهور العربي أن يتلقى الأخبار الثقافية الكورية عبر بوابات واسعة العبور: دراما جماهيرية، فرق «كي-بوب» تملأ المنصات، وأفلام تحقق الجوائز في المهرجانات الدولية. لكن خلف هذه الواجهة اللامعة، هناك تيار آخر لا يقل أهمية داخل السينما الكورية، تيار يذهب إلى التفاصيل اليومية، إلى القرية والمدرسة والحي والعائلة، ليطرح أسئلة شائكة عن المجتمع والهوية والتمييز. من هذا التيار يبرز فيلم «إيفان-ري جانغ مان-أوك»، الذي يلفت الانتباه ليس فقط بسبب موضوعه، بل بسبب الطريقة التي يختار بها روايته: بالضحك، وخفة الروح، ومن دون أن يفرّط في قسوة الحقيقة.
الفيلم، وفق ما نُقل عن مخرجته لي يو-جين، لا ينطلق من رغبة في التخفيف من وطأة الأزمات الاجتماعية أو تجميلها، بل من فكرة مختلفة: «لنتخيل أولاً ما هو جيد، ولنضحك أولاً، فربما يمنحنا ذلك الطاقة للنقاش والمواجهة». هذه المقاربة تبدو لافتة في زمن باتت فيه النقاشات العامة، في كوريا كما في كثير من مجتمعات العالم، تتجه سريعاً إلى الاستقطاب الحاد والإرهاق العاطفي. وهنا تحديداً تكمن قيمة الفيلم؛ فهو لا يعامل الكوميديا باعتبارها غطاءً للهروب، بل باعتبارها لغة أخرى لمقاومة الإقصاء.
بالنسبة للقارئ العربي، قد تبدو هذه الفكرة مألوفة أكثر مما نظن. فالذاكرة الثقافية العربية نفسها تعرف جيداً كيف استخدمت السخرية والدراما الاجتماعية الكوميدية لكشف العيوب البنيوية في المجتمع، من المسرح السياسي في المشرق إلى الكوميديا المصرية التي كثيراً ما مرّرت النقد الاجتماعي من باب الضحك. وفي هذا المعنى، فإن الفيلم الكوري لا يقف بعيداً عن ذائقة عربية تفهم أن الابتسامة قد تكون أحياناً أكثر إزعاجاً للسلطة الاجتماعية من الخطاب المباشر.
ما يقدمه هذا العمل، إذن، ليس مجرد حكاية عن فرد يواجه التمييز، بل نموذج عن كيفية تطور السرد الكوري المعاصر في التعامل مع القضايا الحساسة. فبدلاً من تحويل الشخصيات إلى ضحايا دائمين أو شعارات متحركة، يمنحها الفيلم حياة كاملة، مزاجاً، تناقضات، ومقدرة على الضحك حتى في أشد اللحظات ضيقاً. وهذه، في حد ذاتها، خطوة فنية وأخلاقية مهمة.
حكاية امرأة في منتصف العمر تدخل قلب القرية لا هامشها
تدور الحكاية حول جانغ مان-أوك، وهي امرأة مثلية في منتصف العمر تنتقل إلى الريف وتخوض انتخابات «إيجانغ»، وهو منصب يمكن تبسيطه للقارئ العربي باعتباره شبيهاً بمختار القرية أو ممثلها المحلي الذي يقف عند تقاطع الإدارة والحياة اليومية. هذا التفصيل ليس ثانوياً. ففي المجتمع الريفي الكوري، كما في كثير من المجتمعات العربية، لا يمثل هذا الموقع مجرد لقب إداري، بل يرمز إلى الاعتراف والانتماء والثقة العامة. أن تقرر شخصية مثل جانغ مان-أوك الترشح لهذا المنصب يعني عملياً أنها لا تقبل البقاء في الأطراف، بل تتقدم إلى وسط المشهد الاجتماعي.
هذه النقطة بالذات تجعل الفيلم أكثر عمقاً من مجرد قصة هوية فردية. نحن هنا أمام سؤال عن من يحق له تمثيل الجماعة، ومن تعتبره القرية «واحداً منها»، ومن يبقى موضوعاً للريبة أو الهمس أو الرفض. وفي مجتمعاتنا العربية، يمكن تلمّس صدى هذا السؤال بسهولة، لأن فكرة الجماعة المحلية ما زالت، في كثير من المدن الصغيرة والبلدات والأرياف، تحكمها نظرة محافظة تجاه المختلف، سواء كان الاختلاف طبقياً أو جندرياً أو فكرياً أو حتى متصلاً بنمط العيش.
اختيار البطلة امرأة في منتصف العمر يحمل دلالة إضافية. كثير من السرديات التي تتناول الأقليات الجنسية في الثقافة الشعبية تركز عادة على الشباب، كأن الهوية المعقدة لا تُعاش إلا في البدايات المرتبكة من العمر. لكن «إيفان-ري جانغ مان-أوك» يذهب إلى مرحلة عمرية أخرى، أكثر نضجاً وأشد التصاقاً بأسئلة العيش والكرامة والمكان داخل المجتمع. هنا لا تبدو البطلة مشروع أزمة مراهقة، بل إنسانة كاملة تواجه العالم بخبرتها، بخساراتها، وبقدرتها على المثابرة.
ومن هذه الزاوية، ينجح الفيلم في نقل النقاش من مستوى «الخصوصية الفردية» إلى مستوى «الوجود الاجتماعي». فالقضية لم تعد من يحب من، بل من يحق له أن يكون جاراً، ومسؤولاً محلياً، وصوتاً مسموعاً في الشأن العام. هذه النقلة هي ما يجعل الفيلم سياسياً بمعناه الأوسع، حتى وهو يرتدي ثوب الكوميديا.
ما معنى «إيجانغ»؟ ولماذا يختار الفيلم القرية مسرحاً للصراع؟
لفهم دلالة العمل على نحو أعمق، لا بد من التوقف عند البيئة التي تدور فيها الأحداث. القرية في السينما ليست مجرد خلفية بصرية من حقول وبيوت منخفضة، بل بنية علاقات شديدة الكثافة. في القرية الكورية، كما في القرية العربية، يعرف الناس بعضهم بعضاً أكثر مما ينبغي أحياناً، وتصبح السمعة جزءاً من الرأسمال الاجتماعي، وتتحول التفاصيل الخاصة إلى مادة للتداول العام. لهذا فإن نقل القصة إلى الريف يضاعف التوتر الدرامي: المختلف هنا لا يستطيع أن يذوب بسهولة في زحام المدينة.
أما منصب «الإيجانغ» فهو، ببساطة، شخصية محورية في الحياة اليومية للقرية. إنه الشخص الذي ينسق بين السكان والإدارة، ويشارك في تنظيم الشؤون المحلية، ويلامس ما هو عملي ومعيشي أكثر مما يفعل السياسي المحترف. لذا فإن ترشح جانغ مان-أوك لا يعني تحدياً رمزياً فقط، بل اقتحاماً فعلياً لمركز الثقة الاجتماعية. إنها تقول للقرية: أنا لست حالة هامشية تطلب التسامح، بل مواطنة لها حق التمثيل والمبادرة والقيادة.
هذه الفكرة قد تذكّر القارئ العربي بموقع «العمدة» أو «المختار» أو الوجه الاجتماعي البارز في القرى والبلدات، حيث لا يكون الموقع محصوراً في الإدارة، بل يمتد إلى الوساطة وحل الإشكالات وترتيب العلاقات. ولذلك يصبح سؤال قبول المجتمع لهذه الشخصية سؤالاً عن بنية المجتمع كله، لا عن فرد واحد.
الريف أيضاً يسمح للفيلم بأن يضم في نسيجه أكثر من قضية في آن واحد. فالقرية مكان تتقاطع فيه الأجيال، وتظهر فيه أزمات كبار السن، والهجرة من المدن، وتراجع التضامن التقليدي، والعنف المدرسي، وضغط الأعراف. من هنا يبدو الفيلم وكأنه يضع المجتمع الكوري تحت عدسة مكبرة من خلال مساحة صغيرة. وهذا من أجمل ما تفعله السينما عادة: أن تجعل القرية مرآة لوطن كامل.
في العالم العربي، نحن نعرف جيداً هذا النوع من الأعمال التي تنطلق من مكان محدود لتتكلم عن بلد بأكمله. من روايات الريف المصري إلى أفلام المغرب العربي عن الهوامش، هناك إرث كامل يثبت أن القرية ليست موضوعاً محلياً ضيقاً، بل مختبراً اجتماعياً مكثفاً. لهذا يمكن للقارئ العربي أن يقرأ الفيلم الكوري بسهولة أكبر مما قد يتصور.
الضحك من دون إنكار الألم: استراتيجية لا نزوة فنية
أهم ما يميز «إيفان-ري جانغ مان-أوك» أن الكوميديا فيه لا تأتي على حساب المعنى. فالفيلم لا يدّعي أن التمييز اختفى، ولا يتعامل مع الجروح الاجتماعية بوصفها سوء تفاهم بسيطاً يمكن حله بابتسامة. على العكس، هو يعترف بوجود القمع والرفض والنبذ، لكنه يرفض أن يجعل هذه العناصر هي اللغة الوحيدة الممكنة للسرد. وهذه مفارقة فنية شديدة الذكاء.
في كثير من الأعمال التي تتناول الأقليات أو الفئات المهمشة، يطغى منطق المأساة إلى درجة تجعل الشخصيات محكومة فقط بأدوار الضحية. وقد يكون لهذا المنطق ضرورته في لحظات معينة، خصوصاً حين يكون الهدف فضح الظلم وتوثيقه. لكن الإقامة الدائمة في سجل الألم تحمل مخاطرها أيضاً؛ إذ قد تؤدي إلى إنهاك المتلقي، أو إلى حصر الشخصية في جرحها وحده. ما يفعله هذا الفيلم هو كسر هذه الدائرة من دون خيانة الواقع.
الضحك هنا ليس تبسيطاً، بل إعادة توزيع للضوء. فبدلاً من أن يسلط الفيلم كاميراه حصراً على الإهانة، يسلطها أيضاً على قدرة الشخصيات على النجاة، وعلى صناعة علاقات، وعلى التورط في الحياة اليومية بكل عبثها وتناقضها. إنها مقاربة تقول إن الإنسان المتعرض للتمييز لا يعيش في لحظة قمع فقط، بل يطبخ، ويغضب، ويمازح، ويتنافس، ويحلم، ويدير شؤونه مثل أي شخص آخر.
ومن الناحية الصحافية والثقافية، فإن هذه المقاربة تكشف شيئاً مهماً عن تحولات الصناعة الكورية. فالمشهد الثقافي في كوريا الجنوبية، الذي اشتهر عالمياً بصلابة موضوعاته الاجتماعية في أعمال عديدة، يبدو هنا وكأنه يختبر نبرة جديدة: أقل وعظاً، وأكثر التصاقاً بالحياة. لا صراخ أيديولوجياً، ولا خطاباً مدرسياً، بل مزيج من المرارة وخفة الدم. وهي وصفة صعبة، لكنها حين تنجح، تترك أثراً أعمق.
ربما لهذا يبدو تصريح المخرجة عن «تخيّل شيء جيد أولاً» ذا قيمة تتجاوز الفيلم نفسه. فهو يعبر عن حاجة ثقافية أوسع في مجتمعات متعبة من الجدل المتصل. في العالم العربي أيضاً، نعرف كيف يمكن للقضايا العادلة أن تخسر جزءاً من جمهورها حين تُقدَّم دائماً بلغة المواجهة الصافية وحدها. أحياناً يحتاج الفن إلى ممر إنساني أدفأ كي يفتح الأبواب المغلقة.
مشهد المدرسة: حين تتقاطع الهوية مع العنف وتبرير المؤسسة
من أكثر المشاهد دلالة في الفيلم، بحسب ما ورد عن العمل، ذلك الذي تتعرض فيه الطالبة الثانوية جايون للعنف على يد طلاب ذكور، قبل أن تدخل جانغ مان-أوك في مواجهة مع المعلم الذي يحاول تحميل الضحية مسؤولية ما جرى. في هذا المشهد الواحد، تتكثف مسائل عدة: التنمر، والعنف المدرسي، والتعامل مع الهوية بوصفها سبباً للعقاب، ثم ميل المؤسسة إلى حماية نفسها عبر لوم المتضرر بدلاً من مساءلة المعتدي.
هذا النوع من المشاهد يتجاوز خصوصيته الكورية سريعاً. ففكرة إلقاء اللوم على الضحية مألوفة للأسف في عدد كبير من المجتمعات، بما فيها مجتمعات عربية كثيرة، حين يتعلق الأمر بالاختلاف أو بالهشاشة الاجتماعية. وكأن السؤال لا يكون: لماذا حدث العنف؟ بل: ماذا فعل الضحية ليستجلبه؟ هنا يلتقط الفيلم آلية عميقة من آليات التمييز: أنه لا يكتفي بإلحاق الأذى، بل يسعى أيضاً إلى شرعنته أخلاقياً.
المواجهة بين جانغ مان-أوك والمعلم ليست مجرد لحظة غضب درامية، بل مشهد عن معنى التضامن في صورته اليومية. فهي لا تلقي خطاباً كبيراً عن العدالة، بل تقف عملياً في صف من يتعرض للظلم. وفي السينما، كثيراً ما تكون هذه الأفعال الصغيرة، لا الشعارات الكبيرة، هي الأكثر قدرة على البقاء في الذاكرة. إنها لحظة تقول إن الكرامة البشرية لا تُدافع عنها المؤسسات دائماً، وأحياناً يحتاج الأمر إلى شخص يقرر ببساطة ألا يصمت.
ومن زاوية أخرى، يفتح هذا المشهد باباً على ملف حساس داخل كوريا الجنوبية نفسها: ضغط المدرسة، والانضباط الاجتماعي، وثقل الجماعة على الفرد. وقد عالجت الدراما الكورية مراراً مسألة العنف المدرسي بوصفها عرضاً لأمراض أوسع، من التنافس القاسي إلى هشاشة الحماية المؤسسية. الفيلم يضيف إلى ذلك بعداً آخر يتعلق بكيفية استهداف من يُنظر إليهم على أنهم مختلفون.
بالنسبة للقارئ العربي، فإن أهمية هذا الخط السردي لا تنبع فقط من بعده الحقوقي، بل من كونه يوضح أن الفيلم لا يدور حول قضية واحدة معزولة. إنه يربط بين التمييز والعنف اليومي والبنية التعليمية واللغة التي تستخدمها السلطة الصغيرة داخل المدرسة. وهذا الربط هو ما يجعل الفيلم يبدو اجتماعياً بحق، لا مجرد عمل عن «هوية» بالمعنى الضيق.
قرية مزدحمة بالأزمات: من صراع الأجيال إلى شيخوخة المجتمع
الفيلم لا يحصر نفسه في موضوع الأقليات الجنسية وحده، بل يفتح على طيف أوسع من التصدعات داخل المجتمع الكوري: صراع الأجيال، أوضاع كبار السن، العنف المدرسي، وتوترات العيش المشترك. هذه الاتساعات مهمة، لأنها تمنع العمل من التحول إلى ملف أحادي البعد. نحن هنا أمام قرية تحمل في داخلها اختصاراً لمجتمع كامل، حيث تتجاور الأزمات وتتقاطع من دون أن تلغي إحداها الأخرى.
في كوريا الجنوبية، كما في عدد من دول شرق آسيا، تمثل الشيخوخة السكانية والتحولات الديموغرافية تحدياً حقيقياً، يرافقه تغير في أنماط الأسرة، وتبدل في مكانة الكبار داخل النسيج الاجتماعي. وعندما يضع الفيلم هذه المسألة إلى جانب قضية التمييز، فإنه يقول شيئاً مهماً: المجتمع لا ينقسم إلى قضية مركزية واحدة وبقية هوامش، بل هو شبكة معقدة من القلق والهشاشة والتفاوت.
هذه النظرة المركبة تذكّرنا بنقاشات عربية كثيرة حول التحولات الاجتماعية الكبرى. فبلادنا أيضاً تعرف توتراً بين أجيال نشأت في زمنين مختلفين، وتعرف نقاشاً حول معنى الجماعة المحلية في ظل التغير الاقتصادي والهجرة الداخلية والخارجية، كما تعرف ضغوط المدرسة والأسرة والخطاب الأخلاقي. لذلك فإن الفيلم، رغم خصوصية بيئته الكورية، يملك قدرة على العبور إلى أسئلة يفهمها المشاهد العربي intuitively حتى لو اختلفت السياقات.
اللافت أن الشخصيات، بحسب القراءة المتاحة للفيلم، لا تدخل في مناظرات نظرية طويلة حول هذه الأزمات، بل تنشغل بما يجب فعله الآن: حل مشكلة، حماية شخص، إدارة خلاف، أو الاستمرار في الحياة. هنا يقترب العمل من نبض الواقع. فالمجتمعات لا تُعاش عادة عبر البيانات، بل عبر المهام اليومية الصغيرة التي تكشف معدن الناس. والسياسة، بمعناها الحي، قد تكون أحياناً في ترتيب هذا اليوم العادي، لا في رفع الشعارات وحدها.
بهذا المعنى، تصبح الكوميديا أداة تنظيم للعلاقة بين المختلفين. ليست وظيفتها إخفاء التوتر، بل خلق الحد الأدنى من المساحة المشتركة التي تسمح للناس أن يقفوا معاً، ولو مؤقتاً، قبل أن يستأنفوا خلافاتهم. وهذه فكرة بالغة الذكاء في زمن يتسع فيه الشقاق وتضيق فيه المساحات الوسطى.
ما الذي تقوله هذه التجربة عن الصناعة الثقافية الكورية؟
حين يتابع الجمهور العربي الثقافة الكورية، كثيراً ما تُختزل الصورة في الأعمال الضخمة ذات الميزانيات المرتفعة أو في المنتجات التي تحقق انتشاراً عالمياً واسعاً. غير أن حيوية المشهد الكوري لا تكمن فقط في هذه الواجهة، بل أيضاً في قدرته على إنتاج أعمال أصغر حجماً وأكثر محلية، لكنها أشد جرأة في اقتحام المناطق الحساسة. «إيفان-ري جانغ مان-أوك» مثال واضح على هذا الاتجاه.
الصناعة الثقافية الكورية، التي راكمت قوتها عبر الدراما والموسيقى والسينما، تبدو اليوم أكثر استعداداً للاعتراف بتعدد أصواتها. لم تعد هناك «صورة واحدة» تمثل كوريا الجنوبية أمام العالم. إلى جانب الأعمال اللامعة المصممة للتصدير، هناك أيضاً أفلام تذهب إلى القرى، إلى المدارس، إلى هوامش المجتمع، لتسأل أسئلة لا تضمن شعبية سهلة. هذا الاتساع في الطيف علامة نضج لا يمكن تجاهلها.
وفي هذا السياق، يكتسب الفيلم قيمة صناعية أيضاً. فهو يقول للمراقب العربي إن الثقافة الكورية ليست مجرد آلة ترفيهية فعالة، بل مساحة صراع وتأمل وتجريب. كما أنه يذكّر بأن ما يسمى «الموجة الكورية» لا يُقاس فقط بعدد المشاهدات أو تصنيفات المنصات، بل بقدرة المحتوى الكوري على تجديد لغته الفنية في التعامل مع الواقع.
ومن المهم هنا الانتباه إلى أن الأعمال التي تعالج المسائل الاجتماعية من هذا النوع تسهم في توسيع خيال الصناعة نفسها. فعندما تنجح سينما ما في جعل القرية الصغيرة، والعمدة المحلي، والطالبة المعنفة، والمرأة المهمشة، موضوعات قابلة للفرجة والتأمل معاً، فإنها توسع ما يمكن أن يكون «مادة درامية» في السوق. وهذا أمر مهم لأي صناعة تريد البقاء حية.
في العالم العربي، كثيراً ما نناقش الحاجة إلى أعمال تخرج من أسر الوصفات المكرورة من دون أن تخسر صلتها بالجمهور. من هذه الزاوية، يبدو الفيلم الكوري درساً يستحق التأمل: الجرأة لا تعني القطيعة مع المشاهد، والموضوع الاجتماعي لا يلزم أن يُقدَّم في قالب عبوس كي يكون مؤثراً.
لماذا يهم القارئ العربي أن يتابع فيلماً كهذا؟
قد يسأل البعض: ما الذي يجعل فيلماً عن قرية كورية، وانتخابات محلية، وشخصيات تعيش توترات مجتمع بعيد، مهماً لقراء عرب؟ الجواب أن الفن حين ينجح حقاً، لا ينقل لنا غرابة الآخر فقط، بل يكشف أيضاً ما يشبهنا فيه. في هذا الفيلم، ثمة أسئلة عن نظرة الجماعة إلى المختلف، عن السلطة الصغيرة في المدرسة، عن ثقل الأعراف، عن صعوبة الانتماء، وعن قدرة الضحك على حفظ الحد الأدنى من الإنسانية وسط الخلاف. كل هذه أسئلة ليست غريبة عنا.
كما أن متابعة هذا النوع من الأعمال تساعد الجمهور العربي على رؤية كوريا الجنوبية خارج الصور النمطية التي صنعتها العولمة الثقافية. فخلف الموسيقى اللامعة والصادرات الثقافية الناجحة، هناك مجتمع يناقش نفسه، ويختلف مع نفسه، ويجرب لغات جديدة للحديث عن جروحه. وهذا بالضبط ما يجعل الثقافة الكورية مثيرة للاهتمام: أنها لا تكتفي بتقديم الحلم، بل تعود أحياناً إلى الأرض لتفحص الشقوق التي تحت أقدامها.
من جهة أخرى، يمنح هذا الفيلم درساً مهماً في وظيفة الكوميديا. ففي بيئات عربية كثيرة، ما زالت الكوميديا تُعامل أحياناً بوصفها فناً أقل شأناً من الدراما الجادة، مع أن تاريخنا الثقافي يثبت العكس. الأعمال التي بقيت في الوجدان العربي طويلاً لم تكن دائماً تلك التي خطبت في الجمهور، بل كثيراً ما كانت تلك التي جعلته يضحك ثم يعود إلى بيته وهو يفكر. وهذا ما يبدو أن «إيفان-ري جانغ مان-أوك» يفعله بمهارة.
في النهاية، لا يقدم الفيلم وصفة جاهزة لحل التمييز، ولا يدّعي أن الضحك يكفي وحده لتغيير المجتمع. لكنه يطرح اقتراحاً إنسانياً وفنياً ثميناً: أن مقاومة القسوة لا تكون بالحداد الدائم فقط، بل يمكن أن تمر أيضاً عبر الدفء، والعلاقات، وخفة الروح، والإصرار على أن من يعيشون تحت الضغط يملكون الحق في الفرح كما يملكون الحق في العدالة. وهذه رسالة، في زمن عربي وكوري وعالمي مثقل بالتوتر، تستحق أن تُسمع جيداً.
0 تعليقات