
جدل كوري قديم يتجدد بلغة جديدة
في وقت تبدو فيه صناعة الترفيه الكورية الجنوبية في ذروة حضورها العالمي، من الدراما إلى الكيبوب وصولاً إلى السينما التي صنعت لنفسها مكاناً ثابتاً في الوعي الثقافي الدولي، تعود سيول إلى سؤال يبدو تقنياً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يمس قلب الصناعة: متى يجب أن ينتقل الفيلم من صالة السينما إلى منصات البث الرقمي؟ هذا السؤال هو جوهر ما يُعرف في الصناعة باسم «الهولدباك»، أي فترة الانتظار الفاصلة بين العرض السينمائي الأول وبين إتاحة الفيلم على منصات أخرى مثل خدمات البث عند الطلب أو التلفزيون المدفوع أو خدمات الإنترنت التلفزيونية.
السلطات الكورية، ممثلة بوزارة الثقافة والرياضة والسياحة وبالتعاون مع مجلس الفيلم الكوري، بدأت نقاشاً مؤسسياً منظماً حول هذا الملف عبر أول اجتماع لتكتل مدني حكومي يضم منتجين وموزعين ومشغلي دور العرض وممثلين عن خدمات IPTV وغيرها من الأطراف الفاعلة في السوق. أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في أنها تعيد فتح ملف مؤجل، بل في أنها تعترف بأن المسألة لم تعد تخص طرفاً واحداً. لم يعد بالإمكان النظر إلى السينما بوصفها مجرد شاشة كبيرة تواجه شاشة صغيرة، بل باتت القضية متعلقة بمصير نموذج اقتصادي كامل، من تمويل الفيلم إلى كيفية استرداد كلفته، ومن حق الجمهور في المشاهدة إلى حق دور العرض في البقاء.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا النقاش قريباً من الأسئلة التي تطرحها المنطقة منذ سنوات حول مصير الكتاب الورقي أمام الكتاب الإلكتروني، أو حول مستقبل القنوات التلفزيونية التقليدية أمام المنصات الرقمية. وكما لم يكن الأمر في العالم العربي مجرد صراع بين قديم وجديد، فإن الجدل الكوري أيضاً أعمق من ثنائية «السينما ضد المنصات». إنه سؤال عن التوازن، وعن قواعد اللعب، وعن كيفية إنقاذ الصناعة من دون تقييد الجمهور أو خنق المستثمرين.
ولأن كوريا الجنوبية أصبحت في السنوات الأخيرة مختبراً متقدماً لصناعة المحتوى، فإن ما يجري فيها لا يخصها وحدها. فكل سوق إعلامي وثقافي في العالم العربي يراقب، ولو من بعيد، كيف تتمكن دولة صغيرة نسبياً في المساحة من بناء قوة ناعمة عالمية عبر شاشة السينما والمسلسلات والمنصات. ولذلك فإن أي تعديل في قواعد توزيع الفيلم الكوري لا يعني فقط المنتجين المحليين هناك، بل يعني أيضاً المهرجانات العربية، ومنصات التوزيع الإقليمية، والمشاهد العربي الذي اعتاد أن يتابع السينما الكورية بعد فترة قصيرة من عرضها الأصلي.
ما هو «الهولدباك» ولماذا يبدو مفهوماً تقنياً أكثر مما هو فعلاً؟
مصطلح «الهولدباك» آتٍ من لغة الصناعة، لكنه في جوهره بسيط: هو المدة الزمنية التي يُمنع خلالها نقل الفيلم من نافذة عرض إلى أخرى. أي أن الفيلم بعد خروجه في السينما لا ينتقل مباشرة إلى منصة رقمية أو خدمة تلفزيونية، بل ينتظر فترة محددة يُفترض أن تمنح صالات العرض فرصة للاستفادة من الزخم الجماهيري والإيرادات. في أسواق كثيرة حول العالم، كانت هذه الفترات طويلة وثابتة نسبياً، لكن الثورة الرقمية، ثم جائحة كورونا، ثم تغيّر العادات الاستهلاكية، كلها عوامل جعلت هذه القاعدة تهتز.
في الثقافة العربية يمكن تقريب الفكرة من مفهوم «النافذة الحصرية» وإن لم يكن التعبير متداولاً شعبياً. فكما أن بعض الأعمال الفنية أو المقابلات التلفزيونية كانت تُعرض أولاً حصرياً على قناة بعينها قبل أن تنتشر لاحقاً، فإن الفيلم السينمائي يعيش شيئاً مشابهاً. السؤال هو: هل يحتاج اليوم إلى نافذة طويلة حتى يحقق أرباحه في الصالات؟ أم أن الإبقاء عليه أسيراً لهذه النافذة قد يضيّع فرصاً أكبر في العالم الرقمي؟
الملف يبدو تقنياً لأنه يتحدث عن تواريخ، ونوافذ، ومنصات، وعقود توزيع. لكنه عملياً يغيّر طريقة لقاء الجمهور بالفيلم. إذا قُصّرت المهلة كثيراً، فقد يتراجع حافز المتفرج لشراء تذكرة سينما والانتظار في طابور وحجز مقعد، خصوصاً إذا كان يعلم أن الفيلم سيصل إلى هاتفه أو تلفازه خلال أيام معدودة. وإذا طالت المهلة أكثر من اللازم، فقد يخسر الفيلم موجته الدعائية وحماسة الجمهور، وقد تفشل شركات الإنتاج في استعادة أموالها سريعاً عبر قنوات متعددة. هكذا يصبح «الهولدباك» أداة حساسة جداً: خطأ صغير فيها قد يربح طرفاً ويخسر آخر، أو يضر بالجميع معاً.
في كوريا الجنوبية، حيث البنية الرقمية متقدمة جداً، وحيث الجمهور معتاد على استهلاك سريع ومتعدد المنصات، يكتسب هذا النقاش وزناً إضافياً. فالمستهلك الكوري ليس فقط مشاهداً يرتاد الصالة؛ إنه أيضاً مستخدم دائم للمنصات، ومتابع سريع الإيقاع، ومعتاد على الانتقال من السينما إلى الهاتف الذكي بسلاسة. ولهذا لا يمكن استنساخ قواعد قديمة من زمن كان فيه الذهاب إلى السينما هو الطريق شبه الوحيد لمشاهدة الفيلم الجديد.
لماذا جلست الحكومة والقطاع الخاص إلى الطاولة الآن؟
الاجتماع الأول الذي عُقد في سيول لا يمكن قراءته بوصفه لقاءً بروتوكولياً عادياً. حضور مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى إلى جانب ممثلين عن الإنتاج والتوزيع ودور العرض وخدمات IPTV يحمل رسالة واضحة: الدولة الكورية تعتبر أن أزمة التوزيع لم تعد شأناً داخلياً بين شركات، بل ملفاً ثقافياً واقتصادياً يمس استدامة واحدة من أهم صناعاتها الرمزية.
الأهم من ذلك أن جدول الأعمال لم يُحصر في نقطة واحدة ضيقة. النقاش لا يدور فقط حول ما إذا كان يجب فرض «هولدباك» من عدمه، بل حول إعادة تنظيم هيكل الإيرادات في السينما الكورية، وبناء بيئة «تعايش» بين المنصات المختلفة. كلمة «التعايش» هنا ليست تجميلاً لغوياً. هي اعتراف بأن لا أحد يستطيع إلغاء الآخر. صالة السينما ما زالت تحمل قيمة رمزية وتجارية كبيرة، ليس فقط لأنها مكان العرض، بل لأنها تصنع الحدث الاجتماعي حول الفيلم. في المقابل، أصبحت المنصات اللاحقة جزءاً أساسياً من دورة حياة العمل، ومن دونها يصعب توسيع جمهور الفيلم أو تعويض كلفته.
في العالم العربي، عرفنا طويلاً نموذجاً يجعل الفيلم يعيش في دور العرض ثم يهاجر لاحقاً إلى القنوات الفضائية، قبل أن تُربك المنصات الرقمية هذا التسلسل. لكن كوريا الجنوبية تتعامل مع هذه المرحلة بمستوى مؤسساتي لافت. فهي لا تكتفي بالرصد أو الشكوى، بل تجمع أصحاب المصالح المتعارضة حول صياغة قاعدة مشتركة. وهذا في حد ذاته مؤشر على نضج السوق: حين تصبح صناعة الثقافة ذات أثر اقتصادي كبير، تتحول تفاصيل توزيعها إلى شأن سياساتي، لا مجرد ترتيبات تعاقدية خلف الكواليس.
كما أن توقيت النقاش مهم. فالصناعة الكورية تعيش مرحلة دقيقة: النجاح العالمي للأفلام والمسلسلات زاد سقف التوقعات، لكن النجاح الخارجي لا يلغي التحديات الداخلية. ما جدوى الحضور العالمي إذا كانت السوق المحلية نفسها تعاني اضطراباً في آليات العائد؟ هنا يظهر دور هذه المشاورات بوصفها محاولة لضبط الإيقاع قبل أن تتفاقم الفجوات بين المنتجين والموزعين ودور العرض والمنصات.
بين حماية الصالات ومرونة السوق: لماذا الانقسام حاد؟
المؤيدون لفكرة «الهولدباك» ينطلقون من حجة تبدو منطقية: إذا انتقل الفيلم بسرعة كبيرة إلى المنصات، فسيتراجع دافع الجمهور إلى مشاهدة الفيلم في السينما، وبالتالي ستفقد دور العرض نافذتها الذهبية. وهذه ليست مسألة رفاهية. فصالة السينما ليست مجرد ترفيه حضري، بل ركيزة اقتصادية لقطاع كامل، من المشغلين إلى الموظفين إلى سلاسل الامتياز إلى الأنشطة التجارية المحيطة بها. وحين تضعف الصالة، لا تضعف وحدها، بل يضعف معها شكل كامل من أشكال الاستهلاك الثقافي الجماعي.
هذا المنطق مفهوم جداً حتى في السياق العربي. فكما نخشى أحياناً ضمور المسارح أمام مشاهدة المحتوى من المنزل، تخشى كوريا أن تتحول السينما إلى محطة رمزية فقط، فيما يجري الحسم الاقتصادي الحقيقي في المنصات. ومن وجهة نظر المدافعين عن الصالات، فإن منح الفيلم فترة حصرية معقولة في دور العرض لا يعني محاربة التقنية، بل حماية «السوق الأولى» التي تمنح الفيلم شرعيته الجماهيرية الأولى وتؤسس لسمعته.
لكن المعارضين لا يقل منطقهم وجاهة. فهم يقولون إن السوق لم تعد تحتمل قواعد جامدة. ليس كل فيلم قادراً على الصمود طويلاً في شباك التذاكر، وليس كل عمل ينتج أرباحه من الصالات وحدها. بالنسبة إلى كثير من المنتجين والموزعين، فإن تأخير وصول الفيلم إلى المنصات قد يعني تأخير استرداد الاستثمار، ورفع مستوى المخاطرة، وتقليص فرصة وصول الفيلم إلى جمهور أوسع، خصوصاً أولئك الذين لا يرتادون السينما لأسباب تتعلق بالكلفة أو الوقت أو الموقع الجغرافي.
ولعل هذه النقطة بالذات تهم القارئ العربي. ففي منطقتنا أيضاً، لا يعيش الجميع بالقرب من مجمعات سينمائية حديثة، ولا تسمح الظروف الاقتصادية دائماً بزيارة الصالات بانتظام. المنصات هنا ليست مجرد رفاهية رقمية، بل أحياناً هي الوسيلة الأكثر ديمقراطية للوصول إلى المحتوى. ومن هذا المنظور، يمكن فهم القلق الكوري من أن يتحول «الهولدباك» إلى قيد يحد من المشاهدة بدلاً من أن ينظمها.
الحقيقة أن الانقسام ليس أخلاقياً، ولا يمكن اختزاله في صورة طرف يريد المصلحة العامة وآخر يريد الربح فقط. الجميع هنا يدافع عن جزء من دورة الحياة الاقتصادية للفيلم. الصالات تدافع عن نافذة البداية، والمنصات تدافع عن استمرارية العائد واتساع الجمهور، والمنتجون يريدون نموذجاً لا يعرّض تمويل المشاريع المقبلة للخطر. من هنا تبدو المعادلة معقدة، لأن أي انحياز كامل لطرف واحد قد يخل بالتوازن العام.
السينما كحدث اجتماعي والمنصة كحياة ثانية للفيلم
أحد أهم جوانب النقاش الكوري أنه يتجاوز لغة الصراع الصِرف، ويحاول مقاربة العلاقة بين الصالة والمنصة على أنها علاقة تنافس وتكامل في آن واحد. فالعرض السينمائي يمنح الفيلم طابع «الحدث». هناك فرق كبير بين مشاهدة فيلم في قاعة ممتلئة يتشارك فيها الناس الضحك أو الصمت أو الصدمة، وبين مشاهدته منفرداً على شاشة صغيرة في المنزل. هذه الخبرة الجماعية، التي يعرفها الجمهور العربي جيداً من مواسم الأعياد أو العروض الكبرى، ليست شيئاً يمكن تعويضه تقنياً بسهولة.
لكن في المقابل، المنصة تمنح الفيلم حياة ثانية، وربما ثالثة. إنها تمدد عمر العمل بعد انقضاء موجته الأولى، وتعيد تقديمه إلى شرائح جديدة من الجمهور، وتمنح الأفلام المتوسطة أو الصغيرة فرصة أن تُكتشف خارج منطق شباك التذاكر القاسي. كثير من الأعمال التي لم تحقق ضجة ضخمة في الصالات وجدت جمهورها لاحقاً على المنصات، سواء في كوريا أو في غيرها. لذلك فإن النظر إلى المنصة باعتبارها خصماً دائماً للسينما يبدو تبسيطاً مضللاً.
في الأدبيات الثقافية العربية، لطالما قيل إن القصيدة حين تُلقى في مجلس تكتسب معنى مختلفاً عن قراءتها صامتة في كتاب. الفكرة ذاتها تنطبق إلى حد ما على الفيلم. العرض السينمائي هو «المجلس العام» الذي يمنح العمل حضوره الأول، أما المنصة فهي الأرشيف الحي الذي يسمح له بالانتشار والتأويل وإعادة الاكتشاف. والسياسة التوزيعية الذكية هي التي تعرف كيف توفّق بين هذين البعدين.
من هنا تأتي أهمية التعبير الذي تستخدمه المؤسسات الكورية عن «البيئة التعايشية» أو «المنظومة المتوازنة». القضية ليست كيف نُبقي الصالات حية فقط، ولا كيف نُسرّع الانتقال إلى المنصات فقط، بل كيف نصمم دورة عرض تجعل كل نافذة تضيف قيمة حقيقية لما قبلها وما بعدها. فإذا نجحت الصالة في خلق الضجيج، تستطيع المنصة أن تحول هذا الضجيج إلى مشاهدة طويلة الأمد. وإذا نجحت المنصة في توسيع قاعدة الجمهور، فقد تعيد بدورها الاعتبار لاسم المخرج أو الممثل في العمل التالي داخل الصالة. بهذا المعنى، ليست العلاقة صفراً مقابل صفر، بل سلسلة مترابطة من الأدوار.
«الاتفاق الطوعي» في أغسطس: حل واقعي أم تسوية هشة؟
من أبرز ما خرج به النقاش الكوري حتى الآن التوجه نحو إبرام «اتفاق طوعي» في أغسطس بشأن قواعد «الهولدباك» ضمن إطار أوسع للتعايش في السينما الكورية. وهذه العبارة تستحق التوقف عندها. فالدولة لا تتحدث، على الأقل في هذه المرحلة، عن فرض قانون صارم أو أمر إداري شامل، بل عن محاولة الوصول إلى تفاهم تقبله الأطراف المختلفة. في الظاهر، يبدو هذا الخيار أكثر مرونة وأقل صدامية، لكنه يحمل أيضاً تحدياته الخاصة.
ميزة الاتفاق الطوعي أنه يعترف بتعقيد الواقع. فشركات الإنتاج ليست متشابهة، والأفلام نفسها ليست متشابهة، والمنصات لها نماذج أعمال مختلفة، ودور العرض تتفاوت أحجامها وقدرتها على التفاوض. لذلك قد يكون من الأنسب وضع مبادئ مشتركة قابلة للتكيف بدلاً من قاعدة جامدة تسري على الجميع بالطريقة نفسها. هذا النوع من التنظيم التوافقي قد يرفع فرص الالتزام العملي، لأنه يولد من داخل السوق لا من فوقه فقط.
لكن الوجه الآخر للصورة يقول إن الاتفاقات الطوعية قد تكون رخوة إذا لم تُدعَم بحد أدنى من الثقة وآليات المتابعة. فما الذي يحدث إذا وافقت الأطراف نظرياً ثم اختلفت لاحقاً على التفاصيل؟ وماذا لو التزمت الشركات الكبرى فيما التفّ البعض الآخر على القواعد؟ هذه أسئلة مشروعة، خصوصاً في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح التجارية مباشرة مع بقاء المؤسسات.
مع ذلك، يبدو أن تحديد أغسطس كموعد مستهدف يحمل دلالة سياسية ومهنية مهمة. فهو يعني أن السلطات الكورية لا تريد ترك النقاش معلقاً إلى أجل مفتوح، ولا تريد أيضاً حسمه بقرارات متسرعة. ثمة رغبة واضحة في اختبار قدرة الصناعة على إنتاج «لغة مشتركة» قبل الانتقال إلى أدوات أكثر إلزاماً إن لزم الأمر. وفي هذا ملمح لافت من طريقة إدارة القطاعات الثقافية في كوريا الجنوبية: محاولة الموازنة بين تدخل الدولة وبين إبقاء مساحة واسعة للتنظيم الذاتي.
إذا نجح هذا الاتفاق، فقد يصبح نموذجاً مرجعياً ليس فقط داخل كوريا، بل في أسواق أخرى تبحث عن صيغ لتحديث نافذة العرض السينمائي. أما إذا فشل، فسيكون ذلك مؤشراً على أن التناقضات أعمق من أن تُحل بتفاهمات مهنية وحدها، وأن الأمر قد يتجه لاحقاً إلى تشريعات أو إلى مفاوضات أكثر صعوبة.
لماذا تهم هذه المعركة مستقبل الفيلم الكوري والعالم الذي يتابعه؟
الحديث عن «الهولدباك» ليس في النهاية سجالاً حول أسابيع أو أشهر على الروزنامة. المسألة تمس نوعية الأفلام التي ستُنتج مستقبلاً، وحجم الجرأة التي سيقبل بها المستثمرون، وقدرة السوق على تمويل أعمال متوسطة أو تجريبية لا تعيش فقط على الإيراد السينمائي المباشر. حين يختل نظام الاسترداد المالي، لا تتأثر فقط الشركات، بل يتأثر التنوع الإبداعي نفسه. المنتج الذي يخشى عدم استرداد كلفته سيميل إلى خيارات أكثر أماناً، أي إلى أعمال أشد تجارية وأقل مخاطرة فنياً.
وهنا تحديداً تتقاطع الصناعة مع الثقافة. نجاح كوريا الجنوبية في العقود الأخيرة لم يكن نتاج موهبة فنية فقط، بل نتيجة نظام دعم وتمويل وتوزيع سمح بتراكم الخبرة وبناء السوق. وإذا كانت قواعد التوزيع اليوم موضع مراجعة، فهذا لأن الجميع يدرك أن الحفاظ على الحضور العالمي للسينما الكورية يبدأ من الداخل، من كيفية إدارة علاقتها بجمهورها المحلي وبمنصاتها وشاشاتها.
بالنسبة إلى الجمهور العربي، يحمل هذا الملف بعداً إضافياً. نحن لا نتابع السينما الكورية اليوم بوصفها «فضولاً بعيداً» كما كان الحال قبل سنوات، بل بوصفها جزءاً من المشهد الثقافي العالمي الذي ينعكس على الذائقة العربية أيضاً. كثير من المشاهدين العرب باتوا يعرفون المخرجين الكوريين، وينتظرون الأعمال الجديدة، ويتابعون النقاشات حول الصناعة هناك كما نتابع نحن أوضاع هوليوود أو المنصات العربية الناشئة. لذلك فإن أي تغيير في قواعد توزيع الفيلم الكوري قد ينعكس على سرعة وصول الأعمال، وعلى طبيعة الشراكات، وعلى مكانة المنصات في تداول السينما الآسيوية داخل المنطقة.
ثم إن التجربة الكورية تطرح علينا سؤالاً عربياً موازياً: كيف نوازن نحن أيضاً بين حماية دور العرض وبين الاستجابة لعادات المشاهدة الجديدة؟ كيف نبني صناعة قادرة على احترام خصوصية القاعة السينمائية من دون أن تعادي المنصات؟ ربما لا توجد وصفة جاهزة، لكن ما تفعله سيول اليوم يذكرنا بأن مستقبل الثقافة لا يُترك للعشوائية. إنه يُصنع عبر تفاوض شاق بين الفن والاقتصاد، بين الجمهور والسوق، وبين الذاكرة الجماعية التي تمثلها القاعة وبين المستقبل الفردي المحمول على شاشة في الجيب.
في نهاية المطاف، المعركة الكورية حول «الهولدباك» هي معركة على تعريف قيمة الفيلم نفسه: هل هو حدث يُعاش أولاً في مكان جماعي ثم يتوسع، أم منتج رقمي يجب أن يتحرك بسرعة حيث يوجد الجمهور؟ الأغلب أن الجواب الحقيقي ليس هذا أو ذاك، بل في المسافة الذكية بينهما. وهذه المسافة هي ما تحاول كوريا الجنوبية رسمه الآن، بدقة صانع محتوى يعرف أن نجاحه العالمي لن يدوم إذا لم ينجح أولاً في ترتيب بيته الداخلي.
0 تعليقات