광고환영

광고문의환영

تشا إن بيو من وهج الشاشة إلى رهبة الصفحة: كيف أعاد نجم كوري تعريف معنى الكاتب والقارئ؟

تشا إن بيو من وهج الشاشة إلى رهبة الصفحة: كيف أعاد نجم كوري تعريف معنى الكاتب والقارئ؟

من نجم درامي مألوف إلى صوت أدبي يبحث عن قارئه

في كوريا الجنوبية، حيث اعتاد الجمهور أن يرى نجوم الدراما والسينما وهم يعبرون بين التمثيل والغناء وتقديم البرامج والعمل الإنساني، لا يبدو انتقال ممثل معروف إلى كتابة الرواية حدثا صادما بحد ذاته. لكن ما قاله الممثل والروائي الكوري تشا إن بيو في مناسبة إطلاق روايته الجديدة جعل الخبر يتجاوز إطار «إصدار جديد لمشاهير الفن»، ليدخل إلى مساحة أعمق تتعلق بعلاقة الكاتب بالقارئ، وبالسؤال القديم المتجدد: من الذي يكمل العمل الأدبي حقا؟

تشا إن بيو، الاسم المعروف في الذاكرة الشعبية الكورية والعربية أيضا لدى متابعي الدراما الكورية منذ سنوات، ظهر هذه المرة لا بوصفه نجما يستثمر شهرته في مشروع جانبي، بل ككاتب يتحدث بلهجة تأملية عن السبب الذي دفعه إلى الاستمرار في كتابة رواياته. وخلال لقاء صحفي أقيم في سيول بمناسبة صدور روايته الخامسة بعنوان «مكتبة حارتنا»، قال إن القوة التي جعلته يواصل الكتابة لم تأت من الأضواء ولا من الحماسة الإعلامية ولا حتى من فكرة النجاح التجاري، بل من القراء أنفسهم.

هذا التصريح يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه في العمق يلامس تحولا مهما في صورة الفنان داخل الثقافة الكورية المعاصرة. فبدلا من أن يكون النجم مركز الحكاية، يتحول القارئ إلى الطرف الذي يمنح النص حياته الأخيرة. هنا لا يتحدث تشا إن بيو عن معجبين يصفقون من بعيد، بل عن قراء يفسرون ويتدخلون ويعيدون تشكيل المعنى. وفي هذا شيء يذكّر القارئ العربي بما عرفته ثقافتنا طويلا من مركزية التلقي؛ فمنذ المجالس الأدبية القديمة، لم يكن النص يعيش على الورق فقط، بل في التأويل والشرح والاختلاف والجدل.

ولعل ما يجعل هذه اللحظة لافتة للقراء العرب تحديدا أن الموجة الكورية، أو «الهاليو» كما تعرف في كوريا، كثيرا ما تصل إلى منطقتنا عبر الأغاني والدراما والموضة والجمال. أما الأدب، رغم حضوره المتزايد، فلا يزال يحتاج إلى مزيد من الجسور. ومن هذه الزاوية، تبدو عودة تشا إن بيو إلى الرواية بعد عامين فرصة لقراءة وجه آخر من وجوه الثقافة الكورية: وجه أقل صخبا من عالم الكيبوب، لكنه أكثر التصاقا بأسئلة المعنى والذاكرة والخيال.

ما الذي قاله تشا إن بيو فعلا؟ ولماذا يهم هذا الكلام؟

جوهر ما طرحه الكاتب والممثل الكوري في لقائه الأخير يتمثل في عبارة شديدة الكثافة: الكاتب يبدأ الرواية، لكن القارئ هو من ينهيها. هذه ليست جملة إنشائية عابرة تصلح للاقتباسات على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تبدو كأنها بيان أدبي يشرح نظرته إلى الكتابة كلها. فبحسب هذا التصور، لا يكون النص منتجا مكتملا لحظة خروجه من يد مؤلفه، بل يصبح كائنا حيا فقط عندما يدخل في وعي القارئ ويصطدم بخبراته وأسئلته وذاكرته.

في الصحافة الثقافية العربية، اعتدنا أن نقرأ مثل هذا الطرح عند الحديث عن مدارس النقد الحديثة، وعن «موت المؤلف» أو «جمالية التلقي» أو سلطة القارئ في إنتاج المعنى. غير أن الجديد هنا ليس الفكرة النظرية نفسها، بل أن تصدر بهذه الصراحة عن شخصية جماهيرية جاءت من عالم التمثيل، وهو عالم يقوم في العادة على الحضور المباشر للصورة والشهرة والنجومية. تشا إن بيو، في هذه المناسبة، بدا كأنه يبتعد عمدا عن مركز الصورة ليضع القارئ في قلب العملية الإبداعية.

وهذا التحول مهم لأن الثقافة الجماهيرية الكورية غالبا ما توصف، خارج كوريا، بأنها صناعة متقنة لإنتاج النجوم. لكن ما يقوله تشا إن بيو يذكرنا بأن هذه الصناعة نفسها تتضمن مساحات تفكير وتأمل وحوار مع الجمهور لا تختزل في المعجبين ولا في الأرقام ولا في نسب المشاهدة. فهو لا يتحدث عن القارئ بوصفه زبونا يستهلك المحتوى، بل شريكا في المعنى. وهذا فرق جوهري.

بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن فهم هذا الكلام من خلال تشبيه قريب: كما أن القصيدة العربية لا تستنفد معناها في لحظة كتابتها، بل تواصل السفر في الشروح والتأويلات والإنشاد، كذلك الرواية عند تشا إن بيو لا تكتمل عند النقطة الأخيرة التي يضعها الكاتب، بل عند النقطة التي يضيفها القارئ في داخله. من هنا يصبح الأدب علاقة، لا سلعة؛ ومساحة مشاركة، لا خطابا أحاديا.

وفي زمن تتقارب فيه المسافات بين المبدع وجمهوره عبر المنصات الرقمية، تزداد أهمية هذا المعنى. فالجمهور اليوم لا يكتفي بالمشاهدة والقراءة، بل يعلّق ويؤول وينتج محتوى موازيا ويفتح نقاشات عابرة للحدود. لهذا فإن حديث تشا إن بيو لا يبدو منعزلا عن روح العصر، بل منسجما معها: النص يعيش في الدورة الكاملة بين الكاتب والقارئ، لا في لحظة النشر وحدها.

«مكتبة حارتنا»: رواية جديدة بعد عامين واختيار متعمد للميتافيكشن

أهمية الإصدار الجديد لا تكمن فقط في كونه عودة بعد عامين، بل في الشكل الفني الذي اختاره صاحبه. فالرواية، بحسب ما كُشف عنها، تنتمي إلى بنية «الميتافيكشن»، وهو مصطلح قد يبدو غريبا على بعض القراء، لكنه في جوهره يشير إلى رواية تعي نفسها بوصفها رواية، وتكشف جزءا من عملية صنع الحكاية داخل الحكاية نفسها. بعبارة أبسط، هي كتابة لا تكتفي بسرد قصة، بل تجعل من سؤال «كيف تُكتب القصة؟» جزءا من القصة ذاتها.

هذا النوع من السرد ليس جديدا في الأدب العالمي، وقد عرف القارئ العربي نماذج منه بدرجات مختلفة في بعض الأعمال التي تمزج بين المؤلف والشخصية والراوي، أو تجعل الكتابة نفسها موضوعا مركزيا. لكن اختيار تشا إن بيو لهذا الشكل في رواية موجهة إلى جمهور عريض يحمل دلالة إضافية: إنه يريد أن يقرب قارئه من المطبخ الداخلي للكتابة، لا أن يكتفي بتقديم وجبة جاهزة.

تدور الرواية، وفق المعطيات المعلنة، حول كاتب معاصر يكتب قصة رسام في عصر مملكة غوغوريو القديمة، ذلك الرسام المكلّف برسم تنين. هنا نحن أمام مستويين زمنيين يتقاطعان: حاضر معاصر يتحرك فيه الكاتب، وماضٍ تاريخي أو متخيل يعود إلى واحدة من أبرز الممالك الكورية القديمة. ومملكة غوغوريو ليست مجرد خلفية تاريخية عابرة في الوعي الكوري؛ فهي جزء أساسي من السردية التاريخية والرمزية في شبه الجزيرة، وتمثل لدى الكوريين مرحلة قوة وحضور ثقافي وسياسي عميق الأثر.

أما التنين، فهو بدوره عنصر غني بالرموز. وفي الثقافة الكورية، كما في ثقافات شرق آسيا عامة، لا يحمل التنين دائما المعاني السلبية أو المخيفة التي قد ترتبط به في بعض المخيلات الغربية، بل يمكن أن يرمز إلى القوة والحماية والسمو والخصب والسلطة الروحية. وهذا مهم للقارئ العربي حتى لا يقرأ الرمز من مرآة ثقافية مختلفة تماما. صحيح أن التنين ليس شخصية مركزية في التراث العربي على النحو نفسه، لكننا نعرف في تراثنا كائنات ورموزا عجائبية أدت وظائف مشابهة في توسيع أفق الحكاية بين الواقعي والأسطوري.

الأهم من كل ذلك أن تشا إن بيو لا يستخدم التاريخ بوصفه زينة سردية، بل كفضاء يعكس سؤال الخلق الفني. فالرسام الذي يُطلب منه أن يرسم شيئا لا يراه بعينيه، يشبه الكاتب الذي يكتب عالما يتشكل من الكلمات قبل أن يصير حقيقة متخيلة في ذهن القارئ. هنا تصبح الرواية تأملا في معنى الإبداع نفسه: كيف نصنع صورة لشيء غير موجود؟ وكيف نمنح الغائب شكلا قابلا للتصديق؟

المكتبة وغوغوريو والتنين: لماذا تبدو هذه العناصر جذابة عربيا؟

قد تبدو «المكتبة» في عنوان الرواية عنصرا هادئا، وربما يوميا، مقارنة بفخامة التاريخ والأسطورة. لكن هذا الهدوء بالذات هو ما يمنح العمل ثقله الرمزي. فالمكتبة ليست مجرد مكان لوضع الكتب، بل فضاء للذاكرة الجماعية، وحارس للتراكم المعرفي، وموقع للقاء بين الأزمنة المختلفة. حين يختار تشا إن بيو أن يضع «مكتبة الحارة» أو «مكتبة الحي» في قلب عمله، فهو يربط بين المكان القريب المألوف والحكاية التاريخية البعيدة، كأنما يقول إن أبواب الماضي والأسطورة لا تُفتح فقط في القصور والمتاحف، بل أيضا في الأماكن اليومية التي يرتادها الناس العاديون.

هذا المعنى قريب من وجدان القارئ العربي. فكم من مكتبات صغيرة في أحيائنا ومدارسنا وجامعاتنا كانت بوابتنا الأولى إلى العوالم الكبرى؟ وكم من قراء دخلوا الأدب من باب متواضع في شارع جانبي، ثم وجدوا أنفسهم في قلب التاريخ والفلسفة والخيال؟ المكتبة، بهذا المعنى، ليست مكانا صامتا، بل مسرحا خفيا لتكوين الذات. وربما لهذا ينجح العنوان في إثارة فضول يتجاوز الجمهور الكوري.

أما الجمع بين المكتبة وغوغوريو، فيعني أن الرواية تراهن على كسر المسافة بين الواقع والخيال، بين المعرفة المحفوظة والحكاية المتولدة، بين زمن القراءة وزمن الأسطورة. هذا التهجين السردي يلقى صداه في الذائقة العربية أيضا، حيث لطالما اشتغل الأدب على التداخل بين العجيب واليومي، من «ألف ليلة وليلة» إلى كثير من الروايات الحديثة التي تخلط التاريخ بالأسطورة بالسيرة الفردية.

هناك أيضا بعد آخر يستحق التوقف عنده: فكرة الفنان الذي يُطلب منه تمثيل ما لا يُرى. هذه الفكرة شديدة القرب من كل فعل إبداعي، سواء كان رسما أو كتابة أو حتى تمثيلا. في التجربة العربية، نعرف جيدا معنى أن يحاول الكاتب الإمساك بما يتجاوز اللغة: الخسارة، الحنين، الغياب، الذاكرة، الوطن، الزمن. وتشا إن بيو، عبر شخصية الرسام في غوغوريو، يبدو كأنه يعيد صياغة هذا السؤال بلغته الخاصة وضمن رموز كورية واضحة.

لهذا يمكن القول إن جاذبية الرواية عربيا لا تأتي فقط من شهرة صاحبها، بل من كونها تبني جسرا مفهوما بين خصوصية كورية واضحة وأسئلة إنسانية عامة. هذا هو النوع من الأعمال الذي يسمح للقارئ العربي بأن يدخل إلى ثقافة أخرى من باب التعاطف المعرفي، لا من باب الاستهلاك السريع لصورة «آسيوية» مبهمة.

لماذا يدخل هذا الخبر في صلب أخبار الترفيه والثقافة معا؟

في العالم العربي، ما زلنا أحيانا نفصل بين أخبار الفن وأخبار الأدب على نحو صارم: هذا ملف للنجوم، وذلك ملف للكتاب. لكن التجربة الكورية المعاصرة تظهر قدرا أكبر من التداخل بين الحقلين. فالنجم في كوريا الجنوبية لم يعد مجرد وجه على الشاشة، بل قد يكون فاعلا في العمل الإنساني والكتابة والإنتاج وصناعة الخطاب العام. من هنا، فإن ظهور تشا إن بيو في مؤتمر صحفي ليتحدث عن روايته لا يُقرأ فقط كخبر ثقافي، بل أيضا كخبر عن صورة الفنان نفسه وموقعه داخل الصناعة الثقافية.

اللافت أن الرجل لم يقدّم روايته بوصفها امتدادا لشهرته التمثيلية، ولم يجعل من المناسبة استعراضا لنجوميته. على العكس، بدا كأنه يفكك هذا الامتياز بهدوء، ويعيد الاعتبار إلى فعل القراءة. وهذا مهم في صناعة ترفيهية مثل الصناعة الكورية تقوم على تواصل شديد التنظيم مع الجمهور. ففي الوقت الذي تبني فيه الشركات حول النجوم دوائر متابعة مكثفة، يخرج تشا إن بيو ليقول إن المعنى النهائي لا تصنعه الهالة المحيطة بالشخص، بل القراءة التي تحدث بعد انطفاء الكاميرات.

هذا التبدل في زاوية النظر يستحق الانتباه عربيا أيضا، لأن جمهور الثقافة الكورية في منطقتنا يكبر بسرعة، لكنه لا يزال في كثير من الأحيان أسير الجانب الاستعراضي من الظاهرة: المسلسلات، حفلات الموسيقى، الموضة، الجمال، والنجوم. أما هذا النوع من الأخبار، فيفتح نافذة على طبقة أخرى من «الهاليو»: طبقة التفكير في المعرفة والسرد والكتاب والقراءة. بعبارة أخرى، نحن أمام خبر يوسع تعريف الثقافة الكورية لدى القارئ العربي، بدلا من أن يكرس صورتها في قالب واحد.

ثم إن وجود فنان معروف يختار الأدب وسيلة ثانية للتعبير يضعنا أمام سؤال أوسع: هل النجومية قادرة على النجاة خارج الشاشة؟ بالنسبة إلى تشا إن بيو، يبدو الجواب أنه لا يريد النجاة بالمعنى التسويقي، بل التحول بالمعنى الإبداعي. وهذا فارق مهم. فليس المطلوب أن يثبت أنه يستطيع بيع الكتب لأن اسمه مشهور، بل أن يبرهن على أن لديه ما يقوله في هذا الشكل الفني المختلف. وتصريحاته الأخيرة توحي بأنه مدرك تماما لهذه الحساسية.

حين يقترب الخطاب من التأمل: ماذا تكشف نبرة تشا إن بيو؟

اللغة التي استخدمها تشا إن بيو في الحديث عن روايته ونظرته إلى القارئ لم تكن لغة استعراض أو ادعاء. بدا أقرب إلى كاتب يعرف أن الشكل الفني الذي اختاره، أي الميتافيكشن، قد يُتهم بسهولة بالتعقيد أو النخبوية، لذلك سعى إلى تقديمه كجسر وجداني لا كحيلة فنية. وحين قال إنه ضمن الرواية «عملية إيصال قلبه» أو مشاعره إلى القارئ، كان كأنه يخفف من قسوة المصطلح النقدي ويعيده إلى حقل التجربة الإنسانية.

وهذه نقطة بالغة الأهمية. فكثير من التجارب التي تلعب على حدود الواقع والخيال تسقط في فخ الانشغال بالشكل على حساب حرارة المعنى. أما في حالة تشا إن بيو، فإن الرسالة المعلنة تقول إن الشكل هنا وُضع لكي يفسح للقارئ مجالا أوسع للمشاركة. بمعنى أن البنية المركبة للرواية لا تهدف إلى إقصاء القارئ، بل إلى جذبه نحو مساحة أعمق من التفاعل.

في الصحافة الثقافية العربية، نعرف قيمة مثل هذا التوازن. فالنص الذي يطلب من قارئه جهدا إضافيا يجب أن يمنحه في المقابل أفقا أرحب من الاكتشاف. وإذا صحت الإشارات الأولى إلى طبيعة «مكتبة حارتنا»، فإن العمل يبدو مصمما على هذه القاعدة بالذات: دعوة القارئ إلى عبور الحدود بين الأزمنة والأصوات، لا لمجرد الإبهار، بل لتجربة كيف تتولد الحكاية داخلنا ونحن نقرأها.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة تصريحات تشا إن بيو على أنها محاولة لتصحيح صورة الكاتب نفسه. فالكاتب هنا ليس سلطة نهائية تفرض المعنى، ولا مجرد اسم يزين الغلاف، بل طرف يدخل في علاقة ثقة مع قارئه. وهذه الفكرة، رغم بساطتها، تكتسب وزنا خاصا في زمن تتنافس فيه الصناعات الثقافية على خطف الانتباه بسرعة، حتى كأن الصبر على القراءة صار رفاهية نادرة.

ماذا يعني هذا للقراء العرب المتابعين للثقافة الكورية؟

الخبر في ظاهره كوري محلي: ممثل وروائي يطلق رواية جديدة في سيول ويتحدث عن القراء. لكن أثره المحتمل عربيا أوسع من ذلك. فالقارئ العربي المتابع للشأن الكوري لم يعد يكتفي بأخبار المنصات والمسلسلات والنجوم، بل صار أكثر فضولا تجاه البنية الثقافية التي تنتج هذه الظواهر. من هنا، تمثل رواية مثل «مكتبة حارتنا» مناسبة مناسبة للاقتراب من المخيلة الكورية من داخل الأدب، لا من خارجها.

كما أن التصور الذي يقدمه تشا إن بيو عن دور القارئ يحمل تقاطعا عميقا مع أسئلة مطروحة في الفضاء الثقافي العربي أيضا: كيف نستعيد قيمة القراءة بوصفها فعلا منتجا لا تلقيا سلبيا؟ كيف نعيد الاعتبار للمكتبة المحلية، وللكتاب، وللأحياء الصغيرة التي يمكن أن تكون مراكز للخيال والمعرفة؟ وكيف نفهم العلاقة بين النجومية الثقافية والعمل الأدبي من دون اختزال أحدهما في الآخر؟

ربما لا تكون الإجابات جاهزة، لكن أهمية هذه اللحظة أنها تدفع إلى طرح الأسئلة. وهذا وحده مكسب ثقافي. فحين يتحدث فنان جماهيري عن القارئ بهذه الجدية، فهو يرسل إشارة إلى أن الكتابة ليست هامشا على هامش الترفيه، بل مساحة مركزية لفهم الذات والعالم. وحين يختار أن يربط المكتبة بالحي، والتاريخ بالخيال، والكاتب بالقارئ، فإنه يقترح نموذجا ثقافيا جديرا بالانتباه في زمن السرعة والتشتت.

في نهاية المطاف، لا يبدو تشا إن بيو هنا ممثلا قرر كتابة رواية أخرى وحسب، بل شخصية ثقافية تحاول أن تعيد ترتيب العلاقات بين الشهرة والإبداع، بين الكاتب وجمهوره، بين النص ومن يقرأه. وهذه، في جوهرها، ليست قضية كورية فقط. إنها قضية كل ثقافة ما زالت تؤمن بأن الكتاب ليس سلعة عابرة، وأن القارئ ليس متلقيا صامتا، وأن الحكاية الجيدة تبدأ من الكاتب فعلا، لكنها لا تنتهي إلا حين تجد من يمنحها حياة جديدة.

من سيول إلى القارئ العربي، تصلنا هذه الرسالة واضحة: ربما تتغير اللغات والرموز والمرجعيات، لكن المعنى الأعمق للأدب يظل واحدا. هناك دائما شخص يكتب ليعبر عن شيء يتجاوز قدرته المباشرة على القول، وهناك دائما قارئ يلتقط ذلك الشيء ويكمله بطريقته الخاصة. وبين الاثنين، تولد الرواية الحقيقية.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات