광고환영

광고문의환영

حين يتحول الضحية إلى متهم: حكم كوري يفتح نقاشاً واسعاً حول حدود المسؤولية في جرائم الاحتيال الهاتفي

حين يتحول الضحية إلى متهم: حكم كوري يفتح نقاشاً واسعاً حول حدود المسؤولية في جرائم الاحتيال الهاتفي

قضية كورية تتجاوز خبر المحاكم

في واحدة من القضايا التي تكشف تعقيدات العصر الرقمي، أيدت محكمة الاستئناف في كوريا الجنوبية حكماً ببراءة موظف حكومي محلي كان قد خسر، وفق ما أوردته وكالة يونهاب، أكثر من 80 مليون وون كوري في عملية احتيال هاتفي، قبل أن يجد نفسه لاحقاً في موقع المتهم بالمشاركة في جمع أموال ضحايا آخرين وتسليمها لعصابة الاحتيال نفسها. الخبر في ظاهره قضائي، لكنه في جوهره اجتماعي وأخلاقي وقانوني في آن واحد؛ لأنه يضع أمامنا سؤالاً صعباً: متى يكون الشخص شريكاً في الجريمة، ومتى يكون مجرد ضحية استمرت الجريمة في استخدامه حتى بعد وقوعه في الفخ؟

هذه القضية لا تهم القارئ العربي فقط من زاوية المتابعة الدولية أو الاهتمام المتزايد بكوريا الجنوبية، بل لأنها تمس واقعاً نعرفه جيداً في المنطقة العربية أيضاً. فعمليات الاحتيال عبر الهاتف، ورسائل التطبيقات، وانتحال صفة الجهات الرسمية أو المصارف، لم تعد قصصاً بعيدة أو استثنائية. في عواصم عربية كثيرة، من القاهرة إلى الرياض، ومن الدار البيضاء إلى عمّان، صار التحذير من الروابط المشبوهة والمكالمات المضللة جزءاً من نشرات البنوك ورسائل شركات الاتصالات، بل ومن الأحاديث اليومية داخل الأسرة الواحدة. ولذلك فإن ما جرى في هذه القضية الكورية يلامس سؤالاً عربياً مألوفاً: كيف يمكن للقانون أن يفرّق بين من انخرط عن قصد، ومن دُفع تحت وطأة الخداع والارتباك والخوف؟

المحكمة الكورية لم تنظر إلى الفعل وحده، أي إلى مسألة جمع الأموال وتسليمها، بل توقفت عند ما هو أعمق: الإدراك والنية والوعي. وهذا التفريق يبدو قانونياً خالصاً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يمس أساس العدالة الجنائية. فليس كل من ظهر في مشهد الجريمة مجرماً بالضرورة، تماماً كما أن من يكرر كلاماً سمعه في لحظة فزع قد لا يكون مقتنعاً به، بل واقعاً تحت تأثير من تلاعب به نفسياً. هنا تكمن أهمية الحكم الذي قد يصبح مرجعاً في النقاشات المقبلة حول جرائم الاحتيال الحديثة، ليس في كوريا وحدها، بل في كل مجتمع يواجه توسع هذه الشبكات العابرة للحدود.

ما الذي حدث بالضبط؟

بحسب ملخص القضية، فإن الموظف الحكومي، وهو عامل في إحدى البلديات أو الإدارات المحلية في منطقة كانغوون الكورية، تعرّض أولاً لعملية احتيال صوتي، وهو ما يعرف في كوريا باسم «بويس فيشينغ»، أي الاحتيال عبر الاتصالات الهاتفية من خلال انتحال صفة جهات رسمية أو مصرفية أو تحقيقات أمنية. هذا النمط من الجرائم ليس جديداً في كوريا الجنوبية، لكنه هناك بالغ التنظيم ويعتمد على تقسيم الأدوار بدقة بين من يتصل، ومن يقنع، ومن ينقل الأموال، ومن يخفي الآثار الرقمية. الرجل خسر مبلغاً كبيراً، ثم واصل تنفيذ تعليمات صادرة عن الجهة نفسها التي خدعته، ليشارك في استلام أموال من ضحايا آخرين وتسليمها.

النيابة رأت في هذه الوقائع شبهة واضحة على تورطه في دور ما داخل الشبكة، ووجهت إليه اتهامات بموجب القوانين الخاصة باسترداد أموال ضحايا الاحتيال الهاتفي. الصورة الظاهرة بدت، من منظور الاتهام، كالتالي: شخص يجمع نقوداً من عدة أشخاص ويسلمها إلى التنظيم، وهذه في حد ذاتها من وظائف «جامعي الأموال» أو «الرسل» الذين تعتمد عليهم عصابات الاحتيال. غير أن المحكمة، في درجتيها الابتدائية والاستئنافية، قرأت المشهد بطريقة أكثر تعقيداً. فقد اعتبرت أن الرجل لم يكن يعلم أنه يؤدي دوراً في جريمة احتيال، وأنه تحرك في حالة ذهنية مرتبكة بعد أن كان هو نفسه قد تعرض للاحتيال قبل وقت وجيز.

الأهم في حيثيات الحكم أن المحكمة لم تكتف بالاستماع إلى دفع عام من نوع «لم أكن أعلم»، بل بحثت في تسلسل الوقائع وظروفها. فقد لفتت إلى أن المتهم تعرض حتى أثناء قيامه بعمليات الاستلام والتسليم إلى خسارة إضافية، إذ جرى الاحتيال عليه مرة أخرى بمبلغ آخر. هذه النقطة بدت حاسمة؛ لأنها تدعم فكرة أنه لم يكن شريكاً يجني ربحاً أو يعرف ما يجري من الداخل، بل شخصاً استمرت العصابة في توجيهه واستغلاله واستنزافه. وفي المقابل، لم تجد المحكمة ما يدل على أنه حاول اقتطاع جزء من الأموال لتعويض خسارته الأولى، وهو ما كان يمكن أن يُفهم، لو حدث، كعلامة على علمه الكامل بطبيعة الجريمة وسعيه للاستفادة منها.

لماذا ركزت المحكمة على «الإدراك» لا «الفعل»؟

في النظم القانونية الحديثة، لا تكفي الحركة الظاهرة وحدها لإثبات الجريمة. صحيح أن هناك أفعالاً قد تبدو مجرّمة من الخارج، لكن القانون يسأل أيضاً: ماذا كان الشخص يعرف؟ وما الذي قصده؟ وهل كان يتصرف بوعي كامل لطبيعة ما يفعل؟ في القضية الكورية، ظهر أن الفعل الخارجي واحد: استلام وتسليم أموال. لكن المحكمة رأت أن الحكم على هذا الفعل لا يمكن أن يتم بصورة آلية، لأن المعنى الجنائي للفعل يتبدل وفق الحالة الذهنية لمن قام به.

هذا المبدأ قد يبدو نظرياً، لكنه في الواقع قريب من فهم الناس العاديين للعدالة. ففي مجتمعاتنا العربية، كثيراً ما نميز intuitively بين من ارتكب فعلاً عن سبق إصرار، ومن وقع في خطأ تحت ضغط شديد أو تحت تأثير خداع محكم. الفرق هنا ليس ترفاً فلسفياً، بل حجر أساس في القضاء الجنائي. ومن دون هذا الفرق، يمكن أن يتحول الضحايا إلى متهمين لمجرد أنهم ظهروا في اللحظة الخطأ أو المكان الخطأ أو نفذوا تعليمات وهم يظنون أنها جزء من إجراء رسمي أو وسيلة لاسترداد حقوقهم.

ما فعلته المحكمة الكورية هو أنها أعادت الاعتبار إلى هذا التمييز. لم تقل إن الرجل لم يقم بالفعل، بل قالت إن الفعل، في ظل غياب القصد الجنائي الواضح، لا يكفي لإدانته. وهذا مهم جداً في جرائم الاحتيال الهاتفي تحديداً، لأن هذا النوع من الجرائم يقوم على السيطرة النفسية التدريجية على الضحية. المحتال لا يسرق المال دفعة واحدة فحسب، بل يعيد تشكيل إدراك الضحية للواقع: يقنعه بأنه في خطر، أو تحت التحقيق، أو أن حسابه البنكي مهدد، أو أن عليه التعاون السريع لتجميد أموال مشبوهة أو استرداد مبالغ. وفي هذه الحالة، يصبح الضحية أداة داخل سيناريو لا يفهمه كاملاً.

لعل أبرز ما تكشفه القضية أن العدالة ليست قراءة سطحية للصور، بل فحص بطيء للنيات والملابسات. وهذا درس بالغ الأهمية في زمن تتسارع فيه الأحكام الشعبية على وسائل التواصل، حيث يكفي مقطع قصير أو واقعة مبتورة لتكوين «إدانة جماهيرية» سريعة. المحكمة هنا ذهبت في الاتجاه المعاكس تماماً: دققت، وربطت الوقائع ببعضها، وسألت عن التوقيت، وعن طريقة الخداع، وعن استمرار استغلال المتهم نفسه، قبل أن تصل إلى النتيجة.

الاحتيال الهاتفي: جريمة نفسية بقدر ما هي مالية

حين نتحدث عن الاحتيال الهاتفي، قد يتبادر إلى الذهن أنه مجرد حيلة لسرقة المال، لكن الواقع أكثر تعقيداً. هذه الجرائم لا تنجح فقط لأن المحتال ذكي، بل لأنها تستثمر في لحظات الضعف الإنساني: الخوف من السلطة، القلق على المدخرات، الخجل من الاعتراف بالتعرض للخداع، والرغبة المستعجلة في إصلاح الخطأ. في الأدبيات الكورية، تطور مفهوم «بويس فيشينغ» ليشير إلى شبكة احتيال شديدة الاحتراف، تستخدم أصواتاً وبيانات وأحياناً وثائق مزيفة أو اتصالات تبدو رسمية. وفي العالم العربي لدينا صور قريبة، وإن اختلفت الأدوات واللغات: رسائل باسم البنك، اتصالات تدعي أنها من الشرطة أو الجمارك أو شركات تحويل الأموال، وروابط توهم الناس بأنها بوابات حكومية أو مصرفية.

القضية الكورية تضيء جانباً أقل نقاشاً في هذا النوع من الجرائم، وهو أن الضحية لا يخرج من التجربة بمجرد أن يخسر ماله. أحياناً يستمر تحت تأثير الجريمة نفسها. بعد الصدمة الأولى، قد يكون أكثر قابلية للتصديق، لا أقل. لأنه يريد أن يصدق أن هناك فرصة لتدارك الأمر، أو أنه لا يزال داخل مسار قانوني أو إداري مشروع. من هنا، يصبح استدراجه لتنفيذ تعليمات جديدة أمراً ممكناً. وهذا ما يجعل بعض الضحايا عرضة لما يمكن وصفه بـ«الاستغلال المتكرر»، أي أن الجريمة لا تسلبهم المال فقط، بل تسلبهم أيضاً القدرة الهادئة على التمييز في اللحظات التالية.

في الثقافة العربية، نفهم جيداً أثر الصدمة والارتباك في السلوك. لدينا أمثال شعبية كثيرة تحذر من اتخاذ القرار في لحظة الغضب أو الخوف أو الفزع، لأن الإنسان حينها لا يكون في أفضل حالاته الذهنية. وإذا كان هذا صحيحاً في شؤون الحياة اليومية، فهو أكثر صحة في الجرائم المنظمة التي تبنى على هندسة نفسية مدروسة. ولذلك فإن الحكم الكوري لا يبرئ سلوكاً ظاهره مريب فحسب، بل يلفت النظر إلى أن الاحتيال الحديث يشبه، من بعض الزوايا، عمليات السيطرة النفسية أكثر مما يشبه مجرد السرقة التقليدية.

بين القانون والرأي العام: لماذا تبدو هذه القضايا ملتبسة؟

من السهل على الرأي العام أن يتبنى سردية بسيطة: من حمل المال وسلمه شريك. هذا المنطق مفهوم من زاوية الغضب الاجتماعي تجاه عصابات الاحتيال التي تفتك بالناس وتعبث بمدخراتهم، خصوصاً عندما يكون الضحايا من كبار السن أو من أصحاب الدخل المحدود. لكن القضاء لا يستطيع أن يبني أحكامه على الغضب أو على الحدس العام. وظيفته أن يميز بين المستويات المختلفة للمسؤولية، وأن يثبت القصد الجنائي لا أن يفترضه.

في العالم العربي، كما في كوريا الجنوبية، هناك حساسية عالية تجاه جرائم الاحتيال المالي لأنها تمس شعور الناس بالأمان اليومي. والمدخرات في مجتمعاتنا ليست مجرد أرقام في الحسابات البنكية؛ إنها في كثير من الأحيان تعب سنين، أو «تحويشة العمر»، أو مصاريف علاج، أو مهر زواج، أو أقساط دراسة. لذلك فإن أي شخص يظهر في مسار هذه الجريمة قد يواجه تلقائياً رفضاً اجتماعياً قاسياً. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا الرفض إلى بديل عن التحقيق الدقيق.

الحكم الكوري يذكرنا بأن العدالة قد تتطلب أحياناً مقاومة الانطباع الأول. فالمحكمة حين رأت أن المتهم لم يحاول الاستفادة من الأموال لتعويض خسارته، وحين لاحظت أنه وقع ضحية مجدداً حتى أثناء أداء الدور المنسوب إليه، وحين أخذت بعين الاعتبار أن قضايا أخرى مشابهة مرتبطة به لم تمضِ فيها الشرطة إلى الإحالة، كانت عملياً تقول إن الصورة ليست مستقيمة كما تبدو. هناك طبقات من الالتباس لا بد من تفكيكها. وهذه مقاربة تستحق التأمل عربياً أيضاً، في وقت تتزايد فيه الجرائم المركبة التي تخلط بين العالم الافتراضي والواقع المادي.

الأمر لا يعني التساهل مع الجناة الحقيقيين، بل على العكس تماماً. فالتشخيص الخاطئ يضر بمسار العدالة مرتين: مرة لأنه قد يوقع العقوبة على غير مستحقها، ومرة لأنه قد يبعد الأنظار عن البنية الفعلية للشبكة الإجرامية ومن يديرها من الخلف. حين ننشغل بالحلقة الأضعف أو الأكثر ارتباكاً، قد يفلت من التخطيط والتمويل والتنسيق من هم أولى بالملاحقة والعقاب.

ما الذي تقوله هذه القضية للقارئ العربي؟

الرسالة الأولى واضحة: لا أحد محصن تماماً من الاحتيال، مهما كان موقعه الوظيفي أو مستواه التعليمي. المتهم في هذه القضية موظف حكومي، أي شخص يفترض فيه قدر من الانضباط والخبرة الإدارية، ومع ذلك وقع في الفخ. وهذه النقطة مهمة في مجتمعاتنا، حيث يميل البعض إلى التعامل مع ضحايا الاحتيال بوصفهم سذجاً أو مهملين. الحقيقة أن شبكات الاحتيال الحديثة لا تعتمد على سذاجة ضحاياها بقدر ما تعتمد على براعتها في صناعة الإقناع والضغط واستغلال الثقة بالمؤسسات.

الرسالة الثانية أن المواجهة الفعالة لهذه الجرائم لا تقتصر على التحذير التقني، بل تحتاج أيضاً إلى وعي قانوني ونفسي. في كثير من الحالات، يتأخر الضحية في الإبلاغ لأنه يشعر بالخجل أو الخوف من اللوم. وهذا ما يمنح المحتالين وقتاً إضافياً لتعقيد المشهد أو إعادة استغلال الضحية. لو نقلنا هذه الدلالة إلى السياق العربي، فإن حملات التوعية يجب أن تقول للناس بوضوح: إذا تعرضت لمحاولة احتيال أو وقعت فيها، أوقف التواصل فوراً، واتصل بجهتك المصرفية والسلطات المختصة، ولا تواصل تنفيذ أي تعليمات جديدة مهما بدا مصدرها رسمياً. الصدمة ليست وقتاً صالحاً لاتخاذ قرارات منفردة.

أما الرسالة الثالثة فهي أن مؤسسات العدالة مطالبة بتطوير أدواتها لفهم هذا النوع من الجرائم. فالمسألة لم تعد مجرد سرقة مال نقدي أو تزوير توقيع. نحن أمام جرائم هجينة، فيها اتصال هاتفي، ورسائل رقمية، وتوجيه نفسي، وأدوار موزعة، وأشخاص قد يتحركون في الظاهر كمنفذين فيما هم في الحقيقة أدوات مستغلة. ولذلك فإن التحقيقات تحتاج إلى خبرات متعددة: رقمية ونفسية ومصرفية وقانونية. هذا ما يجعل القضية الكورية جديرة بالانتباه، لأنها تُظهر كيف يمكن للتحليل القضائي المتأني أن ينقذ شخصاً من إدانة متسرعة من دون أن يقلل في الوقت نفسه من خطورة الجريمة الأصلية.

أبعاد ثقافية وقانونية أوسع من حدود كوريا

كوريا الجنوبية مجتمع شديد الرقمنة، يعتمد على الخدمات الإلكترونية والاتصالات الذكية في معظم تفاصيل الحياة اليومية. وهذا يجعلها، مثل بلدان كثيرة متقدمة تقنياً، ساحة خصبة لتطور أساليب الاحتيال أيضاً. لكن المفارقة أن البيئة الرقمية المتقدمة لا تعني بالضرورة مناعة اجتماعية أعلى. بل قد تولد نوعاً جديداً من الثقة السريعة بالرسائل والإشعارات والاتصالات التي تبدو رسمية. هذا أمر ليس بعيداً عنا عربياً، حيث تتوسع الخدمات الحكومية والمصرفية الرقمية بسرعة، ومعها تتوسع محاولات الاستغلال.

في الثقافة الكورية، كما في كثير من الثقافات الآسيوية، تحظى الصفة المؤسسية واللغة الرسمية بقدر كبير من الاحترام، ما قد يسهل على المحتال استثمار هيبة المؤسسة في خداع الأفراد. وفي العالم العربي توجد صورة مشابهة ولكن بصياغات محلية معروفة: اتصال باسم البنك المركزي، أو النيابة، أو شركة الاتصالات، أو الجمارك، أو هيئة الزكاة والضرائب، أو حتى مؤسسة خيرية. القاسم المشترك هو استدعاء سلطة رمزية تجعل الضحية يميل إلى الامتثال السريع قبل أن يفكر بهدوء.

من هنا، لا ينبغي قراءة الحكم الكوري باعتباره مجرد خبر محلي عن موظف حصل على البراءة. إنه، في جوهره، حكم يتحدث عن طبيعة الإنسان في مواجهة الخداع المنظم، وعن ضرورة أن يبقى القانون أكثر حكمة من الانطباع العام. ولعل هذا هو الدرس الأهم: العدالة ليست فقط في معاقبة الجناة، بل أيضاً في حماية مفهوم «الضحية» من أن يُفرغ من معناه بسبب تعقيد الجريمة الحديثة.

خلاصة الحكم وما يتركه من أسئلة

تثبيت البراءة في الاستئناف يمنح القضية وزناً إضافياً، لأنه يعني أن محكمتين نظرتا في الوقائع وخلصتا إلى النتيجة نفسها تقريباً: لا يكفي أن يشبه الفعل دوراً إجرامياً لكي يصبح جريمة مكتملة الأركان في حق من قام به. يجب أن يثبت العلم والقصد والوعي بطبيعة النشاط الإجرامي. وهذه ليست ثغرة للمذنبين، بل ضمانة أساسية لأي نظام عدالة محترم.

ومع ذلك، فإن الحكم لا يغلق النقاش بل يفتحه. فهو يطرح على السلطات والمجتمعات سؤالاً بالغ الصعوبة: كيف نطارد الشبكات المنظمة من دون أن نجرّم من جرى استخدامهم؟ وكيف نحمي الضحايا من الخسارة المالية ثم من التحول إلى مشتبه فيهم؟ وكيف نبني في الوقت نفسه خطاباً عاماً لا يشيطن الضحايا ولا يستهين بخطورة الجريمة؟ هذه الأسئلة ليست كورية فقط. إنها أسئلة تخص كل مجتمع يعيش التحول الرقمي، وكل نظام قضائي يسعى إلى موازنة الحزم مع الإنصاف.

بالنسبة للقارئ العربي، ربما يكون أهم ما في هذه القضية أنها تعيد ترتيب نظرتنا إلى الاحتيال الهاتفي. ليست المسألة مجرد مكالمة مزعجة أو رسالة تصيد تقليدية، بل منظومة قادرة على تفكيك ثقة الفرد بنفسه وبمحيطه، ثم إعادة تدويره داخل الجريمة نفسها. لهذا، فإن الوقاية تبدأ بالوعي، لكن العدالة تكتمل فقط عندما تعرف المحاكم كيف تفرق بين اليد التي تحرك الخيوط، واليد التي ظنت، في لحظة ارتباك، أنها تنقذ نفسها فإذا بها تُدفع أكثر إلى الهاوية.

في النهاية، يذكّرنا هذا الحكم بأن القانون، حين يعمل جيداً، لا يكتفي بالنظر إلى ما جرى على السطح، بل يسأل عمّا حدث داخل الوعي الإنساني نفسه. وفي زمن الخداع الرقمي السريع، قد تكون هذه القدرة على التمييز الهادئ بين الفاعل الحقيقي والضحية المستغلة هي الفارق بين عدالة تنصف، وعدالة تكتفي بالمشهد الخارجي وتفوتها الحقيقة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات