광고환영

광고문의환영

بعد تسع سنوات من التوقف.. استئناف تدريبات الإنقاذ البحري بين كوريا الجنوبية واليابان يرسل إشارة سياسية تتجاوز البحر

بعد تسع سنوات من التوقف.. استئناف تدريبات الإنقاذ البحري بين كوريا الجنوبية واليابان يرسل إشارة سياسية تتجاوز البحر

عودة تدريبٍ صغير بحمولةٍ كبيرة

في الأخبار العسكرية، قد يبدو الإعلان عن تدريبٍ للبحث والإنقاذ في البحر حدثاً فنياً لا يستحق كثيراً من التوقف. لكن في شرق آسيا، حيث تتجاور الذاكرة التاريخية الحساسة مع الحسابات الأمنية المعقدة، يمكن لموعدٍ واحد على رزنامة الجيوش أن يتحول إلى رسالة سياسية كاملة المعنى. هذا بالضبط ما يفسر الاهتمام باستئناف التدريب البحري المشترك بين كوريا الجنوبية واليابان في 7 يونيو، بعد انقطاع دام تسع سنوات منذ آخر جولة أُجريت عام 2017.

الخبر، كما نقلته وكالة يونهاب الكورية الجنوبية، لا يتعلق فقط بعودة نشاطٍ تدريبي بين البحرية الكورية الجنوبية وقوة الدفاع الذاتي البحرية اليابانية، وهي الجهة التي تؤدي عملياً دور البحرية في اليابان. الأهمية الحقيقية تكمن في أن هذا النوع من التعاون كان قد توقف في أعقاب أزمة ثقة عميقة بين البلدين، ما يجعل استئنافه اليوم مؤشراً على أن سيول وطوكيو تحاولان ترميم ما تصدع في مسار التعاون الدفاعي، ولو عبر بوابة تبدو أقل حساسية من غيرها.

وبلغة الصحافة السياسية، فإن ما يجري ليس مجرد تدريب على انتشال ناجين أو تنسيق عمليات بحرية إنسانية، بل اختبارٌ ميداني لدرجة استعداد الطرفين لإعادة تشغيل قنوات التعاون الأمني. وكما يقال في الأمثال العربية، فإن “الجواب يبان من عنوانه”، والعنوان هنا واضح: هناك رغبة في إعادة بناء العلاقة، لكن على خطوات محسوبة وبمفردات حذرة.

هذه العودة اكتسبت وزناً إضافياً بعدما جرى تأكيدها على هامش الدورة الثالثة والعشرين من مؤتمر الأمن الآسيوي في سنغافورة، المعروف باسم “حوار شانغريلا”، وهو من أبرز المنصات التي يجتمع فيها مسؤولو الدفاع وصناع القرار لمناقشة أمن آسيا والمحيطين الهندي والهادئ. في ذلك اللقاء، قال وزير الدفاع الكوري الجنوبي آن غيو-بيك، خلال اجتماعه بنظيره الياباني شينجيرو كويزومي، إن استئناف التدريب بعد تسع سنوات يحمل “دلالة رمزية وإعلانية”. هذه العبارة المختصرة تختصر الكثير: رمزية لأنها تتجاوز القطيعة السابقة، وإعلانية لأنها تفتح الباب أمام مرحلة جديدة دون الادعاء بأن كل الخلافات قد انتهت.

وبالنسبة للقارئ العربي، قد تبدو هذه الصياغات الدبلوماسية مألوفة. ففي منطقتنا أيضاً، كثيراً ما تحمل الملفات التقنية أو الإنسانية رسائل سياسية أعمق من ظاهرها؛ من تنسيقٍ حدودي يبدأ تحت عنوانٍ مدني، إلى لقاءاتٍ أمنية محدودة تمهد لاحقاً لمسارات أوسع. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما يجري بين سيول وطوكيو بوصفه محاولة لإعادة تعريف الممكن بين بلدين تجمعهما المصالح الأمنية، لكن تفرقهما جراح التاريخ.

لماذا توقف التدريب أصلاً؟

لفهم مغزى الاستئناف، لا بد أولاً من العودة إلى لحظة الانقطاع. تدريبات البحث والإنقاذ بين كوريا الجنوبية واليابان بدأت عام 1999، ثم استمرت بصورة دورية كل عامين تقريباً. وبمرور الوقت، أصبحت جزءاً من آلية تعاون معروفة بين المؤسستين البحريتين في البلدين. لكن هذا المسار لم يكن محصناً ضد السياسة، بل كان هشاً أمام أي صدمة تتصل بالرموز التاريخية أو انعدام الثقة.

نقطة التحول جاءت بعد عام 2017. ففي 2018 برز خلاف حاد خلال العرض البحري الدولي في جزيرة جيجو الكورية الجنوبية على خلفية قضية “راية الشمس المشرقة”، وهي الراية التي ترتبط في الذاكرة الكورية، كما في ذاكرة بلدان آسيوية أخرى، بالماضي العسكري الإمبراطوري الياباني. هذه الراية ليست مجرد تفصيل بروتوكولي، بل رمزٌ مثقلٌ بتاريخ الاحتلال والحروب، تماماً كما تثير بعض الرموز الاستعمارية في العالم العربي حساسية تتجاوز شكلها الخارجي إلى ما تمثله من إهانة أو ألم تاريخي.

في العام نفسه، انفجرت أيضاً أزمة ما عُرف بخلاف “طائرة الدورية” بين البلدين، حين تبادل الجانبان الاتهامات بشأن سلوك عسكري غير مناسب في البحر. وعلى الرغم من أن مثل هذه الحوادث قد تبدو قابلة للحل تقنياً، فإنها في العلاقات اليابانية الكورية الجنوبية سرعان ما تتضخم لأنها تقع فوق أرضية غير مستقرة أصلاً، قوامها الخلافات التاريخية المتراكمة، من إرث الاحتلال الياباني لشبه الجزيرة الكورية إلى قضايا العمل القسري و”نساء المتعة” وغيرها من الملفات التي لا تزال حاضرة في الرأي العام.

النتيجة كانت ما يمكن وصفه بقطيعة دفاعية شبه كاملة. لم يتوقف تمرين بعينه فحسب، بل تعطل إيقاع التعاون المنتظم، وتراكمت الشكوك السياسية والعسكرية. ومن هنا، فإن استئناف التدريب اليوم لا يعني العودة ببساطة إلى الوضع السابق، بل محاولة إصلاح علاقة انكسرت بالفعل. والفرق كبير بين استكمال مسار مستمر وبين إعادة وصل خيط انقطع بعد أزمة.

لهذا تبدو السنوات التسع الفاصلة أكثر من مجرد مدة زمنية. إنها تعكس حجم الحساسيات التي احتاج البلدان إلى إدارتها قبل الوصول إلى هذا الموعد. وفي عالم الأمن والدفاع، لا تكون المسافات الزمنية بين الجولات التدريبية مجرد مسألة تنظيمية، بل سجلّاً صامتاً لمستوى الثقة أو انعدامها.

لماذا البحث والإنقاذ تحديداً؟

السؤال الأهم هنا ليس فقط لماذا عاد التدريب الآن، بل لماذا عاد تحت عنوان البحث والإنقاذ البحري؟ الجواب يكمن في طبيعة هذا النوع من التعاون. فعمليات البحث والإنقاذ ترتبط، في الأصل، بحماية الأرواح والتعامل مع الحوادث في البحر والاستجابة للطوارئ. وهي أقل إثارة للجدل من المناورات الهجومية أو التدريبات القتالية المباشرة، وأكثر قابلية للتسويق السياسي داخلياً وخارجياً.

هذا الاختيار يمنح الحكومتين مساحة مريحة نسبياً. فمن جهة، تستطيع سيول أن تقول للرأي العام إنها لا تندفع إلى شراكة عسكرية مفتوحة مع طوكيو متجاهلةً إرث الخلافات، بل تبدأ من ملف إنساني وعملي يخدم السلامة البحرية. ومن جهة أخرى، تستطيع طوكيو أن تقدم التعاون باعتباره مساهمة مسؤولة في الأمن البحري الإقليمي، لا خطوة استفزازية ذات طابع عسكري حاد.

في الأدبيات الدبلوماسية، هذه مقاربة معروفة: البدء من الملفات الأقل كلفة سياسياً والأكثر وضوحاً من حيث المنفعة العامة. وفي السياق العربي، يمكن تشبيه ذلك بمحاولات بناء الثقة بين خصوم إقليميين عبر ملفات الإغاثة أو حماية الملاحة أو الترتيبات الفنية قبل الانتقال إلى الملفات الأثقل. الفكرة هنا ليست حل الخلافات دفعة واحدة، بل استعادة “إيقاع التعاون” من خلال بوابة يصعب مهاجمتها شعبياً أو أخلاقياً.

كما أن البحر، في حد ذاته، يفرض منطقاً عملياً. فحوادث الملاحة والكوارث الطبيعية والطوارئ البحرية لا تنتظر اكتمال المصالحات التاريخية. وشرق آسيا منطقة ذات حركة بحرية كثيفة وممرات استراتيجية شديدة الحساسية، ما يجعل الجاهزية المشتركة في بعض الجوانب مسألة ترتبط ليس فقط بالعلاقات الثنائية، بل أيضاً بصورة البلدين أمام المجتمع الدولي بوصفهما طرفين مسؤولين في إدارة المخاطر البحرية.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي التقليل من شأن الرمزية الإنسانية في اختيار ملف الإنقاذ. ففي اللحظات التي تتعثر فيها اللغة السياسية، كثيراً ما تفتح الملفات الإنسانية نافذة لالتقاط الأنفاس. وما بين السفن والرادارات وعمليات التنسيق، تبقى الرسالة الأساسية بسيطة: يمكن لبلدين يختلفان على التاريخ أن يتفقا، ولو مؤقتاً، على إنقاذ الأرواح في البحر.

حوار شانغريلا.. المسرح الدولي للرسالة

أن يتم تأكيد استئناف التدريب في سنغافورة، خلال “حوار شانغريلا”، ليس تفصيلاً ثانوياً. هذا المنتدى الأمني يُعد من أهم اللقاءات السنوية في آسيا، حيث تتقاطع فيه أجندات القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين، وتُقرأ فيه التصريحات بدقة شديدة. لذلك، فإن اختيار هذا المسرح الدولي للإعلان أو التثبيت يمنح الخطوة معنى يتجاوز الثنائية الكورية اليابانية.

فحين يلتقي وزيرا الدفاع الكوري الجنوبي والياباني في محفل متعدد الأطراف، فإن الرسالة لا تُوجَّه فقط إلى الداخل في البلدين، بل إلى العواصم الآسيوية والغربية التي تراقب شكل الاصطفافات والتفاهمات في الإقليم. المعنى هنا أن سيول وطوكيو تريدان القول إنهما قادرتان على إدارة خلافاتهما ضمن أطر مؤسسية ومنضبطة، وإن التعاون الأمني بينهما يمكن أن يُعاد تشغيله بصورة محسوبة تخدم الاستقرار الإقليمي.

هذا مهم في ضوء البيئة الأمنية المحيطة بشرق آسيا، حيث تتقاطع ملفات كوريا الشمالية، والتنافس الأميركي الصيني، وأمن الممرات البحرية، والتحالفات المرنة التي تتشكل في المنطقة. وعلى الرغم من أن خبر التدريب نفسه لا يتحدث عن هذه الملفات مباشرة، فإن أي تقارب دفاعي بين كوريا الجنوبية واليابان سيُقرأ حتماً ضمن هذا السياق الأوسع.

ولعل ما يلفت الانتباه هو اللغة المستخدمة. فوزير الدفاع الكوري الجنوبي وصف الخطوة بأنها ذات “معنى رمزي وإعلاني”، لا بأنها اختراق تاريخي أو تحول استراتيجي شامل. هذه الحيطة في التعبير مقصودة على الأرجح، لأنها تتيح تثبيت المكسب دون المبالغة فيه. في الدبلوماسية، الإفراط في التوصيف قد يثير اعتراضات داخلية، بينما الصياغة المتزنة تساعد على تمرير الخطوة باعتبارها عملية ومنضبطة.

ومن منظور إعلامي عربي، يبدو هذا الأسلوب قريباً من الطريقة التي تُدار بها الملفات الحساسة في كثير من العواصم: لا يُقال كل شيء دفعة واحدة، بل تُبنى الرسائل بالتدرج، ويُكتفى أحياناً بعنوانٍ يفتح الباب لما بعده. لذلك فإن ما جرى في سنغافورة يمكن قراءته باعتباره “إعلان نوايا محسوب”، لا أكثر ولا أقل.

الذاكرة التاريخية.. العقدة التي لا تختفي

إذا كان التدريب قد عاد، فهذا لا يعني أن الجرح التاريخي التأم. العلاقات بين كوريا الجنوبية واليابان محكومة دائماً بوزن الماضي، والماضي هنا ليس مادة أكاديمية باردة، بل عنصرٌ حي في السياسة والشارع والإعلام والتعليم. لهذا السبب، فإن أي حديث عن التعاون الدفاعي بين الطرفين سرعان ما يستحضر سؤالاً جوهرياً: هل يمكن فصل مقتضيات الأمن الراهنة عن ميراث الاحتلال والاستعمار والرموز المؤلمة؟

في التجربة الكورية الجنوبية، لا يزال الاحتلال الياباني لشبه الجزيرة بين 1910 و1945 حاضراً بقوة في الوعي الوطني. وهذا ما يجعل قضايا مثل الرايات العسكرية والزيارات الرمزية والتصريحات المتعلقة بالتاريخ أكبر بكثير من كونها بروتوكولات عابرة. ومن هنا نفهم لماذا أدى الجدل حول “راية الشمس المشرقة” إلى تعميق التوتر. فالمسألة بالنسبة إلى كثير من الكوريين ليست علماً بحرياً فقط، بل صورة تختزل حقبة من الإخضاع والهيمنة.

وهذا أمر ليس بعيداً عن الحساسية العربية تجاه الرموز المرتبطة بالاحتلال أو الاستعمار أو الإبادة. فالذاكرة الجماعية لا تتعامل مع الرمز باعتباره قطعة قماش أو عبارة في كتاب، بل باعتباره شحنة من الألم والكرامة والهوية. ولذلك، فإن أي مقاربة للتعاون الكوري الياباني لا يمكن أن تنجح إذا تجاهلت هذا البعد.

من هنا أيضاً تبدو عودة التدريب محدودة الطموح لكنها واقعية. فبدلاً من الادعاء بأن كل العقد التاريخية قد حُلّت، يجري التعامل معها باعتبارها موجودة بالفعل، لكن من دون السماح لها بشلّ كل أشكال التنسيق. هذه ليست مصالحة كاملة، بل إدارة للخلافات مع إبقاء حد أدنى من القنوات مفتوحاً. وقد يكون هذا، في الظروف الحالية، أقصى ما يمكن للطرفين تحقيقه من دون الاصطدام بحساسيات الداخل.

بعبارة أخرى، استئناف التدريب لا يمحو آثار 2018، لكنه يشير إلى أن البلدين يحاولان منع تلك الآثار من التحول إلى فيتو دائم على كل تعاون مستقبلي. وهذا تطور مهم، حتى لو بقي محكوماً بالحذر.

من اتفاق يناير إلى تنفيذ يونيو

المسار الذي قاد إلى تدريب 7 يونيو لم يبدأ فجأة. بحسب المعطيات المتاحة، كانت هناك جهود لإعادة بناء التبادل والتعاون الدفاعي بين البلدين، وتوصّل الجانبان في يناير الماضي خلال اجتماع لوزيري الدفاع في اليابان إلى اتفاق على استئناف تدريب البحث والإنقاذ، قبل أن يجري لاحقاً تنسيق التوقيت والتفاصيل التنفيذية.

هذا التسلسل مهم لأنه يكشف عن مرحلتين مختلفتين: الأولى سياسية، عنوانها اتخاذ قرار بإحياء التعاون؛ والثانية تنفيذية، عنوانها ترجمة القرار إلى موعد وإجراءات ميدانية. وفي كثير من الملفات الدولية، تتعثر الدول في المرحلة الثانية تحديداً، لأن الاتفاق السياسي لا يكفي وحده ما لم تدعمه البيروقراطيات والمؤسسات العسكرية وترتيبات الثقة المتبادلة.

كون البلدين وصلا إلى إعلان موعد محدد يعني أن التفاهم لم يبق حبراً على ورق. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن قنوات العمل بين المؤسستين الدفاعيتين استعادت شيئاً من فعاليتها. وقد لا يكون الأمر ثورياً، لكنه في عالم العلاقات المتوترة يُعد تطوراً ملموساً؛ لأن الأهم أحياناً ليس حجم الإعلان، بل القدرة على تنفيذه في موعده.

ومن الجدير بالانتباه أن السياسة الدولية كثيراً ما تقاس بما يُنفذ لا بما يُقال. وبينما تمتلئ الساحات الإقليمية ببيانات النوايا، تبقى الخطوات العملية هي المعيار الحقيقي لجدية الدول. لذلك، فإن استئناف هذا التدريب يقدم دليلاً على أن سيول وطوكيو تحاولان نقل التهدئة من خانة التصريحات إلى خانة الأفعال، ولو بشكل محدود.

بالنسبة إلى المتابع العربي، ثمة درس مألوف هنا: بناء الثقة ليس قراراً تلفزيونياً، بل عملية تراكمية تبدأ من التفاصيل التي تبدو صغيرة. أحياناً يكون تنفيذ موعدٍ متفق عليه أهم من خطابٍ مطول عن المستقبل.

ماذا يعني ذلك لكوريا الجنوبية وللإقليم؟

أهمية الخطوة بالنسبة إلى كوريا الجنوبية تتجاوز العلاقة الثنائية مع اليابان. فهي تقدم نموذجاً لكيفية إدارة سيول لتوازن دقيق بين الذاكرة الوطنية ومتطلبات البيئة الأمنية. فالحكومة الكورية الجنوبية تدرك أن أي انفتاح دفاعي على اليابان قد يواجه نقداً داخلياً، لكنها تدرك أيضاً أن تجاهل ضرورات التعاون العملي في محيط إقليمي متوتر ليس خياراً مريحاً. ومن ثم، فإن اختيار ملف البحث والإنقاذ يعبّر عن براغماتية محسوبة: لا تنازل رمزياً كبيراً، ولا جمود كامل.

أما على مستوى الإقليم، فعودة هذا النوع من التنسيق تعني زيادة قدرٍ من التوقع والانتظام في السلوك الأمني بين دولتين محوريتين في شرق آسيا. وحتى عندما يكون التدريب ذا طبيعة إنسانية، فإن انتظام التواصل بين القوات البحرية يخفف من احتمالات سوء الفهم، ويعيد بناء قدرات التنسيق في أوقات الطوارئ. وهذه عناصر تهم الإقليم كله، لأن كثيراً من الأزمات تتفاقم أصلاً بسبب انقطاع التواصل لا بسبب النيات المسبقة وحدها.

في الوقت نفسه، لا ينبغي المبالغة في أثر الخطوة. فهي ليست إعلاناً عن تحالف جديد، ولا تعني أن كل المشكلات الثنائية قد ذابت. الأرجح أننا أمام عودةٍ محدودة ومدروسة، تختبر ما إذا كان بالإمكان الانتقال لاحقاً إلى مستويات أعلى من التعاون أو توسيع الملفات المشتركة. وما إذا كان ذلك سيحدث فعلاً سيتوقف على عوامل كثيرة، بينها المناخ السياسي الداخلي في البلدين، وطريقة إدارة الملفات التاريخية، وتطور البيئة الأمنية من حولهما.

لكن حتى ضمن هذا السقف المتواضع، يظل الحدث جديراً بالمتابعة. ففي شرق آسيا، حيث كثيراً ما تتشابك القومية مع الأمن، تصبح أي خطوة عملية لاستعادة التعاون حدثاً له وزن يتجاوز حجمه المادي. وكما يحدث أحياناً في السياسة العربية، فإن “العودة من الباب الضيق” قد تكون أكثر دلالة من إعلان الدخول من البوابة الكبرى.

في المحصلة، استئناف تدريب البحث والإنقاذ بين كوريا الجنوبية واليابان بعد تسع سنوات هو خبرٌ تقني في مظهره، سياسي في جوهره، ودبلوماسي في توقيته ولغته. إنه يعكس محاولة حذرة لترميم الثقة من خلال أكثر الملفات قابليةً للدفاع عنها أمام الجمهور: إنقاذ الأرواح وحماية السلامة البحرية. وبينما لا يلغي ذلك ثقل الماضي، فإنه يثبت أن الضرورات العملية ما زالت قادرة على فتح ثغرة في جدار التوتر. وفي عالمٍ تزداد فيه الاستقطابات، قد تكون هذه الثغرة الصغيرة أهم مما تبدو عليه للوهلة الأولى.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات