광고환영

광고문의환영

إقبال مبكر قياسي في الانتخابات المحلية بكوريا الجنوبية: حين تتحول الأرقام إلى اختبار حيّ لقوة الديمقراطية

إقبال مبكر قياسي في الانتخابات المحلية بكوريا الجنوبية: حين تتحول الأرقام إلى اختبار حيّ لقوة الديمقراطية

رقم يتجاوز الإحصاء ويكشف نبض السياسة

في كوريا الجنوبية، لم يكن اليوم الأول من التصويت المبكر في الانتخابات المحلية مجرد محطة إجرائية تسبق يوم الاقتراع الرسمي، بل بدا كأنه استفتاء غير معلن على حيوية الديمقراطية نفسها. فبحسب الأرقام المعلنة حتى الساعة السادسة مساءً، بلغت نسبة المشاركة في اليوم الأول 11.6%، وهو أعلى مستوى يُسجَّل في اليوم الأول من التصويت المبكر في تاريخ الانتخابات المحلية الكورية. هذا الرقم، في ظاهره، إحصاء انتخابي بارد، لكنه في جوهره يحمل دلالة سياسية عميقة: الناخب الكوري لم يعد يتعامل مع الانتخابات المحلية بوصفها شأناً هامشياً، بل باعتبارها ساحة مباشرة للتأثير في حياته اليومية، من الخدمات العامة إلى التخطيط العمراني والتعليم والنقل والرعاية الاجتماعية.

وفي العالم العربي، قد تبدو الانتخابات المحلية في بعض الأحيان أقل صخباً من الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، وغالباً ما تخطف السياسة المركزية الأضواء على حساب الشأن البلدي أو الإقليمي. لكن التجربة الكورية تقدم هنا درساً مختلفاً. فكما يدرك المواطن في مدن عربية كبرى مثل القاهرة والدار البيضاء والرياض وبغداد وتونس أن القرارات الأقرب إلى حياته هي تلك المتعلقة بالشارع الذي يسير فيه، والمدرسة التي يرسل إليها أبناءه، والمستشفى الذي ينتظر فيه دوره، فإن الناخب الكوري بدا واعياً أيضاً بأن السلطة المحلية ليست هامشاً تابعاً للسياسة الوطنية، بل جزءاً أصيلاً من العقد الديمقراطي.

ما يجعل هذا التطور لافتاً أن الانتخابات المحلية عادةً ما تُعد أقل جاذبية من الانتخابات الرئاسية أو التشريعية، لأن رهاناتها تبدو لدى قطاع من الجمهور أقل درامية وأقل ارتباطاً بشخصيات الصف الأول في المشهد السياسي. ومع ذلك، فإن تسجيل رقم قياسي منذ الساعات الأولى يوحي بأن المزاج العام في كوريا الجنوبية يميل إلى المشاركة المبكرة والمنظمة، وأن الناخبين اختاروا الدخول إلى العملية الديمقراطية بسرعة، من دون انتظار اللحظة الأخيرة. وهذه رسالة مهمة: الديمقراطية لا تُقاس فقط بنتائج الصناديق بعد الفرز، بل تُقاس أيضاً بسرعة انخراط المواطنين وثقتهم في أن أصواتهم ستُحتسب وتصل وتؤثر.

ومن هذه الزاوية، فإن رقم 11.6% لا يمكن قراءته باعتباره مجرد نجاح تنظيمي أو حماسة عابرة، بل مؤشراً على رسوخ ثقافة المشاركة. إنه رقم يقول، بلغة السياسة، إن المجتمع الكوري ما زال يرى في الاقتراع أداة فاعلة لا طقساً شكلياً. وهذه مسألة تستحق التوقف عندها، خصوصاً في زمن تشهد فيه ديمقراطيات عدة حول العالم حالة من الشك، أو الإرهاق، أو تراجع الثقة في المؤسسات.

ما هي الانتخابات المحلية في كوريا الجنوبية؟ ولماذا تهم الناس إلى هذا الحد؟

لفهم أهمية هذا التطور، لا بد أولاً من توضيح طبيعة الانتخابات المحلية في كوريا الجنوبية. هذه الانتخابات لا تقتصر على اختيار رؤساء البلديات أو المحافظين فقط، بل تشمل أيضاً انتخاب مسؤولي الحكومات المحلية بمستوياتها المختلفة، إلى جانب أعضاء المجالس المحلية. أي أن المواطن لا يختار مجرد اسم إداري، بل يشارك في تحديد من يدير شؤون منطقته، ومن يضع الأولويات التنموية، ومن يراقب تنفيذ السياسات المحلية.

في السياق العربي، يمكن تشبيه ذلك بأهمية اختيار من يتولى إدارة مدينة كبيرة أو محافظة مكتظة بالسكان، حيث تنعكس القرارات مباشرة على نوعية الحياة اليومية. فحين تُدار ملفات مثل الإسكان والنظافة والنقل العام وتوسعة الطرق والمرافق الثقافية، لا تكون النتائج نظرية أو بعيدة، بل تظهر في تفاصيل اليوم العادي للمواطن. لذلك، فإن الانتخابات المحلية في كوريا ليست مجرد حلقة ثانوية في بنية الحكم، بل أداة حقيقية لتوزيع السلطة والمسؤولية.

واللافت أن التجربة الكورية الجنوبية راكمت خلال العقود الماضية قدراً كبيراً من الفعالية في ربط الحكم المحلي بالتنمية، وهو ما جعل المواطنين أكثر حساسية تجاه هذه الاستحقاقات. فحين يشعر الناخب أن صوته يمكن أن ينعكس على حديقة عامة، أو خط مترو، أو مشروع إسكان، أو خدمات كبار السن، فإنه يتعامل مع صندوق الاقتراع بطريقة مختلفة. هنا تتحول السياسة من شعارات عريضة إلى قرارات ملموسة.

هذا هو السياق الذي يمنح نسبة المشاركة المبكرة معناها. فالرقم القياسي لا يدل فقط على وجود منافسة حزبية أو تعبئة انتخابية، بل يعكس على الأرجح اقتناعاً واسعاً بأن القرار المحلي مهم وأن التأثير فيه يستحق الجهد. وفي كثير من التجارب الديمقراطية، تكون هذه القناعة بالذات الفارق بين نظام انتخابي حي ونظام انتخابي شكلي. فالمواطن لا يذهب للتصويت لمجرد أداء واجب قانوني، بل لأنه يرى علاقة واضحة بين الورقة التي يضعها في الصندوق والواقع الذي يعيشه.

ومن هنا يمكن القول إن مشهد الإقبال المبكر في كوريا الجنوبية يعكس نضجاً سياسياً يتجاوز الاستقطاب الحزبي. فحتى إن اختلفت مواقف الناخبين والمرشحين، فإن القاسم المشترك بينهم هو الإقرار بأن الساحة المحلية تستحق الحضور الكثيف، وأن الديمقراطية تبدأ من الأحياء والبلديات قبل أن تصل إلى الخطابات الوطنية الكبرى.

التصويت المبكر: مفهوم كوري يحتاج إلى شرح عربي

قد لا يكون نظام التصويت المبكر مألوفاً بالدرجة نفسها في جميع البلدان العربية، ولذلك من المهم شرح هذه الآلية لفهم ما جرى في كوريا الجنوبية. التصويت المبكر هو ببساطة نظام يتيح للناخب الإدلاء بصوته قبل يوم الاقتراع الرسمي المحدد سلفاً، بهدف تخفيف الازدحام، وتوسيع فرص المشاركة، وتمكين من لديهم التزامات عمل أو سفر أو ظروف خاصة من ممارسة حقهم الانتخابي من دون أن يفقدوا فرصتهم بسبب ضيق الوقت.

في الحالة الكورية، لا يبدو هذا النظام مجرد إضافة شكلية إلى المشهد الانتخابي، بل تحول إلى جزء فعّال من بنية المشاركة السياسية. فحين يسجل اليوم الأول وحده نسبة 11.6%، فهذا يعني أن الناخبين لا ينظرون إلى التصويت المبكر كخيار ثانوي أو استثنائي، بل كقناة طبيعية ومشروعة وموثوقة لممارسة حقهم. وهذا في حد ذاته مؤشر على نجاح تصميم النظام الانتخابي في تكييف الديمقراطية مع إيقاع الحياة الحديثة.

في مدن مزدحمة وسريعة الإيقاع مثل سيول، حيث تسير الحياة اليومية بوتيرة عالية، يصبح منح المواطنين هامشاً زمنياً أوسع للتصويت أمراً بالغ الأهمية. ويمكن للقارئ العربي أن يجد في ذلك صدى لمعضلات يعرفها جيداً: الازدحام المروري، ضغط العمل، تفاوت المسافات بين السكن والعمل، وصعوبة حصر المشاركة السياسية في يوم واحد فقط. لذلك فإن التصويت المبكر، إذا توافرت له الثقة والضمانات، قد يبدو حلاً عملياً يعزز المشاركة بدلاً من أن يربكها.

لكن نجاح هذا النظام لا يتوقف على فتح الأبواب قبل الموعد الرسمي، بل على ثقة الناس في أن أصواتهم ستُنقل وتُحفظ وتُفرز وفق معايير صارمة. هنا تحديداً تكمن حساسية التجربة الكورية. فالتصويت المبكر لا ينجح بالنية الحسنة وحدها، بل يحتاج إلى إدارة دقيقة، وإجراءات واضحة، ورقابة متواصلة، وقدرة على إقناع الناخب بأن صوته، سواء أدلى به في اليوم الأول أو في اليوم الرسمي، يتمتع بالحماية والوزن نفسيهما.

وهذا ما يفسر لماذا ينظر كثير من المراقبين إلى ارتفاع نسبة التصويت المبكر على أنه مؤشر مزدوج: من جهة، هو دليل على رغبة الناس في المشاركة؛ ومن جهة أخرى، هو دليل على وجود حد أدنى قوي من الثقة المؤسسية. فالمشاركة لا تتوسع عادةً في الفراغ، بل تنمو حين يشعر الناخب أن النظام الانتخابي مصمم لخدمته لا لتعقيده، ولحماية صوته لا لتبديده.

حين تحرس الإدارة الديمقراطية: الثقة لا تُولد من الخطابات فقط

من بين المشاهد اللافتة التي رافقت اليوم الأول من التصويت المبكر، قيام مسؤولين في الإدارة الكورية بمتابعة عمليات نقل بطاقات الاقتراع الخاصة بالمقترعين خارج دوائرهم السكنية، بما في ذلك التحقق من إجراءات النقل البريدي والتأمين والمرافقة الأمنية. وقد يبدو هذا التفصيل تقنياً بالنسبة إلى بعض القراء، لكنه في الحقيقة يقع في صميم أي عملية انتخابية نزيهة. فالديمقراطية ليست صندوقاً فقط، بل سلسلة كاملة من الإجراءات التي تبدأ من لحظة الإدلاء بالصوت وتنتهي بوصوله الآمن إلى الجهة المختصة بفرزه واحتسابه.

في كثير من النقاشات السياسية العربية، يتركز الاهتمام على يوم الاقتراع نفسه: هل فُتحت المراكز في موعدها؟ هل وُجد مراقبون؟ هل سُجلت مخالفات؟ لكن التجربة الكورية تذكّر بأن ما يحدث بين التصويت والفرز لا يقل أهمية عما يحدث أمام الناخبين. نقل أوراق الاقتراع، وتأمينها، والتأكد من سلامة مسارها، كلها تفاصيل حاسمة في بناء الثقة. المواطن لا يريد فقط أن يدلي بصوته، بل يريد أن يطمئن إلى أن صوته سيصل حيث ينبغي له أن يصل، وأن لا يتعرض للعبث أو الضياع أو الشك.

وهنا يظهر البعد الإداري للديمقراطية، وهو بعد غالباً ما يُستهان به في النقاشات العامة. فالمؤسسات القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على إصدار البيانات، بل بقدرتها على إدارة التفاصيل الصغيرة بحرفية عالية. حين تتابع الدولة حركة بطاقات الاقتراع، وتراجع خطوط النقل، وتشرك الجهات الأمنية في الحماية، فإنها لا تقوم بعمل لوجستي فحسب، بل ترسل رسالة سياسية أيضاً: صوت المواطن أمانة عامة، والدولة مسؤولة عن صون هذه الأمانة حتى النهاية.

هذا النوع من الانضباط الإداري يكتسب أهمية أكبر في نظام التصويت المبكر، لا سيما حين يُسمح للناخبين بالتصويت خارج مناطق إقامتهم. فكل توسع في المرونة الزمنية أو الجغرافية يقتضي توسعاً موازياً في الضمانات. وإذا نجحت الدولة في تحقيق هذا التوازن، فإنها لا تسهّل المشاركة فقط، بل تعمّق شرعية العملية الانتخابية كلها.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الإقبال المرتفع على أنه ثمرة بيئة مؤسسية تعرف كيف تحول الحق السياسي إلى إجراء موثوق. فالثقة لا تنشأ من الحماس وحده، ولا من الخطاب الوطني وحده، بل من شعور المواطن بأن النظام يعمل لصالحه، وبأن صوته يمر عبر مسار منظم ودقيق ومحمي حتى آخر خطوة.

ارتفاع المشاركة لا يعني غياب الفوضى: الوجه الآخر لاختبار الديمقراطية

على الرغم من الصورة الإيجابية التي رسمها الإقبال القياسي، فإن المشهد لم يخلُ من إشارات تذكّر بأن أي عملية انتخابية واسعة تظل عرضة للتوترات والمخالفات. فقد سُجلت في بعض المناطق، وفق المعطيات المتداولة، شكاوى تتعلق بتخريب لافتات انتخابية وتوزيع مواد تتضمن إساءات أو تشهيراً بمرشحين. وهذه وقائع قد تبدو محدودة مقارنة بحجم العملية الانتخابية، لكنها ذات دلالة مهمة لأنها تكشف أن ارتفاع نسبة المشاركة لا يضمن تلقائياً نضج السلوك الانتخابي في كل تفاصيله.

هذا جانب يعرفه العرب جيداً. ففي أي موسم انتخابي، لا يكفي أن ترتفع الحشود أو تمتلئ الصناديق، إذ تبقى الثقافة السياسية، واحترام القانون، وضبط المنافسة، عناصر لا غنى عنها في تقييم جودة التجربة. فالديمقراطية ليست مجرد كثافة عددية، بل أيضاً قواعد لعبة يقبل بها الجميع. وإذا كان الإقبال الشعبي يمنح الانتخابات زخماً وشرعية، فإن الالتزام بالقانون يمنحها المعنى والاحترام.

في كوريا الجنوبية، تبدو هذه المخالفات تذكيراً بأن المؤسسات لا يمكن أن تكتفي بالاحتفاء بالأرقام، بل عليها أن تواكب اتساع المشاركة برقابة أشد وانضباط أوضح. كلما زاد تدفق الناخبين، زادت الحاجة إلى إدارة مهنية ميدانية، وإلى تطبيق متوازن للقانون، وإلى ردع سريع لأي سلوك من شأنه الإضرار بالنزاهة أو تشويه إرادة الناخبين.

وتكمن أهمية هذا الجانب في أنه يحول الديمقراطية من فرح موسمي إلى نظام مستدام. فالإقبال الكبير قد يصنع عنواناً لامعاً، لكن طريقة التعامل مع المخالفات هي التي تصنع السمعة الأطول عمراً. في نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الانتخابات بعدد المشاركين فقط، بل بقدرة النظام على احتواء التوترات، ومعالجة الانتهاكات، وحماية المجال العام من الانفلات.

ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في إعلان نسبة مرتفعة وحسب، بل في قدرة السلطات الانتخابية والأمنية والقضائية على ضمان أن المشاركة الكثيفة تسير داخل إطار من الشرعية والنظام. وحين يتحقق هذا التوازن، تصبح الأرقام أكثر من إنجاز إجرائي؛ تتحول إلى شهادة على متانة النظام الديمقراطي نفسه.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟

قد يسأل بعض القراء: ما الذي يجعل خبراً عن انتخابات محلية في كوريا الجنوبية جديراً بالاهتمام العربي، خارج دوائر المتابعة السياسية المتخصصة؟ الجواب أن كوريا الجنوبية لم تعد بالنسبة إلى الجمهور العربي مجرد بلد يصدر الدراما والموسيقى والأزياء والتكنولوجيا، بل أصبحت نموذجاً يثير الفضول حول الطريقة التي تتعايش بها القوة الناعمة مع المؤسسات السياسية الفاعلة. فمن يتابع الموجة الكورية عبر الشاشات والمنصات يرى وجهاً ثقافياً جذاباً، لكن وراء هذا الوجه تقف أيضاً دولة تشتغل مؤسساتها بانتظام، ومجتمع يشارك في الشأن العام بدرجات لافتة.

وهنا تكمن المفارقة المهمة. فنجاح كوريا في الثقافة الشعبية العالمية، من الدراما إلى الكي-بوب، كثيراً ما يحجب عن المتابع الخارجي جانباً آخر لا يقل أهمية: البنية الديمقراطية والإدارية التي تسمح لهذا المجتمع بالحفاظ على ديناميته. وكما نقول في السياق العربي إن ازدهار الثقافة لا يعيش في الفراغ، بل يحتاج إلى تعليم ومؤسسات ومساحة عامة منظمة، فإن التجربة الكورية تقدم مثالاً على هذا الترابط بين الحيوية الثقافية والاستقرار المؤسسي.

بالنسبة إلى القارئ العربي، يكتسب هذا الخبر قيمة إضافية لأنه يفتح باب المقارنة الهادئة، لا الوعظية، مع أسئلة مألوفة في منطقتنا: كيف يمكن تعزيز المشاركة في الانتخابات المحلية؟ ما الذي يجعل المواطن يشعر بأن التصويت في منطقته لا يقل أهمية عن اختيار السلطة المركزية؟ كيف تُبنى الثقة في الإجراءات، لا في الشعارات فقط؟ وكيف يمكن للإدارة العامة أن تتحول من جهاز بيروقراطي صامت إلى حارس فعلي لحقوق الناخبين؟

هذه الأسئلة ليست كورية فقط، بل عالمية، وعربية أيضاً. وربما لهذا السبب يستحق المشهد الكوري التأمل. فهو لا يقدم وصفة جاهزة للاستنساخ، لكنه يبين أن رفع نسب المشاركة لا يعتمد فقط على التعبئة السياسية، بل على بناء نظام يشعر المواطن داخله أن صوته له قيمة، وأن وقته محترم، وأن القانون حاضر، وأن الإدارة قادرة على تحويل الحق الديمقراطي إلى ممارسة عملية وآمنة.

وفي هذا المعنى، فإن الخبر لا يتعلق ببلد بعيد جغرافياً وحسب، بل بنقاش أوسع حول مستقبل العلاقة بين المواطن والمؤسسة في المجتمعات الحديثة. وهذه مسألة يعرفها القارئ العربي جيداً، سواء نظر إليها من زاوية الإصلاح الإداري، أو المشاركة المحلية، أو سؤال الثقة الذي بات في صلب أي حديث عن الحكم الرشيد.

أبعد من حسابات الربح والخسارة: رسالة الناخب الكوري

في التغطيات السياسية السريعة، يغري الرقم القياسي كثيرين بالقفز مباشرة إلى استنتاجات حزبية: هل يفيد هذا المعسكر أو يضر ذاك؟ هل يشير إلى تعبئة منظمّة لطرف دون آخر؟ غير أن القراءة الأكثر تماسكاً، في هذه المرحلة على الأقل، تبدو أوسع من ذلك. فارتفاع نسبة التصويت المبكر في يومها الأول لا يقدم، بحد ذاته، دليلاً حاسماً على اتجاه النتيجة النهائية، لكنه يقدم دليلاً أكثر رسوخاً على أن الناخبين قرروا أن يكونوا حاضرين مبكراً في صناعة القرار.

وهذه نقطة فارقة. فالانتخابات ليست سباقاً دعائياً فقط، بل علاقة بين المجتمع والنظام السياسي. حين يخرج هذا العدد من المواطنين منذ الساعات الأولى، فهو يبعث برسالة تتجاوز أسماء المرشحين: نحن نأخذ هذه العملية على محمل الجد. وفي ثقافات سياسية عديدة، تكون هذه الرسالة أهم من كل الخطابات. لأن المشاركة الواسعة لا تمنح الفائز شرعية أقوى فحسب، بل تذكر الجميع، خاسرين ورابحين، بأن المجال العام ما زال مأهولاً بالمواطنين لا بالمعلقين فقط.

في السياق العربي، اعتدنا في كثير من الأحيان متابعة السياسة من خلال ضجيج النخب: المناظرات، المناكفات، التسريبات، والبيانات. لكن الديمقراطية في لحظتها الصافية تظهر غالباً في سلوك الناخب العادي: موظف يقتطع من يومه وقتاً ليصوت، شابة تصر على أن تكون حاضرة في قرار يخص مدينتها، متقاعد يرى في الورقة الانتخابية امتداداً لمسؤوليته المدنية. هذا المشهد هو ما تعكسه النسبة الكورية المرتفعة، وهو ما يمنحها بُعداً يتجاوز الحسابات الضيقة.

كما أن هذه المشاركة المبكرة تضع عبئاً أخلاقياً وسياسياً على الأحزاب والمرشحين. فإذا كان الناخب قد تحرك بهذه السرعة، فإن على القوى السياسية أن تراجع خطابها أيضاً: أقل مزايدة، أكثر احتراماً للعقول، مزيداً من التركيز على الخدمات والبرامج، وقليل من الاستخفاف بذكاء الجمهور. فالإقبال الكبير لا يكرم المرشحين تلقائياً، بل يرفع سقف التوقعات منهم.

لهذا كله، تبدو الرسالة الأوضح من اليوم الأول بسيطة ولكنها عميقة: الديمقراطية الكورية ما زالت تجد وقودها في المواطن. ليس في الشعارات الكبرى وحدها، ولا في صورة الدولة الخارجية فقط، بل في القرار الفردي الهادئ بالذهاب إلى صندوق الاقتراع. وحين يتكرر هذا القرار على نطاق واسع، يتحول إلى قوة سياسية ومؤسسية حقيقية.

خلاصة المشهد: الديمقراطية تُبنى بالصوت والإجراء معاً

ما جرى في اليوم الأول من التصويت المبكر للانتخابات المحلية في كوريا الجنوبية يستحق المتابعة لا لأنه رقم قياسي فحسب، بل لأنه يقدم صورة مكثفة عن كيفية اشتغال الديمقراطية حين تتكامل عناصرها الأساسية: مواطن راغب في المشاركة، ومؤسسة انتخابية قادرة على التنظيم، وإدارة عامة تتحمل مسؤولية التفاصيل، وإطار قانوني يسعى إلى ضبط المنافسة وحماية النزاهة.

رقم 11.6%، في هذا المعنى، ليس خاتمة القصة بل بدايتها. فهو لا يحسم النتائج، ولا يعلن فائزاً، ولا يختصر تعقيدات المزاج السياسي الكوري. لكنه يقول شيئاً بالغ الأهمية عن اتجاه العملية: هناك جمهور واسع قرر ألا ينتظر، وقرر أن يستخدم الأدوات المتاحة له مبكراً، في مؤشر على ثقة معتبرة بجدوى المشاركة وآلياتها. وهذا بحد ذاته علامة صحة في أي نظام ديمقراطي.

ومن منظور عربي، تبدو قيمة هذه القصة في أنها تذكرنا بأن صلابة الديمقراطية لا تُقاس فقط في الأيام التاريخية الكبرى، بل أيضاً في الكيفية التي تُدار بها الاستحقاقات الدورية، بما فيها المحلية. فالدولة التي تصون ورقة الاقتراع في رحلتها، والمجتمع الذي يمنح الانتخابات المحلية هذا القدر من الجدية، يقدمان معاً نموذجاً لسياسة لا تكتفي بالمشهدية، بل تراكم الثقة عبر التكرار والانضباط.

في النهاية، لعل أكثر ما يلفت في هذا المشهد الكوري هو أنه يربط بين أمرين كثيراً ما يجري الفصل بينهما: الحماس الشعبي والكفاءة الإدارية. الأول يمنح الديمقراطية روحها، والثاني يمنحها شكلها العملي القابل للاستمرار. وحين يلتقي الاثنان، كما توحي به المؤشرات الحالية، تصبح الانتخابات أكثر من موعد دستوري؛ تصبح دليلاً على أن المجتمع ما زال يؤمن بأن صوته يستحق أن يُسمع وأن يُحفظ وأن يُحتسب.

وهذا، في جوهره، هو الخبر الحقيقي: ليست المسألة مجرد نسبة مرتفعة في يوم أول، بل مشهد أوسع يقول إن الديمقراطية في كوريا الجنوبية لا تُمارَس بوصفها ذكرى أو شعاراً، بل بوصفها عادة مدنية يومية، تحرسها المؤسسات ويمنحها المواطنون معناها كلما توجهوا إلى صناديق الاقتراع.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات