
تحوّل في المعنى لا في الشكل فقط
في السنوات الأخيرة، تعرّف الجمهور العربي إلى كوريا الجنوبية غالباً عبر بوابتين واضحتين: الدراما التي غزت المنصات والشاشات، والموسيقى التي تحولت إلى ظاهرة شبابية عابرة للحدود. لكن خلف هذا الوهج المعروف باسم «الموجة الكورية» أو «الهاليو»، ثمة نقاش أعمق يجري داخل سيول بشأن الدور الذي ينبغي أن تؤديه الثقافة خارج حدودها. هذا النقاش لم يعد يقتصر على كيفية تقديم صورة جذابة عن كوريا، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية وأهمية: ماذا تترك كوريا وراءها عندما تدخل مجال التعاون الدولي؟
هذا السؤال برز بقوة في منتدى عُقد في سيول لمشاركة نتائج برامج التعاون الإنمائي الرسمي في مجال التعليم الثقافي والفني، حيث طُرحت دعوة لافتة إلى تغيير المسار. الفكرة الأساسية التي حظيت بالاهتمام في أوساط التعاون الدولي تقول إن دعم الفنون والثقافة في الدول النامية لا ينبغي أن يبقى محصوراً في ورش قصيرة الأمد أو أنشطة تجريبية تمنح الأطفال والشباب فرصة عابرة لتذوق الفن، بل يجب أن يتجه نحو تقوية القوانين والسياسات والبنية التعليمية نفسها داخل هذه الدول.
في الظاهر، قد يبدو الفرق بين النهجين تقنياً أو إدارياً، لكنه في الحقيقة فرق شاسع في الفلسفة والنتائج. حين تموَّل فعالية فنية لأيام معدودة، فإن الأثر غالباً يكون سريعاً ومرئياً وسهل التسويق. الصور جميلة، والتفاعل فوري، والنتائج قابلة للعرض في التقارير. أما حين يدور الحديث عن إدماج التعليم الثقافي والفني في الأنظمة التعليمية المحلية، أو عن دعم تشريعات ومؤسسات تضمن استمراريته، فإننا ننتقل من منطق الحدث إلى منطق البنية، ومن فكرة «المساعدة» إلى فكرة «الشراكة».
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو هذه المناقشة قريبة من أسئلة عرفتها منطقتنا طويلاً في مجالات التعليم والثقافة والتنمية. كم من المبادرات الثقافية اللامعة مرت في عواصم عربية ثم انطفأت لأنها ارتبطت بأشخاص أو مواسم أو تمويل عابر؟ وكم من مهرجان أو برنامج تدريبي ترك أثراً معنوياً جيداً، لكنه لم يتحول إلى جزء من سياسة عامة أو مؤسسة قائمة بذاتها؟ من هنا، فإن ما يجري في كوريا الجنوبية يتجاوز الشأن المحلي الكوري، لأنه يلامس واحدة من أقدم المعضلات في العمل التنموي: هل نكتفي بتجارب مؤقتة ذات صدى إعلامي، أم نستثمر في بناء القدرة المحلية القادرة على البقاء بعد انصراف الممولين والخبراء؟
المنتدى الذي احتضنه متحف الحرف في سيول أعاد فتح هذا الملف بلغة واضحة. الرسالة لم تكن معارضة للفنون أو للبرامج التفاعلية، بل مطالبة بوضعها داخل رؤية أطول نفساً، تجعل من التعليم الثقافي والفني أداة في التنمية البشرية، والاندماج الاجتماعي، واستعادة التماسك المجتمعي. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها عربياً، لأن الثقافة هنا لا تُعامل كزينة مرافقة للتنمية، بل كجزء من صلبها.
حين تصبح الثقافة أداة تنمية لا مجرد واجهة ناعمة
اعتادت الأدبيات السياسية والإعلامية على الحديث عن الثقافة باعتبارها إحدى أدوات «القوة الناعمة». هذا التعبير، على شهرته، يظل ناقصاً حين يُستخدم وحده لفهم التحول الجاري في كوريا. فالقوة الناعمة ترتبط غالباً بالجاذبية والصورة والانطباع الإيجابي، أي بما يجعل الآخرين أكثر تقبلاً لبلد ما أو أكثر اهتماماً بمنتجاته وروايته لنفسه. غير أن ما طُرح في سيول يتجاوز هذا الإطار؛ فالمسألة لم تعد: كيف نُظهر ثقافتنا للعالم؟ بل: كيف نستخدم خبرتنا الثقافية والتعليمية لمساعدة شركائنا على بناء أنظمتهم؟
هذا التحول مهم لأنه ينقل الثقافة من خانة «الترويج» إلى خانة «السياسة العامة». عندما تدعم دولة ما برامج فنية في بلد نامٍ على شكل زيارات قصيرة أو عروض أو ورش، فهي تمنح تجربة، وربما تزرع اهتماماً أو حماساً. أما عندما تساعد في تدريب المعلمين، أو تطوير المناهج، أو إسناد التشريعات المتعلقة بالتعليم الثقافي، أو بناء شراكات مؤسسية بين الوزارات والهيئات المحلية، فإنها تسهم في إنشاء قدرة وطنية لا ترتبط بموسم أو تمويل طارئ.
وهنا تظهر أهمية الرسالة التي قُدمت في المنتدى الكوري: التعليم الثقافي والفني يمكن أن يتصل بأهداف إنمائية كبرى مثل تنمية الإنسان، وإعادة اللحمة الاجتماعية، واستعادة الثقة داخل المجتمعات الخارجة من أزمات أو تلك التي تعاني من هشاشة في الخدمات التربوية. هذا الفهم يذكّرنا في العالم العربي بنقاشات قديمة حول دور المسرح المدرسي، والموسيقى، والفنون البصرية، والأنشطة التراثية في الحد من العنف، وتشجيع التعبير، وصناعة فضاءات مشتركة بين فئات اجتماعية مختلفة.
في كثير من البلدان العربية، لطالما عوملت الفنون في المدارس بوصفها مادة هامشية، يمكن الاستغناء عنها عند ضغط الموازنات أو ازدحام المناهج. لكن تجارب عديدة أثبتت أن الفن ليس ترفاً. في مجتمعات مرهقة بالحروب أو الاستقطاب أو الضغوط الاقتصادية، يمكن لحصة موسيقى أو مسرح أو رسم أن تصبح مساحة نادرة للتنفيس، واكتشاف الذات، وتعليم العمل الجماعي. لذلك فإن الكلام الكوري عن ربط التعليم الثقافي بالفئات الشابة وبالتماسك المجتمعي ليس مجرد تنظير أكاديمي، بل يتقاطع مع خبرات معروفة لدينا، من المدارس إلى مراكز الشباب إلى المبادرات الأهلية.
الأهم من ذلك أن هذا النقاش يضع حدوداً واضحة لفكرة «تصدير الثقافة» بصيغتها البسيطة. فليس المطلوب من الدول النامية أن تستهلك النموذج الكوري كما هو، أو أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لعروض تمجد نجاح كوريا. المطلوب، إذا أخذنا الرسالة بجدية، هو أن تتحول الخبرة الكورية إلى مورد معرفي ومؤسسي يساعد الشركاء على تطوير أنظمتهم وفق احتياجاتهم المحلية. وهذا فارق كبير بين تعاون يقوم على الإبهار، وتعاون يقوم على البناء المشترك.
من البرامج العابرة إلى إصلاح النظام التعليمي
المصطلح الأهم في هذه المناقشة هو الانتقال من «التجربة» إلى «النظام». هذا الانتقال قد يبدو بسيطاً في العبارة، لكنه معقد في التطبيق. فالبرامج العابرة مغرية لأي جهة مانحة: مدتها محدودة، وكلفتها قابلة للضبط، ونتائجها سهلة القياس بعدد المشاركين أو الفعاليات أو الصور المنشورة. أما إصلاح النظام فيحتاج إلى وقت وصبر وتفاهم مع المؤسسات المحلية، وقد لا تظهر نتائجه سريعاً. لكنه، في المقابل، يترك أثراً أبقى وأكثر عمقاً.
حين يُقال إن على التعاون الثقافي الكوري أن يدعم القوانين والمؤسسات والبنية التعليمية في الدول الشريكة، فهذا يعني عملياً العمل على مستويات عدة في آن واحد. أول هذه المستويات هو الإطار التشريعي: هل يوجد اعتراف رسمي بالتعليم الثقافي والفني داخل السياسات التربوية؟ وهل ثمة لوائح تتيح للمؤسسات التعليمية والبلديات والهيئات الثقافية التعاون في هذا المجال؟ المستوى الثاني هو البنية المؤسسية: من هي الجهة التي تقود هذا الملف محلياً؟ وهل هناك كفاءات إدارية وفنية تتابع التنفيذ؟ أما المستوى الثالث فهو المستوى المهني والتربوي: من سيدرّس؟ وبأي أدوات؟ ووفق أي مناهج ومعايير؟
في العالم العربي، نعرف جيداً أن المشكلة ليست دائماً في غياب الحماس، بل في هشاشة السند المؤسسي. قد تنجح مبادرة مدرسة في مدينة عربية في إدخال الموسيقى أو المسرح أو الفنون التراثية إلى أنشطتها، لكن المبادرة تتعثر لاحقاً بسبب غياب التمويل المستدام أو عدم وجود معلمين مؤهلين أو لأن السياسة التعليمية العامة لا تعترف بهذه الأنشطة كجزء أساسي من تكوين الطالب. لهذا يبدو الطرح الكوري جديراً بالانتباه: هو يعترف بأن الثقافة لا تصبح قوة اجتماعية فعلية إلا إذا استقرت في المؤسسة، لا إذا بقيت ضيفة عليها.
الحديث عن الأنظمة التعليمية هنا لا يعني فقط المدارس الرسمية، بل يمتد إلى البيئة الأوسع التي تصنع علاقة المجتمع بالفن. ويشمل ذلك مراكز الثقافة المجتمعية، والمتاحف، والمكتبات، ومؤسسات تدريب المعلمين، والهيئات التي تدعم الإبداع المحلي. إذا جاء التعاون الخارجي لتمويل نشاط واحد داخل هذه المنظومة، فقد ينجح لحظة ثم يبهت. أما إذا ساعد على ربط هذه المكونات ببعضها، وتوفير أدوات الاستمرار لها، فهو عندئذ يتحول إلى استثمار تنموي حقيقي.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة الدعوة التي خرجت من سيول بوصفها نقداً ضمنياً لفكرة الإنجاز السريع في العمل الثقافي الدولي. النجاح لا يُقاس فقط بعدد الورش، بل بقدرة البلد الشريك على أن يدير تعليمه الثقافي بنفسه بعد سنوات. وهل يستطيع المعلم المحلي أن يواصل؟ وهل تبقى المادة في المنهج؟ وهل يزداد عدد المؤسسات الوطنية القادرة على قيادة الملف؟ تلك هي الأسئلة التي تصنع الفارق بين مشروع عابر وسياسة عامة.
ما الذي تريد كوريا أن تتركه في العالم؟
أحد أكثر الجوانب لفتاً في هذا النقاش أنه يفتح باباً على سؤال الهوية الدولية لكوريا الجنوبية نفسها. فالدولة التي عُرفت عالمياً بقدرتها الصناعية والتكنولوجية، ثم بنجاحها الكبير في الموسيقى والدراما والسينما، تبدو اليوم أمام اختبار جديد: هل يمكنها أن تتحول أيضاً إلى شريك مؤسسي في مجالات الثقافة والتعليم والتنمية؟
الإجابة ليست بسيطة، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن سيول تحاول توسيع صورتها في العالم. لسنوات، تمحورت التغطيات الدولية المتعلقة بكوريا حول شركاتها الكبرى، وسباقها التكنولوجي، ونجومها الفنيين، وصعودها الاقتصادي المذهل. هذه عناصر حقيقية ومؤثرة، لكنها تمثل جانباً واحداً من الحضور الكوري. أما حين تدخل كوريا مجال التعاون الثقافي بوصفه مساراً لبناء القدرات المحلية، فهي تقول عملياً إن خبرتها لم تعد مجرد قصة نجاح تُروى، بل تجربة يمكن أن تتقاسم بعض أدواتها مع الآخرين.
هذا لا يعني بالطبع أن الطريق خالٍ من الأسئلة. ففي كل مرة تنخرط فيها دولة ذات نفوذ ثقافي متزايد في بلدان نامية، يبرز سؤال التوازن بين المساعدة والتأثير، بين الشراكة والوصاية، بين تقاسم الخبرة وتصدير النموذج. هنا تكمن حساسية الملف. فإذا أرادت كوريا فعلاً أن تجعل من التعليم الثقافي والفني جسراً تنموياً، فعليها أن تنطلق من احتياجات الشركاء المحليين، لا من الرغبة في استنساخ تجربتها أو تعميم ذائقتها الثقافية.
بالنسبة إلى الجمهور العربي، هذه نقطة جوهرية. فنحن نعرف من تاريخ التنمية الدولية أن أجمل الشعارات قد تتحول إلى عبء إذا فُرضت على المجتمعات من الخارج من دون فهم كافٍ لسياقها. الثقافة، بحكم ارتباطها بالهوية واللغة والذاكرة الجمعية، أكثر حساسية من غيرها. ومن ثم فإن قيمة المبادرة الكورية لن تُقاس فقط بحجم التمويل أو عدد البرامج، بل بمدى احترامها للتنوع المحلي وقدرتها على تمكين المجتمعات من تطوير تعليمها الثقافي بما ينسجم مع تراثها واحتياجاتها لا بما يلائم فقط صورة كوريا عن نفسها.
مع ذلك، فإن مجرد طرح هذا السؤال في منتدى رسمي داخل كوريا يحمل دلالة مهمة. فهو يشير إلى أن هناك وعياً متزايداً بأن بريق «الهاليو» وحده لا يكفي لصياغة دور دولي طويل الأمد. فالعالم قد يعجب بالأغنية والمسلسل، لكنه يختبر الشراكات الجادة بميزان مختلف: ماذا تبني؟ ما الذي يدوم؟ وما نوع المؤسسات التي تساعد على قيامها؟ في هذا المعنى، تحاول كوريا الانتقال من موقع «المُلهم ثقافياً» إلى موقع «الشريك المؤسسي».
كيف يقرأ العرب هذه الرسالة الكورية؟
من السهل على القارئ العربي أن يلتقط الجانب الثقافي الشعبي في الخبر، لأن كوريا الجنوبية حاضرة بقوة في الوعي الشبابي العربي من خلال الموسيقى والدراما والأزياء والطعام. لكن القراءة الأهم ربما تكمن في الجانب الأقل صخباً: كيف تفكر دولة صعدت سريعاً في تحويل رأسمالها الثقافي إلى سياسة تنموية خارجية أكثر نضجاً؟
هذه القراءة تهم المنطقة العربية على أكثر من مستوى. أولاً، لأن بلداناً عربية كثيرة تخوض بدورها نقاشاً بشأن مكانة الثقافة في مشاريع التنمية الوطنية. هل تبقى الثقافة مجالاً احتفالياً وموسمياً، أم تُدمج في التعليم، والتنمية المحلية، وتمكين الشباب، والتماسك الاجتماعي؟ ثانياً، لأن جزءاً كبيراً من التعاون الدولي في منطقتنا تعرّض طويلاً لانتقادات تتعلق بقصر النفس، وكثرة المشاريع التجريبية، وضعف الاستدامة بعد انتهاء التمويل.
من هنا، فإن الدرس الكوري المحتمل لا يتمثل في نسخ نموذج جاهز، بل في إعادة ترتيب الأولويات. في كثير من البيئات العربية، يحتاج التعليم الثقافي إلى ما هو أكثر من حدث جميل أو مبادرة مؤقتة. يحتاج إلى اعتراف سياسي وإداري بأنه جزء من تكوين المواطن. فالطفل الذي يتعلم التعبير عبر الموسيقى أو المسرح أو الرسم لا يكتسب مهارة فنية فقط، بل يتعلم الإصغاء، والخيال، والتعاون، والانضباط، وفهم الرموز. وهذه كلها مهارات تزداد أهميتها في مجتمعات تواجه تحديات التغير السريع، والبطالة، والاستقطاب الرقمي، وتراجع المساحات العامة المشتركة.
كما أن المقارنة العربية مع الحالة الكورية تفتح سؤالاً موازياً: ماذا عن خبراتنا نحن؟ المنطقة العربية تملك تراثاً تعليمياً وثقافياً عريقاً، من الكتاتيب والمدارس الموسيقية إلى فرق المسرح المدرسي والأنشطة الكشفية والمراكز الثقافية الشعبية. لكنها في كثير من الأحيان لم تنجح في تحويل هذا الرصيد إلى سياسة تعليمية متماسكة ومستدامة. ولذلك قد يكون في النقاش الكوري ما يحفّز صانعي القرار العرب على النظر إلى الثقافة بعين مختلفة: ليس كقطاع تابع، بل كأحد مسارات بناء الإنسان.
ولأن الصحافة المهنية لا تكتفي بالإشادة، فإن من الضروري القول إن نجاح أي شراكة كورية مع دول عربية أو نامية سيتوقف على القدرة على الإنصات. فالاختلافات بين المجتمعات واسعة، وما يصلح في بيئة آسيوية ذات مؤسسات متماسكة قد يحتاج إلى ترجمة دقيقة في بيئات أخرى تعاني من هشاشة إدارية أو من نزاعات أو من اختلالات اجتماعية حادة. لذلك لا قيمة لأي مشروع لا يبني من الداخل، ولا يترك وراءه كفاءات محلية قادرة على الاستمرار.
التنمية الثقافية بين الطموح والاختبار
الرسالة التي خرجت من سيول تحمل قدراً من الطموح، لكنها تحمل أيضاً اختباراً صعباً. فمن السهل إعلان الرغبة في تجاوز البرامج العابرة، لكن الأصعب هو بناء آليات تمويل وتقييم وشراكة تنسجم فعلاً مع هذا الهدف. إذا كانت الثقافة ستُعامل كجزء من التنمية البشرية والاجتماعية، فإن معايير نجاحها يجب أن تتغير بدورها. لا يكفي عدّ المشاركين أو الفعاليات؛ بل يجب النظر إلى ما إذا كانت المؤسسات المحلية صارت أقوى، وهل اكتسب المعلمون مهارات قابلة للاستمرار، وهل أصبحت السياسات التعليمية أكثر احتضاناً للفنون والثقافة.
وهنا يبرز تحدٍ معروف في العمل التنموي: المؤسسات غالباً تريد نتائج سريعة ومرئية، بينما بناء الأنظمة يحتاج زمناً أطول وعملاً أقل جاذبية للكاميرات. غير أن الخبرة العالمية تُظهر أن ما يُبنى ببطء داخل المؤسسة يبقى أطول مما يُعرض بسرعة على المنصة. وهذا بالضبط ما يبدو أن بعض الأصوات في كوريا الجنوبية تحاول قوله اليوم: إذا أرادت سيول أن يكون لحضورها الثقافي الدولي معنى أعمق، فعليها أن تقيس أثرها ليس بحجم الإعجاب الآني، بل بمقدار ما تساعد الآخرين على امتلاك أدواتهم.
في هذا السياق، تبدو الإشارة إلى الأطفال والشباب بالغة الأهمية. فهذه الفئات ليست فقط جمهوراً متلقياً للأنشطة الفنية، بل هي الرهان الحقيقي لأي سياسة تنموية تريد أن تتجاوز اللحظة الراهنة. حين يُدمج التعليم الثقافي والفني في حياة الأجيال الجديدة على نحو منظم وعادل، فإنه يفتح باباً لخيال أوسع، ومواطنة أكثر ثقة، ومجتمعات أقدر على التعبير عن نفسها من دون عنف أو انغلاق. وهذا ما يجعل الملف أبعد من كونه موضوعاً ثقافياً صرفاً؛ إنه موضوع اجتماعي وتربوي وسياسي أيضاً.
يمكن القول إن كوريا الجنوبية تقف أمام فرصة نادرة: أن تستخدم السمعة التي بنتها عبر الموجة الكورية لا لزيادة الاستهلاك الثقافي فقط، بل لبناء شراكات تنموية أكثر رسوخاً. وإذا نجحت في ذلك، فإن صورتها الدولية ستتغير من بلد يصدر المحتوى فحسب إلى بلد يشارك في بناء القدرات. أما إذا بقيت المبادرات حبيسة منطق الفعاليات القصيرة، فإن كل الحديث عن التحول المؤسسي سيظل مجرد عنوان أنيق.
بالنسبة إلى العالم العربي، فإن متابعة هذا التحول تستحق الاهتمام، لا بوصفه خبراً عن كوريا وحدها، بل باعتباره مرآة لأسئلة نعيشها نحن أيضاً: كيف نجعل الثقافة جزءاً من التنمية؟ كيف ننقلها من الهامش إلى صلب السياسة التعليمية؟ وكيف نحمي المبادرات الجميلة من أن تتحول إلى ومضات عابرة؟ تلك أسئلة لا تخص سيول وحدها، بل تخص كل مجتمع يريد أن يبني مستقبله بقدر من الخيال لا يقل عن حاجته إلى الاقتصاد والبنية التحتية.
ما بعد «الهاليو»: شراكة أم عرض عابر؟
في النهاية، يكشف الجدل الكوري حول المساعدات الثقافية الرسمية عن مرحلة جديدة في مسار «الهاليو». لقد نجحت كوريا في أن تجعل العالم ينظر إليها بإعجاب ثقافي واسع، لكن الإعجاب ليس نهاية الطريق. التحدي الحقيقي يبدأ عندما تحاول أي دولة تحويل جاذبيتها إلى مسؤولية، ونجاحها الرمزي إلى أثر مؤسسي عند الآخرين.
ما طُرح في سيول يبعث برسالة واضحة مفادها أن الزمن الذي كان فيه النشاط الثقافي الخارجي يُقاس بقدرته على الإبهار وحده لم يعد كافياً. العالم، وخصوصاً الدول النامية، يحتاج إلى شراكات تترك معرفة ومؤسسات وأنظمة أكثر قدرة على خدمة الناس. وإذا كان التعليم الثقافي والفني قادراً على المساهمة في الاندماج الاجتماعي، واستعادة التماسك المجتمعي، وتنمية الإنسان، فإن التعامل معه كبرنامج جانبي أو كحدث بروتوكولي سيكون هدراً لإمكانات كبيرة.
من هذه الزاوية، تبدو الدعوة الكورية إلى تقوية القوانين والسياسات والأنظمة التعليمية خطوة في الاتجاه الصحيح، على الأقل من حيث المبدأ. لكنها تظل خطوة ستُختبر في الميدان: في شكل الشراكات، وفي نوعية الإصغاء للواقع المحلي، وفي قدرة المؤسسات الكورية على قبول أن النجاح لا يعني بالضرورة أن تظهر بصمتها في كل مكان، بل أن ينجح الشركاء في بناء مساراتهم الخاصة.
وهذا ربما هو الدرس الأهم الذي يمكن أن يهم القارئ العربي: التنمية الثقافية الحقيقية لا تُقاس بضجيج الافتتاحات، بل بهدوء الاستمرار. لا تُقاس بعدد الورش التي أُنجزت، بل بعدد المؤسسات التي أصبحت أقدر على العمل وحدها. ولا تُقاس بمدى انبهار الجمهور المؤقت، بل بمدى تحسن حياة الناس التعليمية والاجتماعية على المدى الطويل. إذا استطاعت كوريا الجنوبية أن تترجم هذا الفهم إلى ممارسة، فستكون قد دخلت فعلاً مرحلة جديدة من حضورها العالمي؛ مرحلة أقل صخباً من نجومية البوب والدراما، لكنها ربما أكثر بقاءً وأعمق أثراً.
0 تعليقات