
اتفاق يبدو محلياً... لكنه يكشف طريقة كورية أوسع في بناء صناعة المحتوى
في خبر قد يبدو للوهلة الأولى شأناً جامعياً محلياً داخل كوريا الجنوبية، وقّعت جامعة دونغوون في مدينة غوانغجو بمقاطعة غيونغي اتفاقية تعاون مع «هيب هوب وورلد ليغ» من أجل تطوير محتوى الألعاب وتأهيل المواهب الشابة. لكن قراءة هذا التحرك من زاوية أوسع تُظهر أنه ليس مجرد مذكرة تفاهم عابرة بين مؤسسة تعليمية وجهة خاصة، بل نافذة جديدة لفهم الطريقة التي تطوّرت بها الصناعة الثقافية الكورية في السنوات الأخيرة: من الاكتفاء بإنتاج أعمال ناجحة، إلى بناء منظومة متكاملة تربط التعليم بالإبداع، والملكية الفكرية بالتوزيع، والمنصات الرقمية بالعروض الحية.
هذا النوع من الأخبار يهم القارئ العربي أكثر مما قد يُعتقد. فحين نتحدث عن «الموجة الكورية» أو «الهاليو»، كثيراً ما يذهب الانتباه مباشرة إلى الدراما، أو فرق الكيبوب، أو أفلام تحقق جوائز عالمية. غير أن ما يحدث في الخلفية هو الأهم اقتصادياً واستراتيجياً: كوريا لا تراهن فقط على نجم جديد أو مسلسل ناجح، بل على بنية إنتاج متماسكة تُخرِج الفكرة من كونها قصة أو رسماً أو شخصية، ثم تدفع بها عبر قنوات متعددة حتى تصبح أصلاً ثقافياً قابلاً للحياة في أكثر من قطاع.
الاتفاق الجديد بين جامعة دونغوون و«هيب هوب وورلد ليغ» يأتي في هذا السياق بالضبط. فالمبادرة تضع في مركزها قسم إبداع الويب تون في الجامعة، وتطرح التعاون بين التعليم وصناعة الألعاب والإعلام ومنصات الأداء الفني باعتباره نموذجاً هيكلياً وليس مشروعاً منفصلاً. هنا لا نتحدث فقط عن تدريب طلاب أو إنتاج لعبة واحدة، بل عن رؤية تعتبر أن القصة المصوّرة، والرسوم المتحركة، واللعبة الإلكترونية، والعرض الفني، والإعلام الرقمي، ليست جزرًا معزولة، بل حلقات في سلسلة واحدة.
ولعل هذا ما يجعل الخبر جديراً بالتوقف أمامه عربياً. ففي العالم العربي، ما زال النقاش حول الصناعات الإبداعية يدور غالباً بين قطاعات منفصلة: منتج تلفزيوني هنا، وشركة ألعاب هناك، وكلية فنون في مكان آخر. أما النموذج الكوري، كما يعكسه هذا الاتفاق، فيقترح مقاربة مختلفة: بناء النظام قبل انتظار المعجزة، وربط الطالب بالسوق قبل التخرج، والتعامل مع الشخصية القصصية أو السرد التاريخي باعتباره نواة مشروع اقتصادي وثقافي قابل للتمدد.
من هنا، فإن ما جرى في مكتب رئيس الجامعة في غوانغجو لا يُقرأ فقط كخبر تعليمي أو ثقافي، بل كإشارة إلى مسار تنموي أوسع داخل كوريا الجنوبية، حيث تتحول الجامعات إلى شريك مباشر في صناعة المحتوى، وتُستخدم الملكية الفكرية كجسر بين الإبداع والاقتصاد.
ما الذي ينص عليه الاتفاق؟ ولماذا يلفت الانتباه؟
بحسب المعطيات المعلنة، اتفق الطرفان على المضي في تعاون شامل يقوم على التبادل والتنسيق المشترك، مع تركيز واضح على محورين متلازمين: تطوير محتوى الألعاب، وتأهيل الكوادر البشرية القادرة على إنتاجه مستقبلاً. اختيار هذين المحورين معاً ليس تفصيلاً ثانوياً. فالأول يتعلق بالمنتج الذي يمكن أن يدخل السوق ويحقق قيمة مضافة، والثاني يتعلق بالقدرة على استمرار الإنتاج وعدم تحوله إلى مبادرة مؤقتة تنتهي بانتهاء مشروع واحد.
الأكثر دلالة أن التعاون يتمحور حول الربط الصناعي-الأكاديمي انطلاقاً من قسم الويب تون في جامعة دونغوون. والويب تون، لمن لا يتابع المشهد الكوري عن قرب، هو صيغة كورية شهيرة للقصص المصورة الرقمية، مصممة غالباً للقراءة العمودية عبر الهواتف الذكية، وقد تحولت خلال العقد الماضي إلى أحد أهم مصادر السرد والشخصيات في السوق الكورية. كثير من الدراما والمسلسلات المعروفة بدأت أصلاً كأعمال ويب تون، قبل أن تنتقل إلى الشاشة أو المنصات.
أهمية هذا الاختيار تكمن في أن الويب تون ليس مجرد فن بصري شبابي، بل خزّان أفكار خام. من داخله تخرج الشخصيات والعوالم والسرديات التي يمكن تطويرها لاحقاً إلى لعبة، أو مسلسل، أو فيلم تحريك، أو عرض أداء، أو حتى منتجات تجارية مرتبطة بالعلامة. وحين تختار الجامعة هذا القسم تحديداً ليكون محور الشراكة، فهي عملياً تقول إن نقطة الانطلاق الحقيقية للصناعة ليست في مرحلة التوزيع، بل في لحظة الخلق الأولى: الفكرة، والشخصية، والعالم السردي.
اللافت أيضاً أن «هيب هوب وورلد ليغ» لا تدخل الاتفاق بوصفها مجرد جهة ترفيهية أو منصة عروض فقط، بل باعتبارها طرفاً يمتلك صلة بالإعلام والأداء والمنصات، بما يسمح بمدّ الجسور بين ما يُنتج داخل البيئة التعليمية وما يمكن أن يجد طريقه لاحقاً إلى الجمهور. وفي هذا المعنى، فإن الاتفاق يقترح نموذجاً تلتقي فيه أربع دوائر رئيسية: التعليم، والإبداع، والمنصة، والسوق.
هذا التفكير المؤسسي هو أحد أسرار القوة الكورية في الثقافة المعاصرة. النجاح هناك لا يُفهم عادة بوصفه ضربة حظ، بل نتيجة تصميم مسبق لمسارات التطوير والتوسّع. ومن يتابع كيف تحولت بعض القصص أو الشخصيات الكورية من أعمال رقمية محدودة إلى علامات تجارية عابرة للحدود، سيدرك أن الخبر الحالي ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في منطق معروف لدى سيول: تحويل المحتوى إلى منظومة قابلة للاستنساخ والتوسيع.
لماذا تتصدر الألعاب المشهد في هذا التعاون؟
التركيز على الألعاب الإلكترونية داخل الاتفاق ليس مصادفة. ففي اقتصاد الثقافة العالمي اليوم، لم تعد الألعاب مجرد وسيلة ترفيه للشباب، بل قطاعاً ضخماً يوازي السينما والتلفزيون، ويتجاوزهما أحياناً من حيث الوقت الذي يقضيه الجمهور، والقدرة على توليد الإيرادات، وإمكانية بناء مجتمعات متابعة طويلة الأمد. ولهذا تبدو اللعبة في كثير من الأحيان أشبه بمحور تتقاطع عنده الفنون البصرية، والكتابة، والموسيقى، والبرمجة، والتسويق، وبناء العلامة التجارية.
حين تقول الجهات الكورية المعنية إنها تريد «تطوير محتوى ألعاب» انطلاقاً من بيئة أكاديمية وإبداعية، فهي تتعامل مع اللعبة بوصفها منتجاً نهائياً وبوصفها أيضاً منصة لتمديد العمر التجاري والثقافي للفكرة. فالقصة التي قد تُقرأ على شكل ويب تون يمكن أن تتحول إلى لعبة تمنح الجمهور تفاعلاً أعمق مع الشخصيات والأحداث. ومن هنا تصبح الملكية الفكرية أكثر متانة، لأن الجمهور لا يكتفي بالمشاهدة أو القراءة، بل يدخل العالم نفسه ويشارك فيه.
هذا التحول مهم لأن كوريا الجنوبية راكمت خبرة طويلة في قطاعات مختلفة من المحتوى، لكنها في السنوات الأخيرة باتت أكثر ميلاً إلى دمج هذه الخبرات ضمن سلاسل متصلة. فبدلاً من نجاح منفصل لدراما هنا أو لعبة هناك، يظهر توجه واضح إلى جعل كل قطاع يغذي الآخر. اللعبة تفتح المجال للتسويق العابر للمنصات، والويب تون يوفر المادة القصصية، والأنيميشن يمنح الشكل البصري، والعروض الفنية تخلق حضوراً جماهيرياً مباشراً، والإعلام يوسّع الانتشار.
من زاوية عربية، يمكن تشبيه هذا التفكير بما يحدث عندما تتحول رواية ناجحة إلى مسلسل ثم إلى فيلم أو مسرحية، لكن النسخة الكورية أكثر تعقيداً وتنظيماً، لأنها تُبنى منذ البداية على فكرة الملكية الفكرية القابلة للتمدد، لا على مجرد الاستفادة اللاحقة من نجاح عمل بعينه. وفي هذا تحديداً تكمن قوة النموذج: التفكير في المسار الكامل للمحتوى قبل أن يولد أحياناً.
ولذلك فإن وضع الألعاب في قلب الاتفاق لا يعني تفضيل قطاع على آخر فحسب، بل يكشف عن فهم لدور الألعاب كجسر بين الإبداع والتكنولوجيا والاقتصاد. هي المنتج الذي يستطيع استيعاب القصة والرسم والصوت والأداء والتفاعل في آن واحد، وهذا ما يجعلها وسيلة مثالية لتجسيد فلسفة التعاون الجديدة بين الجامعة والشريك الفني.
الجامعة ليست هامشاً هنا... بل شريكاً في صناعة السوق
من بين أكثر النقاط التي تستحق التوقف في هذا الخبر، أن جامعة دونغوون لا تظهر فيه كجهة تستضيف حدثاً بروتوكولياً، بل كفاعل مباشر في عملية التطوير نفسها. فالمعلن أن الأساتذة والطلاب سيشاركون في تجارب إبداعية مرتبطة بالملكية الفكرية، في إطار تعاون صناعي-أكاديمي منظم. وهذا فارق مهم؛ لأن الجامعات في كثير من الدول تُعامل باعتبارها مكاناً للتأهيل النظري أو لاكتساب المهارات الأساسية فقط، قبل أن يبدأ «العمل الحقيقي» لاحقاً داخل السوق. أما هنا، فالجامعة تدخل السوق وهي ما تزال تقوم بوظيفتها التعليمية.
هذه المقاربة تحمل فوائد متعددة. أولها أنها تخفض المسافة بين الدراسة والتطبيق. الطالب الذي يشارك في مشروع حقيقي لتطوير محتوى قابل للتحول إلى أصل تجاري، يتعلم بطريقة مختلفة تماماً عن الطالب الذي يتلقى مقرراً نظرياً عن الصناعة. وثانيها أنها تسمح بتوليد أفكار وتجارب أقل كلفة وأكثر تنوعاً، لأن الحرم الجامعي بطبيعته مساحة للتجريب والمخاطرة الفكرية. أما ثالثها، فهو أنها تخلق علاقة مبكرة بين الموهبة والمؤسسات، بحيث لا يبدأ بناء الشبكات المهنية بعد التخرج فقط.
هذا كله ينسجم مع أحد أهم عناصر النجاح الكوري في الصناعات الثقافية: بناء خطوط إنتاج للموهبة، وليس فقط اكتشاف أفراد موهوبين بالصدفة. كوريا الجنوبية، كما يعرف متابعوها، لا تعتمد في الثقافة الشعبية على العفوية وحدها، بل على تدريب منهجي، وورش، وأكاديميات، وشراكات، وخطط طويلة النفس. ومن هنا يصبح إشراك الجامعة في تطوير الألعاب والملكية الفكرية جزءاً من منطق أشمل يرى أن الصناعة تبدأ من التعليم، لا بعده.
في السياق العربي، تثير هذه الفكرة أسئلة مشروعة: كم عدد الجامعات التي تتعامل مع القصص المصورة أو الألعاب أو الرسوم المتحركة كصناعات ثقافية ذات قيمة اقتصادية فعلية؟ وكم عدد الشراكات التي تُبنى لدينا بين الكليات الإبداعية والقطاع الخاص على أساس تطوير أصل فكري يمكن أن يتحول إلى أكثر من منتج؟ قد لا تكون الإجابات متقدمة بعد، لكن الخبر الكوري يقدم نموذجاً يستحق التأمل، خصوصاً في وقت تبحث فيه عواصم عربية عدة عن تنويع اقتصاداتها عبر الاستثمار في الثقافة الرقمية والإبداع.
بهذا المعنى، فإن الاتفاق لا يسلط الضوء على جامعة محددة فحسب، بل على تحول في وظيفة الجامعة نفسها: من مساحة تعليم إلى عقدة إنتاج ضمن شبكة أوسع لصناعة المحتوى.
منصة الأداء الفني تدخل على الخط: لماذا يهم دور «هيب هوب وورلد ليغ»؟
قد يبدو اسم «هيب هوب وورلد ليغ» للوهلة الأولى بعيداً عن عالم تطوير الألعاب أو الويب تون. لكن هذه المسافة الظاهرية هي نفسها ما يمنح الاتفاق أهميته. فوجود جهة مرتبطة بالعروض والمنصات الفنية داخل مشروع لتطوير الملكية الفكرية يشير إلى أن كوريا لا تريد للمحتوى أن يبقى حبيس شاشة أو صيغة واحدة، بل أن يتحرك بين تجارب مختلفة ويصنع نقاط تماس متعددة مع الجمهور.
في بيئة الثقافة المعاصرة، لم تعد قيمة العمل الفني مرتبطة فقط بعدد من يشاهدونه أو يقرأونه، بل أيضاً بعدد المسارات التي يستطيع المرور عبرها. المنصة الفنية تمنح المحتوى نبضاً حياً، والإعلام يوسع حضوره، واللعبة تمنح التفاعل، والويب تون يوفر البنية القصصية. حين تجتمع هذه العناصر، يصبح الأصل الفكري أشبه بعالم كامل، لا مجرد منتج منفرد.
وهنا يظهر الدور المحتمل لشريك مثل «هيب هوب وورلد ليغ». فحتى لو كانت هويته مرتبطة بالعروض والثقافة الأدائية، فإن شبكاته وخبرته في التواصل مع الجمهور وصناعة الحدث قد تساعد في تحويل المشروع الإبداعي إلى ظاهرة قابلة للعرض والترويج والتوسع. وهذه ليست مسألة هامشية في سوق المحتوى، لأن كثيراً من الأعمال الجيدة تتعثر لا بسبب ضعف الفكرة، بل بسبب غياب الجسر الذي ينقلها من مرحلة الإنتاج إلى التفاعل الاجتماعي الواسع.
اللافت في النموذج الكوري أنه يتعامل مع هذه الجسور بجدية. فالعرض الحي ليس مجرد نشاط ترويجي تابع، بل يمكن أن يكون جزءاً من دورة حياة الملكية الفكرية. ومثلما استطاعت كوريا أن تحول الموسيقى والرقص والأداء إلى أدوات تصدير ناعمة، يبدو أنها تريد استخدام المنطق نفسه في قطاعات أخرى، ومنها الألعاب والرسوم والقصص الرقمية.
بالنسبة للقارئ العربي، قد يذكّرنا هذا بكيفية تحول بعض الأعمال الفنية لدينا إلى علامات ثقافية واسعة حين ترتبط بالمسرح أو التلفزيون أو الأغنية أو الذاكرة الشعبية. غير أن الفارق في الحالة الكورية هو أن هذا الربط لا يجري بأثر رجعي فقط، بل بوصفه جزءاً من التصميم المؤسسي للمشروع منذ مراحله المبكرة.
«إيسون شين، الموجة الخالدة»: التاريخ يتحول إلى أصل رقمي
أحد أكثر العناصر تحديداً في هذا الاتفاق هو التوجه نحو تطوير مشروع مشترك يحمل عنوان «إيسون شين، الموجة الخالدة» بوصفه محتوى لعبة قائم على الملكية الفكرية. وهنا ندخل إلى نقطة شديدة الحساسية والأهمية في الثقافة الكورية: كيفية تحويل الرموز التاريخية والسرديات الوطنية إلى محتوى معاصر قابل للاستهلاك العالمي من دون أن يفقد جذوره المحلية.
الأدميرال إيسون شين شخصية مفصلية في التاريخ الكوري، وترتبط في الذاكرة الوطنية بالشجاعة البحرية ومقاومة الغزوات، وهو اسم يحظى بمكانة تشبه، من حيث الرمزية الشعبية، أسماء القادة التاريخيين الذين تتردد سيرهم في الوجدان العربي جيلاً بعد جيل. وعندما يُعاد تقديم هذه الشخصية أو هذا العالم التاريخي ضمن لعبة أو أصل فكري جديد، فإن المسألة لا تكون مجرد «استثمار تاريخي»، بل إعادة صياغة للذاكرة في لغة الأجيال الجديدة.
هذا النوع من المشاريع يكشف كثيراً عن ذكاء الصناعة الثقافية الكورية. فهي لا تعتمد فقط على قصص رومانسية معاصرة أو نجوم بوب شبان، بل تذهب أيضاً إلى التاريخ والموروث الوطني وتعيد تغليفه في صيغ رقمية حديثة. وهنا يبرز مفهوم «الملكية الفكرية» بوضوح: الفكرة ليست إنتاج مادة تعليمية عن بطل تاريخي، بل بناء أصل قصصي-بصري-تفاعلي يمكن تطويره لاحقاً عبر اللعبة، وربما الويب تون، أو الأنيميشن، أو المنصات الإعلامية الأخرى.
ومن الناحية الاقتصادية، هذا الاختيار ليس بسيطاً. فالتاريخ حين يتحول إلى أصل فني مدروس يصبح قادراً على جذب شرائح متعددة من الجمهور: من المهتمين بالسرد الوطني، إلى اللاعبين، إلى عشاق الرسوم، إلى المتابعين الدوليين الذين يبحثون عن عوالم ثقافية مختلفة. وهذا يمنح المشروع عمقاً تسويقياً أكبر من المشاريع التي تعتمد على فكرة آنية وسريعة الزوال.
في العالم العربي، نعرف جيداً قيمة تحويل التاريخ إلى مادة درامية أو سينمائية، وقد شاهدنا مراراً كيف تترك الأعمال التاريخية أثراً جماهيرياً واسعاً. لكن التجربة الكورية هنا تضيف طبقة جديدة: التاريخ ليس فقط مادة للشاشة، بل أيضاً مجال لتأسيس أصل رقمي متعدد الاستخدامات، يمكن أن يعيش عبر صيغ متباينة ويكسب أجيالاً جديدة من المتابعين.
ماذا تقول هذه الخطوة عن المرحلة الجديدة في «الهاليو»؟
على امتداد العقدين الماضيين، ارتبطت صورة «الموجة الكورية» في الإعلام العربي والعالمي إلى حد كبير بالموسيقى والدراما والجماليات البصرية الحديثة. لكن ما تكشفه اتفاقات من هذا النوع هو أن «الهاليو» دخلت مرحلة أكثر نضجاً وتركيباً. لم يعد الهدف فقط إنتاج عمل ينجح في الخارج، بل بناء بيئة تستطيع أن تولّد أعمالاً متلاحقة، وتحوّل النجاح الفردي إلى بنية مستدامة.
هذا التحول بالغ الأهمية. ففي المراحل الأولى من صعود أي قوة ثقافية، يكون التركيز عادة على الواجهة: النجوم، الجوائز، نسب المشاهدة، وحجم التصدير. أما المرحلة الأعمق فهي بناء الأنابيب التي تضخ المواهب والأفكار وتعيد تدويرها ضمن منظومة إنتاجية متماسكة. وما نراه في اتفاق جامعة دونغوون و«هيب هوب وورلد ليغ» هو مثال مكثف على هذه المرحلة الثانية.
فكوريا الجنوبية هنا لا تكتفي بالاحتفاء بالمحتوى بعد نجاحه، بل تتدخل في نقطة مبكرة جداً من العملية: التعليم. ثم تضيف إلى ذلك عنصر التجريب الإبداعي، وتربطه بمنصات الأداء والإعلام، وتضع الملكية الفكرية في قلب المعادلة، ثم تختار الألعاب بوصفها وسيطاً قادراً على دمج كل هذه العناصر. النتيجة هي نموذج يوضح لماذا استطاعت كوريا خلال سنوات قليلة أن تصبح مختبراً عالمياً لصناعات المحتوى، لا مجرد مصدر لبعض الأعمال الرائجة.
من منظور عربي، هذه التجربة تقدم درسين على الأقل. الأول أن الصناعات الثقافية ليست ترفاً، بل قطاع اقتصادي يحتاج إلى تخطيط وتعليم وشبكات ومؤسسات وسياسات. والثاني أن الهوية المحلية لا تتناقض مع الطموح العالمي؛ بل قد تكون هي مصدره الأساسي إذا جرى تحويلها إلى سرديات وأشكال معاصرة. فاختيار شخصية تاريخية كورية مثل إيسون شين، إلى جانب قسم ويب تون جامعي، وشريك من فضاء الأداء الفني، يبرهن أن المحلية حين تُدار باحتراف يمكن أن تصبح مادة عالمية.
في النهاية، قد لا يكون هذا الاتفاق أضخم خبر في السوق الكورية من حيث الأرقام أو الاستثمارات المعلنة، لكنه من الأخبار التي تكشف المنهج. والمنهج هنا واضح: كوريا تواصل بناء اقتصادها الثقافي عبر وصل ما يعتبره كثيرون قطاعات منفصلة. الجامعة ليست بعيدة عن السوق، والتاريخ ليس بعيداً عن التكنولوجيا، والعرض الفني ليس بعيداً عن اللعبة، والطالب ليس بعيداً عن الملكية الفكرية.
ولعل هذا بالتحديد ما يجعل الخبر يستحق أن يُقرأ عربياً بوصفه أكثر من واقعة محلية. إنه تذكير بأن القوة الناعمة لا تُصنع فقط على المسرح أو الشاشة، بل تبدأ أيضاً من قاعة الدرس، ومن الطريقة التي تُدار بها الفكرة قبل أن تصبح ظاهرة.
0 تعليقات