광고환영

광고문의환영

من سيول إلى الجمهور العربي: كيف كشف «ويفرسكون 2026» أن الكيبوب لم يعد مجرد أغنية بل تجربة عابرة للحدود

من سيول إلى الجمهور العربي: كيف كشف «ويفرسكون 2026» أن الكيبوب لم يعد مجرد أغنية بل تجربة عابرة للحدود

مهرجان في سيول يلخّص تحوّل الكيبوب إلى صناعة تجربة

في الوقت الذي اعتاد فيه كثير من المتابعين العرب النظر إلى الكيبوب بوصفه ظاهرة موسيقية تقوم على الأغنية السريعة الانتشار، والرقصة المحكمة، والنجومية المصنوعة بدقة، جاءت أجواء «مهرجان ويفرسكون 2026» في سيول لتقول شيئاً أوسع من ذلك بكثير: نحن أمام نموذج ثقافي جديد، تتحول فيه الموسيقى من منتج يُسمع إلى تجربة تُعاش، ومن أداء على المسرح إلى فضاء اجتماعي متكامل يربط الفنان بالجمهور والمنصة والمدينة في آن واحد. هذا ما كشفته بوضوح فعاليات المهرجان الذي استمر يومين في الحديقة الأولمبية في سيول، وجمع 30 فريقاً وفناناً من أجيال واتجاهات مختلفة، من الوجوه الصاعدة مثل «كورتيز» إلى النجم المخضرم «بي» الذي لا يزال يحمل رمزية خاصة في تاريخ الانتشار العالمي للموسيقى الكورية.

الحدث، الذي نظمته شركة «هايب» صاحبة النفوذ الواسع في صناعة الترفيه الكوري، لم يكن مهماً فقط بسبب عدد المشاركين أو كثافة الحضور الدولي، بل لأنه قدّم مشهداً مكثفاً عن الطريقة التي تتوسع بها الموجة الكورية اليوم. لم تعد المسألة محصورة في مبيعات الألبومات أو مراكز القوائم الموسيقية، ولا حتى في عدد المشاهدات على منصات الفيديو. ما يهم الآن هو «الخبرة الحية» التي يعيشها الجمهور في الموقع، والشعور بالانتماء إلى مجتمع معجبين يتشكل في الزمن الحقيقي، ثم يعود ليتمدّد رقمياً عبر المنصات. من هذه الزاوية، بدا المهرجان أشبه بنسخة كورية معاصرة من الفعاليات الكبرى التي يعرفها الجمهور العربي في مواسم الترفيه والمهرجانات الموسيقية، مع فارق أن الكيبوب يضيف إلى ذلك بنية جماهيرية عالية التنظيم وقدرة لافتة على تحويل الحضور إلى جزء من العرض نفسه.

الحديقة الأولمبية في سيول ليست مجرد مكان للحفلات، بل موقع يحمل رمزية وطنية وثقافية؛ فهي مساحة ارتبطت بذاكرة كوريا الحديثة، كما ارتبطت في المخيال العربي أماكن مثل دار الأوبرا في القاهرة أو مسارح قرطاج وجرش بمفاهيم الهيبة والاحتفال واللحظة الفنية الجامعة. في هذا السياق، جاء اختيار مساحتين مختلفتين داخل الموقع، هما قبة «كيه إس بي أو» الداخلية وساحة العشب الخارجية المعروفة باسم «88»، ليمنح المهرجان بعداً إضافياً: داخل القاعة تركيز وانشداد أقرب إلى طقس جماعي مكثف، وخارجها انفتاح ونَفَس احتفالي يسمح للجمهور بالتنقل والتقاط أنفاسه والانتقال من مزاج إلى آخر. هذا التوزيع لم يكن تفصيلاً تنظيمياً فقط، بل جزءاً من الفكرة الأساسية للمهرجان: الكيبوب لم يعد نوعاً موسيقياً واحداً، بل منظومة مشاهدة وحضور وتفاعل.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا التطور مألوفاً من ناحية وغير مألوف من ناحية أخرى. فهو مألوف لأن المنطقة العربية نفسها شهدت خلال السنوات الأخيرة ازدهاراً في مفهوم «الفعالية» بوصفها تجربة شاملة تشمل الموسيقى والإضاءة والصورة والجمهور والمنصات. لكنه غير مألوف لأن كوريا الجنوبية تمكنت من صهر هذه العناصر في قالب صناعي متماسك، حيث تتداخل شركات الترفيه مع التطبيقات الرقمية ومجتمعات المعجبين والسفر الثقافي، فتنتج ما يشبه اقتصاداً قائماً بذاته حول حدث موسيقي واحد. ولهذا تحديداً يستحق «ويفرسكون 2026» أن يُقرأ عربياً لا كخبر فني عابر، بل كإشارة إلى المرحلة الجديدة من تصدير الثقافة الكورية.

حين يقف الصاعدون والمخضرمون على المسرح نفسه

أحد أكثر الجوانب دلالة في المهرجان هو طريقة ترتيب المشهد الفني نفسه. لم يكن البرنامج قائماً على تجميع أسماء متشابهة أو فرق تنتمي إلى الذائقة ذاتها، بل تعمّد وضع أجيال ومدارس وأنماط مختلفة جنباً إلى جنب. شاركت في الفعاليات فرق معروفة في مشهد الآيدول، إلى جانب أسماء من عالم الباندات والمغنين المنفردين والرابرز ومنتجي الموسيقى، بل وحتى فرق من خارج كوريا، من بينها مجموعات يابانية. هذه البنية تقول الكثير عن وجه الصناعة الكورية الآن: التنوع لم يعد هامشاً، بل أصبح جزءاً من صلب العرض نفسه.

وجود النجم «بي» في هذا الخط الزمني يحمل ثقلاً رمزياً لا يمكن تجاهله. بالنسبة إلى متابعي الموجة الكورية الأوائل في العالم العربي، وخصوصاً الذين تعرفوا على الدراما الكورية والموسيقى الكورية في العقد الأول من الألفية، فإن «بي» ليس مجرد اسم في لائحة المشاركين، بل يمثل مرحلة مبكرة من الحلم الكوري بالخروج إلى العالم. في زمن كانت فيه وسائل البث أقل انفتاحاً مما هي عليه اليوم، نجح هذا الفنان في أن يصنع لنفسه صورة «النجم الآسيوي العالمي»، وهو لقب لم يكن سهلاً في وقتٍ كانت فيه السوق الدولية أكثر انغلاقاً على المراكز الغربية التقليدية. ظهوره في مهرجان يجمعه بفنانين صاعدين يوضح أن الكيبوب لا يعيش على اندفاعة لحظية، بل يبني سرديته عبر تراكم الأجيال.

في المقابل، فإن الدفع بأسماء جديدة مثل «كورتيز» إلى مقدمة المشهد يعكس ثقة الصناعة في الجيل المقبل. هنا لا نتحدث عن فرقة ناشئة تُختبر في ركن جانبي، بل عن اسم يُقدَّم أمام جمهور واسع ومتعدد الجنسيات باعتباره جزءاً من «الآن» لا مجرد احتمال للمستقبل. وهذا فارق مهم في الصناعة الكورية: النجومية لا تُمنح بعد سنوات طويلة فقط، بل يمكن أن تُبنى بسرعة حين تلتقي الاستراتيجية الإنتاجية مع الاستجابة الجماهيرية. من يعرف أسواق الترفيه العربية يدرك أن هذه المعادلة ليست بعيدة تماماً؛ ففي كثير من الأحيان يظهر صوت جديد أو نجم شاب في مهرجان كبير، فيتحول ظهوره إلى لحظة إعلان رسمي عن وصوله. لكن في الحالة الكورية، يجري هذا داخل منظومة أكثر إحكاماً، حيث كل تفصيل، من ترتيب الأغنيات إلى تصميم الإطلالة، يدخل في صناعة الهوية.

المهم هنا أن الجمع بين المخضرمين والصاعدين لم يكن مجرد محاولة لإرضاء جميع الأذواق، بل رسالة واضحة مفادها أن الكيبوب لم يعد مرتبطاً بجيل بعينه. ثمة سردية متواصلة، من الرواد الذين مهّدوا الطريق إلى الفرق الجديدة التي تعيد تعريفه بلغات وأشكال أداء مختلفة. وحين يرى الجمهور هذا الامتداد بأم عينه، تتكرس لديه فكرة أن ما يتابعه ليس موجة عابرة، بل ثقافة شعبية تملك مؤسساتها ونجومها وذاكرتها وتاريخها المتجدد.

«كورتيز» وصوت القاعة: لماذا لا تكفي الأرقام وحدها؟

من أبرز اللحظات التي خرج بها المهرجان، وفق ما نُقل عن أجوائه، الظهور اللافت لفرقة «كورتيز» داخل قبة «كيه إس بي أو». الهتاف الحاد الذي استقبل الفرقة لم يكن مجرد تحية من جمهور متحمس، بل كان دليلاً عملياً على أن مكانة الفنان في صناعة الكيبوب الحديثة لا تُقاس فقط بما يحققه على المنصات الرقمية، بل أيضاً بما يستطيع أن يخلقه من تفاعل فوري داخل مساحة حية تضم آلاف الأشخاص. هذه نقطة أساسية لفهم الثقافة الجماهيرية الكورية اليوم: النجاح الرقمي مهم، لكنه لا يصبح ذا معنى كامل إلا عندما يُترجم إلى طاقة ملموسة في القاعة.

افتتحت الفرقة وصلتها بأغنية «تي إن تي»، مستخدمة الميكروفونات اليدوية، وهو تفصيل قد يبدو عادياً للوهلة الأولى، لكنه في لغة المسرح ليس محايداً. الميكروفون اليدوي يمنح انطباعاً أكبر بالحرية والمباشرة، ويخلق مساحة لحضور شخصي أقل تقيداً من العروض المبنية كلياً على الكوريغرافيا الصارمة. وبحسب الانطباعات المتداولة من موقع الحدث، فإن هذا الخيار خدم صورة الفرقة بوصفها شابة ومتحررة وقادرة على رفع حرارة المكان بسرعة. في عالم الكيبوب، حيث تُحسب الثواني الأولى من الأداء حساباً دقيقاً، يصبح تقديم الأغنية الأولى إعلاناً عن الشخصية الفنية وليس مجرد بداية برنامج.

ثم جاءت اللحظة التي يمكن وصفها بأنها لحظة «الاعتراف الجماعي» عندما انطلقت أغنية «ريد ريد» التي تصدرت القوائم، وردد الجمهور معها اللازمة الأساسية بصوت واحد. هذا المشهد، على بساطته الظاهرة، هو المفتاح لفهم قوة الكيبوب كصناعة جماهيرية. عندما يتحول المقطع الغنائي إلى هتاف جماعي، فإن الأغنية تخرج من كونها ملفاً صوتياً ناجحاً إلى كونها ذاكرة مشتركة. هنا يصبح الجمهور شريكاً في العرض، وليس مجرد مستقبل له. وهذه الصيغة تشبه، في وجدان عربي أوسع، لحظات الترديد الجماعي في الحفلات الكبرى حين يتحول صوت الجمهور إلى جزء من التكوين الفني، كما يحدث في أمسيات الفنانين الكبار أو في المهرجانات الصيفية التي تحفظ الجماهير فيها المقاطع الأشهر عن ظهر قلب.

الأمر اللافت أن هذه القدرة على انتزاع رد فعل مباشر من الجمهور هي التي تمنح الفرقة الجديدة شرعية رمزية تفوق أحياناً كثيراً من مؤشرات النجاح الرقمية. فالمشاهدات يمكن أن ترتفع لأسباب متعددة، والخوارزميات قد تخدم هذا الاسم أو ذاك، لكن القاعة لا تكذب بسهولة. الجمهور إمّا يتجاوب أو لا يتجاوب. ولذلك فإن نجاح «كورتيز» في هذه اللحظة لا يعني فقط أن الفرقة تملك أغنية رائجة، بل يعني أن لديها قابلية للتحول إلى اسم ثابت في ذاكرة جمهور الحفلات، وهذه مرتبة أكثر استدامة من الضجيج المؤقت.

من الحفل إلى المنصة: كيف يغيّر «ويفرس» قواعد العلاقة مع الجمهور؟

لكي نفهم مغزى هذا المهرجان، لا بد من التوقف عند كلمة «ويفرس» نفسها. بالنسبة إلى كثير من القراء العرب الذين يتابعون الكيبوب على مسافة، قد لا تكون الفكرة واضحة تماماً. «ويفرس» ليست مجرد جهة تنظيمية أو اسم تجاري لمهرجان موسيقي، بل منصة رقمية تقوم على جمع الفنانين ومعجبيهم في فضاء واحد للتواصل والمحتوى والشراء والمتابعة. بعبارة أخرى، هي محاولة لتحويل علاقة المعجب بالفنان من متابعة متقطعة إلى عضوية مستمرة في مجتمع رقمي. وحين ينظَّم مهرجان تحت هذا الاسم، فإننا لا نكون أمام حفلة فحسب، بل أمام امتداد مادي لمنصة افتراضية قائمة أصلاً.

هذه النقلة مهمة للغاية في فهم المرحلة الراهنة من الكيبوب. فالصناعة الكورية لم تعد تعتمد فقط على الأغنية المصورة أو الظهور التلفزيوني، بل باتت تبني اقتصادها الثقافي على «المجتمع»؛ أي على إحساس المعجب بأنه ليس متلقياً فردياً معزولاً، بل جزء من شبكة واسعة تتشارك اللغة والإشارات والطقوس والاستهلاك العاطفي والثقافي. من هنا تأتي قوة المهرجانات المنصاتية: هي لا تجمع أسماء فنية فحسب، بل تجمع جماعات معجبين مختلفة داخل نظام واحد، فيكتشف جمهور فرقة ما فرقة أخرى، ويتقاطع المعجبون في مساحة مشتركة، وتتحول الفعالية إلى عملية إعادة توزيع للانتباه داخل السوق نفسها.

في العالم العربي، نعرف جيداً كيف يمكن للمنصات أن تعيد تشكيل الذائقة وتفتح أسواقاً جديدة، سواء في الدراما أو الموسيقى أو المحتوى القصير. لكن التجربة الكورية تبدو أكثر تقدماً في دمج المنصة بالحدث الحي. فبدلاً من أن تبقى التطبيقات مجرد وسيلة للتسويق، تتحول إلى بُنية تنظّم العلاقة بين الفنان والجمهور قبل الحفل وأثناءه وبعده. المعجب لا يشتري تذكرة فقط، بل يدخل في دورة تفاعلية أوسع تشمل الأخبار والصور والبضائع والذكريات الرقمية والانتماء الاجتماعي. ولهذا يصبح المهرجان نقطة ذروة في علاقة طويلة، لا حدثاً يبدأ عند فتح البوابات وينتهي بإطفاء الأضواء.

هذا التحول يحمل دلالة اقتصادية وثقافية في الوقت نفسه. اقتصادياً، يفتح أبواباً لعوائد متعددة تتجاوز بيع التذاكر. وثقافياً، يعمّق الإحساس بأن الكيبوب يعيش داخل منظومة متكاملة من الرموز والتجارب. وربما لهذا السبب تحديداً باتت الفعاليات من هذا النوع أكثر أهمية من بعض الإصدارات الفردية نفسها؛ لأنها تعرض «النظام» لا «الأغنية» فقط، وتؤكد أن سر النفوذ الكوري يكمن في قدرته على هندسة التجربة الكاملة.

سيول كوجهة حجّ ثقافي جديدة لعشاق الكيبوب

من النقاط التي تستحق الانتباه أن المهرجان استقبل جمهوراً من دول متعددة، وهو ما يعزز فكرة أن كوريا الجنوبية لم تعد تصدّر محتواها فقط، بل باتت تستقبل العالم على أرضها بوصفها موقعاً أصلياً للتجربة. هذا الأمر يشبه، على نحو ما، ما يعرفه المشهد العربي حين تتحول بعض المدن إلى وجهات ثقافية يرتبط اسمها بمهرجانات بعينها، فيسافر الناس لا لمجرد الاستماع إلى الفنان، بل ليعيشوا أجواء المدينة نفسها. غير أن حالة سيول مع الكيبوب تضيف بُعداً آخر: المدينة ليست مجرد خلفية للحدث، بل هي جزء من الحكاية التي يريد المعجب أن يلمسها عن قرب.

بالنسبة إلى جمهور عالمي تابع لسنوات الأغاني المصورة والبرامج والدراما والمحتوى الرقمي، فإن الوصول إلى سيول يشبه في المخيلة الثقافية الوصول إلى «المصدر». هنا يصبح المهرجان أشبه بزيارة إلى المكان الذي صُنعت فيه الصور والأصوات التي عاش معها المعجب طويلاً عبر الشاشة. ولهذا يمكن فهم الإقبال الدولي على مثل هذه الفعاليات بوصفه شكلاً من أشكال «السياحة الثقافية» التي تتجاوز مفهوم السفر التقليدي. المعجب يأتي ليشاهد فرقة، نعم، لكنه يأتي أيضاً ليتنفس المشهد الكوري من داخله، ويشعر بأن ما كان يستهلكه عن بُعد صار واقعاً يختبره بجسده وحواسه.

اختيار الحديقة الأولمبية تحديداً يضيف معنى آخر. فالمكان يجمع بين البعد التاريخي والقدرة اللوجستية والرمزية الوطنية. وحين يقام الحدث بين قاعة داخلية ضخمة وساحة خارجية مفتوحة، فإن تجربة الحضور تصبح أكثر ثراء: انتقال بين الانضباط المكثف والانفتاح الاحتفالي، بين جلوس أو وقوف، بين إنارة مسرحية دقيقة واتساع سماء مفتوحة. وهذا التنوع في الفضاءات ليس ترفاً بصرياً فقط، بل جزء من تصميم التجربة بما يناسب تعدد الفنانين والجماهير.

من هنا يمكن القول إن كوريا الجنوبية باتت تستثمر في «الموقع» بالمعنى الثقافي، تماماً كما تستثمر في الفنان والمنصة. فالمشهد الكوري يفهم أن الجغرافيا ليست محايدة، وأن المدينة نفسها يمكن أن تتحول إلى عنصر في تسويق الثقافة. هذه نقطة قد تكون ذات أهمية كبيرة للدول العربية أيضاً، حيث تنمو فكرة المدن الثقافية والمواسم الفنية وتقاطعاتها مع السياحة والصورة الوطنية.

ما الذي تكشفه التشكيلة الفنية عن حاضر الصناعة الكورية؟

إذا نظرنا إلى لائحة المشاركين في المهرجان، سنجد أن الأمر لا يتعلق بمجرد حشد جماهيري، بل بخريطة شبه مصغرة للصناعة الموسيقية الكورية في لحظتها الراهنة. إلى جانب فرق الآيدول ذات البنية الجماهيرية الواضحة، حضرت فرقة روك، ومغنية ذات خلفية أقرب إلى كتابة الأغنية والأداء العاطفي، كما حضر رابر ومنتج يملك مكانة خاصة في صناعة الذوق الموسيقي. هذا التنوع ليس شكلياً، بل يعبّر عن واقع مهم غالباً ما يختفي خلف الصورة النمطية للكيبوب في الخارج: تحت المظلة الواسعة للموجة الكورية توجد طبقات فنية متعددة، وليس مجرد نسخة واحدة من النجم الراقص اللامع.

هذا مهم جداً للقارئ العربي، لأن كثيراً من النقاشات حول الكيبوب في منطقتنا تقع في فخ التبسيط. يُنظر إليه أحياناً بوصفه صناعة فرق شبابية متشابهة وحسب، بينما تُظهر مهرجانات مثل «ويفرسكون» أن السوق أوسع من ذلك بكثير. هناك فنانون منفردون، وموسيقى باندات، وأسماء من دول آسيوية أخرى تدخل في المشهد، وتقاطعات بين الأداء التجاري والفني، وبين الإنتاج الجماهيري والتجريب المدروس. هذه التعددية هي أحد أسباب صمود الصناعة؛ لأنها لا تراهن على قالب واحد قد يشيخ سريعاً، بل على منظومة قادرة على تجديد نفسها.

حضور فرق من اليابان داخل مهرجان كوري يرسل هو الآخر إشارة مهمة: المشهد لم يعد ينغلق على الهوية الوطنية الضيقة، بل يتحرك في فضاء آسيوي وعالمي أوسع، تحكمه فكرة «تجربة المعجب» أكثر مما تحكمه الجنسيات. وهذا تطور يعكس نضج السوق؛ فحين يصبح المعيار الأساسي هو قيمة الأداء وقدرته على جذب الجمهور داخل منظومة واحدة، فإن الثقافة الشعبية تكون قد تجاوزت منطق الحدود الصلبة إلى منطق الشبكات والدوائر المتقاطعة.

هنا أيضاً نجد صدى يمكن أن يفهمه المتلقي العربي جيداً. فالأسواق الثقافية الناجحة لا تزدهر حين تنغلق على ذاتها، بل حين تعرف كيف تستضيف المختلف وتعيد دمجه في سياقها من دون أن تفقد ملامحها. وهذا ما يبدو أن سيول تفعله بحذر وذكاء في مهرجاناتها الحديثة.

لماذا ينجذب الجمهور اليوم إلى «الكيبوب المهرجاني»؟

السؤال الأهم ربما ليس من شارك في المهرجان، بل لماذا يبدو هذا النموذج تحديداً جذاباً إلى هذه الدرجة؟ الجواب يبدأ من التحول في سلوك الجمهور نفسه. في زمن البث المتواصل والمحتوى القصير والتشبع الرقمي، لم يعد المستمع يكتفي بسهولة بالاستماع الفردي عبر الهاتف أو بمشاهدة فيديو جديد كل بضعة أسابيع. هناك رغبة متزايدة في اختبار شيء لا يمكن نسخه بالكامل على الشاشة: طاقة المكان، وضجيج الجمهور، والتقاطعات غير المتوقعة بين أسماء مختلفة، والشعور بأنك جزء من حدث يحدث مرة واحدة بهذا الشكل.

المهرجان يلبّي هذه الحاجة بكفاءة. من يحضر من أجل فرقة معينة قد يخرج باسم جديد يفضله. ومن يدخل القاعة محمّلاً بتوقعات محددة قد يجد نفسه منجذباً إلى نمط مختلف لم يكن يضعه في حسابه. هذه «لذة الاكتشاف» هي من أهم ما يمنح المهرجانات قيمتها اليوم، وهي أيضاً ما يجعلها أداة استراتيجية في بناء جماهير المستقبل. فالصناعة لا تبيع فقط ما هو ناجح الآن، بل تصنع ظروفاً لنجاح ما سيأتي لاحقاً.

في الحالة الكورية، يضاف إلى ذلك أن المعجبين معتادون على مستويات عالية من التنظيم والانخراط؛ فهم لا يذهبون إلى الحفل كمستهلكين سلبيين، بل كجزء من ثقافة مشاركة: يحفظون المقاطع، ويتابعون التفاصيل، ويتفاعلون مع الإشارات، ويحوّلون الأداء إلى لحظة جماعية. لذلك يصبح «الكيبوب المهرجاني» امتداداً طبيعياً لثقافة قائمة سلفاً على التفاعل والهوية المشتركة.

ومن زاوية عربية، قد يكون هذا واحداً من أسرار الجاذبية المتزايدة للثقافة الكورية بين الشباب: إنها تقدم نموذجاً للانتماء الثقافي العابر للحدود، حيث يشعر الفرد أنه داخل مجتمع عالمي له لغته ورموزه وطقوسه، من دون أن يحتاج إلى أن يعيش في كوريا نفسها. وعندما يتاح له أخيراً أن يزور سيول أو يحضر فعالية من هذا النوع، يكتمل لديه ما يشبه «التحقق الواقعي» لعلاقة بُنيت طويلاً عبر الإنترنت.

أكثر من خبر فني: ما الذي ينبغي أن يلتقطه القارئ العربي؟

في المحصلة، لا يمكن اختزال «ويفرسكون 2026» في كونه مهرجاناً ناجحاً ضم 30 فريقاً خلال يومين في سيول. الأهم من الأرقام هو ما تكشفه هذه الأرقام عن اتجاه أوسع: الكيبوب يواصل التمدد لأنه عرف كيف ينتقل من منطق الأغنية إلى منطق العالم المتكامل. العالم هنا يشمل الفنانين من أجيال مختلفة، والمنصات الرقمية، والمسارح المتعددة، والجمهور العابر للجنسيات، والمدينة التي تتحول إلى وجهة ثقافية.

هذا يعني أن من يريد فهم الموجة الكورية اليوم لا يكفيه أن يراقب القوائم الموسيقية أو أرقام المشاهدة. عليه أن يراقب أيضاً ما يجري على الأرض: كيف تتحرك الجماهير؟ كيف يُصمم الحدث؟ كيف تُبنى العلاقة بين الفنان والمعجب؟ وكيف يتم تقديم النجوم الجدد داخل مشهد يضم الرواد أنفسهم؟ هذه الأسئلة هي التي تجيب عن سر الاستمرارية، وهي أيضاً ما يجعل من مهرجان كهذا مادة صحفية وثقافية ذات قيمة حقيقية.

بالنسبة إلى الجمهور العربي، تزداد أهمية هذا الفهم لأن المنطقة باتت شريكاً متنامياً في استهلاك الثقافة الكورية، من الدراما إلى الموسيقى إلى مستحضرات التجميل والمأكولات. وإذا كانت المرحلة الأولى من العلاقة قد قامت على الفضول والاكتشاف، فإن المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى التخصص والانخراط الأعمق. لذلك فإن متابعة حدث مثل «ويفرسكون» ليست ترفاً لعشاق الكيبوب وحدهم، بل نافذة على كيفية اشتغال واحدة من أنجح الصناعات الثقافية في العالم المعاصر.

في النهاية، ربما كان أهم ما كشفه مهرجان سيول هو أن الكيبوب لم يعد يُقاس فقط بعدد النجوم فوق المسرح، بل بعدد الجسور التي يبنيها بين الأجيال واللغات والبلدان والمنصات. وبين صخب قبة «كيه إس بي أو» واتساع الساحة العشبية في الحديقة الأولمبية، بدا المشهد وكأنه يقول بوضوح: سر القوة الكورية ليس في إنتاج نجم جديد كل موسم فقط، بل في القدرة على تحويل كل لقاء مباشر بين الفنان والجمهور إلى لحظة أصلية، تتجدد فيها الحكاية ويُعاد فيها اختراع الولاء الثقافي من جديد.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات