
مشهد احتفالي يتجاوز البروتوكول
في سيول، لم يكن الاحتفال بمرور 140 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين كوريا الجنوبية وفرنسا مجرد مناسبة بروتوكولية تُلتقط فيها الصور وتُتلى فيها كلمات المجاملة المعتادة. الحدث الذي أُقيم في الرابع من يونيو داخل قاعة «سوكجوجون» في قصر «ديوكسو» التاريخي بالعاصمة الكورية، وحضرته السيدة الأولى الكورية كيم هيه-كيونغ إلى جانب مسؤولين حكوميين ودبلوماسيين أوروبيين وممثلي شركات كورية وفرنسية، حمل دلالات أوسع بكثير من عنوانه الاحتفالي. ما ظهر في الواجهة كان ذكرى تاريخية، لكن ما كان يتحرك في العمق هو إعادة تقديم العلاقة بين سيول وباريس بوصفها شراكة حية ومستمرة، لا مجرد صفحة قديمة في سجل العلاقات الدولية.
ولمن يتابع الشأن الكوري من العالم العربي، فإن أهمية هذا النوع من المناسبات لا تكمن فقط في رمزيته التاريخية، بل في الطريقة التي تستخدم بها كوريا الجنوبية مناسبات كهذه لصياغة خطابها الخارجي. سيول لا تتحدث اليوم عن نفسها باعتبارها قوة صناعية وتكنولوجية فحسب، بل باعتبارها دولة تملك أيضاً رأسمالاً ثقافياً وقيمياً يمكن توظيفه دبلوماسياً. لذلك بدا الاحتفال وكأنه رسالة متعددة الطبقات: إلى فرنسا بوصفها شريكاً أوروبياً أساسياً، وإلى الاتحاد الأوروبي بوصفه فضاءً سياسياً واقتصادياً مهماً، وإلى الرأي العام الدولي بوصفه جمهوراً يتابع كيف تُدار صورة الدول في زمن القوة الناعمة.
المكان نفسه يضيف إلى المعنى. فقصر «ديوكسو» ليس مجرد مبنى أثري في سيول، بل أحد الفضاءات التي تختزن في الذاكرة الكورية مرحلة التحول إلى الدولة الحديثة والاحتكاك المبكر بالعالم الخارجي. واختيار جناح «سوكجوجون»، بطرازه الغربي المدمج في فضاء ملكي كوري، يحمل بدوره رمزية واضحة: هنا يتقاطع المحلي بالعالمي، والتاريخي بالمعاصر، والوطني بالكوني. في لغة الصحافة العربية يمكن القول إن المشهد يشبه إقامة احتفال دبلوماسي في قصر عابدين أو في أحد قصور دمشق أو الرباط التاريخية، حيث يصبح المكان نفسه جزءاً من الرسالة السياسية والثقافية.
لهذا السبب يصعب قراءة المناسبة كحدث احتفالي معزول. فالقصة الأهم ليست أن كوريا الجنوبية وفرنسا تحتفلان بعمر طويل من العلاقات، بل أن سيول تحاول أن تقول إن هذا التاريخ لا يعيش في الأرشيف فقط، وإنما يتحول إلى أداة لفهم الحاضر وبناء المستقبل. وهذه نقطة جوهرية في الدبلوماسية المعاصرة: فالأقدمية وحدها لا تكفي، ما لم تتحول إلى ثقة متبادلة، وشبكة مصالح، وقابلية مستمرة للتعاون.
رسالة السيدة الأولى: لغة عاطفية بنبرة سياسية
الكلمات التي ألقتها كيم هيه-كيونغ خلال المناسبة بدت للوهلة الأولى أقرب إلى الخطاب الاحتفالي الهادئ، لكنها في الواقع صيغت بعناية لتؤدي وظيفة سياسية ودبلوماسية. حين تحدثت عن أن البلدين «فتحا أبواب القلب» قبل 140 عاماً رغم اختلاف اللغة والثقافة وبعد المسافة، فإنها استخدمت تعبيراً شاعرياً ظاهرياً، لكنه يحمل بنية سياسية واضحة: العلاقة بين سيول وباريس ليست علاقة مصلحة عابرة، بل علاقة بُنيت على تجاوز الفوارق وبناء الثقة.
في الأعراف الدبلوماسية، لا تُستخدم كلمات مثل «الثقة» و«الصداقة» و«الشريك القريب» على سبيل التزيين البلاغي فقط. هذه مفردات لها وزنها، لأنها تشير إلى مستوى من الاستقرار والتوقع الإيجابي في العلاقة. عندما تقول شخصية رسمية أو من موقع رسمي إن دولتين أصبحتا «شريكتين قريبتين»، فهذا يعني أن العلاقة لم تعد قائمة على الزيارات المتقطعة أو الاتفاقات التقنية المحدودة، بل على تصور أوسع يرى في الطرف الآخر شريكاً يمكن البناء معه على المدى الطويل.
وما يستحق التوقف هنا هو أن الخطاب لم يقتصر على العلاقات بين الحكومات، بل وسّع الدائرة لتشمل التفاهم اليومي بين الشعبين. هذا التفصيل مهم، لأن كوريا الجنوبية، مثل دول كثيرة نجحت في توسيع نفوذها الرمزي، تعرف أن عمق أي علاقة خارجية لا يُقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو حجم التبادل التجاري، بل أيضاً بحجم الألفة المتبادلة بين المجتمعات. في العالم العربي نفهم هذه الفكرة جيداً: كم من علاقات بين دول تبدو متينة رسمياً، لكنها ضعيفة شعبياً وثقافياً. والعكس صحيح أيضاً، إذ قد تخلق الثقافة جسوراً أطول عمراً من تبدلات السياسة.
من هنا، فإن استخدام لغة وجدانية في خطاب المناسبة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خروجاً عن السياسية، بل هو جزء من السياسة نفسها. في زمن تتراجع فيه فاعلية الخطاب الخشن المباشر في بعض الملفات، تصبح اللغة العاطفية أداة لتليين الرسائل الصلبة، وتقديم الشراكة بوصفها خياراً طبيعياً ومقبولاً أخلاقياً وثقافياً. وهذا أسلوب باتت كوريا الجنوبية تتقنه بوضوح، سواء في رسائلها المرتبطة بالثقافة أو في مناسباتها الخارجية ذات الطابع الرمزي.
حين تتحول الثقافة إلى جسر دبلوماسي
الشق الأكثر لفتاً في المناسبة ربما كان ذلك الجزء من الخطاب الذي ربط بين التبادل الثقافي وبين صلابة العلاقة السياسية. كيم هيه-كيونغ أشارت إلى حب الفرنسيين للمحتوى الثقافي الكوري و«الكي-بوب»، وإلى تقدير الكوريين لأدب فيكتور هوغو وأعمال مونيه ورودان، ولما تمثله فرنسا من قيم مرتبطة بالحرية وروح الإبداع. هذا الربط بين الثقافة والقيم ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو قلب الحكاية.
منذ سنوات، باتت كوريا الجنوبية مثالاً عالمياً على قدرة الثقافة الشعبية على فتح الأبواب السياسية والاقتصادية. فالدراما الكورية، والسينما، والموسيقى، والموضة، وحتى المطبخ الكوري، تحولت إلى ما يشبه بطاقة تعريف دولية جديدة للبلاد. لم تعد كوريا بالنسبة إلى كثيرين مجرد اسم مرتبط بأشباه الموصلات والسيارات والسفن الذكية، بل أيضاً بلد الأغاني التي تتصدر المنصات، والمسلسلات التي تنافس الإنتاجات الغربية، والأفلام التي تحصد الجوائز العالمية. هذه الظاهرة، التي يُشار إليها عادة بـ«الهاليو» أو «الموجة الكورية»، ليست موجة ترفيهية فقط، وإنما مورد دبلوماسي متكامل.
وللقارئ العربي الذي يتابع تمدد الثقافة الكورية في المنطقة، من حفلات الفرق الغنائية إلى ازدهار تعليم اللغة الكورية وتنامي الاهتمام بالأزياء والمأكولات، فإن المشهد الكوري-الفرنسي يبدو مفهوماً أكثر. فكما دخلت كوريا الجنوبية البيوت العربية عبر الشاشات والمنصات، دخلت أيضاً البيوت الفرنسية والأوروبية. الفارق أن سيول تحاول هنا أن تقول إن هذا الانتشار لا يبقى في خانة الترفيه فقط، بل يتحول إلى أرضية تساعد على ترسيخ علاقات أكثر استقراراً مع دول ذات ثقل سياسي وثقافي مثل فرنسا.
وفي المقابل، لم تُقدَّم فرنسا في الخطاب الكوري بوصفها مجرد قوة أوروبية تقليدية، بل بوصفها حاملة لإرث ثقافي وقيمي. استدعاء أسماء مثل فيكتور هوغو ومونيه ورودان ليس اعتباطياً. هذه أسماء ترمز، في المخيال العالمي، إلى الأدب والفن والحداثة والجرأة الجمالية. وحين تُرفق هذه الأسماء بالحديث عن «الحرية» و«روح الإبداع»، فإن الرسالة تصبح أوسع من تبادل الإعجاب الثقافي؛ إنها محاولة لتأطير العلاقة بين البلدين داخل منظومة من القيم المتبادلة، لا مجرد المنافع العملية.
هذا المستوى من التبادل المتوازن مهم جداً. فالعلاقات الثقافية غير المتكافئة قد تُنتج نوعاً من الاستهلاك الأحادي، حيث يتحول طرف إلى مُصدّر دائم للرموز والطرف الآخر إلى مستهلك فقط. أما في الحالة الكورية-الفرنسية كما جرى تقديمها في المناسبة، فالصورة مختلفة: كل طرف يرى في الآخر قيمة ثقافية ومعنوية حقيقية. وهذه نقطة تمنح العلاقة عمقاً أكبر، لأنها تجعلها أقل هشاشة أمام تقلبات السياسة اليومية.
من حضر؟ ولماذا تكشف قائمة المدعوين معنى الحدث؟
بعيداً عن الكلمات، تكشف تركيبة الحضور نفسها الكثير عن طبيعة المناسبة. فوجود السيدة الأولى، ووزراء ومسؤولين حكوميين، والسفير الفرنسي لدى سيول، وممثلين عن بعثات الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة السبع، إلى جانب ممثلين عن شركات كبرى من الجانبين، يعني أن الحدث صُمم ليكون منصة تلتقي فيها ثلاثة مستويات في آن واحد: الرمزي، والسياسي، والاقتصادي.
وهذه نقطة أساسية في فهم الدبلوماسية الكورية المعاصرة. فالدبلوماسية لم تعد تُدار فقط في قاعات التفاوض المغلقة أو عبر وزارات الخارجية وحدها. هناك اليوم وعي متزايد، خصوصاً لدى الدول الصاعدة والمتوسطة النفوذ، بأن الصورة العامة للعلاقة لا تُصنع بالبيانات الرسمية فقط، بل أيضاً بحضور رجال الأعمال، ودوائر الثقافة، والمؤسسات الدولية، والوجوه التي تمنح الرسالة بُعداً تمثيلياً أوسع. بعبارة أخرى، ما نشهده هو انتقال من دبلوماسية الدولة الصارمة إلى دبلوماسية الشبكات.
لو كان الحضور مقتصراً على دبلوماسيين فحسب، لأمكن وصف المناسبة بأنها احتفال رسمي تقليدي. ولو اقتصر على شخصيات ثقافية وفنية، لبدت كفعالية صداقة شعبية. لكن جمع هذين المستويين مع قطاع الأعمال يوضح أن الحديث هنا يدور عن علاقة يُراد لها أن تتحرك في أكثر من اتجاه: الثقافة تهيئ المناخ، والسياسة تؤطّر الشراكة، والاقتصاد يترجمها إلى مصالح عملية.
وهذا النموذج مألوف أيضاً في تجارب عربية عندما تكون الدولة حريصة على توجيه رسالة مركبة للخارج. ففي كثير من القمم أو المناسبات الثنائية الكبرى، يصبح شكل الحضور بحد ذاته نصاً سياسياً قائماً بذاته. من حضر، ومن جلس إلى جوار من، ومن ألقى الكلمة، كلها عناصر تساعد على فهم الرسالة من دون الحاجة إلى إعلان صريح. من هذه الزاوية، يبدو احتفال سيول مع باريس أشبه ببيان دبلوماسي مكتوب بالأشخاص والمكان والرموز، لا بالكلمات فقط.
كما أن حضور ممثلي دول أوروبية وغربية أخرى يمنح الحدث بُعداً إضافياً. فالعلاقة الكورية-الفرنسية هنا لا تُقدَّم فقط كثنائية بين بلدين، بل كجزء من موقع أوسع تريد كوريا الجنوبية أن ترسخه داخل شبكة علاقاتها مع أوروبا والعالم الصناعي المتقدم. إنها طريقة غير مباشرة للقول إن باريس بالنسبة إلى سيول ليست مجرد عاصمة أوروبية أخرى، بل بوابة إلى فضاء أوسع من التنسيق السياسي والثقافي والاقتصادي.
140 عاماً: التاريخ وحده لا يكفي
في العلاقات الدولية، تبدو الأرقام الكبيرة جذابة دائماً: خمسون عاماً، مئة عام، أو كما في هذه الحالة، 140 عاماً من العلاقات الدبلوماسية. لكن هذا النوع من الاحتفال لا يكتسب معناه الحقيقي من طول المدة وحده. دول كثيرة تملك علاقات قديمة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن روابطها فاعلة أو مؤثرة في الحاضر. السؤال الأهم دائماً هو: ماذا يفعل هذا التاريخ في الحاضر؟ وهل تحوّل إلى رصيد حي، أم بقي مجرد تاريخ جميل يُستعاد في المناسبات؟
في الرسائل التي خرجت من احتفال سيول، بدا واضحاً أن الرهان ليس على ماضٍ طويل فحسب، بل على تحويل ذلك الماضي إلى سردية معاصرة. لهذا جرى التشديد على مفاهيم مثل «التفاهم»، و«التعاطف»، و«التبادل اليومي»، و«الشراكة القريبة». هذه مفردات تنتمي إلى الزمن الحاضر، لا إلى أرشيف الدبلوماسية القديمة. وهي توحي بأن كوريا الجنوبية تحاول أن تعرض علاقتها بفرنسا كعلاقة تتجدد باستمرار، لا كقصة تأسيس تاريخية جامدة.
هذا النوع من القراءة مهم أيضاً بالنسبة إلى جمهور عربي معتاد على متابعة العلاقات الدولية من زاوية الأزمات والصفقات والخلافات. فثمة شكل آخر من الدبلوماسية لا يقوم على الضجيج، بل على التراكم الهادئ. كوريا الجنوبية تبدو هنا كدولة تستثمر في سرديتها الخارجية بعناية: لا تطرح نفسها عبر الصدام، بل عبر الاستمرارية؛ لا تعلن كل مرة عن اختراق سياسي كبير، بل تفضّل أحياناً أن تُظهر متانة علاقاتها من خلال مناسبات رمزية محسوبة.
وهنا تبرز نقطة لافتة: لم تشهد المناسبة إعلان اتفاقية كبرى جديدة أو خطوة سياسية استثنائية، ومع ذلك حظيت بأهمية واضحة. السبب أن الدبلوماسية ليست دائماً مسألة قرارات مفاجئة أو وثائق جديدة. في أحيان كثيرة، تكون قوتها في القدرة على إعادة تأكيد القديم بصيغة جديدة، وعلى منح العلاقات المستقرة طاقة سردية متجددة. هذا بالضبط ما فعلته سيول في هذه الذكرى: أعادت رواية علاقتها بفرنسا بلغة تناسب القرن الحادي والعشرين.
كما أن استدعاء قيم مثل الثقة والصداقة ينسجم مع صورة كوريا الجنوبية التي تحاول أن تُرسخها دولياً. هي لا تريد أن تُعرّف فقط بكونها دولة متقدمة تكنولوجياً أو حليفاً أمنياً في شرق آسيا، بل أيضاً بوصفها شريكاً موثوقاً، منفتحاً على العالم، وقادراً على تحويل نجاحه الثقافي إلى منصة للتعاون السياسي والاقتصادي. ومن هنا، تصبح الذكرى الدبلوماسية مناسبة لإعادة تعريف الذات بقدر ما هي مناسبة للاحتفال بالآخر.
فرنسا في المخيلة الكورية... وكوريا في المخيلة الفرنسية
اللافت في المناسبة أن كل طرف ظهر في مرآة الآخر بصورة إيجابية متماسكة. كوريا الجنوبية قُدمت كما يراها كثيرون اليوم: بلد الثقافة الصاعدة، والإنتاج الإبداعي، والحضور الشبابي العالمي. أما فرنسا فقُدمت كما ما زالت تحتفظ بموقعها في الوعي العالمي: بلد الأدب والفن والحرية والذائقة الجمالية العالية. هذا التبادل في الصور الذهنية ليس أمراً بسيطاً، لأن العلاقات الدولية كثيراً ما تتأثر بالانطباعات المتبادلة بقدر تأثرها بالمصالح المباشرة.
في العالم العربي، نعرف جيداً وزن الصورة الثقافية في صناعة المكانة الدولية. فبلد مثل مصر، على سبيل المثال، ظل لعقود طويلة يحمل نفوذاً رمزياً عربياً يتجاوز أحياناً قدرته السياسية المباشرة، بفضل السينما والموسيقى والأدب. وكذلك لبنان والمغرب وسوريا والعراق، كلٌّ بطريقته، صنع لنفسه حضوراً يتجاوز الأرقام الاقتصادية الصرفة. من هذا المنظور، يمكن فهم المسار الكوري بصورة أوضح: سيول تبني لنفسها نفوذاً رمزياً يتيح لها التحدث إلى العالم بلغة أكثر جاذبية من لغة المصالح البحتة.
أما فرنسا، فهي بالنسبة إلى النخب الكورية ليست مجرد شريك رسمي، بل أيضاً مرجع ثقافي وفكري له سحره الخاص. ولا تزال باريس، رغم التحولات العالمية، تحتفظ بمكانتها كعاصمة للذوق والفن والفكر في خيال قطاعات واسعة من العالم. وعندما يتم استحضارها بهذه الصفات داخل خطاب دبلوماسي كوري، فذلك يعني أن سيول تدرك تماماً قيمة الرمز الفرنسي، وتسعى إلى محاورة هذا الرمز لا الاكتفاء بالتعامل مع الدولة الفرنسية كطرف سياسي فقط.
وفي الاتجاه المعاكس، لا يمكن إغفال أن فرنسا من أكثر الدول الأوروبية انفتاحاً على الثقافة الكورية المعاصرة، سواء عبر الحفلات الموسيقية، أو المهرجانات السينمائية، أو التفاعل الأكاديمي والثقافي المتزايد. هذا التفاعل يجعل العلاقة أقل برودة من العلاقات الرسمية التقليدية، وأكثر قابلية لأن تُترجم إلى تعاون طويل المدى. فحين يكون لدى المجتمعين فضول متبادل، تصبح السياسة أقل كلفة، ويصبح سوء الفهم أقل احتمالاً.
هذه النقطة بالذات تفسر لماذا بدا الحديث عن الثقافة في المناسبة جزءاً أصيلاً من الخبر، لا زينة مرافقة له. فالثقافة هنا ليست ملحقاً، بل بنية تحتية للعلاقة. ومن دون هذا الفهم، يصعب تفسير كيف انتقلت كوريا الجنوبية خلال سنوات قليلة من بلد يُنظر إليه خارجياً من زاوية التوتر مع الشمال والصعود الاقتصادي، إلى بلد بات يُستدعى أيضاً بوصفه منتجاً للرموز والمعاني والخيال الشعبي.
ما الذي يعنيه هذا للعالم العربي؟
قد يسأل قارئ عربي: لماذا يهمنا احتفال كوري-فرنسي في سيول؟ الجواب أن مثل هذه الأحداث تكشف الكثير عن الطريقة التي تُدار بها القوة في عالم اليوم. نحن أمام نموذج لدولة لا تعتمد على الاقتصاد أو الأمن وحدهما في بناء صورتها الخارجية، بل تمزج بين الثقافة والقيم والرمزية التاريخية والشراكات العملية. وهذا نموذج يستحق التأمل من المنطقة العربية، حيث كثيراً ما يجري الفصل بين «الناعم» و«الصلب» في السياسة الخارجية، وكأن الثقافة ترف يمكن تأجيله لا أداة تأثير فعلي.
كوريا الجنوبية تقدم، مرة أخرى، درساً في كيفية استثمار النجاح الثقافي داخل معادلات أوسع. لم تتعامل مع الموجة الكورية باعتبارها ظاهرة جماهيرية مربحة فقط، بل حولتها إلى عنصر من عناصر تموضعها الدولي. وفي المقابل، حافظت على قدرة عالية على مخاطبة دول ذات ثقل ثقافي خاص مثل فرنسا بلغة تحترم رمزيتها ولا تذيب الخصوصية الكورية. هذه المعادلة الدقيقة، أي الجمع بين الثقة بالذات والانفتاح على الآخر، هي ما يمنح التحرك الكوري جاذبيته.
بالنسبة إلى البلدان العربية، حيث النقاش مستمر حول موقع الثقافة في الدبلوماسية وحول كيفية تحويل الإرث الحضاري إلى نفوذ معاصر، تبدو التجربة الكورية مادة غنية للتأمل. ليس المطلوب نسخ النموذج الكوري حرفياً، فلكل مجتمع تاريخه وسياقه، لكن يمكن الاستفادة من منطقه: الثقافة ليست زينة للسياسة، بل امتداد لها. والاحتفال المدروس، إذا أُحسن تصميمه، قد يصبح أداة تأثير لا تقل فاعلية عن الخطابات الرسمية الثقيلة.
كما أن حضور فرنسا في هذه القصة يذكّرنا بأن أوروبا ما زالت ساحة مركزية للصورة الدولية، وأن كسب الانتباه الأوروبي لا يتم فقط عبر ملفات الأمن والهجرة والتجارة، بل أيضاً عبر بناء خطاب ثقافي وقيمي قادر على توليد الاحترام والتقارب. وهذا ما بدا أن سيول تدركه جيداً في هذه الذكرى الدبلوماسية.
في المحصلة، يكشف الاحتفال بمرور 140 عاماً على العلاقات الكورية-الفرنسية عن أكثر من مجرد صداقة بين بلدين. إنه يكشف عن دبلوماسية كورية تعرف كيف تستثمر الرمز، وكيف تُحسن اختيار المكان واللغة والوجوه، وكيف تربط بين الثقافة والسياسة والاقتصاد من دون افتعال. وربما لهذا السبب بدا المشهد، رغم هدوئه الظاهر، غنياً بالدلالات. ففي زمن تتنافس فيه الدول على النفوذ بالصورة كما تتنافس عليه بالمصلحة، تعرف سيول جيداً أن مشهداً واحداً متقناً قد يقول أحياناً ما لا تقوله عشرات البيانات الرسمية.
0 تعليقات