광고환영

광고문의환영

من بروكسل يبدأ الخطاب الكوري الجديد إلى أوروبا: لي جيه ميونغ يفتتح جولته بلقاء الجالية قبل قمم بلجيكا والاتحاد الأوروبي

من بروكسل يبدأ الخطاب الكوري الجديد إلى أوروبا: لي جيه ميونغ يفتتح جولته بلقاء الجالية قبل قمم بلجيكا والاتحاد الأوروبي

بروكسل ليست محطة عبور... بل عنوان لمرحلة دبلوماسية جديدة

حين يهبط رئيس كوري جنوبي جديد في بروكسل في أولى محطات جولته الأوروبية، فالأمر لا يُقرأ بوصفه تفصيلاً بروتوكولياً أو مجرد توقف على الطريق إلى اجتماعات دولية أوسع. الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونغ، الذي تولى منصبه في يونيو 2025، وصل إلى العاصمة البلجيكية لتكون بوابة انطلاق تحركه الأوروبي، بالتزامن مع مشاركته في اجتماعات دولية على هامش قمة مجموعة السبع. لكن ما يلفت الانتباه في هذه البداية ليس فقط المكان، بل ترتيب الرسائل: أول لقاء رسمي في بروكسل لم يكن مع مسؤول أوروبي، ولا مع رجال أعمال، بل مع أبناء الجالية الكورية هناك خلال مأدبة ولقاء تواصلي.

في المعايير الدبلوماسية الحديثة، لا تُقاس الزيارة فقط بمن جلس إلى الطاولة ومن وقّع على البيان، بل أيضاً بكيفية تقديم الدولة نفسها: هل تبدأ من المؤسسات أم من الناس؟ وهل تخاطب أوروبا باعتبارها كتلة واحدة أم فسيفساء من الدول والمصالح والقوانين؟ في الحالة الكورية الجنوبية، تبدو بروكسل بمثابة مسرح مثالي للإجابة عن هذه الأسئلة. فهي عاصمة بلجيكا من جهة، ومركز القرار الأوروبي من جهة أخرى، وفيها تتقاطع رمزية الدولة الوطنية مع ثقل الاتحاد الأوروبي باعتباره مؤسسة فوق وطنية تصوغ كثيراً من قواعد التجارة والتنظيم والأمن.

وبالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو هذه التفاصيل شديدة التقنية للوهلة الأولى، لكن معناها في الحقيقة قريب من خبرات المنطقة نفسها. فكما يعرف العرب أن الفارق كبير بين العلاقة الثنائية مع دولة أوروبية بعينها وبين التعامل مع بروكسل كمركز تشريعي وتنظيمي مؤثر في ملفات التجارة والمعايير والحدود والطاقة، فإن سيول تبدو اليوم واعية لهذا الفرق، وتحاول أن تبني خطاباً مزدوجاً: واحداً مع الدول، وآخر مع الاتحاد.

لهذا السبب بالذات، لا تبدو زيارة بروكسل افتتاحاً عادياً لجولة أوروبية، بل أشبه ببيان سياسي مكثف عن الطريقة التي تريد بها كوريا الجنوبية أن تُعرّف حضورها في أوروبا خلال السنوات المقبلة: حضور يجمع بين الاقتصاد والأمن والتعليم والجاليات، ولا يكتفي بشعارات الصداقة العامة أو الصورة الناعمة التي صنعتها الموجة الكورية في الثقافة الشعبية.

اللقاء مع الجالية أولاً: دبلوماسية تبدأ من الناس قبل الملفات

اختيار الرئيس الكوري أن يبدأ برنامجه في بروكسل بلقاء أبناء الجالية الكورية يحمل دلالة تتجاوز المجاملة المعتادة. في الثقافة السياسية الكورية الجنوبية، تحظى الجاليات في الخارج بمكانة تتصل بصورة الدولة ومصالحها في آن واحد. فالكوريون المقيمون في أوروبا ليسوا مجرد امتداد اجتماعي أو حنين إلى الوطن، بل يشكّلون شبكة بشرية واقتصادية وثقافية تساعد في تسويق الجامعات والشركات والمنتجات والصورة الوطنية. ومن هنا، فإن تقديم هذا اللقاء على الاجتماعات الرسمية يشي برغبة في إضفاء طابع إنساني على زيارة محمّلة بالرسائل الاستراتيجية.

بالنسبة إلى المتلقي العربي، يمكن فهم هذه الخطوة من خلال مقارنة مألوفة: كثير من الزيارات الرسمية العربية إلى الخارج تتضمن لقاءات مع الجاليات، لكن ترتيبها داخل البرنامج يكشف أحياناً عن تصور الدولة لدور مواطنيها في الخارج. عندما يكون اللقاء بالجالية في المقدمة، فإن الرسالة غالباً تقول إن الدبلوماسية ليست فقط بين الحكومات، بل أيضاً بين المجتمعات والشبكات المهنية والأكاديمية والعائلية. وهذه نقطة مهمة في الحالة الكورية، لأن سيول بنت جانباً من نفوذها العالمي عبر التراكم الاجتماعي والثقافي، وليس فقط عبر الصفقات أو البيانات الرسمية.

كما أن لقاء الجالية قبل قمم بلجيكا والاتحاد الأوروبي يخفف من برودة البروتوكول الأوروبي الصارم. ففي بروكسل، حيث تنتشر لغة المؤسسات والأوراق والتفاهمات الفنية، يبدو البدء بلقاء اجتماعي مع الكوريين المقيمين هناك بمثابة ضبط لحرارة المشهد، أو ما يمكن وصفه بلغة الصحافة السياسية بأنه “تأنيس” للزيارة. هذه ليست مسألة رمزية فحسب، لأن صورة الرئيس أمام مواطنيه في الخارج تمنحه أيضاً مساحة لتقديم زيارته بوصفها مشروعاً وطنياً جامعاً، لا مجرد جولة نخب سياسية.

ومن زاوية أعمق، فإن هذه البداية تتصل بنوع من التفكير الكوري الذي يجمع بين الدولة الحديثة والانضباط المجتمعي. فنجاح كوريا الجنوبية في العقود الأخيرة لم يقم على المؤسسات وحدها، بل على فكرة الشراكة الضمنية بين الدولة والمجتمع والشركات والجامعات. لذلك، عندما تبدأ زيارة أوروبية من لقاء أبناء الجالية، فالمقصود ليس فقط الاطمئنان على أحوالهم، وإنما الإيحاء بأن كل كوري في الخارج هو، بصورة أو بأخرى، جزء من المشهد الوطني الكبير.

لماذا تُفصل بلجيكا عن الاتحاد الأوروبي في جدول الزيارة؟

أحد أهم عناصر هذه الجولة هو الفصل الواضح بين القمة الثنائية مع بلجيكا والقمة المنفصلة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي. هذا التمييز ليس شكلياً، بل يعكس فهماً دقيقاً للطبيعة المعقدة لأوروبا. فبلجيكا دولة لها مصالحها المباشرة في التجارة والاستثمار والتعليم والتعاون الصناعي، أما الاتحاد الأوروبي فهو إطار أوسع يضع المعايير والقواعد ويؤثر في ملفات الأمن وسلاسل التوريد والتنظيم التجاري والسياسات الصناعية.

في عالمنا العربي، اعتدنا أحياناً على الحديث عن “أوروبا” بوصفها كياناً واحداً، لكن الواقع أكثر تركيباً. فالتعامل مع فرنسا أو ألمانيا أو بلجيكا يختلف عن التفاوض مع بروكسل كمؤسسة جماعية. وكوريا الجنوبية، التي بنت اقتصادها على التصدير والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، لا تستطيع أن تنظر إلى أوروبا بعين واحدة. من هنا، يأتي هذا الفصل بين المستويين: مستوى الدولة الوطنية، ومستوى الاتحاد القاري.

وبحسب المعطيات المعلنة، ستتناول القمة مع بلجيكا قضايا مثل تعزيز التجارة، وتوسيع التعاون بين الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتبادل المؤسسات التعليمية. هذه بنود تبدو عملية جداً، وربما أقل صخباً من عناوين الأمن والجيوسياسة، لكنها في الحقيقة تمس العصب الحقيقي للعلاقات المستدامة. فحين يُذكر التعاون مع الشركات الصغيرة والمتوسطة، فالمقصود ليس فقط التبادل التجاري بالمفهوم التقليدي، بل أيضاً فرص الشراكات التقنية، والدخول إلى سلاسل الإمداد، وتبادل الخبرات في الصناعة الذكية والخدمات والابتكار.

أما القمة مع الاتحاد الأوروبي، فتذهب إلى طبقة أخرى من العلاقة: التجارة بوصفها إطاراً أوسع تحكمه قواعد ومعايير، والأمن بوصفه ملفاً يزداد أهمية في عالم مضطرب من شرق أوروبا إلى المحيطين الهندي والهادئ. وهنا بالذات تظهر براعة التصميم الدبلوماسي لهذه الزيارة: سيول لا تتحدث إلى بلجيكا باللغة نفسها التي تتحدث بها إلى بروكسل الأوروبية. لكل طرف قاموسه، وأدواته، ومصالحه، ومستوى التفاهم الممكن معه.

هذا الوعي بالفروق الدقيقة مهم جداً. ففي الدبلوماسية، كثيراً ما تُهدر الفرص حين تُدار العلاقات بمفردات عامة فضفاضة. أما حين تُفصل الأجندات بحسب طبيعة الطرف المقابل، فذلك يعني أن الدولة الزائرة لا تبحث عن صورة تذكارية، بل عن هندسة مصالح حقيقية. وهذا ما يجعل جدول لي جيه ميونغ في بروكسل جديراً بالاهتمام، حتى قبل معرفة النتائج النهائية للقاءات.

من التجارة إلى التعليم: أجندة عملية تتجاوز المجاملة السياسية

إذا نظرنا إلى الموضوعات المطروحة على الطاولة مع بلجيكا، سنجد أن اللافت فيها هو طابعها العملي. فتعزيز التجارة ليس عنواناً جديداً بحد ذاته، لكن إدراج التعاون مع الشركات الصغيرة والمتوسطة يفتح زاوية أكثر دقة. كوريا الجنوبية معروفة عالمياً بعمالقة الصناعة والتكنولوجيا، من شركات السيارات والإلكترونيات وبناء السفن إلى الصناعات الدفاعية والرقمية. غير أن التركيز على الشركات الصغيرة والمتوسطة يوحي بأن سيول لا تريد أن تحصر شراكتها الأوروبية في قمم الشركات العملاقة وحدها، بل في توسيع القاعدة الاقتصادية للعلاقة.

وهذا تطور مهم. ففي كثير من الاقتصادات المعاصرة، تكون الشركات الصغيرة والمتوسطة هي القناة الأكثر مرونة في الابتكار، والأقدر على الدخول في شراكات متخصصة، والأسرع في التكيف مع الأسواق المحلية. كما أنها ترتبط عادة بملفات حيوية مثل التكنولوجيا المساندة، والخدمات اللوجستية، والبرمجيات، والتصنيع الدقيق، والحلول البيئية. ومن شأن فتح هذا الباب مع بلجيكا أن يمنح العلاقات الثنائية مضموناً عملياً يتجاوز لغة “تعزيز الصداقة” التي تتكرر كثيراً في البيانات الرسمية حول العالم.

أما بند تبادل المؤسسات التعليمية، فهو من أكثر البنود التي قد يستهين بها المتابع العادي، رغم أنه من أعمقها أثراً على المدى الطويل. فالعلاقة بين الجامعات ومراكز الأبحاث لا تنتج غالباً عناوين عاجلة، لكنها تصنع ما هو أهم: شبكة ثقة وتفاهم ومعرفة متبادلة بين أجيال جديدة من الباحثين والطلاب والأكاديميين. في الحالة الكورية، هذا البعد بالغ الأهمية، لأن صعود البلاد لم يكن اقتصادياً فقط، بل كان أيضاً صعوداً تعليمياً ومعرفياً اعتمد على الجامعات والتدريب والبحث العلمي.

وللقارئ العربي، تبدو هذه النقطة مألوفة إذا ما استحضرنا كيف بنت دول كثيرة نفوذها الناعم عبر المنح الدراسية، والبرامج الأكاديمية المشتركة، ومراكز اللغة، والتبادل البحثي. الموجة الكورية أو “هاليو” كما تُعرف عالمياً، لم تنجح فقط عبر الدراما والكيبوب، بل عبر فضول أكاديمي وثقافي متزايد تجاه اللغة والتاريخ والمجتمع الكوري. وحين تنتقل هذه الجاذبية إلى مستوى التعاون المؤسسي بين الجامعات، فإنها تتحول من ظاهرة ثقافية إلى بنية علاقات ثابتة.

اللافت أيضاً أن هذه الأجندة تُظهر كوريا الجنوبية وهي تقدّم نفسها لأوروبا ليس بوصفها سوقاً فقط، بل شريكاً في الابتكار والمعرفة. وهذا فارق جوهري. فالدولة التي تريد مكانة دولية مستقرة لا يكفيها أن تبيع وتشتري؛ عليها أن تدخل في شراكات تُنتج معرفة مشتركة، وتبني منصات تعاون تستمر بعد تبدل الحكومات والظروف السياسية.

ملف الاتحاد الأوروبي: حين تلتقي التجارة بالأمن في عالم مضطرب

على طاولة الاتحاد الأوروبي، تتسع الصورة أكثر. فالتجارة هنا لا تعني فقط حجم المبادلات أو إزالة عوائق جمركية، بل تشمل أيضاً التوافق مع المعايير الأوروبية، والتموضع داخل سلاسل التوريد، والتعامل مع السياسات الصناعية الخضراء والرقمية التي يتبناها الاتحاد. والاتحاد الأوروبي، بخلاف الدول منفردة، يمتلك قدرة كبيرة على تشكيل البيئة التنظيمية التي تتحرك فيها الشركات الأجنبية. لذلك فإن أي حوار كوري جاد مع بروكسل لا بد أن يمر عبر هذه الطبقة المعقدة من المصالح والقواعد.

لكن العنوان الثاني، أي الأمن، لا يقل أهمية، بل ربما يزداد ثِقلاً في اللحظة الدولية الراهنة. فالعالم يعيش مرحلة يصعب فيها فصل الاقتصاد عن الجغرافيا السياسية. الحرب في أوكرانيا، والتوترات في شرق آسيا، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، والسباق على التكنولوجيا المتقدمة، كلها عوامل تجعل الحديث عن الأمن جزءاً من أي تفاهم اقتصادي كبير. من هذه الزاوية، تبدو محادثات سيول مع الاتحاد الأوروبي تعبيراً عن إدراك متبادل بأن الاستقرار التجاري يحتاج إلى مظلة سياسية وأمنية أوسع.

ومن المهم هنا توضيح أن “الأمن” في الخطاب الأوروبي لا يعني فقط التحالفات العسكرية بالمفهوم التقليدي، بل قد يشمل أمن الطاقة، وأمن التكنولوجيا، وأمن سلاسل التوريد، والأمن السيبراني، وحماية البنى التحتية الحيوية. وكوريا الجنوبية، بوصفها دولة صناعية متقدمة تقع في منطقة حساسة جيوسياسياً، تعرف جيداً كيف أصبحت هذه الملفات مترابطة. لذلك، فإن إدراج الأمن إلى جانب التجارة في أجندة اللقاء مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي ليس تفصيلاً إضافياً، بل عنواناً لمرحلة دولية جديدة.

بالنسبة إلى المنطقة العربية، فإن هذه المقاربة ليست بعيدة عما نراه أيضاً في كثير من العلاقات الدولية المعاصرة: لم يعد ممكناً الحديث عن الاستثمارات والطاقة والتقنية من دون المرور على أسئلة الاستقرار، والتشريعات، والتموضع الاستراتيجي. وفي هذا المعنى، تسير كوريا الجنوبية في اتجاه يشبه ما تفعله قوى متوسطة أخرى تحاول توسيع هامش حركتها عبر الربط بين الاقتصاد والأمن، لا الفصل بينهما.

وإذا كانت بروكسل هي المكان الذي يلتقي فيه رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية مع ضيوف الاتحاد، فإن ذلك يمنح الزيارة أيضاً ثقلاً مؤسسياً واضحاً. فلقاء شخصيات مثل أنطونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين ليس مجرد بروتوكول رفيع المستوى، بل إشارة إلى أن سيول تريد أن تخاطب “مركز الثقل” الأوروبي مباشرة، وأن تدخل في حوار مع من يصوغون كثيراً من أولويات القارة في الاقتصاد والتنظيم والأمن.

رسالة الداخل في خطاب الخارج: ماذا يعني الحديث عن نمو الدخل القومي بالتزامن مع الزيارة؟

في اليوم نفسه، قدّم لي جيه ميونغ للرأي العام الكوري أرقاماً عن نمو الدخل القومي الإجمالي الحقيقي في الربع الأول من العام، متحدثاً عن ارتفاع قياسي بلغ 9.2 في المئة مقارنة بالفصل السابق، وفق ما أُعلن رسمياً. هذا التصريح اقتصادي بامتياز، لكنه لا ينفصل تماماً عن سياق التحرك الخارجي. فالدول، حين تصعد إلى المنابر الدولية، لا تحمل فقط ملفات التفاوض، بل تحمل أيضاً روايتها عن نفسها: هل هي دولة مأزومة تبحث عن إنقاذ، أم اقتصاد واثق يسعى إلى توسيع شراكاته من موقع قوة؟

طبعاً، لا يجوز القفز إلى استنتاجات مبالغ فيها أو افتراض وجود رابط سياسي مباشر لم يُعلن رسمياً بين بيانات الدخل القومي وجدول الزيارة الأوروبية. لكن التزامن نفسه كافٍ ليفتح باب القراءة السياسية. فحين يختار رئيس دولة أن يتحدث عن أداء اقتصادي قوي في لحظة يتوجه فيها إلى أوروبا لمناقشة التجارة والتعاون، فهو يقدّم، ولو ضمنياً، أوراق اعتماد اقتصادية إلى الخارج بقدر ما يبعث رسالة طمأنة إلى الداخل.

هذا النوع من الخطاب مألوف في السياسة الدولية. فالدبلوماسية الاقتصادية لا تقوم فقط على الاتفاقيات، بل على بناء سردية مقنعة عن قدرة الدولة على النمو والاستمرار وجذب الشركاء. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الأرقام الاقتصادية التي أعلنها الرئيس الكوري بوصفها جزءاً من مناخ عام يريد أن يقول للأوروبيين: كوريا الجنوبية ليست فقط منتجاً للثقافة الشعبية أو التكنولوجيا الاستهلاكية، بل اقتصاد متماسك وطموح يبحث عن أفق أوسع في الشراكة.

وفي القراءة العربية، يمكن ملاحظة أن هذا الربط بين الداخل والخارج يشبه ما تفعله كثير من الدول حين تُحوّل مؤشرات الاقتصاد إلى لغة سياسية في التفاوض الدولي. فالأرقام هنا لا تُستخدم للحساب فقط، بل للرسائل أيضاً. وكلما نجحت الحكومة في تقديم صورة ثقة واستقرار، زادت قدرتها على التفاوض من موقع أكثر راحة.

أبعد من الموجة الكورية: سيول تسعى إلى تثبيت مكانة سياسية لا ثقافية فقط

منذ سنوات، اعتاد الجمهور العربي على متابعة كوريا الجنوبية عبر بوابات الثقافة: الدراما، الموسيقى، الموضة، المطبخ، ومستحضرات التجميل. وهذه الصورة ليست سطحية، بل تعكس نجاحاً حقيقياً لـ”هاليو” أو الموجة الكورية في اختراق المجتمعات وإعادة تعريف كوريا في المخيال العالمي. غير أن الزيارة الحالية إلى بروكسل تذكّر بأن سيول تريد اليوم شيئاً إضافياً: أن يُنظر إليها كلاعب سياسي واقتصادي واستراتيجي، لا كمصدر ثقافي جذاب فحسب.

هذا التحول مهم للغاية. فالقوة الناعمة تفتح الأبواب، لكنها لا تكفي وحدها لإدارة العلاقات الدولية المعقدة. تحتاج الدولة أيضاً إلى أجندة صلبة: تجارة، أمن، تعليم، صناعة، مؤسسات. ومن الواضح أن كوريا الجنوبية تحاول أن تزاوج بين الصورتين: صورة الدولة الحديثة المرنة المحبوبة شعبياً، وصورة الشريك الجاد القادر على إنتاج مصالح مشتركة طويلة الأمد.

وهنا قد يجد القارئ العربي مفارقة لافتة. فالدول التي تنجح ثقافياً كثيراً ما تُختزل في نجاحها الثقافي، إلى درجة أن العالم ينسى أنها تمتلك أيضاً مصالح ثقيلة وحسابات جيوسياسية معقدة. كوريا الجنوبية تبدو اليوم حريصة على كسر هذا الاختزال. فهي تذهب إلى أوروبا لا لتصدير صورة جميلة فقط، بل لتفاوض على ملفات تهم الشركات والجامعات والمؤسسات الأمنية وصناع القرار.

من هذه الزاوية، تصبح بروكسل أكثر من منصة لقاء؛ إنها اختبار لقدرة كوريا الجنوبية على ترجمة نفوذها الرمزي إلى حضور مؤسسي فعّال. وهذا بالضبط ما يجعل هذه الزيارة ذات أهمية تتجاوز الخبر اليومي. فنحن لا نتابع مجرد وصول رئيس إلى مطار أوروبي، بل نتابع محاولة دولة آسيوية صاعدة لإعادة تعريف مكانتها في شبكة العلاقات العالمية.

ما الذي يجب مراقبته بعد هذه البداية؟

الأسئلة الأساسية ستتضح لاحقاً مع صدور البيانات والنتائج التفصيلية. أول ما ينبغي مراقبته هو مدى تحوّل عناوين التجارة والتعاون مع الشركات الصغيرة والمتوسطة والتعليم إلى خطوات محددة أو آليات متابعة مع بلجيكا. فالفارق كبير بين إدراج بند في جدول أعمال القمة وبين تحويله إلى مسار مؤسسي بجدول زمني ومذكرات تفاهم ومشروعات مشتركة.

وثاني ما يستحق الانتباه هو طبيعة اللغة التي ستستخدمها سيول وبروكسل في ملفي التجارة والأمن. هل سنرى تعبيرات عامة معتادة، أم مؤشرات إلى شراكة أعمق تتصل بسلاسل الإمداد والتقنيات المتقدمة والمرونة الاستراتيجية؟ هذا السؤال مهم لأن الاتحاد الأوروبي يعيش بدوره مرحلة مراجعة لموقعه في عالم مضطرب، وقد يجد في كوريا الجنوبية شريكاً آسيوياً مفيداً في ملفات متعددة.

أما النقطة الثالثة، فهي رمزية البداية نفسها. اختيار بروكسل كمحطة أولى يمنح الجولة الأوروبية سقفاً سياسياً مرتفعاً منذ لحظتها الأولى. فالمكان هنا ليس مجرد جغرافيا، بل رسالة تقول إن كوريا الجنوبية تدخل إلى أوروبا من بابها المؤسسي والسياسي، لا من الهامش. وإذا ثبت هذا الانطباع في بقية محطات الجولة، فقد نكون أمام مرحلة أكثر كثافة في العلاقات الكورية الأوروبية.

في النهاية، تبدو زيارة لي جيه ميونغ إلى بروكسل افتتاحاً محسوباً بعناية: لقاء مع الجالية يقدّم الواجهة الإنسانية، قمة مع بلجيكا تعالج المصالح الثنائية الملموسة، وقمة مع الاتحاد الأوروبي ترفع النقاش إلى مستوى التجارة والأمن والاستراتيجية. وبين هذه الطبقات كلها، تحاول سيول أن تقول شيئاً واضحاً للعالم: إنها لا تريد أن تكون حاضرة في المشهد الدولي كنجمة ثقافية عابرة، بل كدولة تعرف كيف تربط الرمز بالمصلحة، والاقتصاد بالأمن، والناس بالمؤسسات.

وهذا، في جوهره، ما يجعل الخبر مهماً للقارئ العربي أيضاً. فمتابعة كوريا الجنوبية اليوم لم تعد تقتصر على متابعة مسلسل جديد أو فرقة موسيقية لامعة، بل باتت تعني مراقبة تجربة دولة استطاعت أن تحول نجاحها الثقافي إلى رصيد سياسي واقتصادي، وأن تدخل إلى المراكز الدولية بلغة أكثر نضجاً وثقة. ومن بروكسل تحديداً، يبدو أن هذا الخطاب الكوري الجديد بدأ يجد صيغته الأوضح.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات