광고환영

광고문의환영

اليابان تضع «زلزال العاصمة» تحت المجهر: خطة لخفض الوفيات إلى النصف خلال عقد ورسالة تتجاوز طوكيو إلى مدن آسيا الكبرى

اليابان تضع «زلزال العاصمة» تحت المجهر: خطة لخفض الوفيات إلى النصف خلال عقد ورسالة تتجاوز طوكيو إلى مدن آسيا الكبرى

حين تتحول الكارثة المتوقعة إلى هدف سياسي قابل للقياس

في خطوة تعكس طبيعة التفكير الياباني في إدارة المخاطر الكبرى، أعلنت الحكومة اليابانية هدفاً واضحاً يتمثل في خفض عدد الوفيات المتوقعة جراء ما يُعرف بـ«الزلزال المباشر تحت العاصمة» إلى أقل من النصف خلال السنوات العشر المقبلة. الخبر في ظاهره يخص اليابان وحدها، لكنه في جوهره يتصل بكل مدينة كبرى في آسيا والعالم العربي تعرف معنى التمدد العمراني، واكتظاظ السكان، وتشابك البنية التحتية، وتعقّد إدارة الأزمات حين تقع في قلب العاصمة لا على أطرافها.

وفق التقديرات الرسمية التي كُشف عنها في ديسمبر الماضي، فإن زلزالاً كبيراً يقع مباشرة أسفل منطقة العاصمة اليابانية قد يؤدي إلى سقوط ما يصل إلى 18 ألف قتيل، وتدمير أو احتراق كامل نحو 402 ألف مبنى. هذه ليست أرقاماً تُلقى في الهواء، وليست مجرد إنذار إعلامي يمر في دورة الأخبار ثم يتلاشى. الأهم في الإعلان الياباني أن الحكومة لم تكتفِ بتكرار سيناريوهات الرعب، بل قررت أن تحوّلها إلى هدف سياسي وإداري معلن: إذا كانت الكارثة الطبيعية لا يمكن منعها، فإن حجم خسائرها يجب أن يصبح مجالاً قابلاً للتدخل والقياس والمحاسبة.

في العالم العربي، كثيراً ما نسمع لغة عامة عن «تعزيز الجاهزية» و«رفع مستوى الاستعداد» و«التعامل مع الطوارئ»، لكن التجربة اليابانية هنا تذهب خطوة أبعد: تحدد سقف الخطر بالأرقام، ثم تحدد الزمن المطلوب لخفضه، وتضع الدولة نفسها أمام اختبار عملي لا بلاغي. وهذا فارق جوهري بين سياسة تكتفي بالشعار، وسياسة تعتبر أن حماية الأرواح لا تُقاس بالنوايا الحسنة، بل بمؤشرات واضحة يمكن للناس والإعلام والخبراء متابعتها.

ولعل ما يجعل الخبر يلقى اهتماماً واسعاً خارج اليابان هو أنه يتعلق بطوكيو الكبرى، إحدى أكثر المناطق الحضرية تعقيداً في العالم، حيث تتركز وظائف الدولة والمال والأعمال والنقل والخدمات والاتصالات في مساحة حضرية هائلة الحساسية. حين تفكر حكومة بهذا الحجم في زلزال يقع تحت العاصمة نفسها، فهي عملياً تفكر في سؤال أكبر: كيف تحمي قلب الدولة حين يصبح مركز الخطر في قلبها أيضاً؟

ما المقصود بـ«الزلزال المباشر تحت العاصمة»؟

المصطلح الذي يتكرر في التغطيات اليابانية، ويُترجم حرفياً إلى «زلزال تحت العاصمة مباشرة»، قد يبدو تقنياً للقارئ العربي، لكنه في الحقيقة شديد الوضوح والخطورة. المقصود به زلزال كبير يكون مركزه في الطبقات القريبة أسفل منطقة العاصمة اليابانية، وليس في منطقة بعيدة أو على أطراف الأرخبيل. أي أن الهزة لا تأتي من مسافة تمنح المؤسسات والسكان هامشاً زمنياً أو جغرافياً للتقاط الأنفاس، بل تضرب المركز الإداري والاقتصادي والسكاني في موضعه الحساس.

هذا النوع من الأخطار يختلف في وقعه النفسي والسياسي عن الكوارث التي تضرب مناطق بعيدة عن مركز القرار. فحين تكون العاصمة نفسها معرضة للضرب، لا يصبح السؤال متعلقاً فقط بعدد المباني المنهارة أو الجرحى، بل بقدرة الدولة على الاستمرار في العمل: هل ستظل شبكات النقل صالحة؟ هل ستعمل الاتصالات؟ هل تستطيع المستشفيات استيعاب المصابين؟ هل تتعطل سلاسل الإمداد؟ هل يستمر عمل المؤسسات السيادية؟

في الثقافة السياسية اليابانية، كما في كثير من الدول الصناعية المتقدمة، لا تُفهم الكارثة باعتبارها حدثاً طبيعياً منفصلاً عن الدولة، بل باعتبارها اختباراً مباشراً لقدرة الدولة الحديثة على الصمود. لذلك فإن الحديث عن «زلزال العاصمة» ليس مجرد نقاش جيولوجي، بل حديث عن الأمن القومي، والاستقرار الاقتصادي، والحياة اليومية لملايين السكان الذين قد يجدون أنفسهم في دقائق معدودة أمام انقطاع الكهرباء والمياه والاتصالات ووسائل النقل مع خطر الحرائق والانهيارات.

وللقارئ العربي يمكن تقريب الصورة بمثال معروف: كما أن تعطل منطقة مركزية في مدينة مثل القاهرة أو الرياض أو الدار البيضاء أو دبي لا يُقاس فقط بمساحة الضرر المادي، بل بما يسببه من شلل في الحركة الاقتصادية والإدارية والخدمية، فإن ما تتخوف منه اليابان هو شلل متعدد الطبقات في منطقة حضرية تمثل القلب النابض للدولة. ومن هنا نفهم لماذا يحمل هذا المصطلح كل هذا الثقل في الخطاب العام الياباني.

لغة الأرقام: 18 ألف قتيل و402 ألف مبنى ليست مجرد إحصاءات

أحد أهم عناصر الخطة اليابانية الجديدة أنها تضع الرأي العام أمام أرقام محددة، لا أمام أوصاف فضفاضة. حين تقول الحكومة إن عدد الوفيات المحتمل قد يبلغ 18 ألفاً، وإن عدد المباني المدمرة أو المحترقة كلياً قد يصل إلى 402 ألف، فهي لا تمارس التخويف بقدر ما تمارس ما يمكن تسميته «إظهار المسؤولية». فالإدارة الرشيدة للخطر تبدأ من الاعتراف بحجمه، لا من تلطيفه أو تأجيل مواجهته.

هذا النهج له قيمة كبيرة في زمن باتت فيه الأخبار العاجلة تُغرق الناس بكمّ هائل من المعلومات، لكن من دون إطار يساعدهم على فهم ما هو جدي وما هو عابر. الأرقام هنا تؤدي وظيفة مزدوجة: من جهة، تكشف حجم الكارثة المحتملة بصراحة؛ ومن جهة أخرى، تخلق خط أساس يمكن قياس التقدم عليه لاحقاً. فإذا كان الهدف هو خفض الوفيات إلى أقل من النصف خلال عشر سنوات، فسيكون ممكناً بعد سنوات قليلة سؤال الحكومة: ما الذي تحقق؟ كم تراجع الخطر؟ وما القطاعات التي شهدت تحسناً أو إخفاقاً؟

في بيئات كثيرة، ومنها بعض بلدان منطقتنا، تبقى إدارة المخاطر أسيرة رد الفعل بعد وقوع الأزمة. أما حين تتحول الأرقام إلى جزء من النقاش العام قبل الكارثة، فإن ذلك ينقل المجتمع من منطق التلقي السلبي إلى منطق الاستعداد العقلاني. وهنا بالضبط تكمن إحدى الرسائل الكبرى في الخطوة اليابانية: الكارثة لا تبدأ لحظة وقوعها، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، حين تقرر الدولة إما أن تقرأ المؤشرات مبكراً أو أن تتركها تتراكم حتى تنفجر.

كما أن ربط الوفيات بالمباني المدمرة أو المحترقة يكشف فهماً مركباً للخطر. فالأرواح لا تُفقد في الزلازل بسبب الاهتزاز وحده، بل بسبب ما ينتج عنه من انهيارات بنيوية وحرائق وتأخر في عمليات الإنقاذ وتعطل في البنية التحتية. ولهذا فإن قراءة الأرقام في اليابان لا تنفصل عن فلسفة أوسع ترى أن المدينة الحديثة شبكة مترابطة؛ فإذا تعطلت إحدى عقدها الأساسية، امتد الأثر سريعاً إلى بقية العقد.

لماذا تركز الخطة على الحرائق أكثر من غيرها؟

اللافت في الملامح التي رافقت الإعلان الياباني أن التركيز انصب على الحرائق بوصفها من أخطر مسببات الوفاة في سيناريو زلزال العاصمة. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تشير إلى أن السلطات لا تتعامل مع الزلزال على أنه «اهتزاز أرضي» فقط، بل على أنه سلسلة من الكوارث الثانوية التي قد تكون أشد فتكاً من الهزة نفسها.

في المدن الكبرى المكتظة، لا سيما تلك التي تضم شبكات غاز وكهرباء ومبانٍ متقاربة وطرقاً قد تُسد سريعاً، تتحول الحرائق بعد الزلازل إلى تهديد مضاعف. فأنت لا تواجه حريقاً في حي مفتوح تتوافر فيه قدرة سريعة على التدخل، بل قد تواجه حرائق متعددة في وقت واحد، وسط فوضى مرورية، وانقطاع في المياه أو الكهرباء، وتضرر في الطرق، وارتباك في الاتصالات. بهذا المعنى، فإن السيطرة على الحريق بعد الزلزال ليست مهمة إطفاء تقليدية، بل جزء من منظومة إنقاذ مركبة.

هذا التركيز يذكّرنا بأن الكارثة في القرن الحادي والعشرين ليست حدثاً منفرداً، بل «تسلسلاً» من الأحداث. الهزة تؤدي إلى انهيار، والانهيار يؤدي إلى احتجاز أشخاص، والاحتجاز يؤدي إلى تأخر النجدة، وفي الأثناء قد تندلع الحرائق وتنتشر إذا تعذر الوصول إليها بسرعة. لذلك فإن أي سياسة جادة لا بد أن تسأل: ما الحلقة الأكثر فتكاً في هذا التسلسل؟ ويبدو أن اليابان قررت أن إحدى هذه الحلقات هي النار، لا الأرض وحدها.

في السياق العربي، قد تبدو هذه الأولوية مألوفة لمن تابعوا كيف تتحول الأزمات الكبرى عندنا إلى أزمات مركبة: حادث صغير يتفاقم بسبب الازدحام، وتأخر الاستجابة يزيد الخسائر، وضعف التنسيق بين المؤسسات يحول الطارئ إلى مأساة. الفارق أن اليابان تحاول هنا الإمساك بهذه السلسلة قبل أن تبدأ، عبر تحديد نقطة الاختناق الأخطر وتوجيه السياسات نحوها. إنها مقاربة عملية تقول إن حماية الأرواح لا تأتي من العموميات، بل من معرفة أين يقع أكبر خطر بالضبط.

خطة لعشر سنوات: بين السياسة والإدارة والذاكرة اليابانية مع الكوارث

اختيار أفق زمني مدته عشر سنوات ليس تفصيلاً تقنياً. إنه يعكس توازناً بين الطموح والواقعية. فلو كان الهدف قصير المدى جداً لبدت الخطة أقرب إلى تعهد سياسي صعب التنفيذ، ولو كان بعيداً إلى حد الغموض لتحولت إلى وعد مؤجل لا يمكن محاسبة أحد عليه. عشر سنوات في لغة السياسات العامة تعني أن الحكومة تضع لنفسها وللمؤسسات التابعة لها جدولاً زمنياً يسمح بالتخطيط، وتعديل القوانين، وتحسين البنية التحتية، وتحديث معايير البناء، وتكثيف التدريب، ورفع الجاهزية المجتمعية.

ولفهم دلالة هذه الخطة لا بد من وضعها في سياق أوسع يرتبط بالذاكرة اليابانية مع الكوارث الطبيعية. اليابان ليست بلداً يتعامل مع الزلازل بوصفها احتمالاً نظرياً. تاريخها الحديث محفور بأحداث كبرى جعلت من إدارة الخطر جزءاً من الثقافة العامة، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع أو التعليم أو الإعلام. لذلك فإن أي إعلان من هذا النوع لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى تراكم مؤسسي وثقافي يرى أن الاستعداد للكوارث ليس ترفاً، بل جزءاً من الحياة الحديثة.

ما يميز اللحظة الحالية هو أن الحكومة لا تقدم مجرد سردية عن الخطر، بل تعدل خطة أساسية للطوارئ. معنى ذلك أن الحديث انتقل من مستوى التنبيه إلى مستوى إعادة ترتيب الأولويات داخل الجهاز الإداري نفسه. وهذا تطور مهم، لأنه يشير إلى أن تقييمات الخطر الجديدة لم تبق حبيسة تقارير الخبراء، بل دخلت إلى صلب الوثائق التي توجه السياسات والميزانيات وتوزيع المسؤوليات.

وفي هذا السياق، تبدو التجربة اليابانية أقرب إلى درس في «الحكم الرشيد وقت المخاطر». فالدولة لا تدعي أنها قادرة على منع الزلزال، لأن ذلك خارج قدرة البشر، لكنها تقول إنها قادرة على تقليل عدد القتلى والخسائر. هذه الصياغة في حد ذاتها مهمة، لأنها تنقل النقاش من وهم السيطرة المطلقة إلى مسؤولية التخفيف الفعال. وهي لغة يحتاجها العالم العربي أيضاً، حيث تتداخل أحياناً المبالغة في الوعود مع ضعف الصراحة في الاعتراف بحدود القدرة على المنع، مقابل إمكان كبير لتحسين الوقاية والاستجابة.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟

قد يسأل قارئ عربي: ما الذي يجعل خبراً عن زلزال محتمل في طوكيو يستحق كل هذا الاهتمام لدينا؟ الجواب أن القضية أبعد من حدود اليابان. نحن نعيش في زمن أصبحت فيه العواصم والمدن الكبرى في المنطقة العربية تواجه بدورها أسئلة تتعلق بالهشاشة الحضرية: كيف تتعامل المدينة مع الكثافة السكانية؟ ماذا يحدث إذا تعطلت البنية التحتية الرئيسية؟ إلى أي حد تصمد شبكات النقل والإسعاف والإطفاء والاتصالات في مواجهة أزمة كبيرة؟

صحيح أن طبيعة المخاطر تختلف من بلد إلى آخر، لكن المنطق الإداري واحد: الخطر الذي لا يُقاس لا يُدار جيداً. ومن هنا فإن قيمة الخبر الياباني تكمن في المنهج أكثر مما تكمن في التفاصيل الجغرافية. فحين تضع دولة هدفاً محدداً لخفض الوفيات خلال فترة زمنية معلومة، فإنها تقدم نموذجاً في كيفية تحويل العلم والتنبؤ إلى سياسة عامة. وهذا بالتحديد ما تحتاجه مدن المنطقة، سواء في التعامل مع أخطار الزلازل أو السيول أو الحرائق الكبرى أو موجات الحر أو الانقطاعات الواسعة في الخدمات.

في الصحافة العربية، اعتدنا أن نقرأ الكوارث بعد وقوعها: حصيلة ضحايا، شهادات مؤلمة، تضامن رسمي وشعبي، ثم تبدأ الأسئلة المتأخرة. أما الخبر الياباني فيفرض زاوية مختلفة: ماذا لو بدأنا من السؤال قبل الفاجعة لا بعدها؟ ماذا لو صار هدف الحكومات المعلن هو خفض الخسائر المتوقعة بالأرقام، لا الاكتفاء بإدارة الصورة الإعلامية بعد الكارثة؟ هنا تتجاوز القصة طوكيو لتصبح مادة للنقاش في كل مدينة عربية تنمو بسرعة وتزداد فيها حساسية البنية التحتية وتعقيد الحياة الحضرية.

ومن زاوية ثقافية، يحمل الخبر أيضاً ما يهم القارئ العربي المتابع لشرق آسيا. فكثيراً ما تُختزل اليابان في المخيلة الشعبية في التكنولوجيا والقطارات السريعة والانضباط. لكن وجهاً آخر من التجربة اليابانية يكمن في ثقافة الاستعداد، وفي تحويل الذاكرة المؤلمة للكوارث إلى نظام مؤسسي طويل النفس. وهذا وجه من وجوه «القوة الناعمة» اليابانية التي لا تظهر في الترفيه والثقافة الشعبية فقط، بل في طريقة التفكير في المجتمع والدولة والأمن اليومي للناس.

بين الشفافية والاختبار الصعب: ما الذي لم يُحسم بعد؟

مع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الإعلان الياباني وكأنه نهاية القصة. فالهدف وُضع بوضوح، لكن التفاصيل التنفيذية الكاملة، كما تظهر من المعطيات المتاحة، لا تزال هي الميدان الحقيقي للاختبار. كيف ستُترجم أولوية الحد من الحرائق إلى سياسات ميدانية؟ هل سيكون ذلك عبر تحديث معايير البناء؟ أم تعزيز شبكات الإطفاء؟ أم تحسين أنظمة قطع الغاز والكهرباء تلقائياً؟ أم تطوير خطط الإخلاء والتدريب المجتمعي؟ أم كل ذلك معاً؟

في عالم السياسات العامة، الفجوة بين الإعلان والتنفيذ هي دائماً المنطقة الأكثر حساسية. غير أن ما يمكن تسجيله لليابان في هذه المرحلة هو أنها اختارت الشفافية في تعريف الخطر والجرأة في تحديد هدف معلن. وهذه بحد ذاتها خطوة ليست بسيطة، لأن الحكومات غالباً ما تتردد في إعلان أرقام كبيرة للخسائر المحتملة خشية إثارة الذعر أو الانتقاد. أما حين يُعلن الرقم ثم يُربط بجدول زمني للتخفيض، فإن النقاش ينتقل من لوم القدر إلى مساءلة السياسات.

كما أن ثمة بُعداً دولياً لا يمكن تجاهله. المدن الكبرى حول العالم تراقب مثل هذه الخطط لأنها تواجه تحديات مشابهة بدرجات مختلفة: تركّز سكاني هائل، اعتماد متبادل بين الأنظمة، وهشاشة متصاعدة أمام الكوارث الطبيعية والمناخية والتقنية. لهذا السبب لا يُقرأ الخبر بوصفه شأناً يابانياً خالصاً، بل باعتباره مؤشراً على الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه سياسات السلامة الحضرية في العقود المقبلة.

وفي النهاية، يبقى المعيار الحقيقي بسيطاً وإن كان صعباً: هل ستنجح اليابان في تحويل الأرقام المخيفة إلى انخفاض فعلي في الخسائر إذا وقع الزلزال؟ هذا سؤال المستقبل. لكن ما يمكن قوله اليوم إن الحكومة اليابانية اختارت أن تواجه الخطر بلغة الأرقام، لا بلغة التمنيات؛ وأن تنقل الكارثة من خانة «ما لا يمكن منعه» إلى خانة «ما يجب تقليل أثره». وهذه في حد ذاتها رسالة سياسية وإدارية مهمة، لا لليابان وحدها، بل لكل مدينة تعيش على إيقاع التمدد السريع وتعرف أن الاختبار الحقيقي للدولة يبدأ عندما يهتز قلب العاصمة.

درس يتجاوز اليابان: من إدارة الصدمة إلى إدارة الاحتمال

إذا كان لهذا الخبر أن يترك خلاصة واحدة لدى القارئ العربي، فهي أن المجتمعات الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على النهوض بعد الكارثة، بل بقدرتها على تقليل الخسائر قبل أن تقع. هذا التحول من «إدارة الصدمة» إلى «إدارة الاحتمال» هو ما يجعل الإعلان الياباني جديراً بالمتابعة. ففي منطقتنا، كما في مناطق كثيرة من العالم، ما زالت الثقافة العامة تميل إلى تقديس رد الفعل البطولي بعد الكارثة أكثر من تقدير العمل البيروقراطي الهادئ الذي يمنع اتساعها من الأصل.

اليابان تقول اليوم شيئاً شديد البساطة وشديد العمق في آن واحد: لا نستطيع منع الزلزال، لكننا نستطيع أن نجعل عدد ضحاياه أقل كثيراً إذا خططنا جيداً. هذه الفكرة، على بساطتها، هي في جوهرها دفاع عن قيمة الدولة حين تعمل بعقل مؤسسي، وعن قيمة المعرفة حين تتحول إلى سياسة، وعن قيمة الشفافية حين تكون وسيلة لحماية الناس لا لإخافتهم.

ومن هنا، فإن القصة ليست قصة زلزال فقط، بل قصة علاقة الدولة بمواطنيها. حين تعلن الحكومة رقماً مرعباً ثم تقول إنها ستعمل على خفضه خلال عشر سنوات، فهي تعترف ضمناً بأن حياة الناس يجب أن تكون محور التخطيط، وأن الخسائر ليست قدراً كاملاً خارج الفعل الإنساني. وفي عالم عربي يزداد تحضراً واكتظاظاً، وتتعاظم فيه الحاجة إلى بناء مدن أكثر أماناً وقدرة على الصمود، تبدو هذه الرسالة أبعد من خبر آسيوي عابر؛ إنها تذكير بأن السياسات الناجحة تبدأ من سؤال واضح: كم روحاً يمكن إنقاذها إذا تصرفت الدولة قبل فوات الأوان؟

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات