광고환영

광고문의환영

من نيويورك إلى ذاكرة الشاشة الكورية: لماذا تعيد سبعينيات السينما الكورية تعريف «الهاليو» أمام الجمهور العالمي؟

من نيويورك إلى ذاكرة الشاشة الكورية: لماذا تعيد سبعينيات السينما الكورية تعريف «الهاليو» أمام الجمهور العالمي؟

نيويورك تفتح نافذة على زمن كوري مختلف

في وقت يعرف فيه الجمهور العربي كوريا الجنوبية غالباً من بوابة الدراما التلفزيونية اللامعة، وفرق الكيبوب التي تتصدر المنصات، والأفلام المعاصرة التي حصدت جوائز عالمية، تأتي فعالية ثقافية في نيويورك لتذكّر بأن الصورة الكورية التي نستهلكها اليوم لم تولد دفعة واحدة، بل خرجت من تاريخ طويل ومعقد من التجريب الفني والتبدلات الاجتماعية والصراع مع الرقابة والتحولات الصناعية. هذا ما تعد به التظاهرة الخاصة المخصصة لأفلام السبعينيات الكورية، والتي ينظمها المركز الثقافي الكوري في نيويورك بالتعاون مع مؤسسات عرض سينمائي أميركية، لتقام عروضها بين 15 و26 من الشهر الجاري في مسرح والتر ريد التابع لمركز لينكولن، إلى جانب مقر المركز الثقافي الكوري.

الحدث، في ظاهره، برنامج عروض كلاسيكية. لكنه في جوهره أعمق من ذلك بكثير. فحين تختار جهة ثقافية كورية أن تقدم 29 فيلماً طويلاً وقصيراً من سبعينيات القرن الماضي في واحدة من أكثر مدن العالم تأثيراً في تشكيل الذائقة الثقافية، فهي لا تستعيد الأرشيف من أجل الحنين فقط، بل تعيد تقديم جذور السرد البصري الكوري إلى جمهور عالمي اعتاد أن يرى كوريا من خلال الصورة الأحدث والأكثر تسويقاً. وهنا تكمن أهمية البرنامج: إنه لا يعرّف المشاهد الأجنبي على أفلام قديمة فحسب، بل يدعوه إلى فهم كيف تشكلت الحساسية الفنية التي أوصلت السينما الكورية لاحقاً إلى مكانتها الراهنة.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو هذه العودة إلى السبعينيات شبيهة بما تفعله المهرجانات العربية حين تعيد إحياء أفلام يوسف شاهين أو صلاح أبو سيف أو برهان علوية أو توفيق صالح، ليس فقط بوصفها «كلاسيكيات»، بل باعتبارها مفاتيح لفهم الحاضر. فكما لا يمكن قراءة السينما المصرية أو السورية أو اللبنانية الحديثة بمعزل عن طبقاتها التاريخية، يصعب فهم قوة السينما الكورية اليوم من دون العودة إلى تلك المرحلة التي شهدت مخاضاً جمالياً وثقافياً كثيفاً. من هنا، تبدو نيويورك هذه المرة أقرب إلى منصة لقراءة التاريخ الكوري بصيغة عالمية، لا مجرد مدينة تستضيف عروضاً أجنبية عابرة.

كما أن اختيار نيويورك يحمل دلالة خاصة. فالمدينة ليست فقط عاصمة إعلامية وثقافية، بل هي أيضاً فضاء يعاد فيه اختبار شرعية الأعمال الفنية أمام جمهور متعدد الخلفيات. وعندما تدخل أفلام السبعينيات الكورية إلى صالة مثل والتر ريد في مركز لينكولن، فإنها لا تُعرض في هامش فولكلوري أو في سياق ديبلوماسية ثقافية ضيق، بل في قلب مؤسسة معروفة بوزنها داخل خطاب السينما الفنية العالمي. هذا يعطي الأفلام حياة جديدة، ويمنحها فرصة لأن تُقرأ لا كوثائق محلية من زمن مضى، بل كأعمال ما زالت قادرة على إثارة النقاش الجمالي والفكري.

29 فيلماً ترسم ملامح عقد مضطرب وخلاق

البرنامج يضم أعمالاً لافتة من بينها «هوانيو» أو «المرأة النارية» للمخرج كيم كي-يونغ، و«مسيرة الحمقى» للمخرج ها كيل-جونغ، و«اقطع السلسلة» للمخرج لي مان-هي. وهذه العناوين وحدها تكفي للدلالة على أن الاختيار لا يقوم على منطق النوع الواحد أو اسم المخرج الواحد، بل يسعى إلى رسم بانوراما أوسع لسينما السبعينيات الكورية، بما فيها من توتر بين الشعبي والنخبوي، وبين الميلودراما والنقد الاجتماعي، وبين الحس التجاري والبحث الجمالي.

فيلم «هوانيو» على سبيل المثال، ليس مجرد عمل كلاسيكي في السينما الكورية، بل هو من تلك الأفلام التي تحولت إلى مرجع دائم في النقاش حول صورة المرأة والرغبة والطبقة داخل المجتمع الكوري. ولمن لا يعرف السياق الكوري، يمكن القول إن الفيلم اكتسب مكانة تشبه، من حيث أثره الصادم وفرادته الأسلوبية، بعض الأعمال العربية التي قلبت السائد في زمانها وفرضت لاحقاً قراءات جديدة للعلاقة بين البيت والسلطة والجسد. أما «مسيرة الحمقى» فهو عنوان يستدعي جيلاً كاملاً من الشباب الكوري، بما يحمله من توتر بين الحلم والانكسار، وبين خفة الحياة اليومية وثقل المناخ السياسي والاجتماعي في تلك المرحلة. في حين يقدّم «اقطع السلسلة» وجهاً آخر لسينما العقد، أقرب إلى المغامرة والحركة، بما يثبت أن السبعينيات الكورية لم تكن مجرد فضاء للتأمل الاجتماعي، بل أيضاً مختبراً لأنواع سينمائية متعددة.

البرنامج لا يكتفي بعرض «العناوين الكبيرة»، بل يتوقف أيضاً عند بدايات المخرج إم كون-تايك، أحد أهم الأسماء في تاريخ السينما الكورية. التركيز هنا على فيلميه «جوكبو» و«وانغشيم ني» من أعماله المبكرة، لا على منجزه اللاحق الأكثر شهرة. وهذه نقطة تحريرية وثقافية ذكية، لأنها ترفض اختزال المخرج الكبير في صورته المكتملة فقط، وتعيد النظر إلى لحظة تشكله الأولى. في الصحافة الثقافية العربية، نادراً ما تحظى «مرحلة التكوين» بالاهتمام الذي تستحقه، إذ يطغى الاحتفاء بالأعمال الناضجة والجوائز الكبرى. لكن النظر إلى البدايات يكشف عادة ما هو أكثر حيوية: الترددات الأولى، الانشغالات الخام، والتجريب الذي لم يتحول بعد إلى أسلوب مستقر.

وإذا كان البرنامج يرسم صورة تاريخية للعقد، فإنه لا يحصر نفسه في الماضي. هنا تظهر قيمة إدراج فيلم «كوبويب» أو «بيت العنكبوت» للمخرج كيم جي-وون، وهو عمل حديث صدر عام 2023، وقرأه المنظمون بوصفه تحية للسينما الكورية في حقبة سابقة. هذا الربط بين الماضي والحاضر ليس حركة شكلية، بل رسالة واضحة مفادها أن تاريخ السينما ليس رفاً مغلقاً، وأن الأفلام القديمة لا تعيش فقط داخل الكتب أو المعاهد، بل تعود باستمرار داخل الأعمال الجديدة بصفتها مرجعاً وخيالاً ومادة لإعادة التأويل. بالنسبة إلى المتلقي العربي، يمكن تشبيه ذلك بمحاولات بعض السينمائيين المعاصرين استحضار لغة الأبيض والأسود أو استعادة روح الاستوديو القديم أو اللعب على ذاكرة النجوم الكبار، ليس بدافع التقليد بل من أجل محاورة الإرث.

لماذا السبعينيات بالذات؟

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا اختيرت السبعينيات تحديداً؟ الجواب لا يتعلق بالتأريخ فحسب، بل بطبيعة ذلك العقد في تاريخ كوريا الجنوبية. فالسبعينيات كانت مرحلة معقدة سياسياً واجتماعياً، شهدت تسارعاً في التحديث الاقتصادي، وتبدلات حادة في البنية الحضرية، وتوترات مرتبطة بالسلطة والرقابة، إلى جانب تغيرات في شكل العائلة والطبقة والمدينة. كل ذلك انعكس على السينما بوصفها مرآة ووسيطاً في آن واحد.

في الذاكرة العربية، نحن نعرف جيداً كيف تتحول العقود الانتقالية إلى مناجم فنية. ستينيات وسبعينيات القاهرة، أو بيروت ما قبل الحرب وأثناءها، أو دمشق في لحظات التحول، كلها أنتجت أشكالاً فنية لا يمكن فصلها عن اضطراب المجال العام. هذا ما حدث في كوريا أيضاً، وإن ضمن شروطها التاريخية الخاصة. لذلك، فإن تقديم أفلام السبعينيات في نيويورك يعني في أحد وجوهه تقديم كوريا التي كانت تبحث عن نفسها، لا كوريا التي اكتملت صورتها التسويقية اليوم.

تنبع أهمية هذه المرحلة أيضاً من أن كثيراً من السمات التي باتت مرتبطة عالمياً بالسينما الكورية المعاصرة كانت تتشكل هناك: المزج بين الأنواع، الحدة العاطفية، حضور العائلة بوصفها مسرحاً للصراع، التوتر بين الرغبة والقمع، والانتقال السلس بين الواقعية والمبالغة الأسلوبية. صحيح أن أفلام اليوم تمتلك تقنيات أحدث وإنتاجاً أكبر، لكن جذور الحس الدرامي الكوري، كما نعرفه في أفلام بارك تشان-ووك أو بونغ جون-هو أو في بعض المسلسلات الحديثة، لا يمكن فصلها عن ذلك المخزون التأسيسي.

ومن زاوية أخرى، فإن تخصيص برنامج كامل لعقد واحد يمنح المشاهد غير المتخصص مدخلاً أوضح. فبدلاً من بعثرة التاريخ الكوري عبر محطات متباعدة، يضعه البرنامج أمام كتلة زمنية يمكن قراءتها بتركيز: هذه هي كوريا السبعينيات، وهذه بعض وجوهها السينمائية. إنه أسلوب في البرمجة الثقافية يشبه ما تفعله بعض المعارض الجيدة حين تختار زمناً محدداً لتروي من خلاله قصة أوسع عن المجتمع والتحول والذاكرة.

الترميم الرقمي: حين يتحول الأرشيف إلى تجربة حية

أحد أكثر الجوانب أهمية في هذه التظاهرة أن عدداً كبيراً من الأفلام المعروضة سيقدم بنسخ مرممة ورقمية أعيد إعدادها من قبل أرشيف الفيلم الكوري، وهو المؤسسة الوطنية المعنية بحفظ التراث السينمائي في كوريا الجنوبية. وقد تبدو هذه المعلومة تقنية للوهلة الأولى، لكنها في الواقع في قلب المعنى الثقافي كله. فالفيلم القديم لا يعيش لمجرد أنه محفوظ في خزنة باردة أو مؤرشف على رف. حياته الحقيقية تبدأ عندما يصبح قابلاً للمشاهدة مجدداً، ومفهوماً بصرياً وسمعياً لجمهور معاصر.

في العالم العربي، نعرف جيداً ما تعنيه خسارة الأرشيف أو تشوهه أو بقاؤه بعيداً عن التداول. كثير من الأفلام الكلاسيكية العربية لا تزال أسيرة نسخ رديئة أو ظروف حفظ غير مستقرة أو نزاعات حقوقية تحول دون تداولها الطبيعي. لذلك، فإن ما تفعله المؤسسات الكورية في مجال الترميم الرقمي يستحق التوقف عنده بوصفه نموذجاً في كيفية تحويل التراث من عبء إداري إلى قوة ناعمة. النسخة المرممة ليست ترفاً تقنياً، بل شكل من أشكال «الترجمة الثقافية»؛ فهي تسمح للمشاهد الجديد أن يقترب من العمل من دون أن تعيقه رداءة الصورة أو الصوت أو صعوبة العرض.

هنا تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية: الترجمة النصية وشروط العرض. فالجمهور الدولي، مهما بلغ فضوله، يحتاج إلى بنية وصول عملية إلى هذه الأعمال. نسخة رقمية جيدة، ترجمة دقيقة، وصالة مجهزة، كل ذلك يحدد ما إذا كان الفيلم سيبقى أثراً تاريخياً معزولاً أو يتحول إلى خبرة ثقافية معاصرة. بهذا المعنى، لا يقتصر الترميم على الجانب المادي للفيلم، بل يشمل أيضاً إعادة بناء الجسر بين العمل ومتلقيه. وهذه واحدة من الرسائل الأساسية التي تحملها الفعالية في نيويورك: الماضي لا يعود لأنه قديم، بل لأنه أُعدّ جيداً للعودة.

والأهم من ذلك أن الترميم يعيد الاعتبار لفكرة «المشاهدة» نفسها. فالأفلام التراثية غالباً ما تُختزل في أسماء تتكرر في الكتب أو المقالات. لكن حين تُعرض على شاشة كبيرة، داخل قاعة حية، يعود لها إيقاعها الحقيقي: صمت الجمهور، ضحكاته، دهشته، توتره. وهنا فقط نستطيع أن نختبر ما إذا كانت هذه الأعمال ما تزال قادرة على التأثير، لا بوصفها وثائق دراسية، بل بوصفها فناً. في هذا التحول من «المحفوظ» إلى «المعروض» تكمن قيمة أي سياسة جادة للذاكرة السينمائية.

مركز لينكولن والدبلوماسية الثقافية الذكية

طريقة تنظيم الفعالية بحد ذاتها تستحق القراءة. فالمركز الثقافي الكوري في نيويورك لم يعمل بمفرده، بل نسج شراكة مع «فيلم آت لينكولن سنتر» ومع «سابواي سينما»، وهي جهة معروفة باهتمامها بالسينما الآسيوية وأفلام النوع. هذا النوع من التعاون يكشف فهماً متقدماً لكيفية تقديم الثقافة الوطنية في الخارج. فبدلاً من الاكتفاء بعرض أفلام للجالية أو لدوائر ضيقة من المهتمين، يجري إدخال الأعمال إلى منصات يثق بها الجمهور المحلي، وتملك بالفعل جمهوراً ونقداً وحضوراً مؤسسياً.

المعادلة هنا شديدة الذكاء: من جهة، هناك مؤسسة كورية رسمية تحمل مهمة التعريف بالثقافة الكورية، ومن جهة أخرى، هناك مؤسسات عرض أميركية تمتلك الشرعية المحلية والقدرة على الوصول إلى جمهور أوسع من المتخصصين والهواة. النتيجة أن السينما الكورية تُقدَّم في وقت واحد بوصفها جزءاً من الدبلوماسية الثقافية الكورية، وبوصفها أيضاً جزءاً من تاريخ الفن السينمائي العالمي. وهذا تفريق مهم للغاية. لأن العمل حين يُعرض فقط تحت شعار «التعريف الوطني»، قد يُستقبل كمنتج فولكلوري أو كرسالة علاقات عامة. أما حين يدخل منظومة العرض الفني المحترفة، فإنه يُعامل على قدم المساواة مع غيره من تراثات السينما الكبرى.

المكانان المختاران للعروض يختصران هذا التوازن بوضوح. مسرح والتر ريد في مركز لينكولن هو فضاء يحمل وزناً رمزياً في عالم السينما الفنية، بينما يشكل مبنى المركز الثقافي الكوري مساحة تمثيل مباشر للثقافة الكورية في الخارج. الجمع بينهما يوحي بأن الرسالة مزدوجة: السينما الكورية جزء من الهوية الوطنية التي ترغب سيول في تقديمها، وهي في الوقت نفسه جزء من المحادثة السينمائية الدولية التي لا تحتاج إلى مجاملة لكي تُؤخذ بجدية.

وإذا أضفنا إلى ذلك دعم مجلس الفيلم الكوري، تتضح صورة أوسع: ثمة سياسة ثقافية متكاملة لا تكتفي بتصدير الجديد، بل تعمل أيضاً على تدويل الذاكرة. وهذا فارق أساسي بين موجة ثقافية عابرة وصناعة ناعمة تعرف كيف تبني لنفسها عمقاً تاريخياً. فالهاليو، أو «الموجة الكورية» كما باتت معروفة عربياً، لا تستمر بالسرعة نفسها إذا ظلت حبيسة المنتجات الراهنة فقط. الاستمرارية تحتاج إلى سردية، والسردية تحتاج إلى أرشيف معروض ومفسَّر ومتاح.

ما الذي يهم القارئ العربي في كل هذا؟

قد يسأل قارئ عربي: ما الذي يهمنا نحن في برنامج لعرض أفلام كورية قديمة في نيويورك؟ الجواب أن القضية تتجاوز حدود الخبر الثقافي الصرف. نحن أمام درس في كيفية إدارة الذاكرة الفنية، وفي كيفية تحويل التراث إلى أداة فهم للحاضر، وفي كيفية بناء صورة ثقافية متماسكة أمام العالم. هذا كله يهم أي مشهد ثقافي عربي يفكر في مستقبله، سواء تعلق الأمر بالسينما أو الموسيقى أو المسرح أو الدراما التلفزيونية.

الجمهور العربي اليوم ليس غريباً عن المحتوى الكوري. من الخليج إلى المغرب، حققت الدراما الكورية حضوراً متصاعداً، وصارت أسماء الفرق الموسيقية والنجوم الكوريين جزءاً من الثقافة الشبابية الرقمية. لكن هذا الاستهلاك غالباً ما يظل محصوراً في المنتجات المعاصرة. مثل هذه التظاهرات تفتح الباب أمام سؤال أكثر نضجاً: إذا كنا نحب صورة كوريا اليوم، فماذا نعرف عن تاريخها البصري والفكري؟ وكيف يمكن أن يغير هذا التاريخ علاقتنا بما نشاهده الآن؟

ثم إن ثمة تقاطعات إنسانية وثقافية قريبة من الذائقة العربية. أفلام السبعينيات الكورية، كما تشير تجارب عديدة من تلك المرحلة، لا تنشغل فقط بالشكل أو الحداثة التجريدية، بل تتعامل مع العائلة، المدينة، التفاوت الطبقي، الاضطراب الأخلاقي، وتقلّب العلاقات داخل مجتمع سريع التغير. هذه موضوعات يعرفها الجمهور العربي جيداً، لأنها تشبه على نحو ما الأسئلة التي طرحتها مجتمعاتنا في لحظات التمدين السريع والهجرة الداخلية وصعود الاستهلاك وتحول القيم التقليدية. من هذه الزاوية، لا تبدو السينما الكورية بعيدة، بل قابلة للتجاور والمقارنة والتعاطف.

ولعل الأهم أن الخبر يذكّرنا بأن الثقافة لا تصبح عالمية فقط حين تنتج أعمالاً ناجحة راهناً، بل حين تملك أيضاً القدرة على شرح أصولها. كثير من الصناعات الثقافية في منطقتنا العربية تمتلك تاريخاً ضخماً، لكن هذا التاريخ لا يُقدَّم دائماً بالطريقة التي تسمح له بالعيش خارج حدود الحنين المحلي. ما تفعله كوريا هنا هو أنها تعيد ترتيب تاريخها لكي يكون قابلاً للعرض والتداول والنقاش. وهذا بحد ذاته جزء من نجاحها الثقافي، لا مجرد تفصيل إداري في خلفية المشهد.

من الهاليو السريعة إلى الهاليو العميقة

ما تكشفه فعالية نيويورك، في النهاية، هو انتقال مهم في مسار الموجة الكورية. لسنوات، ارتبطت الهاليو في وعي الجمهور العالمي بالسرعة والحداثة والصورة المصقولة والإنتاج الكثيف. لكن ثمة طوراً أكثر عمقاً يبدو أنه يتشكل الآن: طور لا يكتفي بتصدير الأكثر رواجاً، بل يفتح الخزائن القديمة ويعيد صوغها بلغة القرن الحادي والعشرين. هذا الانتقال من «الهاليو السريعة» إلى «الهاليو العميقة» قد يكون أحد أسرار الاستدامة الثقافية الكورية في السنوات المقبلة.

ذلك أن الثقافة، حين تنجح فعلاً، لا تعيش من الحدث العابر فقط، بل من قدرتها على بناء نسبٍ تاريخي واضح لنفسها. من يشاهد اليوم فيلماً معاصراً مثل «بيت العنكبوت» ثم يعود إلى أفلام السبعينيات التي استلهمها أو حاورها، لن يكتفي بالاستمتاع، بل سيخرج بفهم أوسع لكيفية تشكل الذائقة الكورية الحديثة. وهذا النوع من الفهم هو ما يحول المتلقي من مستهلك إلى قارئ، ومن معجب بالموضة إلى متابع حقيقي لثقافة كاملة.

من هنا، يمكن القول إن نيويورك لا تستضيف مجرد استرجاع سينمائي، بل تشهد فصلاً جديداً من قصة تقديم كوريا إلى العالم. قصة تقول إن البلاد التي عُرفت خلال العقدين الأخيرين بقدرتها المذهلة على إنتاج الظواهر الجماهيرية، تريد الآن أن تقول شيئاً آخر: لدينا أيضاً تاريخ، وأرشيف، وأسماء، وتجارب تأسيسية تستحق أن تُرى لا باعتبارها ماضياً منتهياً، بل باعتبارها لغة حية ما تزال تتكلم في أعمال اليوم.

وبالنسبة إلى القراء العرب، فإن أجمل ما في هذا الخبر أنه يعيد الاعتبار لفكرة قديمة كثيراً ما نتغافل عنها وسط زحمة المنصات والنجوم: لا توجد موجة ثقافية بلا جذور. وكلما فهمنا الجذور، صرنا أقدر على قراءة الثمار. لهذا السبب بالذات، تبدو أفلام السبعينيات الكورية في نيويورك أكثر من عرض كلاسيكي؛ إنها دعوة إلى مشاهدة الحاضر من خلال ماضيه، وإلى إدراك أن القوة الناعمة الأكثر رسوخاً ليست تلك التي تلمع فقط، بل تلك التي تتذكر أيضاً.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات