
خبر ثقافي يتجاوز حدود الترفيه
في الأخبار الآتية من كوريا الجنوبية، اعتاد جمهور الموجة الكورية في العالم العربي أن يطالع عناوين عن أرقام المشاهدات، ونجاحات الجولات الفنية، وانتقالات النجوم بين الوكالات، والخلافات داخل صناعة الترفيه شديدة التنافس. لكن بعض الأخبار تأتي من زاوية مختلفة تماماً، فتبدو في ظاهرها خبراً ثقافياً أو جامعياً، بينما تحمل في عمقها أسئلة أكبر عن الذاكرة العامة، ودور الفن، ومسؤولية صناع الثقافة في مواجهة التاريخ لا الهروب منه. هذا ما حدث مع المحاضرة الخاصة التي ألقتها مين هي جين، الرئيسة التنفيذية لشركة «أوكيه ريكوردز» والمعروفة في الأوساط الفنية الكورية بوصفها واحدة من أبرز الأسماء التي أثرت في صناعة البوب الكوري خلال السنوات الأخيرة، في جامعة تشونام الوطنية بمدينة غوانغجو.
المحاضرة لم تكن مناسبة عابرة داخل حرم جامعي، ولم تُقرأ في كوريا باعتبارها مجرد ظهور عام لشخصية من عالم الترفيه. فالمكان يحمل حمولة رمزية ثقيلة، والزمان مرتبط بذكرى سياسية وتاريخية حساسة، والكلمات التي قيلت هناك لامست مباشرة مفهومي «المقاومة» و«الجوهر» أو «الأصل»، وهما مفهومان يبدوان للوهلة الأولى بعيدين عن لغة شركات الإنتاج الموسيقي، لكنهما في الحقيقة يلامسان قلب النقاش الدائر اليوم حول معنى الثقافة الجماهيرية في كوريا، بل وفي العالم كله.
وبالنسبة إلى القارئ العربي، فإن أهمية هذا الخبر لا تنبع فقط من شهرة الاسم المتحدث، بل من طبيعة اللحظة نفسها: شخصية بارزة من صناعة الترفيه تقف في مدينة محفورة في الذاكرة الديمقراطية الكورية لتقول إن «التغيير يحتاج إلى مقاومة»، وإن التاريخ لا ينبغي الالتفاف عليه أو التعامل معه كوجهة نظر قابلة للمحو. هنا لا نتحدث عن جملة عابرة موجهة إلى جمهور معجبين، بل عن خطاب عام قيل في فضاء يختزن جرحاً وطنياً، وفي مناسبة تستحضر إحدى أهم المحطات في تاريخ كوريا الجنوبية الحديث.
ولعل ما يجعل هذا المشهد قريباً من الوجدان العربي أن مجتمعاتنا أيضاً تعرف جيداً معنى الأمكنة التي تتحول إلى شاهد على التاريخ. كما نعرف في عالمنا العربي كيف تصبح الجامعات، والساحات، والمراكز الثقافية، رموزاً لمرحلة كاملة، لا مجرد مبانٍ تؤدي وظيفة إدارية أو تعليمية. لذلك فإن قراءة ما جرى في غوانغجو تحتاج إلى فهم خلفية المكان والحدث، وإلى تفكيك دلالة أن يتحدث منتج موسيقي عن المقاومة في موقع ارتبط في الوعي الكوري بالنضال من أجل الديمقراطية.
غوانغجو وذاكرة 18 مايو: لماذا يحمل المكان كل هذا الثقل؟
لفهم مغزى ما قيل، لا بد أولاً من التوقف عند مدينة غوانغجو نفسها، وعند ذكرى «18 مايو» التي تشكل إحدى أكثر الصفحات حساسية وتأثيراً في تاريخ كوريا الجنوبية. هذه الإشارة قد لا تكون مألوفة تماماً لبعض القراء العرب غير المتابعين للتاريخ الكوري، ولذلك من الضروري توضيحها بلغة مبسطة: يرتبط «18 مايو» بحركة الديمقراطية في غوانغجو عام 1980، حين خرج مواطنون وطلاب للاحتجاج ضد الحكم العسكري، وانتهت الأحداث إلى قمع دموي ترك أثراً عميقاً في الذاكرة الوطنية الكورية.
في الوجدان الكوري، لا تُذكر غوانغجو بوصفها مجرد مدينة في جنوب البلاد، بل باعتبارها رمزاً للمقاومة المدنية والتضحية من أجل التحول الديمقراطي. ويمكن للقارئ العربي أن يتصور الأمر عبر مقارنته بالأماكن التي اكتسبت في تاريخنا الجمعي دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فكما تصبح بعض المدن أو الميادين العربية مرادفاً للحظة سياسية كبرى أو لحدث مفصلي في الذاكرة الوطنية، تحولت غوانغجو في كوريا إلى اسم لا ينفصل عن سؤال الحرية والعدالة والحق في تذكّر ما جرى كما جرى.
أما جامعة تشونام الوطنية، فهي ليست مجرد خلفية أكاديمية للمناسبة. في السردية الكورية المتعلقة بأحداث 18 مايو، يُشار إلى الجامعة باعتبارها من المواقع المرتبطة ببداية الحراك آنذاك، وهو ما يضفي على أي فعالية تقام فيها طابعاً يتجاوز النشاط الجامعي المعتاد. ولهذا جاءت المحاضرة التي نظمها معهد أبحاث 18 مايو في الجامعة بمناسبة مرور 30 عاماً على تأسيسه و46 عاماً على ذكرى الحركة الديمقراطية، وكأنها تربط بين البحث الأكاديمي والذاكرة العامة والخطاب الثقافي المعاصر.
في مثل هذه الأمكنة، لا تكون الكلمات مجرد تعبير عن رأي شخصي. المكان نفسه يفرض على المتحدث وزناً إضافياً، ويحوّل أي تصريح إلى موقف عام يُقاس بما يتيحه من احترام للذاكرة أو إخلال بها. من هنا، فإن اختيار شخصية من داخل صناعة الترفيه للحديث في هذه المناسبة لم يكن تفصيلاً عادياً. إنه اختيار يقول ضمنياً إن النقاش حول التاريخ لم يعد شأناً يخص المؤرخين والناشطين وحدهم، بل بات يمتد إلى صناع الصورة والصوت والذائقة الجماهيرية.
ماذا قالت مين هي جين؟ بين المقاومة والجوهر
في صلب المحاضرة، برزت العبارة التي لاقت صدى واسعاً: «لا بد من وجود مقاومة حتى يحدث التغيير». هذه الجملة، في سياقها الكوري، ليست مجرد شعار بلاغي، ولا تبدو أقرب إلى الحماسة الخطابية بقدر ما تعكس تصوراً واضحاً للعلاقة بين الفعل الاجتماعي والتحول التاريخي. الرسالة هنا أن التغيير لا يأتي تلقائياً، ولا تصنعه الرغبة الصامتة وحدها، بل يحتاج إلى فعل يواجه السائد ويكسر الجمود ويعلن الاعتراض حتى لو لم يحقق نصراً مباشراً أو سريعاً.
ومن النقاط اللافتة أيضاً أن مين هي جين شددت على أن المقاومة تظل ذات معنى حتى لو لم تنته إلى نجاح كامل. وهذا طرح مهم في أي نقاش حول التاريخ العام، لأنه يبتعد عن اختزال الأحداث في نتيجة نهائية فقط. فهناك أفعال تترك أثراً أخلاقياً ورمزياً يتجاوز حساب الربح والخسارة المباشر. هذه الفكرة قريبة من تجارب كثيرة عرفتها شعوب المنطقة العربية أيضاً، حيث لا تُقاس بعض اللحظات التاريخية فقط بما حققته فوراً، بل بما زرعته من وعي وما فتحته من أسئلة وما رسخته من معنى.
لكن ما جعل كلامها أكثر حساسية هو حديثها عن 18 مايو باعتباره «حقيقة وقعت، وهو تاريخ». هذا التأكيد يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه بالغ الأهمية في مناخات تعرف سجالات متكررة حول كيفية قراءة الماضي أو تسييسه أو إعادة تأويله. فحين تقول شخصية عامة إن الحدث «كان فعلاً» وإنه «تاريخ»، فهي تعيد تثبيت الأرضية الأولى للنقاش: قبل كل اختلاف في التفسير، هناك واقعة لا يجوز إنكارها أو الالتفاف عليها.
ولم تقف عند هذا الحد، بل أشارت إلى ضرورة ألا يدير المواطنون ظهورهم لهذا التاريخ. وهذه العبارة تحمل نبرة أخلاقية واضحة: الذاكرة ليست ترفاً، ولا بنداً اختيارياً في حياة الأمم، بل مسؤولية جماعية. وفي زمن الاستهلاك السريع للأخبار والمحتوى، يكتسب هذا النوع من الرسائل أهمية مضاعفة، لأنه يذكّر بأن المجتمعات التي تنجح ثقافياً أو اقتصادياً لا يمكن أن تفصل صورتها الحديثة عن الجروح التي صنعت وعيها العام.
أما المفهوم الثاني الذي تكرر في حديثها فهو «الجوهر» أو «الأصل». فقد شرحت، وهي تتحدث عن أسباب تأسيسها لعلامة فنية مستقلة، أنها فعلت ذلك لأنها «أرادت أن تصنع الموسيقى». في ظاهر الجملة بساطة، لكن معناها أوسع بكثير: العودة إلى سبب البداية، إلى الدافع الأساسي الذي يسبق الإدارة والتمويل والترويج والصراعات المؤسسية. وبهذا المعنى، فإن «المقاومة» و«الجوهر» لم يظهرا في كلامها كمفهومين منفصلين، بل كخيط واحد يربط بين الذاكرة التاريخية وصدق الفعل الإبداعي.
حين يتحدث أهل الصناعة بلغة المجتمع
من السهل النظر إلى هذا الخبر على أنه مجرد مناسبة جامعية استُضيفت فيها شخصية معروفة. لكن هذه قراءة ناقصة. فمين هي جين ليست فنانة تظهر لترويج عمل جديد، بل اسم ارتبط خلال السنوات الماضية بإعادة تشكيل جزء من خطاب البوب الكوري بصرياً وموسيقياً وتسويقياً. وهي من الشخصيات التي راكمت حضوراً قوياً داخل النقاش العام حول طريقة صناعة النجومية في كوريا، وحدود السلطة داخل الشركات الفنية، والعلاقة بين الإبداع والإدارة.
لذلك، فإن انتقالها إلى منصة تتناول الذاكرة التاريخية يجعل كلماتها قابلة للقراءة في أكثر من طبقة. على مستوى أول، هي تتحدث بصفتها مواطنة أو شخصية عامة عن حدث تاريخي له رمزيته الوطنية. وعلى مستوى ثانٍ، هي تتحدث بصفتها فاعلة في صناعة ثقافية باتت من أكثر الصناعات الكورية حضوراً على المسرح العالمي. وعلى مستوى ثالث، فإن حديثها ينعكس على فهم أوسع: كيف ترى صناعة الترفيه نفسها اليوم؟ هل تعتبر نفسها مجالاً منفصلاً عن المجتمع، أم ترى أنها شريك في إنتاج المعنى العام والوعي العام؟
في العالم العربي، نعرف جيداً هذا النوع من الجدل. كثيراً ما ثار نقاش عندنا حول ما إذا كان الفنان أو المنتج أو الكاتب مطالباً فقط بتقديم مادة ناجحة جماهيرياً، أم أن موقعه العام يفرض عليه أيضاً مسؤولية أخلاقية تجاه قضايا المجتمع وذاكرته. واللافت في الحالة الكورية أن هذا السؤال يعود اليوم من داخل واحدة من أكثر الصناعات تنظيماً وربحية وتأثيراً في العالم. البوب الكوري ليس مجرد موسيقى راقصة أو فرق شابة ذات حضور بصري قوي، بل منظومة ثقافية كاملة تصنع الذوق وتؤثر في اللغة والموضة وأسلوب التلقي، ولهذا تصبح أي إشارة تصدر من داخله إلى التاريخ أو المقاومة حدثاً جديراً بالتوقف.
كما أن امتلاء القاعة والممرات بالطلاب والمواطنين، وفق ما نُقل عن أجواء المناسبة، يوحي بأن الاهتمام لم يكن بدافع الفضول المرتبط بالشهرة فقط. فالجمهور، على ما يبدو، أراد أن يسمع كيف ستربط شخصية من قلب صناعة الترفيه بين حدث تاريخي مؤسس وبين لغة الثقافة الشعبية المعاصرة. هذا النوع من الاهتمام يعبّر عن تحوّل في العلاقة بين المشاهير والجمهور: لم يعد الناس يكتفون بمعرفة ماذا ينتج النجم أو المدير الفني، بل صاروا يهتمون أيضاً بما يمثله، وما يقوله، وكيف يقرأ العالم من حوله.
من نيوجينز إلى الاستقلال المهني: سيرة تفسر نبرة الخطاب
لا يمكن قراءة ما قالته مين هي جين بمعزل عن مسارها المهني الذي جعل اسمها حاضراً بقوة في الصحافة الكورية والعالمية. فهي معروفة على نطاق واسع بوصفها الشخصية التي أطلقت مجموعة «نيوجينز» تحت مظلة شركة «أدور» التابعة لـ«هايب»، قبل أن تدخل لاحقاً في نزاع إداري وقانوني حاد استقطب اهتماماً واسعاً داخل كوريا وخارجها. مثل هذه الخلفية تجعل أي حديث لها عن «الجوهر» و«الثبات على المبدأ» و«المقاومة» محملاً أيضاً بقراءة مرتبطة بتجربتها الشخصية في صناعة لا ترحم.
لكن اللافت أنها، بحسب ما نُقل من المحاضرة، لم تحول المنصة إلى مساحة لتصفية الحسابات أو لسرد تفاصيل الخلافات المؤسسية، بل اختارت أن تعيد النقاش إلى مستوى أعمق: لماذا ننشئ عملاً فنياً من الأساس؟ ما الذي يجب أن يبقى ثابتاً حين تتضخم الهياكل الإدارية والضغوط التجارية؟ وهل يمكن لقطاع يبدو محكوماً بالأرقام والسرعة والانتشار أن يظل وفياً للفكرة الأولى التي قام عليها؟
هنا تحديداً يظهر مفهوم «الجوهر» بوصفه سؤالاً صناعياً لا تأملاً مجرداً. فهي تقول، في مضمون خطابها، إن الأساس المتين يمكن أن يصير صناعة بحد ذاته، وإن من يركز على الأصل لا بد أن يغيّر التيار الكبير في النهاية. هذه الرؤية تلامس نقاشاً مألوفاً أيضاً في الإعلام والثقافة العربيين: هل النجاح الحقيقي يأتي من ملاحقة السوق باستمرار، أم من بناء هوية متماسكة يلتف حولها الجمهور مع الزمن؟
من هذه الزاوية، يمكن فهم حديثها عن الموسيقى باعتبارها الدافع الأول لتأسيس العلامة الفنية. فالجملة ليست مجرد تعريف مهني، بل إعلان ترتيب للأولويات. الصناعة، وفق هذا المنطق، تأتي بعد الفكرة لا قبلها. والشركة ليست غاية بل وعاء. والانتشار ليس بديلاً عن المعنى. وربما لهذا السبب بدا حديثها في غوانغجو متماسكاً رغم انتقاله بين التاريخ والإبداع: في الحالتين هناك دفاع عن شيء ترى أنه يجب ألا يُطمس، سواء كان ذاكرة شعب أو سبباً أصيلاً لصنع الفن.
ما الذي يعنيه هذا للقراء العرب المتابعين للموجة الكورية؟
بالنسبة إلى الجمهور العربي الذي يتابع الدراما الكورية والفرق الموسيقية الكورية والشخصيات المؤثرة في هذا المجال، يقدم هذا الحدث تذكيراً مهماً بأن الثقافة الكورية التي تصلنا في صورتها اللامعة ليست منفصلة عن تعقيدات المجتمع الكوري وتاريخه. كثيرون في منطقتنا يعرفون أسماء النجوم والأغاني والمسلسلات، لكنهم قد لا يعرفون بالقدر نفسه الخلفيات التاريخية التي تشكل حساسية الخطاب العام في كوريا الجنوبية. وهنا تظهر أهمية التعامل مع أخبار الترفيه الكوري بوصفها جزءاً من صورة أوسع، لا كمنتج استهلاكي معزول.
فكما لا يمكن فهم جزء معتبر من السينما العربية من دون معرفة سياق الاستعمار أو الهزائم أو التحولات الاجتماعية في مدننا، يصعب أيضاً فهم بعض التحولات في الثقافة الكورية المعاصرة من دون التوقف عند محطات مثل غوانغجو، أو عند النقاشات المتعلقة بالديمقراطية والذاكرة والعدالة التاريخية. صحيح أن الموجة الكورية وصلت إلى العالم أساساً عبر الفن الجماهيري، لكن هذا الفن نفسه خرج من مجتمع عاش تحولات عاصفة خلال عقود قليلة، وانتقل بسرعة من أنماط سلطوية وقاسية إلى واحدة من أكثر البيئات الثقافية حيوية وتنظيماً وتأثيراً في آسيا.
ومن المفيد هنا التنبيه إلى نقطة أساسية: حين يتحدث مسؤول أو منتج أو فنان كوري عن حدث مثل 18 مايو، فهو لا يخاطب جمهوراً سياسياً بالضرورة، بل يتحدث داخل فضاء يعتبر الذاكرة العامة جزءاً من تربية المواطنة. لهذا فإن الرسالة التي تصل إلى المتابع العربي لا ينبغي أن تُختزل في عنوان مثير من نوع «شخصية فنية تدلي بتصريح سياسي»، لأن المسألة أعمق من ذلك. ما جرى أقرب إلى إعلان تمسك بمبدأ أن الثقافة لا ينبغي أن تفقد صلتها بالمجتمع الذي أنتجها، ولا أن تنقطع عن آلامه المؤسسة.
في السياق العربي، يمكن قراءة ذلك أيضاً كدرس مهني للإعلام الثقافي نفسه. فنحن كثيراً ما نفصل بين الأخبار الفنية والأخبار الاجتماعية أو التاريخية، وكأنها عوالم لا تلتقي. بينما تكشف وقائع كهذه أن الحدود بين هذه الحقول ليست صلبة كما نتصور. قد تكون محاضرة في جامعة، يلقيها اسم من صناعة الموسيقى، مدخلاً لفهم مزاج مجتمع كامل، ولمعرفة كيف تتشكل لغة التأثير الجديدة في زمن تتحرك فيه القوة الناعمة بسرعة عابرة للحدود.
الترفيه كمساحة عامة: لماذا يستحق هذا الحدث كل هذا الاهتمام؟
أهمية ما حدث في غوانغجو تكمن في أنه يقدّم نموذجاً واضحاً لتحول صناعة الترفيه إلى مساحة عامة تتقاطع فيها الأسئلة الأخلاقية والتاريخية والثقافية. لم يعد ممكناً النظر إلى هذه الصناعة في كوريا الجنوبية، ولا في غيرها، بوصفها قطاعاً هامشياً مهمته الوحيدة إنتاج النجوم والأرباح. فحين تصل الموسيقى والدراما والموضة والرموز البصرية المرتبطة بها إلى هذا المستوى من التأثير، تصبح جزءاً من النقاش حول الهوية الوطنية، والذاكرة، وتمثيل القيم في الفضاء العام.
ومن هنا، فإن عبارة «لا بد من وجود مقاومة حتى يحدث التغيير» يمكن قراءتها أيضاً خارج معناها التاريخي المباشر. هي جملة تصلح لوصف آليات التطور داخل المجتمعات، كما تصلح لوصف آليات الابتكار داخل الصناعات الإبداعية. ففي الحالتين، لا يتحقق التحول إذا استسلم الجميع للمألوف. والإبداع نفسه، في جوهره، شكل من أشكال مقاومة التكرار، تماماً كما أن الذاكرة مقاومة للنسيان، والتمسك بالوقائع مقاومة للتشويه.
ما يلفت النظر كذلك أن الخطاب لم يقع في فخ المبالغة الإنشائية. لم تُقدَّم المقاومة كمفهوم منفصل عن المسؤولية، ولم يُطرح «الجوهر» كشعار تجميلي يقال على المنصات. بل ظهر كلاهما مرتبطاً بسؤال عملي: كيف نبني شيئاً يبقى؟ كيف نصنع صناعة لا تفقد معناها؟ كيف نحمي التاريخ من الاستهلاك السطحي، والفن من التحول إلى مجرد منتج سريع الزوال؟
هذه الأسئلة هي ما يمنح الخبر قيمته الحقيقية. فالمسألة ليست في أن شخصية معروفة تحدثت عن التاريخ، بل في أن الحدث كشف صورة أوسع عن كوريا الجنوبية اليوم: بلد يواصل تصدير ثقافته الشعبية بقوة هائلة، لكنه لا يتوقف في الوقت نفسه عن مراجعة علاقته بذاكرته الحديثة، وعن اختبار موقع الفاعلين الثقافيين داخل هذه العلاقة. وبالنسبة إلى متابعي الثقافة الكورية في العالم العربي، فإن هذه الصورة تستحق الانتباه بقدر ما تستحقه الأغاني والمسلسلات والنجاحات التجارية.
في النهاية، يمكن القول إن محاضرة غوانغجو لم تكن فقط خبراً عن ظهور عام لمين هي جين، ولا مجرد محطة إضافية في سيرتها المهنية المعقدة. كانت، قبل ذلك وبعده، مناسبة كشفت كيف يمكن لكلمات قادمة من عالم الموسيقى أن تستعيد معنى التاريخ، وكيف يستطيع مكان مثقل بالذاكرة أن يغيّر وزن الجمل التي تُقال فيه. وفي زمن تهيمن عليه السرعة والاختزال، يظل هذا النوع من المشاهد تذكيراً نادراً بأن الثقافة، في أفضل حالاتها، ليست زينة للواقع بل إحدى طرق فهمه ومساءلته والدفاع عن حق الناس في تذكّر ما لا يجوز نسيانه.
0 تعليقات