광고환영

광고문의환영

هيربي هانكوك يهزّ ليل سيول: كيف أعاد عملاق الجاز تعريف الحضور الحي أمام جمهور كوريا

هيربي هانكوك يهزّ ليل سيول: كيف أعاد عملاق الجاز تعريف الحضور الحي أمام جمهور كوريا

أمسية في سيول تتجاوز فكرة الحفل العابر

في مدينة اعتادت أن تُعرَّف عالمياً عبر بريق الكيبوب، وضجيج الدراما الكورية، وإيقاع الصناعة الترفيهية السريع، جاءت ليلة هيربي هانكوك في سيول لتذكّر بأن كوريا الجنوبية لا تكتفي بتصدير الثقافة الشعبية، بل تملك أيضاً جمهوراً قادراً على استقبال أكثر أشكال الموسيقى عمقاً وتعقيداً وحساسية. ففي ختام مهرجان سيول للجاز، صعد الموسيقي الأميركي الأسطوري هيربي هانكوك إلى المسرح الرئيسي في الحديقة الأولمبية بالعاصمة الكورية، ليقدّم عرضاً بدا، في شهادات الحاضرين ووصف التغطيات المحلية، أقرب إلى درس حي في معنى الاستمرارية الفنية منه إلى مجرد استعادة لأمجاد الماضي.

اللافت في هذه الأمسية ليس فقط أن الفنان يبلغ من العمر 86 عاماً، ولا فقط أنه من الأسماء المؤسسة في تاريخ الجاز الحديث، بل إن الأهم هو أن حضوره على الخشبة بدا حضوراً آنياً، متوتراً بالحياة، نابضاً برد فعل الجمهور، وكأنه فنان يثبت في كل دقيقة أن الخبرة لا تعني البرود، وأن العمر لا يُختصر في الرقم عندما تكون الموسيقى نفسها جزءاً من تكوين الجسد والذاكرة. هنا تحديداً تكمن قيمة الخبر بالنسبة للقارئ العربي: نحن أمام واقعة فنية تطرح أسئلة يعرفها المشهد الثقافي العربي جيداً، من بينها كيف نحفظ مكانة الكبار من دون أن نحبسهم في خانة التكريم المتحفي، وكيف ننظر إلى الفنان المخضرم بوصفه قوة معاصرة لا مجرد اسم من أرشيف الزمن الجميل.

في العالم العربي، نعرف هذا التوتر بين الذاكرة والحاضر. نعرف كيف تتحول أسماء كبيرة في الغناء والطرب والمسرح إلى رموز تُستدعى في الخطابات أكثر مما تُعاش في اللحظة. لذلك تبدو ليلة هيربي هانكوك في سيول مهمة عربياً أيضاً، لأنها تقدم نموذجاً مختلفاً: فنان مخضرم لا يُعامل بوصفه أيقونة يجب التصفيق لها لمجرد التاريخ، بل بوصفه مؤدياً ما زال مطالباً بأن يقنع جمهوره الآن، في هذه اللحظة، فوق هذا المسرح. وهذا بالضبط ما فعله، وفق ما نقلته التغطيات الكورية، حين ملأ المكان بطاقة بدت مناقضة لكل تصور سطحي عن الشيخوخة والفنون الحية.

ما الذي جعل هذه الليلة استثنائية؟

حين يُذكر اسم هيربي هانكوك، فإننا لا نتحدث عن عازف بيانو وحسب، بل عن أحد أولئك الذين غيّروا شكل الجاز نفسه. الرجل الذي بدأ مسيرته في مطلع ستينيات القرن الماضي، وارتبط اسمه لاحقاً بتجارب كبرى مع مايلز ديفيس، لم يتوقف عند حدود الجاز التقليدي، بل دفع هذا الفن إلى مناطق أكثر رحابة، مزج فيها الإيقاعات المعاصرة بالفانك والروك والإلكترونيات. لهذا لم يكن ظهوره في سيول مجرد استضافة نجم عالمي كبير، بل استضافة تاريخ كامل من التحولات الموسيقية التي عبرت أكثر من جيل وأكثر من ذائقة وأكثر من تعريف لماهية الجاز.

المعنى هنا يتجاوز قيمة الاسم إلى طبيعة اللحظة. فمهرجان سيول للجاز بات واحداً من أبرز مواعيد الربيع الموسيقية في كوريا الجنوبية، بما يشبه، من حيث رمزيته الموسمية والثقافية، مهرجانات عربية كبرى تنتظرها المدن كل عام كي تعلن دخول فصل جديد من الحيوية العامة. وما أن يُختار فنان ما ليكون نجم الليلة الختامية، حتى يصبح ذلك مؤشراً على هوية المهرجان نفسه: ماذا يريد أن يقول لجمهوره؟ ما الرسالة التي يتركها في نهاية الحدث؟ اختيار هانكوك في هذا الموقع الزمني داخل المهرجان يقول الكثير عن طموح المنظمين إلى تثبيت الجاز ليس كفن نخبة مغلقة، بل كخبرة جماعية قادرة على أن تُعاش في فضاء مفتوح وبين جمهور واسع.

وهذا البعد مهم عربياً، لأن جمهورنا اعتاد أحياناً تصنيف الموسيقى إلى مساحات منعزلة: طرب، بوب، أندرجراوند، موسيقى بديلة، أو موسيقى متخصصة لا تصلح إلا لدوائر محدودة. لكن ما جرى في سيول يبيّن أن الجاز، بكل ما يُنسب إليه من تعقيد، يمكن أن يتحول إلى حدث جماهيري عندما يُقدَّم في السياق الصحيح، وعندما يكون الفنان قادراً على تحويل الأداء إلى حالة عاطفية مشتركة. المسألة هنا ليست في كسر الحواجز بين الأنواع الموسيقية فقط، بل في كسر الحاجز النفسي بين الجمهور والموسيقى التي يُفترض أنها صعبة أو نخبوية.

وفي هذا تكمن فرادة ليلة هانكوك: لقد أعادت تثبيت فكرة أن الموسيقى الرفيعة ليست موسيقى بعيدة، وأن التجريب ليس نقيض المتعة، وأن الفنان الكبير لا يحتاج إلى خطاب تمجيدي بقدر ما يحتاج إلى مسرح وجمهور يصغي.

بين الخشبة والجمهور: الجاز كحوار لا كاستعراض

من أبرز ما نقلته التغطيات عن الحفل أن هيربي هانكوك توجّه إلى الحضور بكلمات قصيرة قال فيها إنه سعيد برؤيتهم، وإن الجمهور يبدو كأنه جزء من العائلة. قد تبدو العبارة عادية في ظاهرها، لكن في سياق الجاز تكتسب معنى أعمق بكثير. فالجاز، بخلاف أنواع موسيقية تعتمد على إعادة إنتاج شبه ثابتة للأغنية أو اللحن، يقوم على مساحة واسعة من الارتجال والتفاعل الآني. أي إن الحفل لا يكون نسخة طبق الأصل عن حفل آخر، حتى لو عُزفت فيه المقطوعات نفسها. هنا يصبح الجمهور طرفاً ضمنياً في صناعة اللحظة، لأن استجابته، صمته، دهشته، وحتى إيقاع تنفّسه الجماعي، كل ذلك يدخل في دينامية الأداء.

هذا المفهوم قد يكون مألوفاً أيضاً للمتلقي العربي إذا استحضرنا تقاليد الطرب الكلاسيكي، حيث لم تكن الحفلة مجرد تنفيذ مسبق لبرنامج موسيقي، بل كانت تنمو مع تجاوب القاعة، ومع لحظات السلطنة والارتجال والتطريب. في حفلات أم كلثوم مثلاً، لم يكن الجمهور مجرد مستمع ساكن، بل كان شريكاً في رفع الجملة الموسيقية، وفي تمديد المقام، وفي إعادة المقطع الذي أشعل الوجدان. بهذا المعنى، يمكن تقريب تجربة الجاز إلى القارئ العربي من خلال هذا القاسم المشترك: الموسيقى الحية تبلغ ذروتها حين تتخلى عن المسافة الباردة بين المؤدي والمتلقي.

وبحسب الوصف الوارد من سيول، فإن هانكوك لم يعتمد فقط على براعة الأصابع أو على رصيده التاريخي، بل على هذا الخيط الإنساني الذي يصل المسرح بالجمهور. كلما ارتفع توتر العزف، استجابت الآلات الأخرى، واشتد تفاعل القاعة، حتى بدا العرض كأنه موجة متصاعدة لا تصنعها يد واحدة. وهذا تفصيل بالغ الأهمية، لأنه يخرج الحفل من سردية النجم الفرد إلى معنى الفرقة بوصفها جسداً فنياً واحداً. الجاز، في جوهره، ليس فقط مساحة لاستعراض المهارة، بل هو اختبار دائم للإنصات المتبادل: كيف يلتقط العازف إشارة زميله؟ كيف يرد عليه؟ كيف يفسح له مساحة ثم يعود ليبني فوقها؟

في زمن الثقافة الرقمية السريعة، حيث تميل التجربة الفنية إلى الاختزال في مقاطع قصيرة قابلة للمشاركة، تبدو هذه الفكرة بالغة القيمة. إن ما يقدمه الجاز هنا هو دفاع عن الزمن البشري داخل الموسيقى: عن الإصغاء، وعن البناء التدريجي، وعن الحوار. ولذلك فإن تأثير ليلة هانكوك لم يأتِ من استعراض بصري عابر، بل من قدرة الموسيقى على جعل الحضور يعيشون لحظة مشتركة لا يمكن ضغطها إلى عنوان واحد أو لقطة واحدة.

الجسد على المسرح: كيف هزم الزمن بالصوت والحركة؟

ربما كانت الصورة الأكثر تداولاً وإثارة في وصف الحفل هي خروج هيربي هانكوك إلى مقدمة المسرح وهو يحمل لوحة المفاتيح، متحركاً بطاقة لافتة، ومندفعاً بحيوية تنسف التصور الكلاسيكي عن عازف الجاز الجالس في هدوء خلف البيانو. هذه الصورة وحدها كفيلة بأن تفسر لماذا بدت الأمسية حدثاً يتجاوز حدود الموسيقى إلى ما يشبه الرسالة الثقافية عن معنى الاستمرار في الفن.

في كثير من الصناعات الثقافية الحديثة، تُقدَّم الحداثة وكأنها مرادف مطلق للشباب، وكأن الجسد المفعم بالطاقة لا يمكن أن يكون إلا جسداً يافعاً. لكن هانكوك، وفق ما بدا على المسرح في سيول، قدّم تعريفاً مختلفاً للطاقة: طاقة تأتي من التراكم، من الخبرة، من الثقة، ومن فهم عميق للآلة وللجمهور وللزمن نفسه. لم يكن الأمر تحدياً بيولوجياً للسن فقط، بل كان تحدياً لفكرة ثقافية أوسع تختزل الفنان الكبير في دوره الرمزي وتحرمه، ضمناً، من حقه في أن يظل معاصراً.

الصورة الأخرى التي حملت دلالة قوية كانت لقطات اليدين على الشاشة العملاقة. يدان تحملان بوضوح آثار العمر، لكنهما تتحركان على المفاتيح بخفة واستجابة مذهلتين. في هذا المشهد تكاد ترى الزمن كله مكثفاً أمامك: التجاعيد بوصفها سجل حياة، والسرعة بوصفها نفيًا لسلطة النمطية. ليس ثمة إنكار للعمر هنا، ولا محاولة للتظاهر بالشباب، بل على العكس تماماً: العمر حاضر بوضوح، لكنه يتحول من علامة نقصان إلى علامة امتلاء. وهذا درس مهم لأي قارئ يتأمل علاقة الفن بالزمن، سواء في كوريا أو في العالم العربي أو في أي مكان آخر.

في ثقافتنا العربية، لطالما ارتبطت صورة الفنان الكبير بالوقار والرصانة، وأحياناً بالسكون. لكن ليلة هانكوك تذكّر بأن الوقار لا يناقض المغامرة، وأن الهيبة لا تتناقض مع اللعب. الجاز نفسه قائم على هذا المبدأ: أعلى درجات المعرفة يمكن أن تتجسد في لحظة تبدو عفوية تماماً. ولعل هذه النقطة هي ما جعل حضور هانكوك مؤثراً إلى هذا الحد؛ فهو لم يقدّم نفسه كأستاذ يشرح، بل كفنان يعيش الموسيقى جسداً وروحاً، وكأن كل ما حدث خلال العقود الستة الماضية كان تمهيداً لهذه اللحظة لا مجرد تاريخ خلفها.

سيول والجاز: ماذا تقول هذه الصورة عن كوريا الجنوبية؟

من السهل، عند الحديث عن كوريا الجنوبية، أن ينصرف الذهن العربي مباشرة إلى فرق الآيدولز، ومنصات البث، والمسلسلات التي حققت حضوراً واسعاً في المنطقة العربية من الخليج إلى المغرب. غير أن مشهد هيربي هانكوك في مهرجان سيول للجاز يكشف وجهاً آخر لا يقل أهمية: كوريا بوصفها بلداً يطوّر ذائقة موسيقية متنوعة، ويؤسس لمساحات تستقبل تراث العالم الحي لا بوصفه أرشيفاً مستورداً، بل بوصفه جزءاً من التجربة الثقافية اليومية.

المكان نفسه له دلالة. فإقامة الحفل في الهواء الطلق داخل الحديقة الأولمبية، على مساحة عشبية تستقبل جمهور الربيع، تمنح الموسيقى معنى مختلفاً عما تمنحه القاعات المغلقة. في مثل هذه الفضاءات، يصبح الحفل أقرب إلى طقس مدني تشارك فيه المدينة كلها. المساء، النسمات، تبدّل الأضواء، وحركة الحشود، كلها عناصر تدخل في تكوين الحدث. وهذه ميزة تعرفها أيضاً مدن عربية بنت تقاليدها الموسمية حول المهرجانات المفتوحة، حيث لا يعود الفن حبيس الصالة، بل يمتزج بإيقاع الشارع والطقس والناس.

ما يحدث في سيول هنا ليس مجرد استضافة اسم عالمي للاستهلاك الإعلامي، بل ترسيخ لفكرة أن العاصمة الكورية قادرة على أن تكون محطة حقيقية في خريطة الموسيقى العالمية. وهذا أمر يرتبط بتحول أوسع في صورة كوريا الجنوبية: فهي لم تعد فقط منتجاً لموجة ثقافية شعبية ناجحة، بل أصبحت أيضاً ساحة استقبال ناضجة لموسيقيين كبار من أجيال واتجاهات متعددة. بهذا المعنى، فإن حفل هانكوك لا يقول شيئاً عن الفنان وحده، بل يقول شيئاً عن المدينة التي تستضيفه، وعن الجمهور الذي يملأ المكان، وعن السوق الثقافية التي تسمح لهذا النوع من الفعاليات بأن يحتل موقعاً بارزاً في رزنامة الربيع.

وهنا يجد القارئ العربي زاوية لافتة للمقارنة. فكما تسعى مدن عربية عدة إلى تثبيت حضورها عبر المهرجانات الفنية الكبرى، تبدو سيول أيضاً منشغلة بصناعة مشهدها الثقافي المتعدد، لا بالاكتفاء بما نجح تجارياً فقط. وهذا وعي مهم، لأن قوة أي مدينة ثقافياً لا تُقاس فقط بما تصدّره، بل أيضاً بما تستقبله، وبقدرتها على جمع الأجيال والتيارات في مساحة واحدة.

من مايلز ديفيس إلى جمهور اليوم: سيرة لا تعيش على الحنين

حين نعود إلى المسار الفني لهيربي هانكوك، نفهم أكثر لماذا حملت حفلة سيول كل هذا الزخم الرمزي. الرجل الذي بدأ مسيرته الاحترافية عام 1962 ليس فقط شاهداً على مراحل مفصلية في تاريخ الجاز، بل كان صانعاً مباشراً لكثير من انعطافاته. عمله مع مايلز ديفيس وضعه في قلب أحد أهم المختبرات الموسيقية في القرن العشرين، ثم جاءت مسيرته المنفردة لتؤكد ميلاً جريئاً إلى كسر الحدود، سواء من خلال توسيع شكل الجاز، أو إدخال عناصر من الفانك والروك والموسيقى الإلكترونية، أو الدفاع عن فكرة أن النقاء الأسلوبي ليس فضيلة في ذاته إذا كان يعيق المغامرة.

لهذا السبب يصعب النظر إلى ظهوره في سيول باعتباره سهرة نوستالجيا. النوستالجيا عادةً تقوم على استدعاء الماضي بوصفه زمناً أكمل وأكثر صفاء، أما هانكوك فمسيرته نفسها بُنيت على نقض الصفاء الجامد، وعلى الذهاب المستمر نحو الأصوات الجديدة. إنه من أولئك الفنانين الذين لم يحموا تراثهم بالانغلاق، بل حموه بالتجدد. وهذه نقطة تستحق التأمل عربياً، لأن كثيراً من النقاشات الثقافية عندنا تنقسم بين من يحرس التقليد بحذر شديد، ومن يدعو إلى القطيعة معه بالكامل. تجربة هانكوك تطرح احتمالاً ثالثاً: أن تكون وفيّاً للجذر، لكن من دون أن تتحول إلى سجين له.

وعندما يظهر مثل هذا الفنان على مسرح في 2026، ويقابل جمهوراً شاباً في جزء كبير منه، فإن المغزى لا يقتصر على الاحترام الذي يلقاه الاسم الكبير، بل يشمل قدرة الموسيقى نفسها على عبور الزمن بلا افتعال. لا أحد يُجبر جمهور المهرجانات على التفاعل إذا لم يجد ما يخصه في اللحظة. وهذا ما يجعل الحفل شهادة على أن الإرث الحقيقي ليس ما يُعرض في المتاحف فقط، بل ما يظل قابلاً للحياة أمام أناس لم يعيشوا زمن بداياته. بهذه الزاوية، تصبح سيول محطة جديدة في سيرة طويلة، لا خاتمة احتفالية لها.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي اليوم؟

قد يسأل بعض القراء: ما الذي يجعل أمسية جاز في سيول حدثاً يستحق كل هذا الاهتمام في صحيفة عربية؟ الجواب أن الخبر، في جوهره، ليس عن نوع موسيقي بعينه، بل عن تحولات أوسع تمس الثقافة العالمية وطريقة تلقيها. نحن نعيش في زمن تُختصر فيه القيمة كثيراً في الجديد والفوري والرائج، بينما تذكّرنا مثل هذه الليلة بأن الفن الذي ينجو ليس فقط ما يشتعل سريعاً، بل ما يستطيع أن يتجدد من داخله. كما أن الخبر يضيء جانباً مهماً من كوريا الجنوبية، الدولة التي يعرفها كثير من العرب من خلال الشاشة الصغيرة والأغنية الخفيفة، لكنها تثبت هنا أنها تنتمي أيضاً إلى خرائط موسيقية أعمق وأكثر تنوعاً.

ثم إن في القصة ما يمس ذائقتنا نحن. في الثقافة العربية، لا يزال هناك توق حقيقي إلى الحفل الحي الذي يتجاوز فكرة الاستهلاك السريع، وإلى الفنان الذي يُصغي بقدر ما يؤدي، وإلى الجمهور الذي يشارك في صناعة اللحظة. لهذا يمكن قراءة ما حدث في سيول بوصفه تذكيراً بقيمة الخبرة الحية نفسها، تلك التي لا تعوضها التسجيلات ولا الخوارزميات ولا المقاطع المختزلة. وربما لهذا تحديداً كانت عبارة هانكوك عن العائلة شديدة الدلالة: فهي لا تصف علاقة عابرة بين نجم ومتابعين، بل تلخص جوهر الفن حين يصبح مساحة انتماء مؤقتة ومكثفة.

في المحصلة، لم تكن ليلة هيربي هانكوك في سيول خبراً عن العمر بقدر ما كانت خبراً عن الحضور. لم تكن مجرد مناسبة لتكريم اسم من تاريخ الجاز، بل مناسبة لإثبات أن الموسيقى، عندما تُعاش حقاً، تظل قادرة على إرباك أفكارنا الجاهزة عن الزمن والهوية والأنواع الفنية. وبينما تتوسع الموجة الكورية في العالم العربي غالباً عبر بوابات البوب والدراما، تفتح هذه الأمسية باباً آخر لفهم كوريا: ليس فقط كمنتِج لثقافة جماهيرية لامعة، بل كفضاء يستقبل كبار العالم ويمنحهم جمهوراً يصغي، ويتفاعل، ويحوّل الحفل إلى حدث معاصر بكل معنى الكلمة.

وهكذا، فإن الصورة التي تبقى من هذه الليلة ليست صورة أسطورة جاءت لتُحيي أمجادها، بل صورة فنان ما زال يؤمن بأن الموسيقى فعل حاضر، وأن المنصة ليست مكاناً للذكرى فقط، بل مكان للاختبار. وهذا، في النهاية، هو المعنى الأجمل الذي حملته سيول في تلك الليلة: أن الفن الحقيقي لا يشيخ حين يجد من يسمعه حقاً.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات