
تحول جديد في طريقة مشاهدة الكيبوب
في السنوات الأخيرة، اعتاد جمهور الثقافة الكورية في العالم العربي على متابعة أخبار فرق الكيبوب من بوابة الألبومات الجديدة، وجولات الحفلات العالمية، ومقاطع الأداء القصيرة التي تملأ منصات التواصل. لكن الخبر الآتي من كوريا الجنوبية هذه المرة لا يتعلق فقط باسم فرقة صاعدة أو عودة فنية مرتقبة، بل يمسّ بنية التوزيع نفسها: كيف يصل عرض الكيبوب إلى الجمهور، وعلى أي منصة، وبأي منطق اقتصادي. فقد أعلنت سامسونغ للإلكترونيات تعاونها مع شركة SM إنترتينمنت لإطلاق برنامج بعنوان «الحفل الشهري لـSM» عبر خدمة «سامسونغ TV بلس»، في خطوة تكشف أن صناعة الترفيه الكوري لا تكتفي بتصدير النجوم، بل تعيد أيضاً هندسة طريقة استهلاكهم.
الخبر، في ظاهره، يبدو كأنه شراكة بين شركة تقنية عملاقة ووكالة ترفيهية كبرى. لكن عند قراءته بعين صحفية تراقب تحولات الصناعة، يتضح أننا أمام ما هو أبعد من مجرد بث محتوى فني. فالمسألة هنا تتعلق بنقل الحفل الغنائي من كونه منتجاً موسمياً أو امتيازاً مدفوعاً لعشاق الفرقة فقط، إلى كونه مادة مبرمجة ضمن جدول بث ثابت، تُعرض أسبوعياً في توقيت محدد، وعلى خدمة مجانية مدعومة بالإعلانات. هذا يعني أن الحفلة لم تعد حدثاً ينتهي بانطفاء الأضواء في القاعة، بل باتت جزءاً من دورة عرض قابلة للتكرار، والمشاهدة، وإعادة التقديم لجمهور أوسع.
وبالنسبة للقارئ العربي، فإن هذا التحول يذكّرنا بالطريقة التي كانت بها الحفلات الغنائية والسهَر التلفزيونية تشكل موعداً جماهيرياً ثابتاً في الشاشات العربية، من حفلات أم كلثوم الشهرية في الذاكرة الكلاسيكية، إلى السهرات الفنية الموسمية التي كانت تجمع العائلة أمام التلفزيون. الفارق أن كوريا الجنوبية تعيد اليوم إنتاج هذا المنطق، ولكن بلغة المنصات الذكية وخدمات البث المجانية، وتضع الكيبوب في قلب تجربة مشاهدة تجمع بين منطق التلفزيون التقليدي ومرونة البث الرقمي.
هذه الخطوة تكشف أيضاً أن التنافس لم يعد فقط بين الشركات على الفنانين والأغاني، بل على «عادات المشاهدة» نفسها. من ينجح في جعل الجمهور يعود في الموعد نفسه كل أسبوع، ويعتبر الشاشة الكبيرة جزءاً من طقسه الترفيهي، يربح أكثر من مجرد نسبة مشاهدة؛ إنه يربح مساحة مستقرة في الحياة اليومية للمستخدم.
ما الذي تعنيه خدمة FAST ولماذا هي مهمة؟
أحد المفاهيم الأساسية في هذا الخبر هو نموذج FAST، وهو اختصار لعبارة تعني خدمة بث مجانية مدعومة بالإعلانات. ببساطة، لا يدفع المشاهد اشتراكاً شهرياً كما يحدث في منصات الفيديو المدفوعة، بل يحصل على المحتوى مجاناً مقابل مشاهدة الإعلانات. هذا النموذج ليس جديداً تماماً في الإعلام العالمي، لكنه يكتسب اليوم أهمية متزايدة مع ارتفاع كلفة الاشتراكات الرقمية، وتزايد شكوى المستخدمين من تعدد المنصات المدفوعة وتشظي المحتوى بينها.
في السياق العربي، يمكن فهم هذا النموذج على نحو أوضح إذا قارناه بفكرة القنوات المفتوحة التي تعتمد على الإعلانات، لكن مع اختلاف جوهري: نحن هنا لسنا أمام بث تلفزيوني خطي بالمعنى القديم فقط، بل أمام بيئة رقمية ذكية يمكن الوصول إليها من خلال أجهزة التلفاز المتصلة بالإنترنت، مع قنوات متخصصة، وتجربة مدمجة داخل النظام التقني للجهاز نفسه. بكلمات أخرى، الخدمة تبدو مجانية مثل القنوات التقليدية، لكنها تعمل بعقلية المنصة الرقمية.
اختيار سامسونغ وSM لهذا النموذج يحمل دلالات اقتصادية وثقافية معاً. اقتصادياً، يعني أن محتوى الحفلات، الذي كان يُنظر إليه غالباً بوصفه سلعة مخصصة للفاندوم المستعد للدفع، بات يُستخدم أيضاً كوسيلة لتوسيع قاعدة الجمهور والوصول إلى متفرجين قد لا يشترون تذاكر الحفلات أو الاشتراكات الخاصة. وثقافياً، يكشف ذلك أن الكيبوب، رغم اعتماده الكبير على جماهير منظمة ومخلصة، لا يريد أن يبقى حبيس دوائر الفاندوم المغلقة. بل يسعى إلى التمدد داخل المجال العام، ليصبح جزءاً من الاستهلاك اليومي العادي، لا مجرد هواية متخصصة.
وهنا تبرز براعة هذه الخطوة. فبدلاً من حصر العروض الحية في منصات مدفوعة أو إتاحتها على شكل مقتطفات قصيرة ومجزأة، يجري تقديمها داخل خدمة مجانية ذات وصول أسهل. وهذه الاستراتيجية قد تبدو ذكية خصوصاً في أسواق ناشئة أو متوسطة الدخل، حيث يتردد كثير من المستخدمين في إضافة اشتراكات جديدة. وعلى الرغم من أن التوزيع الحالي لا يشمل دولاً عربية، فإن من المهم لوسائل الإعلام والجمهور في المنطقة مراقبة هذا النموذج، لأنه قد يصبح لاحقاً أحد الأشكال الرئيسية لوصول المحتوى الكوري إلى شاشات المشاهدين العرب.
كما أن هذا النموذج ينسجم مع تغير أوسع في عادات الجمهور حول العالم: الناس تريد محتوى سهل الوصول، من دون تعقيدات دفع متكرر، ولكن مع جودة عرض ووضوح في التوقيت والهوية. وهذا تماماً ما تحاول سامسونغ وSM البناء عليه.
«شهري» ليست تفصيلاً شكلياً بل قراراً صناعياً
الجزء الأكثر لفتاً في الإعلان ليس فقط إطلاق حفلات عبر المنصة، بل اختيار صيغة «شهري». في عالم الإعلام، الفرق كبير بين حدث استثنائي يحدث مرة واحدة، وبرنامج دوري يعود في توقيت معلوم. الحدث الواحد يخلق ضجة مؤقتة، أما الدورية فتصنع عادة مشاهدة. ومن هنا يمكن القول إن «الحفل الشهري لـSM» ليس عنواناً تسويقياً فحسب، بل نموذج عمل قائم على الاستمرارية والانتظار والتكرار.
هذا التحول مهم لأن صناعة الكيبوب لطالما استفادت من «اللحظة»: لحظة الإصدار، لحظة الإعلان، لحظة الأداء المباشر، لحظة تصدر الوسوم. لكن الصناعة نفسها باتت اليوم في حاجة إلى ما هو أكثر استقراراً من موجات الحماس القصيرة. المنصات تحتاج إلى محتوى يعود إليه المشاهد بصورة متكررة، والشركات الفنية تحتاج إلى إعادة تدوير أصولها الفنية بطريقة لا تبدو مستهلكة أو قديمة. والحفل المصور باحتراف، حين يُدرج ضمن سلسلة شهرية، يتحول من أرشيف إلى موعد.
هذا يشبه، بلغة أقرب إلى الذائقة العربية، الفرق بين حفلة عيد تُعرض مرة وتنتهي، وبين برنامج فني له جمهور ينتظره كل شهر أو كل أسبوع. الجمهور لا يشتري فقط المحتوى؛ هو يشتري أيضاً الإيقاع. الإيقاع هنا هو ما يمنح المنصة قوة الاحتفاظ بالمشاهد، ويمنح الشركة الترفيهية فرصة لتثبيت اسمها في الذاكرة الدورية للجمهور.
ومن الناحية الصناعية، تحقق الصيغة الشهرية مصلحة واضحة للطرفين. سامسونغ تحصل على محتوى متخصص قادر على جذب شريحة شابة وعابرة للحدود، وSM تحصل على واجهة عرض منتظمة تعزز قيمة حفلاتها المصورة بوصفها منتجات قابلة للتداول المتكرر. بمعنى آخر، المنصة لا تنتظر فقط أن يأتي الجمهور من أجل نجم واحد، بل تبني علاقة مستمرة معه حول فئة كاملة من المحتوى.
هذا يشي أيضاً بأن الحفل الغنائي في كوريا لم يعد مجرد امتداد للمسرح، بل أصبح مادة مستقلة في اقتصاد الصورة. وكما تحولت المسلسلات الكورية إلى سلعة عالمية، يبدو أن العروض الحية تدخل بدورها مرحلة إعادة تعريف: ليست فقط تجربة للحضور في القاعة، بل نصاً بصرياً يمكن جدولته، وتسويقه، وتوزيعه، وإعادة استهلاكه عبر قنوات متعددة.
اختيار NCT WISH يكشف حسابات الفاندوم والتوسع
العمل الأول الذي سيُعرض ضمن هذا المشروع هو حفل «NCT WISH First Concert Tour: Into the Wish – Our Wish Encore in Seoul»، وهو اختيار يستحق التوقف عنده. ففي منطق الصناعة، العمل الافتتاحي ليس قراراً عشوائياً، بل رسالة عن نوع الجمهور المستهدف، والمرحلة التي تريد المنصة والشركة التقاطها من مسار الفرقة. اختيار عرض «إنكور» في سيول، أي الحفل الختامي أو الإضافي الذي يأتي بعد نجاح الجولة الأساسية، يعني أن هناك رغبة في التقاط ذروة الحماسة التي صنعها الحدث على الأرض، ثم إعادة ضخها في الفضاء الرقمي.
هذه نقطة شديدة الأهمية. فالحفل الإضافي يحمل عادة معنى رمزياً داخل ثقافة المعجبين: إنه ليس مجرد محطة أخرى، بل تتويج لعلاقة ناجحة بين الفنان والجمهور. وعندما يُعرض هذا النوع من الحفلات عبر منصة مجانية، فإن التجربة لا تخاطب فقط من حضر أو من تابع أخبار الفرقة، بل تفتح الباب أيضاً أمام جمهور جديد يمكن أن يدخل إلى عالم NCT WISH من بوابة العرض الحي، لا من بوابة الأغنية المنفردة فقط.
في هذا المعنى، يصبح الحفل أداة مزدوجة: مكافأة للفاندوم القائم، وجسر عبور للمترددين أو غير المتابعين بعد. وهذا يشبه في العالم العربي كيف يمكن لسهرة ناجحة لفنان شاب أن تجذب جمهوراً لم يكن يتابعه من قبل، حين يُعاد تقديمها تلفزيونياً بصورة محترفة تحمل عدوى الحماس الجماعي.
كما أن الاختيار ينسجم مع الطبيعة المركبة لسوق الكيبوب اليوم. لم تعد هناك حدود حادة بين الألبوم، والعرض المباشر، والمحتوى القصير، والبث الحصري، والسلع المرتبطة بالفنان. كل هذه العناصر تتحرك ضمن سلسلة واحدة، يتغذى بعضها من بعض. الحفل هنا ليس نهاية الجولة، بل حلقة في سلسلة أوسع: من الأداء الحي إلى المحتوى الرقمي، ومن التفاعل المباشر إلى إعادة الإنتاج عبر الشاشة.
ومن المرجح أن هذا المنطق سيصبح أكثر شيوعاً، لأن الشركات الترفيهية باتت تدرك أن القيمة لا تكمن فقط في ما يحدث أمام الجمهور داخل القاعة، بل أيضاً في القدرة على تحويل تلك اللحظة إلى أصل إعلامي طويل العمر. وكلما كان الفنان في مرحلة صعود أو تثبيت مكانة، ازدادت أهمية هذه الأداة في توسيع قاعدته الجماهيرية.
البث عبر خمس دول: الكيبوب كصناعة منصات لا كجولات فقط
بحسب الإعلان، ستتاح هذه العروض في كوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا والبرازيل والمكسيك. من الناحية الرقمية، قد يبدو الرقم محدوداً مقارنة بالانتشار العالمي للكيبوب، لكنه في الواقع يكشف توجهاً أعمق من مجرد عدد الأسواق. فاختيار هذه الدول يوضح أن التوسع لم يعد يُفهم فقط بمنطق «الجولة العالمية» أو «النجاح في قوائم الموسيقى»، بل بمنطق البيئات المنصاتية التي يمكن أن تستقبل المحتوى بانتظام.
وجود البرازيل والمكسيك في القائمة ليس مفاجئاً لمن يتابع خريطة الهاليو، أي الموجة الكورية. أمريكا اللاتينية من أكثر المناطق حماسة للكيبوب، وفيها جماهير نشطة ومنظمة على نحو لافت. أما أستراليا ونيوزيلندا فتمثلان أسواقاً متقدمة تقنياً، يسهل فيها اختبار صيغ مشاهدة جديدة مرتبطة بالأجهزة الذكية وخدمات البث. وفي المقابل، يظل غياب المنطقة العربية لافتاً، لا لأن الجمهور العربي أقل اهتماماً، بل لأن قرارات التوزيع لا تزال مرتبطة بالحقوق، والبنية الإعلانية، وانتشار الخدمات نفسها على الأجهزة.
ومع ذلك، فإن الدرس الأهم هنا لا يتعلق بمن شمله البث اليوم، بل بالاتجاه العام: المحتوى الكوري يدخل إلى الحياة اليومية للمشاهد عبر جهاز التلفاز الموجود أصلاً في البيت. لم يعد على الجمهور دائماً أن يبحث عن الحفل في مواقع متفرقة أو ينتظر نسخة مقرصنة أو مقتطفات متداولة؛ الفكرة هي أن يصبح العرض جزءاً من القناة نفسها، ومن الواجهة المعتادة للمستخدم.
هذا التحول بالغ الأهمية لأنه ينقل الكيبوب من حالة «المحتوى الذي يذهب إليه الجمهور» إلى حالة «المحتوى الذي يأتي إلى الجمهور داخل بيئته الرقمية الجاهزة». وهي نقلة تذكّرنا بالتحولات التي عاشها الإعلام العربي نفسه، حين انتقلت بعض المواد الترفيهية من كونها مناسبات استثنائية إلى عناصر ثابتة في المنصات المنزلية الذكية. من يملك الواجهة، يملك فرصة أكبر لتشكيل العادة. ومن يملك العادة، يملك المستقبل.
كما أن فكرة توقيت العرض الأسبوعي الثابت، كل يوم سبت في السابعة مساءً، ليست تفصيلاً إجرائياً فحسب. إنها تعيد الاعتبار لمفهوم «الموعد التلفزيوني» في عصر يُقال كثيراً إنه عصر المشاهدة عند الطلب. والحقيقة أن الجمهور، رغم حبه للمرونة، لا يزال يستجيب لفكرة الموعد حين يكون المحتوى مرتبطاً بالحماسة الجماعية والتفاعل المشترك. والكثير من نجاحات الرياضة والبرامج المباشرة تقوم على هذه القاعدة نفسها.
حين تلتقي شركة أجهزة ببيت فني
تكشف هذه الشراكة أيضاً عن تداخل الأدوار بين شركات التقنية وشركات الترفيه. سامسونغ لم تعد مجرد شركة تصنع شاشة ثم تقف عند حدود بيع الجهاز. هي تتحرك بوصفها لاعباً يطوّر نظاماً بيئياً كاملاً للمشاهدة، ويبحث عن محتوى يضيف قيمة مباشرة إلى تجربة استخدام تلفازه الذكي. أما SM، فهي ليست فقط شركة تدير الفنانين وتنتج الأغاني، بل مؤسسة قادرة على تحويل الحفلات إلى أصول بصرية قابلة للجدولة والتوزيع ضمن منطق المنصات.
هذا التزاوج بين التقنية والمحتوى ليس جديداً تماماً على الصناعة العالمية، لكنه في الحالة الكورية يأخذ طابعاً خاصاً بسبب قوة العلامات التجارية المحلية وقدرتها على التعاون داخل منظومة وطنية متقدمة تقنياً وثقافياً. فحين تعمل شركة بحجم سامسونغ مع واحدة من أعرق بيوت الكيبوب، فإن النتيجة لا تكون مجرد دعاية متبادلة، بل تجربة مصممة بعناية لتخدم الطرفين: الشاشة تحتاج إلى ما يبرر التفاف العائلة أو الأصدقاء حولها، والمحتوى يحتاج إلى وسيط يمنحه حضوراً يومياً مريحاً وسهل الوصول.
واللافت هنا أن هذا التعاون يعيد الاعتبار للتلفاز الكبير في زمن طغيان الهاتف المحمول. صحيح أن مقاطع الرقص والتحديات القصيرة تنتعش على الهواتف، لكن الحفلات المصورة، بما فيها من ديكور وإضاءة وجمهور وتفاعل بصري، تستفيد أكثر من الشاشة الواسعة وتجربة الجلوس المقصودة. من هذه الزاوية، يمكن فهم رهان سامسونغ: إذا كان الهاتف منصة اللمحة السريعة، فإن التلفاز ما زال منصة الغمر الكامل، والكيبوب يعرف جيداً كيف يستثمر في الصورة الكبيرة.
بالنسبة للمشاهد العربي، قد تبدو هذه الفكرة مألوفة على نحو ما. فهناك أنواع من المحتوى لا تكتمل إلا على الشاشة الكبيرة، تماماً كما تختلف مشاهدة مباراة نهائية، أو سهرة غنائية ضخمة، بين الهاتف والتلفاز. ما تفعله سامسونغ وSM هو استثمار هذا الفارق الحسي نفسه، لكن داخل نموذج رقمي حديث ومجاني نسبياً من جهة المستخدم.
لماذا يستحق هذا الخبر اهتمام القارئ العربي؟
لأن المسألة لا تخص كوريا وحدها، بل تمس مستقبل التوزيع الترفيهي عالمياً. في العالم العربي، تتسع قاعدة المهتمين بالدراما الكورية والكيبوب عاماً بعد عام، وتتحول الثقافة الكورية من ذائقة شبابية متخصصة إلى حضور أوضح في المشهد العام. لذلك فإن أي تغيير في طريقة إنتاج أو توزيع هذا المحتوى يستحق المتابعة، لأنه قد يرسم ملامح ما سيصل لاحقاً إلى منطقتنا، وكيف سيصل.
الأهم أن الخبر يحمل درساً أوسع لوسائل الإعلام وشركات الترفيه العربية نفسها. فالفن لم يعد يعيش فقط من لحظة إطلاقه الأولى. هناك قيمة متزايدة في إعادة تصميم المحتوى ليتناسب مع المنصة، والموعد، ونموذج التمويل. إذا كانت كوريا الجنوبية تنقل الحفل من القاعة إلى القناة المجانية المبرمجة، فهذا يطرح سؤالاً مشروعاً على صناعاتنا: ماذا نفعل نحن بأرشيف الحفلات، وبالفعاليات الموسمية، وبالعروض الحية التي تختفي بعد ليلة واحدة؟ وهل نمتلك الشجاعة لتحويلها إلى منتجات مستدامة داخل بيئات رقمية عربية ذكية؟
ومن زاوية المتلقي، يعكس هذا الخبر أيضاً تحولاً في تعريف النجاح. لم يعد يكفي أن تكون الفرقة رائجة على المنصات الاجتماعية، بل بات ضرورياً أن تمتلك حضوراً منظماً في شبكات التوزيع المستقرة. النجاح اليوم هو القدرة على البقاء في الواجهة، لا فقط إشعال موجة عابرة من التفاعل. وهذا ما تفهمه كوريا جيداً: الصناعة الثقافية لا تنمو بالشغف وحده، بل بالبنية التي تجعل هذا الشغف قابلاً للاستمرار والتحول إلى عادة استهلاك.
في النهاية، تبدو شراكة سامسونغ وSM علامة على مرحلة جديدة في اقتصاد الكيبوب. مرحلة يصبح فيها العرض الحي جزءاً من منطق القناة، وتصبح المنصة المجانية لاعباً أساسياً في نشر المحتوى، ويصبح التلفاز الذكي نفسه ساحة تنافس ثقافي لا تقل أهمية عن المسرح أو التطبيق أو المسرح الرقمي. إنها خطوة تقول بوضوح إن الموجة الكورية لم تعد فقط قصة نجوم لامعين، بل قصة بنى تحتية ذكية تعرف كيف تحوّل كل لحظة فنية إلى دورة حياة أطول، وأكثر ربحاً، وأوسع وصولاً.
وهذا تحديداً ما يجعل الخبر أكبر من خبر فني عابر. نحن أمام إعادة صياغة للعلاقة بين الحفل، والمنصة، والجمهور. وإذا كانت كوريا قد نجحت من قبل في تصدير الأغنية والمسلسل والموضة، فهي تحاول الآن تصدير طريقة جديدة في البرمجة والتلقي. ولمن يراقب المشهد من العالم العربي، فهذه ليست مجرد قصة عن شركة إلكترونيات ووكالة ترفيهية، بل نافذة على المستقبل القريب لصناعة الثقافة الشعبية في العالم كله.
0 تعليقات