광고환영

광고문의환영

بي تي إس تعود إلى مكسيكو سيتي: كيف تحوّل حفل كيبوب ضخم إلى درس في فهم الجمهور واحترام ثقافته

بي تي إس تعود إلى مكسيكو سيتي: كيف تحوّل حفل كيبوب ضخم إلى درس في فهم الجمهور واحترام ثقافته

عودة لا تُقاس بالأرقام وحدها

ليست كل العودة إلى المسرح مجرد استئناف لجولة فنية، وليست كل الأرقام الكبيرة دليلاً كافياً على النجاح. أحياناً يكون الرقم، مهما بدا مبهراً، مجرد مدخل إلى قصة أعمق تتعلق بالعلاقة بين الفنان وجمهوره، وبين الصناعة الثقافية والسياق المحلي الذي تهبط فيه. هذا تماماً ما يمكن قراءته في عودة فرقة «بي تي إس» إلى مكسيكو سيتي، حيث أحيت ثلاثة عروض جماهيرية استقطبت نحو 150 ألف متفرج خلال أيام قليلة، في مشهد لا يعبّر فقط عن قوة الحضور الجماهيري للفرقة الكورية، بل يكشف أيضاً عن المرحلة التي بلغها الكيبوب بوصفه صناعة عابرة للحدود تعرف كيف تتحدث مع كل مدينة بلغتها الرمزية الخاصة.

اللافت هنا أن هذه الحفلات لم تكن محطة عادية في أجندة فرقة عالمية. فبحسب المعطيات المتداولة في التغطيات الكورية، فإنها تمثل أول حفل جماعي للفرقة في المكسيك منذ يوليو 2015، أي بعد انقطاع دام أكثر من عشر سنوات وعشرة أشهر. وفي عالم الموسيقى الحية، لا يشبه الغياب الطويل أي استراحة عابرة؛ فخلال هذه السنوات تتبدل أذواق الجمهور، وتتغير أجيال المعجبين، وتتزاحم أسماء جديدة على السوق، ويصبح الرهان الحقيقي ليس على شهرة الماضي، بل على القدرة على إثبات الحضور من جديد.

من هذه الزاوية، تبدو مكسيكو سيتي أكثر من مجرد مدينة استضافت حفلات ناجحة. إنها اختبار لمدى قدرة «بي تي إس» على تحويل ذاكرة قديمة إلى حرارة آنية، وعلى إعادة وصل ما انقطع مع جمهور لم يفقد شغفه، بل بدا كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات. نفاد تذاكر العروض الثلاثة سريعاً يرسل رسالة واضحة: الحديث لم يعد عن موجة عابرة أو اندفاع استهلاكي مؤقت، بل عن علاقة مستقرة وعاطفية ومتراكمة بين الفرقة وجمهورها في واحدة من أهم العواصم الثقافية في أميركا اللاتينية.

ولعل القارئ العربي يدرك بسهولة معنى هذا النوع من العودة إذا ما قارنها بعودة فنان محبوب إلى مسرح قرطاج أو جرش أو موسم الرياض بعد غياب طويل. فالقضية لا تكون فقط في امتلاء المدرجات، بل في السؤال الأهم: هل ما زال الفنان قادراً على مخاطبة الناس كما لو أنه لم يغب، بل ربما صار أكثر قرباً؟ هذا هو الامتحان الذي يبدو أن «بي تي إس» تجاوزته في مكسيكو سيتي بمهارة لافتة.

وفي هذا النجاح ما يستحق التأمل عربياً أيضاً، لأن جمهور الثقافة الكورية في العالم العربي لم يعد جمهوراً هامشياً أو محدوداً بدوائر صغيرة على الإنترنت. من الدار البيضاء إلى دبي، ومن القاهرة إلى جدة، ثمة جيل كامل يتابع التحولات في الكيبوب بوصفها نموذجاً ثقافياً وصناعياً، لا مجرد ترفيه مستورد. لذلك فإن ما حدث في المكسيك ليس خبراً بعيداً، بل نافذة لفهم كيف تُبنى الشعبية العالمية اليوم، وكيف يصبح احترام الثقافة المحلية جزءاً من العرض نفسه، لا مجرد هامش دعائي حوله.

مكسيكو سيتي بوصفها ساحة رمزية للكيبوب

اختيار مكسيكو سيتي تحديداً ليس تفصيلاً جغرافياً. فالمدينة، بثقلها السكاني والثقافي، تمثل بوابة مركزية إلى الفضاء الناطق بالإسبانية في أميركا اللاتينية. وحين تنجح فرقة بحجم «بي تي إس» في إعادة تعبئة هذا الفضاء بعد غياب يزيد على عقد تقريباً، فإنها لا تؤكد حضورها في سوق واحد فحسب، بل تبعث برسالة أوسع إلى الإقليم كله: الكيبوب لم يعد ضيفاً غريباً، بل بات لاعباً يفهم قواعد التفاعل في هذه المنطقة.

الأهمية هنا تتجاوز فكرة «الانتشار العالمي» التي تكررت كثيراً حتى فقدت شيئاً من دقتها. في السنوات الماضية، اعتدنا قراءة أخبار عن نجوم كوريين يحققون مشاهدات بالمليارات أو يتصدرون قوائم عالمية. لكن ما تكشفه حفلات مكسيكو سيتي هو مستوى أكثر نضجاً من هذا الانتشار؛ مستوى لا يقاس بعدد المتابعين فقط، بل بقدرة العرض على أن يشعر الجمهور المحلي بأنه حاضر في قلب التجربة، لا في هامشها.

هذه نقطة شديدة الأهمية في فهم الكيبوب اليوم. فالمشهد لم يعد يدور حول تصدير صيغة كورية مغلقة إلى الخارج ثم انتظار تفاعل الجمهور معها. ما نشهده الآن هو صياغة أكثر تعقيداً: هوية فنية كورية واضحة، نعم، لكن داخل إطار إنتاجي مرن يسمح بإدماج رموز محلية، وإشارات لغوية، ولمسات ثقافية تجعل كل مدينة تشعر أن العرض يخصها هي أيضاً. هذا النوع من «التوطين الفني» لا يعني التنازل عن الأصل، بل يعني أن الأصل صار واثقاً من نفسه إلى درجة تسمح له بالحوار لا بالتلقين.

ربما لهذا السبب بدت أصداء الحفل في المكسيك أوسع من مجرد نجاح تنظيمي أو جماهيري. هناك معنى سياسي وثقافي غير مباشر في قدرة فرقة آسيوية على ملء مدرجات في عاصمة لاتينية بهذا الزخم، من دون أن يكون ذلك قائماً على هيمنة لغوية أو تاريخ استعماري أو نفوذ إعلامي تقليدي. إنها صورة أخرى للعولمة الثقافية، أقرب إلى التبادل والتبني المتبادل منها إلى المركزية القديمة التي كانت تحتكر تعريف «النجاح العالمي».

وهذه المعادلة ليست بعيدة عن حساسية الجمهور العربي. فلطالما كان سؤال «كيف نصل إلى العالم من دون أن نفقد أنفسنا؟» سؤالاً ملازماً للنقاش الثقافي العربي أيضاً. وما تفعله تجارب مثل «بي تي إس» هو تقديم نموذج عملي: يمكنك أن تبقى ابن بيئتك، بلغتك وأسلوبك وجذورك، ثم تدخل العالم لا عبر الذوبان فيه، بل عبر فهم الآخرين وإشراكهم في التجربة.

حين تصعد الثقافة المحلية إلى المسرح

أحد أهم عناصر القراءة في حفلات مكسيكو سيتي هو أن الفرقة لم تكتفِ بإلقاء التحية على الجمهور المكسيكي أو ترديد عبارات مجاملة مألوفة. ما حدث، وفق الملخصات المتداولة، أن عناصر من الثقافة المحلية دخلت إلى نسيج العرض نفسه. وهنا يكمن الفارق بين «حفل عالمي» يمر على المدن بالصيغة نفسها، و«حدث حي» يغيّر جلده جزئياً بحسب المكان الذي يحل فيه.

من أبرز الإشارات التي لاقت صدى واضحاً اختيار أغنية «Airplane pt.2»، وهي أغنية تتضمن عبارة تشير مباشرة إلى مكسيكو سيتي. قد تبدو هذه اللفتة بسيطة لمن يقرأها من الخارج، لكنها داخل قاعة الحفل تحمل أثراً مختلفاً تماماً. حين يسمع الجمهور اسم مدينته يتردد في الأغنية، فإنه لا يشعر فقط بمتعة الاعتراف، بل بإدماج المكان داخل السردية الفنية. المدينة هنا ليست محطة على خريطة الجولة، بل جزء من معنى الأداء نفسه.

وفي الثقافة العربية، نعرف جيداً أثر هذا النوع من الاعتراف الرمزي. يكفي أن يذكر مطرب اسم بيروت أو بغداد أو الرباط في أغنية أو في ارتجال حي حتى يتبدل مزاج القاعة كلها. لأن المسألة ليست في اللفظة بحد ذاتها، بل في ما تحمله من شعور بأن الفنان لا يغني فوق رؤوس الناس، بل معهم ومن داخل وجدانهم. وهذا تحديداً ما نجحت فيه «بي تي إس» حين جعلت اسم المدينة حاضراً بوصفه نبضاً داخلياً في الأداء.

الأمر نفسه ينطبق على استخدام قناع «لوتشا ليبري» ضمن أحد العروض الراقصة. و«لوتشا ليبري» ليست مجرد مصارعة استعراضية في المكسيك، بل مكوّن ثقافي شعبي عريق، له رموزه الجمالية وشخصياته الأسطورية ومكانته في الذاكرة الجماعية. استحضار هذا القناع على المسرح لم يكن مجرد زينة فولكلورية أو استهلاك سطحي لعنصر بصري غريب، بل توظيفاً لعلامة ثقافية محلية يفهم الجمهور معناها فوراً.

هذا النوع من التضمين يحتاج إلى حساسية عالية. لأن الفرق كبير بين أن تستخدم رمزاً محلياً لتبدو «لطيفاً» أمام الجمهور، وبين أن تضعه في مكان مدروس داخل العرض بحيث يشعر المتلقي بأن هناك من احترم رمزه وفهم قيمته. وفي زمن باتت فيه الجماهير أكثر وعياً بمسألة التمثيل الثقافي، لم يعد يكفي أن تلتقط صورة بجانب رمز محلي أو ترتدي زياً تراثياً لثوانٍ. المطلوب هو إدراك السياق، وفهم المعنى، وتجنب التعامل مع الثقافة المحلية بوصفها ديكوراً قابلاً للاستهلاك السريع.

من هنا تحديداً يمكن القول إن ما قدمته الفرقة في مكسيكو سيتي يعكس نضجاً في أدوات الكيبوب العالمية. فالمسألة لم تعد محصورة في تدريب راقصين باحترافية عالية أو تقديم شاشات عملاقة وإبهار بصري، بل صارت مرتبطة أيضاً بقدرة صناع العرض على قراءة المكان بوصفه شريكاً في النجاح. وفي هذا درس مهم لأي صناعة موسيقية تطمح إلى العالمية: الجمهور لا يشتري التذكرة فقط من أجل الأغاني، بل من أجل الإحساس بأن هذه الليلة خُلقت له هو أيضاً.

تفاصيل صغيرة تصنع الألفة الكبيرة

في العروض الجماهيرية الكبرى، غالباً ما يتذكر الجمهور التفصيلة التي لم تكن في الحسبان أكثر مما يتذكر المشهد المصمم بعناية. قد يكون ذلك ارتجالاً عفوياً، أو كلمة قيلت في التوقيت الصحيح، أو تفاعل بسيط مع شيء من يوميات الناس. في حفلات مكسيكو سيتي، برزت إحدى هذه اللحظات حين التقط أحد أعضاء الفرقة، في أثناء الأداء، وجبة محلية خفيفة تُعرف باسم «بانديريا» أو ما يشبه المأكولات الخفيفة الشعبية التي تباع في الفضاءات العامة. هذه اللقطة، على بساطتها، أحدثت أثراً رمزياً أكبر بكثير من حجمها.

السبب أن النجومية العالمية كثيراً ما تخلق مسافة شبه أسطورية بين الفنان وجمهوره. لكن حين يلامس الفنان شيئاً من الحياة اليومية المحلية، طعاماً أو تعبيراً أو عادة صغيرة، فإنه يكسر تلك المسافة. لا يعود النجم مجرد صورة عملاقة على شاشة، بل يصبح شخصاً يلتقط من المكان شيئاً حياً ويعترف به أمام الناس. في السياق العربي، يمكن تخيل وقع مشهد مماثل لو أن فناناً عالمياً على مسرح عربي التقط تمرة من طبق تقليدي، أو تذوّق كعكاً شعبياً، أو استعاد لفظة دارجة يعرفها أهل المدينة. قد يبدو الأمر عابراً، لكنه في وجدان الجمهور لحظة اعتراف حميمة لا تُشترى بالإعلانات.

الأمر ذاته ينطبق على استخدام اللغة الإسبانية في مخاطبة الجمهور. صحيح أن استخدام النجوم العالميين لعبارات من لغة البلد المضيف لم يعد حدثاً نادراً، لكن الفارق يصنعه مستوى التحديد والصدق. حين يقال للجمهور: «أنتم كنتم رائعين» فهذه مجاملة متوقعة، أما حين تقترن العبارة بالإشارة إلى مكان رمزي مثل «ساحة زوكالو» وبالوعد الصريح بالعودة واستعادة ذكريات المدينة، فإن الخطاب يكتسب ملمساً أكثر واقعية. هنا لا يعود الحديث رسالة محفوظة تُقال في كل محطة، بل يصبح أقرب إلى مخاطبة موجهة لهذا الجمهور تحديداً.

وهنا تبرز براعة التواصل في الكيبوب المعاصر. فالمسألة ليست في الترجمة الحرفية أو في تعلم جملة أجنبية من أجل إثارة التصفيق، بل في بناء لحظة يشعر فيها الجمهور أن الفنان يعرف شيئاً عن مدينته، ويتذكر معالمها، ويلتقط ما يميزها عن غيرها. هذه التفاصيل هي التي تحول الأداء من سلعة فنية عابرة إلى تجربة عاطفية مشتركة.

الجمهور العربي، الذي خبر طويلاً الفرق بين التحية الرسمية الجامدة والتحية الصادقة التي تمس الذاكرة المحلية، يمكنه أن يفهم بسهولة لماذا تحمل مثل هذه اللفتات قيمة كبيرة. ففي المهرجانات العربية الكبرى، تبقى في الذاكرة أحياناً كلمة قالها فنان عن النيل أو القدس أو بحر الإسكندرية أو جبال عُمان أكثر مما تبقى مقاطع كاملة من الحفل. لأن الناس يبحثون، في نهاية المطاف، عن تلك النقطة التي يشعرون عندها أن العالم الكبير رآهم حقاً، لا أنهم مجرد رقم في جدول جولة فنية.

من «غانغام ستايل» إلى الحاضر: كيف تغيرت لغة الانتشار الكوري

لفهم دلالة ما جرى في مكسيكو سيتي، قد يكون من المفيد وضعه في سياق أوسع لتطور حضور الموسيقى الكورية عالمياً. قبل أكثر من عقد، مثّل النجاح الكاسح لأغنية «غانغام ستايل» لساي لحظة اختراق غير مسبوقة للكيبوب في المجال الغربي والعالمي. كانت تلك اللحظة قائمة بدرجة كبيرة على قوة الصدمة والاختلاف والطرافة وسهولة التداول الرقمي. لقد تعرّف كثيرون حول العالم إلى الكيبوب آنذاك عبر أغنية واحدة تحولت إلى ظاهرة كونية.

لكن ما بين تلك اللحظة وما نشهده اليوم مسافة كبيرة. لقد انتقلت الصناعة الكورية من مرحلة «الاقتحام» إلى مرحلة «الترسيخ». لم يعد الهدف فقط أن يعرفك العالم، بل أن يعود إليك، وأن يدفع ثمن التذكرة، وأن يخصص لك ثلاث ليالٍ متتالية في مدينة ضخمة، وأن يشعر بعد ذلك بأن العلاقة لم تكن استهلاكاً عابراً بل تجربة تستحق التكرار.

في هذا المعنى، تمثل حفلات «بي تي إس» في المكسيك صورة ناضجة عن الحاضر. فالنجاح هنا لا يعتمد على مفاجأة فيروسية أو حركة راقصة تهيمن على المنصات، بل على بنية متكاملة: سردية فنية راسخة، قاعدة جماهيرية تمتد عبر الأجيال، احتراف تنظيمي، وذكاء ثقافي في مخاطبة المكان. وهذا التحول ربما هو أكثر ما يثير اهتمام المتابعين لصناعة الترفيه في العالم كله، بما في ذلك العالم العربي.

لقد تعلّمت كوريا الجنوبية، عبر الدراما والموسيقى والسينما، أن القوة الناعمة لا تنجح بمجرد جودة المنتج، بل بحسن تقديمه وتكييفه مع حساسيات المجتمعات المختلفة. وهذا درس يهمنا عربياً أيضاً. لأن السؤال لم يعد: كيف نصنع محتوى جيداً فحسب؟ بل كيف نجعله قابلاً للعبور من دون أن يفقد خصوصيته، وكيف نبني حوله جسور فهم تحترم ذائقة المتلقي وخلفيته؟

من هنا يبدو أن مكسيكو سيتي لم تكن فقط محطة ناجحة لـ«بي تي إس»، بل تجسيداً لطريقة عمل جديدة في صناعة الموسيقى العالمية. طريقة تقول إن النجومية المعاصرة لا تكتفي بالانتشار، بل تحتاج إلى الإصغاء. ولا تكتفي بتوحيد الصيغة، بل تعرف متى تعدّل الإيقاع ومتى تترك للمدينة بصمتها على الخشبة.

ماذا يعني هذا لجمهور الثقافة الكورية في العالم العربي؟

قد يسأل البعض: وما الذي يعنيه للقارئ العربي أن تنجح فرقة كورية في إقامة ثلاث حفلات صاخبة في العاصمة المكسيكية؟ الإجابة أن الخبر يتجاوز الفضول الفني إلى ما هو أوسع. فالعالم العربي نفسه بات جزءاً من خرائط الاستهلاك الثقافي الكوري، سواء عبر الدراما والمنصات الرقمية أو عبر الحفلات والفعاليات والمعارض والتجمعات الجماهيرية. وبالتالي فإن أي تحول في طريقة اشتغال الكيبوب عالمياً يهم جمهورنا بوصفه متلقياً وشريكاً محتملاً في المرحلة المقبلة.

ما حدث في المكسيك يبعث بإشارة واضحة إلى أن الجمهور المحلي لم يعد يُعامل ككتلة متجانسة يمكن إرضاؤها بالصيغة نفسها في كل مكان. وهذا ما يفتح الباب أمام سؤال عربي مشروع: إذا جاءت الفرق الكورية الكبرى إلى مدن عربية أكثر في السنوات المقبلة، فهل ستتعامل مع المنطقة بالمنطق ذاته؟ هل سنرى إشارات مدروسة إلى الرموز المحلية، وتحيات تتجاوز التلقين، وفهماً أعمق لخصوصية كل مدينة وسياقها الاجتماعي؟

مثل هذا السؤال ليس ترفاً. فالجمهور العربي، مثل غيره، يريد أن يشعر بأن حضوره ليس مجرد فرصة تسويقية في سوق ناشئة. يريد أن يُرى ويُفهم ويُخاطَب بما يليق بثرائه الثقافي. وإذا كانت تجربة مكسيكو سيتي قد أثبتت شيئاً، فهي أن الاستثمار في هذا الفهم ليس مجاملة أخلاقية فقط، بل استراتيجية ناجحة جماهيرياً أيضاً.

من جهة أخرى، تعكس هذه الحفلات كيف تتشكل اليوم جماعات المعجبين العابرة للغات. جمهور «بي تي إس» في العالم العربي يشاهد ما يجري في المكسيك لحظة بلحظة، ويقارن، ويتفاعل، ويبني توقعاته للمستقبل. هنا لم تعد الحدود الجغرافية حاسمة كما كانت من قبل. ما يحدث في أميركا اللاتينية يمكن أن يؤثر في مزاج الجمهور في المنطقة العربية، تماماً كما تؤثر حفلات سيول أو لوس أنجليس أو باريس في النقاشات اليومية على المنصات العربية.

وهذا يضع المؤسسات الإعلامية العربية أيضاً أمام مسؤولية مختلفة. لم يعد كافياً أن نترجم خبراً عن عدد التذاكر أو أسماء الأغاني، بل صار مطلوباً أن نشرح للقارئ لماذا يُعد هذا النجاح مهماً، وما الذي يقوله عن التحولات في الثقافة الشعبية العالمية، وكيف يمكن قراءته من زاوية عربية. فالموجة الكورية ليست مجرد سلسلة أخبار ترفيهية، بل حالة ثقافية تكشف الكثير عن اقتصاد الانتباه، وعن دور الشباب في تشكيل الذائقة العابرة للقارات، وعن الطرق الجديدة التي تبني بها الدول صورتها في العالم.

بين الحنين والراهن: سرّ لقاء تأخر أكثر من عقد

أكثر ما يضفي على هذه الحفلات طابعاً خاصاً هو عامل الزمن. عشر سنوات وعشرة أشهر مدة طويلة في صناعة سريعة التقلب مثل الموسيقى الشعبية. خلال هذا الزمن، وُلد مستمعون جدد، وكبر مراهقون كانوا يتابعون الفرقة في بداياتهم، وتغيرت المنصات التي يُستهلك عبرها المحتوى، وتبدلت صورة العالم نفسه. لذلك فإن العودة بعد كل هذا الانقطاع ليست استعادة تلقائية لما كان، بل امتحان عسير أمام الحاضر.

هذا الامتحان نجح لأن «بي تي إس» لم تتكئ فقط على الحنين. صحيح أن لجمهورها رصيداً عاطفياً ضخماً، لكن الحنين وحده لا يملأ ثلاثة عروض متتالية في عاصمة بحجم مكسيكو سيتي. ما يملأها هو الجمع بين ذاكرة سابقة وقدرة راهنة على الإقناع. أي أن الفرقة لم تأتِ لتقول: «تذكرونا كما كنا»، بل لتقول: «انظروا إلينا الآن، ما زلنا نستحق هذا الموعد». وهذه نقطة فارقة في أي عودة فنية كبيرة.

في الثقافة العربية أمثلة كثيرة على حفلات عودة نجحت لأنها خاطبت الحاضر، لا لأنها استندت فقط إلى أرشيف المجد. الجمهور يحب الذكريات، نعم، لكنه لا يشتريها إذا شعر أنها تُعرض عليه بوصفها بديلاً عن التجديد والحيوية. والدرس نفسه يبدو حاضراً هنا: العلاقة الطويلة مع الجمهور يجب أن تُصان بالاعتراف بمشاعره، لكنها تحتاج أيضاً إلى تجديد أسباب الشغف.

من هذه الزاوية، تبدو مكسيكو سيتي نموذجاً لما يمكن أن تفعله الموسيقى حين تتعامل مع الزمن بوصفه مادة للعمل، لا عقبة أمامه. الغياب الطويل صار جزءاً من الحكاية، لكنه لم يتحول إلى عبء. على العكس، جرى توظيفه كعامل يضاعف الشحنة العاطفية للقاء. وهذا ما يجعل وصف الحفلات بأنها «نجاح جماهيري» فقط وصفاً ناقصاً؛ لأنها كانت أيضاً إعادة تثبيت لمكانة الفرقة في سوق معقد وحساس، وإعلاناً بأن قوة الاسم لا تزال قابلة للتحول إلى حضور حي وملموس.

الكيبوب اليوم: من التصدير إلى بناء العلاقة

في المحصلة، ما تكشفه حفلات «بي تي إس» في مكسيكو سيتي هو أن الكيبوب دخل مرحلة أكثر نضجاً في مساره العالمي. لم يعد الأمر يتعلق فقط بإنتاج فرق شديدة الانضباط، ذات أغانٍ جذابة وتصميمات بصرية فائقة. هذه العناصر ما زالت أساسية بلا شك، لكنها لم تعد وحدها كافية لتفسير النجاح. العنصر الحاسم اليوم هو القدرة على تحويل الحفل إلى مساحة تواصل متبادل، يشعر فيها الجمهور بأن ثقافته مرئية ومحترمة، وأن المدينة نفسها حاضرة على المسرح لا حوله فقط.

هذا هو الفارق بين من يزور العالم ومن يبني معه علاقة. الزيارة قد تحقق ضجيجاً آنياً وصوراً جميلة وعناوين صحافية لافتة. أما العلاقة فتحتاج إلى ذاكرة مشتركة، وإلى إشارات دقيقة، وإلى لغة قادرة على عبور المسافة بين المنصة والمدرجات. ويبدو أن «بي تي إس» نجحت في تقديم هذا النوع من العلاقة في مكسيكو سيتي، ولذلك لم يكن التصفيق مجرد استجابة لنجومية سابقة، بل تعبيراً عن شعور متبادل بأن ما جرى على الخشبة كان يخص الجميع.

بالنسبة إلينا كقراء عرب، ربما تكمن أهمية هذه القصة في أنها تذكّرنا بأن الثقافة الشعبية العالمية لم تعد تسير في اتجاه واحد. لم تعد الحكاية حكاية مركز ينتج وأطراف تستهلك بصمت. هناك اليوم أشكال أكثر تعقيداً من التداول، حيث تأتي فرقة من شرق آسيا لتقدم عرضاً في أميركا اللاتينية، فيتابعه ويحلله جمهور عربي يرى فيه انعكاساً لتحولات أوسع في العالم. هذه الشبكة العابرة للقارات هي ملامح الثقافة الجديدة التي نعيشها.

ولعل أبرز ما في هذه اللحظة أنها تقول شيئاً بسيطاً لكنه بالغ الأثر: الجمهور في أي مكان يريد أن يُعامل بكرامة رمزية، لا كمجرد قدرة شرائية. وعندما يلمس هذا الاحترام في تفصيلة صغيرة أو كلمة مدروسة أو إشارة ثقافية ذكية، فإنه يرد عليه بالولاء والحماسة والذاكرة الطويلة. ربما هذا هو الدرس الحقيقي من مكسيكو سيتي، أكثر من رقم 150 ألف متفرج نفسه.

أما «بي تي إس»، فقد قدّمت، في هذه العودة المؤجلة، نموذجاً عملياً لما يمكن أن يكون عليه الكيبوب اليوم: فناً يحتفظ بهويته، لكنه لا يتعامل مع العالم من برج عالٍ؛ عرضاً ضخماً يعرف كيف ينحني قليلاً ليرى ملامح الناس في الصفوف الأولى؛ وصناعةً أدركت أن العالمية ليست أن يردد الآخرون كلماتك فقط، بل أن تجعلهم يشعرون أنك سمعت كلماتهم هم أيضاً.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات