
من لقطة احتفالية إلى سؤال مُربك
في مهرجان كان السينائي، لا تمرّ الصور الكبرى مروراً عادياً. فحين يصعد مخرج كوري جنوبي إلى منصة المؤتمر الصحافي لفيلم مشارك في المسابقة الرسمية، محاطاً بممثلين كوريين بارزين إلى جانب أسماء هوليوودية معروفة، فإن المشهد لا يعود مجرد مناسبة ترويجية لفيلم جديد، بل يتحول إلى إعلان رمزي عن موقع جديد تحتله السينما الكورية في الخريطة العالمية. هذا بالضبط ما جسّدته جلسة المؤتمر الصحافي الخاصة بفيلم «هوب» للمخرج نا هونغ-جين، حيث اجتمع في القاعة كل من هوانغ جونغ-مين، جو إن-سونغ، جونغ هو-يون، إلى جانب مايكل فاسبندر، وأليسيا فيكاندر، وتايلور راسل. كان المشهد، في ظاهره، احتفالاً بمشروع سينمائي عابر للحدود، يلتقي فيه نجوم من كوريا الجنوبية والعالم الناطق بالإنجليزية تحت عنوان واحد، وفي مساحة هي الأرفع تقريباً في صناعة السينما الفنية.
غير أن هذه الصورة، التي كان يُفترض أن تختصر نضج الحضور الكوري على الساحة الدولية، سرعان ما تداخلت مع لحظة بدت لكثيرين كاشفة ومزعجة في آن. إذ أثار سؤال وجّهه أحد الصحافيين الأجانب خلال المؤتمر جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب صياغته، بل بسبب ما عكسه من زاوية نظر إلى الحاضرين على المنصة، ومن فهم غير متوازن لطبيعة المناسبة نفسها. في عالم المهرجانات الكبرى، لا تُقاس أهمية الأسئلة بما تثيره من ضجيج فقط، بل بمدى احترامها للعمل الفني، ولصنّاعه، وللسياق الثقافي الذي ينتمي إليه. ومن هنا، بدا الجدل الذي رافق مؤتمر «هوب» أبعد من هفوة عابرة، وأقرب إلى اختبار حقيقي لمدى تعامل العالم مع السينما الكورية بوصفها مركزاً كاملاً، لا هامشاً ملحقاً بنجوم أكثر شهرة لدى بعض وسائل الإعلام الغربية.
هذا النوع من اللحظات يهم القارئ العربي أيضاً، وخصوصاً أن جمهور المنطقة بات يتابع السينما والمسلسلات الكورية بشغف متزايد، من دبي إلى الرياض، ومن القاهرة إلى الدار البيضاء. كما أن النقاش هنا لا يتعلق بكوريا وحدها، بل بمسألة أوسع عرفتها الثقافة العربية مراراً: من يُمنح مركز المشهد؟ ومن يُدفع إلى الخلفية؟ وكيف يمكن لهيمنة الأسماء الأكثر تداولاً في السوق العالمية أن تُنتج قراءة مبتورة لعمل فني جماعي؟
ما الذي حدث في مؤتمر «هوب»؟
بحسب ما أوردته تقارير إعلامية كورية، فإن الصحافي الذي أثار الجدل بدأ مداخلته من دون أن يعرّف بنفسه أو بمؤسسته الإعلامية. قد يبدو هذا تفصيلاً بروتوكولياً في نظر بعض المتابعين، لكنه في المؤتمرات الرسمية للمهرجانات الدولية ليس مجرد شكليات. التعريف بالاسم والمنبر الإعلامي جزء من قواعد الحوار المهني، لأنه يضع السؤال في سياقه، ويؤسس لعلاقة احترام متبادل بين الصحافي والمتحدثين. وحين يغيب هذا الأساس، يصبح من السهل أن تتسلل نبرة استعلائية أو ارتجال غير محسوب إلى النقاش.
الأكثر إثارة للانتقاد كان ما نُقل عن مضمون التحية وبنية السؤال. فقد أشار الصحافي، وفق التقارير، إلى أنه لا يعرف «بقية الموجودين» جيداً، قبل أن يوجّه كلامه تحديداً إلى مايكل فاسبندر وأليسيا فيكاندر، وهما زوجان في الحياة الواقعية، متجاهلاً فعلياً بقية الحاضرين من المخرج والممثلين الكوريين، وكذلك الممثلة تايلور راسل. لم يكن الأمر مجرد خطأ في ترتيب المخاطبة، بل بدا كأن المؤتمر كله أعيد اختصاره إلى وجود نجمين معروفين في الإعلام الغربي، فيما جرى التعامل مع الباقين كخلفية للمشهد.
ثم انتقل السؤال إلى نقطة أكثر حساسية، حين طلب الصحافي من المخرج أن يوضح سبب اختياره فاسبندر وفيكاندر، قبل أن يصوغ استفساره بطريقة أثارت استغراباً، عبر التلميح إلى ما إذا كان قد سعى إلى «حجزهما» كحزمة واحدة بحكم أنهما زوجان، أو إلى منطق مشابه يتعامل معهما كصفقة ثنائية. هنا تحديداً انفجرت المشكلة: لأن السؤال نقل النقاش من فضاء الفن والتجربة الإبداعية والشراكة المهنية، إلى فضاء الإثارة السوقية، وكأن وجود الممثلين في الفيلم يمكن فهمه من خلال علاقتهم الشخصية أكثر من فهمه من خلال ضرورات النص والرؤية الإخراجية.
في المؤتمرات الصحافية الخاصة بالأفلام، يُفترض أن تنصب الأسئلة على البناء الدرامي، والاشتباك مع الشخصيات، وخيارات الإخراج، وطبيعة العمل بين ممثلين قادمين من بيئات مختلفة. أما حين يُختزل كل ذلك في سؤال أقرب إلى التلصص على علاقة زوجية أو إلى منطق «الباكدج» التجاري، فإن الأمر لا يمس الذوق المهني فقط، بل يكشف أيضاً عن انحياز ضمني في النظر إلى الفيلم نفسه: من هو المهم في هذه الطاولة؟ ومن الذي يستحق أن تُوجَّه إليه الأنظار؟
لماذا تضاعفت حساسية هذه الواقعة؟
لو حدثت الواقعة في حدث جانبي أو في مقابلة خفيفة الطابع، ربما كانت ستُقرأ على أنها زلّة لسان أو تصرّف فردي غير موفق. لكن وقوعها في مهرجان كان، وفي مؤتمر صحافي لفيلم مشارك في المسابقة الرسمية، أعطاها ثقلاً مضاعفاً. فكان ليس سجادة حمراء فقط، ولا مجرد محطة لالتقاط الصور مع النجوم. إنه منصة تُصاغ فيها اللغة التي سيتحدث بها العالم عن الأفلام، وعن صناعات سينمائية بأكملها. لذلك، فإن نوعية الأسئلة المطروحة فيه ليست أمراً ثانوياً، بل جزء من الكيفية التي يُعاد بها ترتيب القيمة والاهتمام داخل المشهد الدولي.
الحساسية تضاعفت أيضاً لأن فيلم «هوب» نفسه يمثل، من حيث تركيبته، لحظة ناضجة من تطور السينما الكورية. نحن لا نتحدث عن فيلم محلي جرى تصديره إلى الخارج بعد نجاحه الداخلي، بل عن مشروع يقف منذ البداية على تقاطع صناعي وثقافي واسع: مخرج كوري صاحب بصمة معروفة في سينما النوع، وممثلون كوريون ذوو ثقل جماهيري وفني، وممثلون أجانب يتمتعون بحضور عالمي. هذه ليست مجرد «زينة» إنتاجية، بل علامة على أن السينما الكورية باتت شريكاً كاملاً في صناعة الصورة العالمية، لا مجرد ضيف مرحّب به من حين إلى آخر.
من هنا، بدا السؤال المثير للجدل كأنه ينتمي إلى زمن أقدم من اللحظة الراهنة؛ زمن كانت فيه الأعمال الآسيوية كثيراً ما تُقرأ من خلال الأسماء الغربية المشاركة فيها، لا من خلال مركزها الإبداعي الحقيقي. وهذا تحديداً ما يرفضه كثير من متابعي الثقافة الكورية اليوم، سواء داخل كوريا الجنوبية أو خارجها. فبعد «باراسايت»، و«لعبة الحبار»، وتوسّع حضور المخرجين والممثلين الكوريين في المنصات والمهرجانات، لم يعد ممكناً التعامل مع الأسماء الكورية على أنها تفاصيل ثانوية تحتاج إلى «وسيط غربي» كي تحظى بالاهتمام.
العالم العربي يعرف هذا الشعور جيداً. كم مرة احتاجت أعمال عربية إلى اعتراف خارجي حتى تُقرأ بجدية داخل بعض الدوائر؟ وكم مرة جرى تسليط الضوء على حضور اسم أجنبي في عمل عربي أكثر من التركيز على صانعيه المحليين؟ لهذا، فإن التفاعل العربي مع هذه القصة يمكن أن يكون أعمق من مجرد متابعة خبر يخص كوريا؛ إنه يلامس خبرة ثقافية مألوفة لدينا، تتعلق بالتمثيل والاعتراف وموازين الخطاب الثقافي الدولي.
ما الذي يكشفه الجدل عن نظرة العالم إلى K-Content؟
خلال السنوات الأخيرة، تحولت عبارة K-Content إلى مصطلح عالمي يشمل الدراما الكورية، والسينما، والموسيقى، والبرامج، وحتى الأدب الإلكتروني والويب تون. لكن النجاح التجاري والجماهيري لا يعني تلقائياً أن النظرة النقدية والإعلامية إلى هذا المحتوى أصبحت ناضجة بالقدر نفسه. أحياناً يسبق الانتشارُ الفهمَ، وتسبق الشهرةُ الاستيعابَ. وهذا ما يجعل حادثة مثل ما جرى في مؤتمر «هوب» مهمة: لأنها تُظهر أن بعض الخطابات الإعلامية لا تزال تميل إلى الإمساك بما هو مألوف لها فقط، أي النجم الغربي أو القصة الشخصية أو عنصر الإثارة السهل، بدل الانخراط في القراءة الجدية لبنية العمل ومنطقه الداخلي.
في الثقافة الكورية، كما في كثير من الصناعات الآسيوية، تقوم قيمة العمل الفني على فكرة جماعية واضحة: المخرج، والممثلون، والمنتجون، وحتى الطاقم الفني، يشكلون جميعاً جزءاً من نسيج واحد. ولا يعني هذا غياب نظام النجومية، فالهاليو أو «الموجة الكورية» صنعت نجوماً عالميين بلا شك، لكن النجومية فيها غالباً ما تُقدَّم ضمن علاقة متوازنة نسبياً مع العمل نفسه. لذلك، فإن توجيه السؤال حصراً إلى الزوجين الشهيرين، وبصياغة توحي بتسليع حضورهما، بدا متعارضاً مع فكرة المؤتمر بوصفه مساحة جماعية للتعريف بفيلم، لا منصة لاقتناص عنوان سريع عن الحياة الخاصة للمشاهير.
المسألة هنا لا تتعلق أيضاً فقط باللياقة. إنها تتعلق بمن يملك حق تعريف العمل أمام الجمهور. حين يُعاد توجيه النقاش بعيداً عن المخرج الكوري ورؤيته، أو بعيداً عن الممثلين الكوريين الذين يحملون تاريخاً طويلاً في السينما المحلية والعالمية، فإن ذلك يبدّل مركز السردية نفسها. يصبح الفيلم، في التلقي الإعلامي، أقل كورية وأقل استقلالاً، وأكثر ارتباطاً بالأسماء القابلة للتدوير في العناوين الغربية. وهذه آلية ناعمة من آليات التهميش، حتى لو لم تكن مقصودة بشكل صريح.
من المهم هنا التذكير بأن جمهور الثقافة الكورية اليوم ليس جمهوراً هامشياً أو ساذجاً. المتابعون في العالم، ومن بينهم قطاع واسع في المنطقة العربية، يملكون معرفة متزايدة بالأسماء الكورية وبالمدارس الإخراجية وبخلفيات الإنتاج. جمهور شاهد أعمال نا هونغ-جين السابقة، ويتابع مسارات هوانغ جونغ-مين أو جونغ هو-يون، لا يمكن ببساطة أن يقبل خطاباً يتعامل مع هؤلاء كأنهم «آخرون غير معروفين» في مشهدهم الخاص. وهذا ما يفسر سرعة التفاعل مع الواقعة، وتحولها إلى نقاش يتجاوز المؤتمر ذاته.
السينما الكورية في كان: من الهامش إلى قلب النقاش
الحديث عن «هوب» لا يمكن فصله عن المسار الطويل الذي قطعته السينما الكورية الجنوبية حتى بلغت هذا الموقع. فالمشاركة في كان لم تعد استثناءً لكوريا، بل صارت امتداداً لمسار صنعته أسماء مثل بارك تشان-ووك، وبونغ جون-هو، ولي تشانغ-دونغ، وكيم كي-دوك، ثم جيل جديد من المخرجين الذين دخلوا الساحة الدولية بثقة أكبر. ومع كل مشاركة جديدة، يتعزز الانطباع بأن السينما الكورية لم تعد مجرد «اكتشاف» مثير للمهرجانات، بل تقليداً فنياً وصناعياً قائماً بذاته، يمتلك جمهوره، ولغته، وقدرته على التجدد.
المخرج نا هونغ-جين تحديداً يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز صناع سينما النوع في كوريا الجنوبية، وهو اسم ارتبط بأعمال تجمع بين التوتر النفسي، والبناء البصري الصارم، والقدرة على تحويل الحكايات المحلية إلى تجارب كونية. لذلك، فإن وصول فيلمه الجديد إلى المسابقة الرسمية في كان يحمل دلالة تتجاوز الفيلم بعينه. إنه يشير إلى أن السينما الكورية قادرة على الحضور ليس فقط عبر الدراما الاجتماعية أو الأفلام ذات الرسائل السياسية المباشرة، بل أيضاً عبر أعمال تنتمي إلى مناطق أكثر تركيباً من حيث النوع والأسلوب.
أما وجود ممثلين كوريين مثل هوانغ جونغ-مين، وجو إن-سونغ، وجونغ هو-يون، إلى جانب أسماء دولية، فهو يلخص تحولاً أساسياً في موقع الفنان الكوري على المسرح العالمي. هوانغ جونغ-مين مثلاً ليس مجرد نجم شباك، بل ممثل ارتبط بأدوار ثقيلة وبحضور راسخ في الذاكرة السينمائية الكورية. وجونغ هو-يون اكتسبت حضوراً عابراً للقارات بعد نجاح «لعبة الحبار»، لكنها في الوقت نفسه تمثل جيلاً جديداً من الوجوه الكورية القادرة على الانتقال بين المنصات والصناعات. هذا التلاقي بين أجيال وتجارب مختلفة هو ما يجعل «هوب» حدثاً لافتاً بذاته، حتى قبل أي جدل مرافق.
من هنا، فإن أي قراءة إعلامية تختزل هذا الحضور المركب في نجمين أجنبيين، أو تتعامل مع بقية الفريق بفتور، تبدو متأخرة عن التطور الفعلي للصناعة. إنها تشبه، بلغة عربية مألوفة، من يذهب إلى أمسية شعرية لكبار الشعراء ثم لا يرى فيها إلا ضيفاً مشهوراً جلس في الصف الأول. الصورة كلها تكون أمامه، لكنه يختار الجزء الأسهل تسويقاً فقط.
بين الصحافة المهنية وصحافة الإثارة
الواقعة أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً ومتجدداً: ما الفرق بين السؤال الصحافي المهني والسؤال الذي يبحث عن الصدى فقط؟ في التغطية الثقافية، هذا الفرق بالغ الحساسية. فالصحافي الثقافي لا يكتفي بإثارة الانتباه، بل يترجم العمل الفني إلى لغة مفهومة للقراء، من دون أن يختزله أو يبتذله. وحين يتعلق الأمر بمهرجان عالمي مثل كان، تصبح المسؤولية أكبر، لأن السؤال الواحد قد يحدد العنوان الذي سيخرج به الخبر إلى العالم.
الصحافة المهنية في مثل هذا السياق تعني أموراً واضحة: احترام ترتيب المتحدثين، الاعتراف بالحاضرين جميعاً، توجيه السؤال إلى صلب العمل، وتجنب الانزلاق إلى ما يُفقد الحدث معناه الفني. أما صحافة الإثارة، فهي تميل إلى اقتناص ما يضمن انتشاراً سريعاً: علاقة عاطفية، توتر شخصي، تعليق خارج السياق، أو سؤال يستفز الحضور أملاً في رد فعل لافت. قد تحصد هذه الطريقة تفاعلاً آنياً، لكنها تترك أثراً سلبياً على قيمة التغطية وعلى صورة المؤسسة الصحافية نفسها.
في السياق العربي، لسنا بعيدين عن هذا التحدي. فالمهرجانات السينمائية العربية بدورها تعاني أحياناً من أسئلة تُزاحم العمل نفسه، سواء عبر التركيز المفرط على الأزياء، أو العلاقات الخاصة، أو الخلافات الجانبية. لذلك، فإن ما جرى في مؤتمر «هوب» يمكن أن يُقرأ كجرس إنذار مهني عابر للحدود: كلما كبر الحدث، كبرت الحاجة إلى صحافة تعرف أين تقف، وماذا تسأل، وكيف تحترم طبيعة المنصة التي تعمل فيها.
ولعل الأهم أن هذا الجدل يذكرنا بأن احترام الفنان لا يعني مجاملته أو الامتناع عن طرح الأسئلة الصعبة، بل يعني صياغة هذه الأسئلة بما يخدم الفهم، لا الاستعراض. من حق الصحافي أن يسأل عن خيارات التمثيل، وعن دوافع التعاون الدولي، وعن أثر وجود ممثلين من مدارس مختلفة في فيلم واحد. لكن من حق الفنان أيضاً أن يُسأل بوصفه صاحب عمل، لا بوصفه مادة للفرجة أو طرفاً في «حزمة» علاقات عامة.
دلالة أوسع: حين يرافق النجاحُ التدقيقَ والاختبار
ما حدث في كان يتقاطع، على نحو غير مباشر، مع مناخ أوسع يحيط اليوم بالمنتج الثقافي الكوري. فكلما توسع نفوذ هذا المحتوى، تضاعفت مستويات التدقيق فيه: من قضايا التمثيل التاريخي في الدراما، إلى اللغة المستخدمة في الترويج، إلى كيفية استقبال النجوم والأعمال في الخارج. النجاح لا يجلب التصفيق فقط، بل يجلب أيضاً اختبارات أكثر صرامة، وأحياناً انكشافاً أكبر للهفوات والتحيزات.
في هذا الإطار، يمكن فهم الجدل حول مؤتمر «هوب» بوصفه جزءاً من مرحلة جديدة تعيشها الثقافة الكورية: مرحلة لم تعد فيها الأعمال تُستهلك بوصفها «غرائبية» أو «موضة عابرة»، بل بوصفها قوة ثقافية رئيسية تتنافس على تشكيل الذائقة العالمية. وحين تصل إلى هذه المرتبة، تصبح طريقة الحديث عنها، وطريقة مساءلتها، وطريقة تمثيلها في الفضاء العام، مسائل شديدة الأهمية.
بالنسبة إلى القارئ العربي، تحمل هذه اللحظة درساً مزدوجاً. أولاً، أن الانفتاح على الثقافات الأخرى لا يكتمل بمجرد الإعجاب بها، بل يحتاج أيضاً إلى فهم حساسياتها وسياقاتها وتاريخها الصناعي. وثانياً، أن المعركة من أجل الاعتراف العادل في الفضاء الثقافي العالمي ليست حكراً على منطقة دون أخرى. هي معركة تتكرر بأشكال مختلفة، سواء تعلق الأمر بسينما كورية، أو بفيلم عربي، أو بأدب لاتيني، أو بموسيقى أفريقية.
ربما لهذا السبب اكتسبت الواقعة كل هذا الصدى. فهي ليست مجرد قصة عن صحافي أساء السؤال، ولا مجرد دفاع عاطفي من جمهور محب للدراما والسينما الكوريتين. إنها لحظة تكشف ما الذي تغيّر فعلاً في مكانة كوريا الثقافية، وما الذي لم يتغير بعد في بعض العيون التي لا تزال ترى العالم من خلال مركز واحد مألوف، حتى عندما تكون بقية المراكز واضحة ومضيئة أمامها.
ما الرسالة التي خرجت بها هذه الواقعة؟
في المحصلة، حمل مؤتمر «هوب» رسالتين متوازيتين. الرسالة الأولى إيجابية بامتياز: السينما الكورية أصبحت في قلب المشهد العالمي، لا على أطرافه. وجود مخرج كوري في مسابقة كان الرسمية، واصطفاف ممثلين كوريين وعالميين تحت اسم فيلم واحد، دليل واضح على أن كوريا الجنوبية لم تعد فقط مصدّراً لمحتوى ناجح، بل شريكاً مؤثراً في صياغة مستقبل الثقافة البصرية العالمية.
أما الرسالة الثانية، فهي أكثر تعقيداً: هذا التقدم لا يلغي تلقائياً الأنماط القديمة في النظر والتمثيل. فما زال هناك من يميل إلى تثبيت العدسة على الأسماء التي يعرفها مسبقاً، ولو على حساب جوهر الحدث. وما زال على الصناعات الصاعدة، مهما بلغت قوتها، أن تنتزع باستمرار حقها في أن تُقرأ وفق شروطها الخاصة، لا وفق ما يطلبه السوق من إثارة سريعة أو من وجوه مألوفة.
لذلك، فإن الجدل الذي أحاط بمؤتمر «هوب» لا ينبغي أن يُختزل في الغضب من سوء تصرف فردي. الأهم هو ما كشفه هذا المشهد عن لحظة تاريخية تعيشها السينما الكورية: لحظة قوة وتوسّع واعتراف، لكنها أيضاً لحظة اختبار لكيفية تمثيل هذه القوة في الفضاء الدولي. وبين هذين البعدين، يواصل K-Content ترسيخ نفسه، لا كظاهرة عابرة، بل كجزء أساسي من الثقافة الشعبية والفنية في القرن الحادي والعشرين.
ومن هنا، قد يكون السؤال الأهم بعد انتهاء الضجيج: هل يتعلم الوسط الإعلامي العالمي من هذه اللحظة؟ وهل تتحول المؤتمرات الصحافية في المهرجانات الكبرى إلى فضاءات أكثر عدالة في توزيع الانتباه، وأكثر احتراماً لتعدد مراكز الإبداع؟ الجواب ليس بسيطاً، لكن ما هو واضح أن الجمهور لم يعد يقبل بسهولة بالمعايير القديمة. وهذه، بحد ذاتها، علامة فارقة على تغير الزمن.
0 تعليقات