
من ساحة عامة إلى رسالة عابرة للقارات
في مشهد يكاد يصلح لأن يكون افتتاحية بصرية لزمن تتداخل فيه الثقافة الشعبية مع الدبلوماسية الناعمة، احتشد مئات من سكان مكسيكو سيتي وأبناء الجالية الكورية في ساحة ليندبرغ بالعاصمة المكسيكية حول طبق «بيبيمباب» عملاق، في فعالية حملت عنواناً يربط بين نجاح كأس العالم والدعاء من أجل السلام في شبه الجزيرة الكورية. لم يكن الحدث، في جوهره، مجرد مناسبة لتذوق طبق كوري شهير، ولا استعراضاً فولكلورياً عابراً يمرّ في نشرة المساء، بل بدا أقرب إلى مشهد مركّب تحاول فيه كوريا الجنوبية أن تقول شيئاً عن نفسها وعن علاقتها بالعالم: نحن لا نقدّم الطعام بوصفه منتجاً، بل نقدّمه بوصفه فكرة عن التعايش.
وللقارئ العربي، قد يبدو هذا النوع من الفعاليات مألوفاً من زاوية معينة. ففي مدننا العربية أيضاً، كثيراً ما تحاول المهرجانات الثقافية أن تتجاوز فكرة «العرض» إلى فكرة «المشاركة». نرى ذلك في مواسم الطعام التراثي، وفي الفعاليات التي تمزج الموسيقى بالطبخ والحرف والأسواق المفتوحة، من الرباط إلى جدة، ومن دبي إلى القاهرة. لكن ما يجعل المشهد الكوري في مكسيكو سيتي لافتاً هو أن طبقاً واحداً بات قادراً على حمل هذا الكم من الرموز: رياضة عالمية على الأبواب، سلام سياسي بعيد المنال، وجمهور متعدد اللغات يجتمع حول وعاء واحد.
الفعالية، بحسب ما نُقل عن أجوائها، بدأت تحت شمس الصيف المكسيكية القوية، لكنها سرعان ما اتخذت طابعاً يتجاوز المألوف في مناسبات الترويج للمطابخ الوطنية. فإلى جانب الطبق العملاق، حضر الإيقاع الكوري التقليدي عبر عروض «سامول نوري»، وهو فن إيقاعي يعتمد على أربعة آلات قرعية تمثل في المخيال الكوري أصوات الطبيعة وتنوعها. ومع هذه الإيقاعات، ظهر المشاركون بملابس «الهانبوك»، الزي الكوري التقليدي الذي يجمع بين البساطة والألوان الواضحة والرمزية الاجتماعية. هنا، لم يكن الجمهور يشاهد من بعيد كما يحدث في كثير من الفعاليات السياحية، بل بدا جزءاً من المشهد: نساء يشاركن في تحديات القفز بالحبل، رجال يتبادلون مهارات التحكم بكرة القدم، وأطفال يلوّنون رسومات ترتبط بنظام الأبراج الحيوانية في شرق آسيا.
هكذا، لم تعد الساحة مجرد مكان لعرض هوية ثقافية مغلقة، بل منصة لاختبار معنى الاختلاط نفسه. وربما في هذه النقطة بالتحديد تكمن قوة الخبر: الثقافة الكورية لم تصل إلى المكسيك بوصفها مادة استهلاك بصري فقط، بل بوصفها تجربة قابلة للمسّ والمشاركة واللعب والأكل. وهي معادلة يعرفها العرب جيداً؛ فالثقافات التي تبقى حية ليست تلك التي تُعلَّق في المتاحف، بل تلك التي تنزل إلى الشارع وتدخل البيوت وتجد لنفسها مكاناً على المائدة.
ما هو البيبيمباب؟ ولماذا يصلح ليكون رمزاً عالمياً؟
قد يحتاج القارئ العربي الذي يعرف الكيمتشي أو الراميون أو أطباق الشواء الكوري أكثر من غيرها إلى شرح أوسع لمعنى «بيبيمباب». الكلمة الكورية تعني ببساطة «الأرز المخلوط»، وهو طبق يقوم على وضع الأرز في وعاء تعلوه مكونات متفرقة مثل الخضار واللحم أو البيض وصلصة الفلفل الكورية، ثم تُخلط هذه العناصر كلها قبل الأكل. لكن بساطة التعريف لا تكشف وحدها سر جاذبية الطبق. ففكرته الأساسية قائمة على جمع عناصر مختلفة في وعاء واحد من دون أن تفقد كل مادة شخصيتها تماماً، وفي الوقت نفسه من دون أن تبقى منفصلة ومنعزلة.
هذه الفكرة تجعل البيبيمباب صالحاً بسهولة ليصبح رمزاً دبلوماسياً وثقافياً. فهو لا يحتاج إلى ترجمة معقدة حتى يُفهم. يكفي أن يرى المرء الخضار والأرز والصلصة واللحم في طبق واحد ثم يشاهد عملية الخلط ليقرأ الرسالة intuitively: المختلف لا يفسد المشهد، بل يصنعه. وفي عالم يزداد انقساماً سياسياً وثقافياً، تصبح مثل هذه الاستعارة البسيطة ذات فاعلية أكبر من كثير من الخطب الرسمية الطويلة.
ولعل هذا ما أدركه منظمو الفعالية في مكسيكو سيتي. فالحديث عن «الوحدة» و«التعايش» و«الاحترام المتبادل» قد يبدو، إذا جاء بصيغته التقليدية، أقرب إلى لغة المؤتمرات والبيانات. أما حين يُترجم إلى طبق ملموس يتشارك الناس في تحضيره أو مشاهدته أو تناوله، فإنه يكتسب بعداً حسياً لا توفره الكلمات وحدها. يشبه ذلك، إلى حد ما، مكانة أطباق عربية جامعة مثل الكسكس في المغرب العربي أو المنسف في الأردن أو الكبسة في الخليج، حيث لا يكون الطعام مجرد وصفة، بل مناسبة للّمة ورسالة ضمنية عن الكرم والمشاركة والانتماء.
في الحالة الكورية، يتضاعف معنى البيبيمباب لأن كوريا الجنوبية بنت خلال العقدين الماضيين جزءاً مهماً من حضورها العالمي عبر الثقافة اليومية: من الموسيقى والدراما إلى مستحضرات التجميل والمقاهي والأطعمة. لم تعد صورة كوريا في العالم محصورة في التكنولوجيا والسيارات والسفن، بل باتت أيضاً مرتبطة بمشهد شاب وحيوي ومتنوع يمكن للناس أن يختبروه في حياتهم اليومية. ومن هنا فإن اختيار البيبيمباب في فعالية مفتوحة قبل حدث رياضي عالمي مثل كأس العالم ليس تفصيلاً طعامياً، بل قراراً ذكياً في صناعة المعنى.
حين تتحول الثقافة من «عرض» إلى «مشاركة»
إذا كان في الخبر ما يستحق التوقف عنده عربياً، فهو هذا التحول الدقيق من منطق «نحن نعرض عليكم ثقافتنا» إلى منطق «تعالوا وكونوا جزءاً منها». في كثير من الأنشطة الثقافية الخارجية، تميل الدول إلى تقديم عناصرها التراثية في شكل واجهات: رقصات هنا، ملابس هناك، بعض الأطعمة على طاولات مرتبة، ثم ينصرف الجمهور محتفظاً بصور جميلة لكنه لا يخرج بتجربة شخصية عميقة. أما في ساحة ليندبرغ، كما توحي تفاصيل الفعالية، فقد جرى ترتيب المشهد بحيث يكون الدخول إليه سهلاً حتى لمن لا يعرف شيئاً تقريباً عن كوريا.
الإيقاع القرعي في «سامول نوري» بطبيعته قادر على اجتذاب الناس لأن الموسيقى الإيقاعية عابرة للغات. من يشاهد العازفين على «الكونغغواري» و«الجنغ» و«الجانغو» و«البوك» قد لا يعرف أسماء الآلات، لكنه يفهم من الطاقة الجسدية المصاحبة للعزف أن هناك دعوة إلى التفاعل. والهانبوك، بما يحمله من أناقة شكلية، يقدّم صورة بصرية واضحة عن الخصوصية الكورية من دون حاجة إلى شرح طويل. لكن العنصر الأذكى كان، على الأرجح، وضع أنشطة غير كورية خالصة إلى جانب هذه الرموز، مثل القفز بالحبل وكرة القدم والتلوين. هذا الدمج يكسر الحاجز بين «ثقافة ضيف» و«جمهور مضيف».
في عالم الإعلام الجديد، لم تعد الفعاليات تنجح فقط لأنها جميلة، بل لأنها قابلة للمشاركة والتجربة والتصوير وإعادة السرد. حين يشارك طفل في تلوين رموز الأبراج الشرقية، أو يحاول شاب التقاط إيقاع الطبول، أو تتجمهر مجموعة حول طبق ضخم، فإن الحدث يخرج من كونه مادة دعائية إلى كونه ذكرى شخصية. وهذا التحول تحديداً هو الذي جعل من «الموجة الكورية» أكثر من مجرد شعبية مؤقتة. فالكاي-بوب والكاي-دراما لم ينتشرا فقط لأنهما منتجان جيدان، بل لأنهما فتحا الباب أمام جمهور عالمي كي يعيد توظيفهما في حياته اليومية، بالرقص والغناء واللباس والطهي والسفر.
هنا يلتقي الثقافي بالإعلامي. فالحدث في مكسيكو سيتي يقدم درساً واضحاً: لكي تنجح في مخاطبة العالم، لا يكفي أن تقول «هذه هويتنا»، بل يجب أن تبتكر لحظة يشعر فيها الآخر أن له مكاناً داخل هذه الهوية. وربما هذا هو السبب في أن كثيراً من القراء العرب يتابعون الثقافة الكورية اليوم لا بوصفها فضولاً بعيداً، بل بوصفها جزءاً من مشهد عالمي متاح لهم عبر المنصات والمطاعم والمتاجر وشبكات التواصل.
كرة القدم كجسر فوري للفهم
ليس من المصادفة أن يربط منظمو الفعالية بين البيبيمباب وكأس العالم. فقبل أي حدث كروي كبير، تدخل المدن في مناخ خاص تتراجع فيه الحواجز الاجتماعية والثقافية أمام لغة واحدة يفهمها الجميع تقريباً: الكرة. في المنطقة العربية، نعرف جيداً كيف يمكن لمباراة واحدة أن تجمع أشخاصاً متباعدين في السياسة والمزاج والطبقة تحت سقف مقهى أو في ساحة عامة. وكأس العالم تحديداً ليس مجرد بطولة، بل زمن ثقافي موازٍ تتكثف فيه المشاعر الوطنية والذكريات والصور الجماعية.
من هذه الزاوية، يصبح إدخال كرة القدم إلى الحدث الكوري في مكسيكو سيتي خطوة مدروسة بقدر كبير من الذكاء. من لا يعرف شيئاً عن الطعام الكوري قد يتوقف عند مشهد شبان يستعرضون مهاراتهم بالكرة. ومن جاء أصلاً بدافع الفضول الرياضي قد يجد نفسه بعد دقائق أمام إيقاعات كورية وطبق لم يجربه من قبل. بهذا المعنى، لا تعمل كرة القدم هنا على تزيين الحدث فحسب، بل على توسيع نقطة الدخول إليه.
واللافت أن الرياضة والطعام يشتركان في خاصية نادرة: كلاهما يخاطب الناس مباشرة ومن دون حاجة إلى مقدمات ثقيلة. كما أن كليهما يحمل بعداً جماعياً واضحاً. نحن لا نشاهد المباريات في العادة بوصفها فعلاً فردياً خالصاً، ولا نحتفي بالطعام الجيد في المناسبات الكبرى بوصفه تجربة منعزلة. لهذا تبدو المزاوجة بين البيبيمباب وكأس العالم منطقية للغاية: الأولى تقول إن الاختلافات يمكن أن تتجاور في وعاء واحد، والثانية تقول إن الملاعب قادرة، ولو مؤقتاً، على جمع العالم في لحظة واحدة.
وعلى المستوى الرمزي، فإن حضور كرة القدم في فعالية تتحدث أيضاً عن السلام في شبه الجزيرة الكورية يضيف طبقة أخرى من المعنى. فالملاعب، على الرغم من كل ما يحيط بها من منافسة محتدمة، تظل واحدة من المساحات القليلة التي تستطيع الدول من خلالها أن تعرض نفسها أمام العالم بلغة أقل حدّة من السياسة. ومن هنا يمكن فهم لماذا أرادت الفعالية أن تستبق المناخ الكروي العالمي برسالة تقول إن المنافسة لا تنفي التعايش، وإن الهوية الوطنية يمكن أن تُعرَّف عبر الانفتاح لا الانغلاق.
السلام في شبه الجزيرة الكورية.. الرسالة غير المرئية داخل الطبق
الجزء الأكثر حساسية في الحدث ليس الطعام ولا الموسيقى، بل العبارة التي تتحدث عن السلام في شبه الجزيرة الكورية والوحدة السلمية. فهذه ليست عبارة بروتوكولية عابرة. كوريا الجنوبية تحمل في ذاكرتها الوطنية انقساماً تاريخياً لا يزال حياً في السياسة وفي الوعي الشعبي وفي صورة البلاد خارجياً. لذلك، حين يُرفَع شعار السلام في مناسبة شعبية مفتوحة في الخارج، فإن الرسالة تكون موجّهة في الوقت ذاته إلى جمهورين: جمهور دولي يُراد له أن يرى كوريا بوصفها بلد سلام وتعايش، وجمهور كوري يحمل داخله أمنية قديمة بأن لا يبقى الانقسام قدراً نهائياً.
في هذا السياق، يكتسب كلام السفير الكوري في المكسيك أهمية خاصة، حين شدد على أن الثقافات والتقاليد المختلفة تصبح أكثر ثراء عندما تتعايش على أساس الاحترام والفهم والتضامن. هذه اللغة قد تبدو، للوهلة الأولى، قريبة من مفردات الخطاب الدبلوماسي المعتاد، لكن أهميتها هنا أنها قيلت في ساحة عامة وبين الناس، لا في قاعة اجتماعات مغلقة. والفرق بين الحالتين كبير. فالدبلوماسية الرسمية تتحدث بلغة الاتفاقيات، بينما تتحدث الفعاليات الشعبية بلغة الذاكرة والانطباع والمشاعر. وغالباً ما تحتاج العلاقات بين الدول إلى النوعين معاً حتى تترسخ.
وللقارئ العربي، لا يصعب إدراك دلالة هذا الاستخدام الرمزي للطعام في التعبير عن قضية سياسية أوسع. في ثقافتنا أيضاً، كثيراً ما تُحمَّل المناسبات الاجتماعية والطعام الجماعي رسائل تتعلق بالمصالحة أو السلم الأهلي أو التآخي. ليست المائدة، في منطقتنا، مجرد مكان للأكل، بل مساحة لخفض التوتر وفتح باب الحديث واستعادة معنى الجماعة. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة البيبيمباب العملاق في مكسيكو سيتي بوصفه «مائدة رمزية» أكثر منه طبقاً دعائياً، مائدة تقول إن ما لا تستطيع السياسة حلّه سريعاً ربما تستطيع الثقافة أن تخفف من قسوته أو أن تحفظ الأمل فيه.
لا يعني ذلك بالطبع أن فعالية من هذا النوع تغيّر موازين الجغرافيا السياسية، أو أن طبقاً جماهيرياً قادر على حل عقدة تاريخية معقدة. غير أن التقليل من قيمة الرموز الشعبية سيكون خطأً أيضاً. فالعلاقات الدولية لا تُصنع في القمم وحدها، بل تتشكل أيضاً من تراكم الصور والانطباعات والمشاهد الصغيرة التي تبني صورة بلد ما في أذهان الناس. وفي عصر المنصات الرقمية، قد يكون لمشهد حيّ في ساحة عامة تأثير يتجاوز أحياناً ما تفعله عشرات البيانات المكتوبة.
المكسيك وكوريا.. ما الذي يجمع بينهما ثقافياً؟
قد يتساءل البعض: لماذا المكسيك تحديداً؟ ولماذا يبدو هذا النوع من التفاعل الثقافي قابلاً للحياة هناك؟ الواقع أن المكسيك، مثل كثير من بلدان أميركا اللاتينية، تمتلك حساسية عالية تجاه الفضاء العام والاحتفالات المفتوحة والهوية الشعبية. الساحات في المدن اللاتينية ليست مجرد فراغات عمرانية، بل مسارح يومية للحياة والموسيقى والاحتشاد والرياضة والأسواق. لذلك فإن فعالية تعتمد على الإيقاع والطعام والمشاركة الجسدية تجد بيئة طبيعية في مدينة مثل مكسيكو سيتي.
ثم إن هناك تقاطعاً آخر بين الثقافتين، حتى لو لم يكن مباشراً. المطبخ المكسيكي نفسه يقوم على فكرة التعدد في الطبق: ألوان متعددة، مكونات متباينة، صلصات حارة، وميل واضح إلى المزج. وربما لهذا السبب يسهل على الجمهور المكسيكي التقاط منطق البيبيمباب وتذوق رمزيته. فالناس تتفاعل عادة بسرعة أكبر مع الثقافات التي تجد فيها صدىً ما، ولو بعيداً، لتجربتها اليومية. وكما يشعر كثير من العرب بألفة مع فكرة الأكل الجماعي وأهمية الضيافة، قد يشعر المكسيكيون بدورهم بقرب ما من المطبخ الكوري عندما يأتي محمولاً على فكرة التشارك والدفء الاجتماعي.
وجود الجالية الكورية في المكسيك أضاف بدوره بُعداً مهماً للحدث. فالجاليات ليست مجرد أرقام في الإحصاءات، بل جسور حية بين ثقافتين. وفي أحيان كثيرة، تكون هي القادرة على تقديم البلد الأم بصورة أكثر مرونة وإنسانية من الصورة الرسمية. حين يلتقي سكان المدينة بأشخاص من الجالية في فضاء واحد، فإن كوريا تتجسد أمامهم في وجوه وأصوات وعلاقات، لا في شعارات مجردة. وهذا من أسرار نجاح الدبلوماسية الثقافية الحديثة: أن تجعل البلد مفهوماً من خلال الناس، لا من خلال البيانات.
ومن زاوية عربية، يذكّرنا هذا كله بالدور الذي تلعبه جالياتنا في الخارج حين تتحول المطاعم والمقاهي والمهرجانات إلى نوافذ تعرّف بالثقافة العربية على نحو يتجاوز السياسة والصور النمطية. نجاح كوريا في توظيف هذه المساحة ليس معجزة، بل نتيجة فهم عميق لكيفية عمل الثقافة في القرن الحادي والعشرين: كلما خرجت من النخبوية إلى الخبرة اليومية، ازدادت قدرتها على البقاء.
ما الذي يعنيه هذا للموجة الكورية في العالم العربي؟
بالنسبة إلى القراء العرب الذين يتابعون صعود الثقافة الكورية منذ سنوات، فإن مشهد مكسيكو سيتي يقدم إشارة إضافية إلى أن «الهاليو» أو الموجة الكورية لم تعد محصورة في الدراما والموسيقى. نعم، ما زالت المسلسلات الكورية تجذب جمهوراً واسعاً في المنطقة، وما زالت فرق الكاي-بوب تصنع دوائر هائلة من المعجبين، لكن التمدد الحقيقي يحدث عندما تنتقل هذه الشعبية من الشاشة إلى الممارسة. عندما يبحث الناس عن وصفة كورية، أو يزورون مطعماً كورياً، أو يتعلمون كلمات أساسية من اللغة، أو يشاركون في فعالية ثقافية محلية، فإن الموجة تتحول من ظاهرة إعلامية إلى نمط حضور مستدام.
العالم العربي ليس بعيداً عن هذه المعادلة. في السنوات الأخيرة، شهدت مدن عربية عدة توسعاً في المطاعم الكورية، وزيادة في المهرجانات المتعلقة بالثقافة الكورية، وحضوراً أكبر للمنتجات الثقافية القادمة من سيول. لكن التحدي دائماً هو ألا تبقى هذه الثقافة في إطار الاستهلاك السريع أو الإعجاب السطحي. ما حدث في المكسيك يقترح نموذجاً مختلفاً: اجعل الثقافة مناسبة للقاء، لا مجرد سلعة للعرض. اجعلها قابلة للتجريب الجماعي، لا مجرد صورة جميلة على شاشة الهاتف.
وفي هذا تكمن فائدة الخبر عربياً. فهو لا يقول لنا فقط إن كوريا تنظم فعالية لطيفة في أميركا اللاتينية، بل يكشف كيف تفكر دولة نجحت في تحويل ثقافتها الشعبية إلى قوة ناعمة عالمية. إنها لا تكتفي بإرسال المحتوى، بل تصنع مناسبات تجعل الناس شركاء فيه. وهي مقاربة قد تهم أيضاً المؤسسات الثقافية العربية الساعية إلى تقديم المطبخ والتراث والفنون العربية إلى العالم بصورة أكثر حيوية وحداثة.
من هنا، تبدو ساحة ليندبرغ أكثر من مجرد موقع لحدث عابر. إنها نموذج مصغّر لعالم يتشكل فيه النفوذ الثقافي عبر التفاصيل: طبق يُخلط أمام الناس، طبل يُقرع بإيقاع جذاب، كرة تتنقل بين الأقدام، طفل يلوّن رمزاً شرق آسيوياً للمرة الأولى، وسفير يربط كل ذلك بفكرة السلام. إنها صورة تقول إن الهوية لم تعد تُروى فقط عبر الكتب والخطب، بل عبر التجارب التي يمكن أن يعيشها الناس معاً.
ما بعد الصورة.. لماذا سيبقى هذا المشهد في الذاكرة؟
في زمن الأخبار المتسارعة، لا تعيش كل الوقائع بالدرجة نفسها. هناك أخبار تمر لأن أرقامها كبيرة، وأخبار تبقى لأن صورتها قوية. ومشهد البيبيمباب العملاق في قلب مكسيكو سيتي ينتمي بوضوح إلى النوع الثاني. فالصورة هنا تختصر قصة أوسع من نفسها: بلد آسيوي يستخدم طبقاً شعبياً وموسيقى تقليدية وحدثاً رياضياً عالمياً ليخاطب مدينة لاتينية متعددة الطبقات والجذور، ثم يحوّل هذه العناصر كلها إلى خطاب عن الاحترام والتضامن والسلام.
هذه الكثافة الرمزية هي ما يمنح الخبر قيمته. ليس لأن الطبق الأكبر في الساحة سيغيّر العالم، بل لأن الفكرة التي حملها جاءت في شكل بسيط ومقنع. وهذا بالضبط ما تحتاجه القوة الناعمة كي تنجح: أن تكون واضحة بلا تبسيط مُخل، وجذابة من دون استعراض فارغ. كوريا الجنوبية، التي تُتابَع عالمياً غالباً من زاوية التكنولوجيا والترفيه، بدت هنا وكأنها تعيد تعريف نفسها عبر مشهد يوميّ أقرب إلى الناس من أي خطاب رسمي.
بالنسبة إلى القارئ العربي، ثمة درسان يمكن التقاطهما من هذه القصة. الأول أن الثقافة حين تتصل بالمائدة والشارع واللعب تصبح أقدر على عبور المسافات من أي حملة ترويجية مكلفة. والثاني أن الأخبار الدولية المهمة ليست دائماً تلك التي تدور في أروقة السلطة، بل تلك التي تكشف كيف تتشكل العلاقات بين الشعوب في لحظات تبدو صغيرة لكنها عميقة الأثر. في النهاية، قد لا يتذكر الناس أسماء المنظمين جميعاً، لكنهم سيتذكرون على الأرجح أن طبقاً كورياً عملاقاً وُضع في ساحة مكسيكية ليقول شيئاً بسيطاً ومؤثراً: يمكن للعالم، رغم كل خلافاته، أن يجد طريقة للجلوس حول وعاء واحد.
وهذا، في زمن الانقسامات المتلاحقة، ليس تفصيلاً عابراً. بل ربما يكون واحداً من أكثر التعريفات صدقاً لوظيفة الثقافة نفسها.
0 تعليقات