
رعاية تبدأ من الحي لا من السرير الأبيض
في وقت تتسابق فيه المدن الكبرى حول العالم للبحث عن صيغ جديدة لمواجهة الشيخوخة والعزلة الاجتماعية والضغط النفسي، تطرح مدينة غوانغميونغ الكورية الجنوبية نموذجاً لافتاً: الرعاية لا يجب أن تبقى حبيسة المستشفيات ودور التمريض، بل يمكن أن تبدأ من الحي، من الحديقة الصغيرة، من المساحة المهملة بين المباني، ومن لقاءات الناس المتكررة في فضاء يومي مفتوح. هذا هو جوهر مشروع «حديقة العناية بالقلب» الذي أعلنت عنه المدينة عبر اتفاقية عمل ضمت البلدية ومجلس الضمان الاجتماعي المحلي وأربع شركات من قطاع الاقتصاد الاجتماعي التضامني.
الخبر في ظاهره محلي، يتعلق بمدينة في إقليم غيونغي المحيط بالعاصمة سيول، لكنه في مضمونه يتصل بسؤال أوسع يشغل كثيراً من المجتمعات العربية أيضاً: كيف نرعى الإنسان بعد العلاج؟ وكيف نعيد وصل من انقطع عن محيطه الاجتماعي بسبب المرض أو التقدم في العمر أو الهشاشة الاقتصادية أو الوحدة؟ في عالمنا العربي نعرف جيداً معنى أن تكون الرعاية مرتبطة غالباً بالمستشفى أو الأسرة أو الجمعية الخيرية، لكن النموذج الكوري المعروض هنا يقترح توسيع المعنى ليشمل التعافي النفسي، واستعادة الإيقاع اليومي، وبناء شبكة علاقات محلية تمنح الفرد شعوراً بأنه مرئي ومسموع وموجود.
بحسب ما أعلنته سلطات غوانغميونغ، فإن المشروع لا يقتصر على نشاط بستنة أو فعالية موسمية للتجميل الحضري. الفكرة أبعد من ذلك: برامج بستانية وعلاجية مخصصة بحسب الأحياء، يشارك فيها المستفيدون من منظومة الرعاية المتكاملة إلى جانب السكان، مع توزيع واضح للأدوار بين الإدارة المحلية والهيئات الاجتماعية والمشغلين المتخصصين. هنا تصبح الحديقة أداة للرعاية، لا زينة إضافية في المشهد العمراني.
هذا التحول مهم لأنه يكشف اتجاهاً متنامياً في السياسات الاجتماعية الكورية، حيث لم تعد الرعاية تُفهم فقط بوصفها تقديم خدمة أو إعانة، بل باعتبارها إعادة ترميم للبيئة المعيشية وللعلاقات الإنسانية التي تضررت أو تآكلت. وللقارئ العربي، قد تبدو الفكرة قريبة من روح «الفزعة» المجتمعية أو الجيرة الحميمة التي كانت تؤدي دوراً اجتماعياً ونفسياً كبيراً في الأحياء القديمة، قبل أن تبتلع المدن الحديثة كثيراً من تلك الروابط. الفرق هنا أن السلطات المحلية تحاول تحويل هذا المعنى الاجتماعي إلى سياسة عامة قابلة للتنظيم والقياس والاستمرار.
من هذه الزاوية، لا تبدو «حديقة العناية بالقلب» مشروعاً تجميلياً، بل تجربة اجتماعية وسياسية في آن واحد. إنها محاولة للإجابة عن سؤال صعب: هل يمكن للمدينة الحديثة، بكل ما فيها من سرعة ووحدة ومباني صماء، أن تنتج مساحات تعافٍ حقيقية خارج منطق العلاج الطبي البحت؟
ما معنى «الرعاية المتكاملة» في السياق الكوري؟
لفهم أهمية ما جرى في غوانغميونغ، من الضروري التوقف عند مفهوم «الرعاية المتكاملة» الذي يتكرر كثيراً في السياسات الاجتماعية في كوريا الجنوبية. هذا المفهوم لا يعني مجرد جمع خدمات مختلفة تحت عنوان واحد، بل يشير إلى رؤية تعتبر أن الإنسان لا يحتاج إلى دواء ومراجعة طبية فقط، وإنما إلى شبكة دعم متصلة تشمل الحركة اليومية، والعلاقات الاجتماعية، والمتابعة النفسية، وتكييف البيئة المحيطة بحيث تساعده على الاستمرار في حياته بأكبر قدر من الاستقلالية والكرامة.
في مجتمعات شرقية مثل كوريا، كما في كثير من المجتمعات العربية، ظل دور الأسرة طويلاً هو العمود الفقري للرعاية. غير أن التحولات الديموغرافية والاقتصادية غيّرت الصورة: نسب الشيخوخة ترتفع، حجم الأسر يتقلص، وتزداد أعداد الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، بينما تتراجع قدرة العائلة الواحدة على حمل العبء كله. أمام هذا الواقع، تتجه السلطات المحلية إلى نماذج تجمع بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الاجتماعي، في محاولة لبناء «رعاية قريبة» من الناس.
الجديد في حالة غوانغميونغ أن البلدية لا تتحدث عن الرعاية بوصفها مسألة صحية أو تمريضية فقط، بل تضيف بوضوح بعدين آخرين: التعافي العاطفي وتكوين العلاقات المجتمعية. هذا التفصيل مهم جداً. فالفرد قد يخرج من مرحلة علاجية مع تحسن في حالته الجسدية، لكنه يبقى هشاً نفسياً أو معزولاً اجتماعياً، بما يجعله عرضة للتراجع مجدداً. ولذلك ترى المدينة أن استقرار الحياة لا يكتمل إذا اقتصر الجهد على الجسد وحده.
في الخطاب العربي، كثيراً ما يُستخدم تعبير «الدعم النفسي والاجتماعي» في سياقات الحروب والكوارث، لكن التجربة الكورية تضعه داخل الحياة اليومية للمدينة العادية. لا أزمة كبرى هنا بالمعنى التقليدي، بل إدراك بأن الوحدة نفسها أزمة، وأن فقدان الروتين والعلاقات قد يكونان بوابة لتدهور أبطأ وأعمق. من هنا تأتي الحديقة بوصفها وسيطاً هادئاً: مكان غير مهدد، مفتوح، لا يحتاج إلى رهبة المؤسسات الطبية، ويتيح للناس أن يلتقوا حول فعل بسيط ومفهوم، هو العناية بالنبات.
ربما لهذا السبب يبدو المشروع قابلاً للفهم لدى الجمهور العربي إذا قُرئ بعيداً عن زخرفة المصطلحات. فالرعاية المتكاملة هنا تعني ببساطة أن الإنسان يحتاج إلى من يوصله، ومن يطمئن عليه، ومن يفتح له باب المشاركة، لا أن يتلقى العلاج ثم يُترك لمواجهة أيامه وحده.
الحديقة كمساحة علاج وكرامة
أبرز ما يميز المشروع الكوري هو اختياره الحديقة، أو المساحات الخضراء الصغيرة، كموقع للرعاية. في المدن العربية، كثيراً ما ننظر إلى الحدائق العامة باعتبارها ترفاً عمرانياً أو متنفساً عائلياً في المساء، لكن غوانغميونغ تريد أن تجعل من الحديقة بنية اجتماعية للرعاية. هنا تتغير وظيفة المكان: من مساحة عبور أو نزهة إلى مساحة تفاعل واستعادة توازن.
الرهان على الحدائق ليس اعتباطياً. فالعلاج بالبستنة أو الأنشطة الزراعية الخفيفة معروف في عدد من التجارب الدولية، إذ يساعد التفاعل مع النباتات والتربة والدورات الطبيعية على تخفيف التوتر، وتنظيم الإيقاع اليومي، وتحفيز الحركة الجسدية بطريقة غير قسرية. لكن أهمية الحالة الكورية لا تكمن فقط في الاستفادة من هذه الفكرة، بل في نقلها من داخل المؤسسات المغلقة إلى قلب الحي السكني، واستخدام أراضٍ مهملة وحدائق صغيرة قائمة أصلاً بدلاً من بناء منشآت جديدة مكلفة.
هذا القرار يحمل معنى اجتماعياً وسياسياً في الوقت نفسه. فعندما تختار المدينة مساحة مهملة وتحولها إلى «حديقة عناية»، فهي لا تعالج الأفراد فقط، بل تعالج جزءاً من الفراغ الحضري ذاته. كأنها تقول إن المكان الذي كان مهملاً يمكن أن يصبح نقطة لقاء، وإن الفراغ الذي بدا بلا وظيفة قد يتحول إلى شبكة أمان ناعمة لسكان الحي.
والأهم أن المشروع لا يفصل بين «المستفيدين» و«السكان». فالمخطط، كما أُعلن، يقوم على أن يشارك الطرفان معاً في إنشاء الحديقة والعناية بها. في هذا التفصيل تحديداً تكمن حساسية الفكرة. فالرعاية هنا لا تُبنى على علاقة عمودية بين مانح ومتلقي، ولا على صورة نمطية تختزل بعض الناس في كونهم «حالات» تحتاج إلى مساعدة. بدلاً من ذلك، يجري إدماجهم بوصفهم مشاركين في فعل جماعي ملموس.
هذا المعنى قريب جداً من الموروث الاجتماعي العربي حين كانت بعض أشكال العمل الجماعي، من تنظيف الحارة إلى إصلاح مرافق بسيطة أو غرس الأشجار في ساحات المدارس والمساجد، تنتج شعوراً بالملكية المشتركة والانتماء. غير أن الفارق أن التجربة الكورية تحاول نقل هذا الحس من المجال العفوي إلى المجال المؤسسي. فالحديقة هنا ليست مناسبة عابرة، بل جزء من برنامج رعاية مستمر.
في زمن تتسع فيه مساحات الوحدة حتى وسط الزحام، قد تكون الحديقة الصغيرة أكثر بلاغة من خطاب رسمي طويل. إنها مكان يسمح للناس بأن يلتقوا من دون وصمة، وأن يتبادلوا حديثاً عادياً حول نبتة أو موسم أو طقس، فيما تتم في العمق عملية أهدأ: إعادة بناء الثقة بالنفس وبالآخرين وبالإيقاع اليومي للحياة.
اتفاقية تكشف توزيعاً دقيقاً للأدوار
ما يمنح المشروع جدية إضافية ليس فقط فكرته، بل البنية التنظيمية التي يقوم عليها. فالبلدية وقّعت الاتفاقية مع مجلس الضمان الاجتماعي المحلي، إضافة إلى أربع مؤسسات من الاقتصاد الاجتماعي التضامني. وقد يبدو هذا التفصيل إدارياً للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يكشف عن محاولة واعية لتجنب مشكلة شائعة في كثير من المشاريع الاجتماعية: أن تكون النوايا كبيرة، لكن من دون تحديد واضح لمن يفعل ماذا.
وفق الترتيب المعلن، تتولى بلدية غوانغميونغ وضع الإطار العام للمشروع، وتأمين الأرضية اللازمة لاستخدام المساحات وتشغيل البرامج. أما مجلس الضمان الاجتماعي المحلي، وهو هيئة تنسيقية تُعنى بربط الخدمات الاجتماعية باحتياجات السكان، فيتكفل بجوانب شديدة الأهمية من التنفيذ اليومي، مثل دعم التنقل للمشاركين، والمساعدة أثناء الأنشطة، والاطمئنان المنتظم على أحوالهم. في المقابل، تضطلع شركات الاقتصاد الاجتماعي بتصميم البرامج التشاركية القائمة على العلاج بالحدائق وتنفيذها.
في اللغة العربية قد يحتاج مصطلح «الاقتصاد الاجتماعي التضامني» إلى شرح مختصر. وهو يشير، في السياق الكوري كما في سياقات أخرى، إلى مؤسسات لا تعمل فقط بمنطق الربح التجاري، بل تمزج بين النشاط الاقتصادي والأهداف الاجتماعية، مثل التعاونيات والمشاريع المجتمعية وبعض الشركات ذات الرسالة الاجتماعية. إشراك هذا النوع من المؤسسات يعني أن المدينة تراهن على خبرات ميدانية قريبة من المجتمع، لا على جهاز إداري صرف.
أهمية هذا التوزيع أنه يعترف بأن الرعاية المتكاملة عملية مركبة. فالمسألة ليست إنشاء برنامج جميل على الورق، وإنما ضمان أن يتمكن الشخص المستهدف من الوصول إليه، وأن يجد من يساعده أثناء المشاركة، وأن يبقى على تماس مع الشبكة بعد انتهاء النشاط. هنا تحديداً تظهر الفجوة التي تسقط فيها كثير من المبادرات حول العالم: وجود خدمة من دون «جسر» يوصل الناس إليها.
إذا قارنّا ذلك بتجارب عربية مختلفة، سنجد أن بعض البرامج الاجتماعية تتعثر لأن العبء كله يقع على جهة واحدة: وزارة، أو جمعية، أو متطوعين. أما في النموذج الكوري، فهناك محاولة لصناعة منظومة صغيرة متكاملة: إدارة، متابعة اجتماعية، وتنفيذ متخصص. وليس من المبالغة القول إن نجاح المشروع من عدمه سيتوقف إلى حد كبير على قدرة هذا التقسيم الوظيفي على الصمود عملياً، لا على جاذبية الفكرة وحدها.
ومن الناحية الصحافية، يمكن قراءة هذه الاتفاقية أيضاً بوصفها اختباراً لمدى نضج الحكم المحلي في كوريا الجنوبية. فحين تنتقل البلديات من دور الخدمات التقليدية إلى دور «منسق الرعاية المجتمعية»، فإنها تضع نفسها أمام معيار جديد للنجاح: ليس كم شجرة زُرعت فقط، بل كم علاقة إنسانية أمكن حمايتها أو ترميمها.
ثلاث مرات في الشهر: لماذا تعني الاستمرارية أكثر من الحدث؟
أعلنت المدينة أنها ستشغّل برامج البستنة ثلاث مرات شهرياً. وقد تبدو هذه المعلومة بسيطة، لكن من يتابع سياسات الرعاية يعرف أن الإيقاع الزمني لأي برنامج يكشف كثيراً عن فلسفته. فالأنشطة الفردية أو الاحتفالية قد تمنح انطباعاً جيداً وتنتج صوراً جميلة، لكنها نادراً ما تبني أثراً عميقاً إذا لم تكن متكررة وقابلة للتوقع.
في حالة «حديقة العناية بالقلب»، تكمن قيمة التكرار في أنه يُدخل النشاط ضمن نسيج الحياة اليومية. فالمشارك لا يأتي إلى مناسبة استثنائية ثم يغيب، بل يصبح أمام موعد شبه منتظم، يخلق إيقاعاً نفسياً واجتماعياً يمكن التعويل عليه. وهذا أمر بالغ الأهمية لكبار السن أو لمن يعانون من هشاشة اجتماعية، لأن الروتين الإيجابي غالباً ما يكون جزءاً من العلاج غير المباشر.
الأمر الآخر أن البرامج ستُصمم بحسب الأحياء، لا بصيغة موحدة جامدة. هذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأن المدينة تعترف ضمناً بأن الأحياء ليست نسخاً متطابقة. فلكل حي خصائصه السكانية، ومساحاته المتاحة، وشبكاته الاجتماعية، ودرجة هشاشة سكانه أو قوة روابطهم. في عالم السياسات العامة، هذا الوعي بالفروق المحلية يميز غالباً بين المشروع الحي والمشروع البيروقراطي.
وبالمنظور العربي، ربما يمكن تشبيه ذلك بالفارق بين مبادرة تُلقى من أعلى على الجميع بالشكل ذاته، وأخرى تنطلق من معرفة فعلية بالناس: هل الحي يغلب عليه المسنون؟ هل توجد أسر محدودة الدخل؟ هل المساحة المتاحة ساحة صغيرة أم طرف حديقة أكبر؟ هل يحتاج المشاركون أكثر إلى المرافقة أم إلى الأنشطة اليدوية أم إلى كسر العزلة؟ كل هذه الأسئلة تصبح جزءاً من تصميم الرعاية.
كما أن تكرار اللقاءات يسمح بقياس تطور العلاقات، لا مجرد الحضور العددي. فمن منظور الرعاية، ليس الأهم فقط أن يشارك الناس، بل أن يعودوا، وأن يتعرف بعضهم إلى بعض، وأن تصبح الحديقة نقطة تواصل متوقعة. هنا تحديداً يتحول المشروع من خدمة إلى «بنية علاقة». وهذا ما يبدو أن غوانغميونغ تراهن عليه: أن تنشأ من خلال التكرار مساحة يجد فيها الناس من يسأل عنهم ويلاحظ غيابهم ويشاركهم تقدماً صغيراً في نمو نبات أو ترتيب ركن أخضر.
في زمن الاقتصاد السريع والمحتوى السريع والوعود السريعة، تبدو هذه الفكرة تقريباً مقاومة هادئة لفكرة الحل الفوري. فالتعافي النفسي والاجتماعي، مثل الزراعة، يحتاج إلى وقت وتكرار وصبر.
ما الذي تقوله هذه التجربة للعالم العربي؟
قد يسأل القارئ العربي: ما الذي يجعل تجربة في مدينة كورية تستحق كل هذا الاهتمام هنا؟ الجواب أن القضايا التي تتعامل معها غوانغميونغ ليست كورية محضة. الشيخوخة المتزايدة، وضغوط المدن، وتفتت شبكات الجوار التقليدية، وتعب مقدمي الرعاية داخل الأسر، كلها مسائل حاضرة بدرجات مختلفة في مدن عربية من الخليج إلى المغرب العربي.
في كثير من العواصم والمدن الكبرى عربياً، يزداد الحديث عن الصحة النفسية، لكن الربط بينها وبين التخطيط الحضري والرعاية الاجتماعية ما زال محدوداً. نملك في المنطقة مبادرات خيرية ومؤسسات رعاية ومراكز صحية، لكننا أقل ميلاً إلى التفكير في الشارع والحديقة والحي باعتبارها عناصر من منظومة الرعاية. من هنا تبدو التجربة الكورية مثيرة للاهتمام، لا بوصفها وصفة جاهزة للاستنساخ، بل باعتبارها مثالاً على توسيع تعريف المشكلة والحل معاً.
كذلك فإن الثقافة العربية، رغم ما أصابها من تحولات، ما زالت تحتفظ بقيمة عالية لفكرة الجيرة والتكافل والسؤال عن الآخر. غير أن هذه القيم تحتاج اليوم إلى صيغ مؤسسية جديدة تحميها من التآكل وتحوّلها إلى سياسات قابلة للحياة في المدن المكتظة. وربما هنا تحديداً يلتقي الدرس الكوري مع حاجاتنا المحلية: كيف نحافظ على حرارة المجتمع من دون أن نحمل الأسرة وحدها كل العبء؟ وكيف نصنع مساحات آمنة للمسنين والضعفاء نفسياً أو اجتماعياً من دون عزلهم في مؤسسات مغلقة؟
في هذا السياق، تبدو «حديقة العناية بالقلب» كأنها تستعيد، بلغة حديثة، معنى عربياً قديماً: أن الناس يتعافون أيضاً بالونس، وبوجود مكان يعرفهم ويحتمل بطأهم. الفرق أن المشروع الكوري يضع هذا المعنى في إطار إدارة حضرية واعية، تستخدم الموارد المتاحة محلياً، وتوزع المسؤوليات على أكثر من جهة، وتراهن على الاستمرارية.
ولا ينبغي تجاهل جانب آخر في القصة، وهو أن كوريا الجنوبية، المعروفة عالمياً بصناعاتها التكنولوجية وثقافتها الشعبية من الكيبوب إلى الدراما، تقدم هنا وجهاً مختلفاً للموجة الكورية. ليس وجه الترفيه ولا الموضة، بل وجه السياسات الاجتماعية المحلية التي تحاول أن تجيب عن أسئلة الحياة اليومية. وهذا بحد ذاته مهم للقراء العرب المهتمين بكوريا، لأنه يخرج الصورة من إطار اللمعان الثقافي إلى واقع المجتمع وتحولاته العميقة.
التحديات المقبلة: هل تنجح الفكرة خارج الورق؟
مع كل ما تحمله المبادرة من دلالات إيجابية، يبقى الحكم النهائي مرهوناً بالتطبيق. فنجاح مثل هذا المشروع لا يُقاس بالإعلان عنه ولا بتوقيع الاتفاقية، بل بما إذا كان المستفيدون سيشاركون فعلاً على نحو منتظم، وما إذا كانت الحديقة ستتحول إلى مساحة حية لا إلى مشروع موسمي ينطفئ بعد الحماس الأول. كما أن مسألة دعم التنقل والمتابعة الشخصية ستكون اختباراً حاسماً، لأن كثيراً من الفئات المستهدفة قد تكون غير قادرة على الاستفادة من البرنامج من دون مساندة قريبة.
هناك أيضاً تحدي الحفاظ على التوازن بين البعد العلاجي والبعد المجتمعي. فإذا غلبت اللغة الإدارية الصارمة، قد تفقد الحديقة طابعها الإنساني المفتوح. وإذا تُركت المبادرة للارتجال المفرط، فقد تتبدد القدرة على الاستمرار والتقييم. ومن ثم، فإن المهارة الحقيقية ستكون في إدارة هذا التوازن: أن يبقى المكان ودوداً وعادياً، مع وجود منظومة متابعة دقيقة في الخلفية.
كما ستطرح التجربة سؤالاً مهماً حول القياس: كيف ستعرف المدينة أنها نجحت؟ هل بعدد المشاركين؟ أم بمعدلات العودة والاستمرار؟ أم بتحسن شعور المستفيدين بالأمان والانتماء؟ أم بانخفاض مؤشرات العزلة؟ في مشاريع الرعاية، غالباً ما تكون النتائج الأكثر قيمة هي الأصعب في القياس، لأنها تتعلق بالإحساس والثقة والعلاقات، لا بالأرقام الصلبة وحدها.
ومع ذلك، فإن أهمية ما تقوم به غوانغميونغ لا تتوقف على احتمال النجاح الكامل. أحياناً تكمن قيمة التجارب المحلية في أنها تفتح النقاش وتغيّر اللغة التي نصف بها المشكلة. وهذا ما يحدث هنا بالضبط. فبدلاً من الحديث عن الرعاية باعتبارها خدمة تُقدَّم في مؤسسة، يجري الحديث عنها كعلاقة تُبنى في الحي. وبدلاً من اختزال التعافي في العلاج، يجري النظر إليه كمسار يشمل الجسد والنفس والروابط الاجتماعية.
لهذا كله، تستحق «حدائق العناية بالقلب» المتابعة من بعيد أيضاً. فهي ليست مجرد تفصيل بلدي في مدينة كورية، بل مرآة لتحول أوسع في فهم معنى الرعاية في المجتمعات الحضرية الحديثة. وإذا كانت المدن العربية تبحث بدورها عن أدوات أقل كلفة وأكثر إنسانية لمواجهة العزلة والهشاشة، فقد تجد في هذه التجربة ما يستحق التأمل: أحياناً يبدأ ترميم المجتمع من مكان صغير جداً، من رقعة خضراء، ومن موعد دوري، ومن قرار بسيط بأن الشفاء لا يحدث في الغرف المغلقة وحدها.
0 تعليقات