광고환영

광고문의환영

شجرة عمرها قرن في قلب سيول تشعل نقاشًا عامًا: من يملك ذاكرة المدينة ومن يحميها؟

شجرة عمرها قرن في قلب سيول تشعل نقاشًا عامًا: من يملك ذاكرة المدينة ومن يحميها؟

قضية شجرة تتجاوز حدود الحي

في مدينة كبيرة وسريعة الإيقاع مثل سيول، قد يبدو خبر يتعلق بشجرة واحدة خبرًا محليًا عابرًا للوهلة الأولى. لكن ما جرى في حي بوام-دونغ، التابع لمنطقة جونغنو في العاصمة الكورية الجنوبية، حوّل شجرة جنكة معمّرة إلى عنوان لنقاش مدني وثقافي وبيئي واسع. فبحسب ما أُثير في مؤتمر صحفي نظمه سكان محليون مع نشطاء من «اتحاد سيول البيئي»، فإن شجرة جنكة يُقدَّر عمرها بأكثر من مئة عام، وتقف خارج سور متحف «هوانغي» للفنون، تعرضت لعملية إتلاف متعمد عبر حقنها بمبيد أعشاب، ما أدى إلى ذبولها وموتها التدريجي.

القصة هنا لا تتعلق فقط بادعاء جنائي محتمل، ولا بمجرد خلاف بين مؤسسة ثقافية وسكان الحي. إنها، بالمعنى الأوسع، قصة عن من يقرر مصير ما تبقى من الطبيعة داخل المدن الحديثة، وعن الحدود الفاصلة بين الملكية الخاصة والمصلحة العامة، وعن قيمة الشجرة القديمة حين تتحول من عنصر صامت في المشهد اليومي إلى «ذاكرة حيّة» لسكان المكان. هذا النوع من القضايا قريب من وجدان القارئ العربي أيضًا؛ فكم من مدينة عربية فقدت أشجارًا عتيقة أو بساتين قديمة تحت ضغط الاستثمار العمراني، ثم اكتشفت متأخرة أن ما ضاع لم يكن مجرد ظلّ أو منظر جميل، بل جزء من الذاكرة الجمعية؟

وفي كوريا الجنوبية، حيث تتعايش ناطحات الزجاج والخرسانة مع تقاليد تمنح الطبيعة مكانة رمزية وروحية، تأخذ هذه القضية معنى إضافيًا. فالشجرة القديمة في الحي ليست مجرد نبات، بل شاهد على تبدل الأزمنة، وعلى تحولات المجتمع، وعلى علاقة الإنسان الكوري المعاصر بمحيطه في مدينة تتوسع بلا توقف. ومن هنا، لم يكتف السكان بالمطالبة بالتحقيق والاعتذار، بل دعوا كذلك إلى تصنيف الشجرة «شجرة محمية»، وهو تصنيف إداري وقانوني يمنح الأشجار ذات القيمة التاريخية أو البيئية أو الثقافية قدرًا من الحماية الخاصة.

ما الذي حدث أمام متحف «هوانغي»؟

الوقائع المؤكدة حتى الآن، وفق ما جرى عرضه في المؤتمر الصحفي وما تناقلته وسائل الإعلام الكورية، تبدأ من مشهد بدا بسيطًا لكنه أثار الشكوك. أحد سكان المنطقة لاحظ تساقط أوراق الشجرة بشكل غير طبيعي وظهور علامات جفاف مفاجئة عليها. في المدن، يمر الناس يوميًا بجانب الأشجار من دون انتباه كبير، لكن الأشجار القديمة تحديدًا تصبح جزءًا مألوفًا من حياة الجيران؛ يعرفون شكلها في الربيع، ولونها في الخريف، وحتى إيقاع ظلها على الرصيف. لهذا كان التغير في حالتها سريع الالتقاط من جانب سكان الحي.

بعد ذلك، قال السكان إنهم اطلعوا على تسجيلات كاميرات مراقبة قدمها أحد المقيمين في الجوار. ووفق الرواية التي عرضها المنظمون، تُظهر التسجيلات عاملين يرتديان ملابس عمل خضراء وقد اقتربا من الشجرة في صباح 22 من الشهر السابق، ثم استخدما مثقابًا لحفر ثقوب في جذعها قبل حقن مادة قال السكان والنشطاء إنها مبيد أعشاب. هذه الجزئية بالذات هي التي نقلت القضية من مجرد شك بيئي إلى اتهام صريح بفعل متعمد، لأن الأمر لم يعد متعلقًا بشجرة هرمت طبيعيًا أو أصابها مرض موسمي، بل باحتمال وجود تدخل بشري مباشر أدى إلى موتها.

مع ذلك، ومن باب المهنية الصحفية، لا بد من التمييز بين ما هو مؤكد وما يزال في دائرة الادعاء. المؤكد هو انعقاد المؤتمر الصحفي، ووجود اتهام معلن، وعرض رواية تستند إلى تسجيلات كاميرات مراقبة. أما ما يتجاوز ذلك، مثل الحسم القانوني في المسؤولية أو الجهة التي أمرت بالفعل أو دوافعه الدقيقة، فلا يزال يحتاج إلى تحقيق رسمي وأدلة فنية وإجراءات قانونية. هذه النقطة مهمة، لأن قوة القضية اجتماعيًا لا تعني بالضرورة اكتمال صورتها قضائيًا بعد.

لكن حتى قبل انتهاء أي مسار قانوني، فإن حجم التفاعل مع القضية يكشف أن الرأي العام الكوري لا يقرأ الحادثة بوصفها تفصيلًا صغيرًا. فالحديث هنا عن شجرة تقف خارج جدار مؤسسة فنية معروفة، في حي ذي طابع سكني وثقافي مميز، وفي منطقة من سيول ترتبط في المخيال المحلي بصورة الأحياء القديمة الهادئة نسبيًا مقارنة بصخب العاصمة. بهذا المعنى، فالمكان نفسه جزء من الخبر، لا خلفية محايدة له.

لماذا تثير شجرة الجنكة كل هذا الاهتمام؟

قد يتساءل القارئ العربي: لماذا شجرة الجنكة تحديدًا؟ في شرق آسيا عمومًا، وفي كوريا الجنوبية على وجه الخصوص، تحمل أشجار الجنكة مكانة رمزية وجمالية واضحة. هي من الأشجار المرتبطة بقوة بمشهد الخريف، حين تتحول أوراقها إلى الأصفر الذهبي فتملأ الشوارع والحدائق بمنظر يُعد من العلامات الموسمية المحببة لدى الكوريين. وفي كثير من المدن الكورية، كما في طوكيو وبكين أيضًا، تتحول طرق تصطف على جانبيها أشجار الجنكة إلى معالم تصوير ومتنزهات مفتوحة في موسم الخريف.

لكن القيمة هنا ليست جمالية فحسب. حين تكون الشجرة معمرة، فإن معناها يتسع ليشمل الاستمرارية والصمود والذاكرة. في ثقافات عربية كثيرة، نعرف شيئًا مشابهًا في مكانة الزيتون المعمر، أو السدر، أو النخيل القديم الذي ترتبط به الحكايات العائلية والملكية الزراعية والحنين إلى المكان. شجرة تقف في موضعها لعقود طويلة لا تعود مجرد كائن حي منفصل، بل تصبح جزءًا من هوية الحي، بل ومن ذاكرة سكانه. وهذا ما يفسر اللغة العاطفية التي يستخدمها السكان عادة عند الحديث عن أشجارهم القديمة، إذ يتحدثون عنها كما لو كانت جارًا قديمًا أو معلمًا من معالم الطفولة.

في الحالة الكورية، تتضاعف رمزية الشجرة عندما تكون في فضاء حضري كثيف البناء. المدن الحديثة لا تمنح الطبيعة فرصًا كثيرة للبقاء من دون تفاوض دائم مع الإسمنت والمرور ومشاريع التطوير. لذلك فإن بقاء شجرة يتجاوز عمرها المئة عام في موقعها داخل العاصمة يعني أنها نجت من تحولات سياسية وعمرانية واجتماعية متعاقبة. لقد عاشت ما قبل الحرب الكورية، ثم سنوات إعادة الإعمار، فالطفرة الصناعية، فالتوسع الحضري المتسارع، وصولًا إلى سيول المعاصرة التي تُقدَّم عالميًا باعتبارها نموذجًا للمدينة فائقة الحداثة. هذا الامتداد الزمني يمنح الشجرة قيمة معنوية تكاد تتجاوز قيمتها النباتية.

ومن هنا نفهم لماذا رأى السكان أن المسألة لا تختصر في «إتلاف شجرة»، بل في محو عنصر من عناصر الذاكرة المحلية. في مدننا العربية أيضًا، كثيرًا ما تكون الخسارة الأكبر غير مرئية في البداية: حين تُقتلع شجرة معمّرة أو يُهدم بيت قديم، يبدو الحدث في الأوراق الإدارية عملية عادية، لكن أثره في الشعور العام أكبر بكثير. لأنه يقطع صلة الناس بشيء ثابت وسط عالم سريع التبدل.

خارج السور: أين تبدأ الملكية وأين تنتهي المصلحة العامة؟

من أكثر التفاصيل دلالة في هذه القضية أن الشجرة، بحسب رواية السكان، كانت تقف خارج سور المتحف لا داخله. هذا التفصيل الصغير ظاهريًا يحمل وزنًا كبيرًا في النقاش العام، لأنه يطرح سؤال «الفضاء العام» بوضوح. فحين تكون الشجرة في حديقة خاصة، يدخل النقاش عادة في تعقيدات حق المالك في إدارة ممتلكاته. أما عندما تكون خارج السور، في منطقة يمر بها الناس وتشكّل جزءًا من مشهدهم اليومي، فإن الإحساس العام يتغير: الشجرة هنا ليست مجرد ملحق عقاري، بل مكوّن من البيئة المشتركة.

ولهذا بالضبط بدا رد فعل سكان بوام-دونغ حادًا. بالنسبة إليهم، الشجرة لا تخص مؤسسة بعينها، حتى لو كانت ملاصقة لها، بل تخص الحي بمعناه المعنوي. نحن هنا أمام مفهوم قريب من فكرة «الحق في المدينة» التي تتردد في أدبيات التخطيط الحضري عالميًا: أي حق السكان في أن يكون لهم صوت في شكل المكان الذي يعيشون فيه، وفي موارده البيئية والبصرية والثقافية. الشجرة القديمة، في هذا الإطار، ليست زينة ثانوية بل جزء من جودة الحياة اليومية.

كما أن وقوع الجدل عند محيط متحف يضيف طبقة أخرى من التعقيد. المؤسسات الثقافية، سواء في كوريا أو في العالم العربي، تُحمَّل عادة صورة معنوية إيجابية؛ فهي أماكن للفن والمعرفة والتربية الجمالية والانفتاح على المجتمع. لذلك فإن مجرد اقتران اسم مؤسسة فنية بقضية من هذا النوع يكفي لإثارة حساسية أكبر. المجتمع يتوقع من المتحف أو المركز الثقافي أن يكون أقرب إلى حماية الجمال والطبيعة، لا إلى الدخول في نزاع حولهما. وحتى لو لم تثبت المسؤولية قانونيًا في النهاية، فإن مجرد طرح الشبهة في هذا السياق يكشف حجم الفجوة بين الصورة التي ينتظرها الناس من الفضاء الثقافي وما يخشون حدوثه على الأرض.

في مدن عربية كثيرة، نرى المعضلة نفسها بأشكال مختلفة: مؤسسة عامة أو مشروع خاص يرفع شعار التطوير والجمال، بينما ينتهي الأمر بإزالة أشجار أو طمس معالم محلية كانت جزءًا من ذاكرة الناس. لذلك تبدو هذه الحادثة الكورية مألوفة من بعيد، رغم اختلاف الجغرافيا. إنها تذكير بأن التنمية الحضرية، حين تنفصل عن الحس المدني، قد تتحول بسهولة إلى خصم للهوية المحلية بدلًا من أن تكون امتدادًا لها.

لماذا يطالب السكان بتصنيفها «شجرة محمية»؟

المطلب الذي رفعه السكان والنشطاء لم يقتصر على الاعتذار أو المعاقبة. فقد دعوا أيضًا إلى تصنيف الشجرة «شجرة محمية». في كوريا الجنوبية، كما في دول أخرى، تُمنح بعض الأشجار صفة خاصة إذا كانت ذات قيمة تاريخية أو علمية أو جمالية أو رمزية للمجتمع المحلي. هذا التصنيف لا يعني مجرد تثبيت لوحة تعريفية عليها، بل يترتب عليه عادة مستوى أعلى من الرقابة والإجراءات الوقائية والعقوبات في حال الإضرار بها.

المثير هنا أن مطلب الحماية جاء بعد ظهور مؤشرات الضرر، لا قبله. وهذا يكشف ثغرة مألوفة في إدارة البيئة الحضرية: كثير من الأشياء لا تُعامل بوصفها ذات قيمة عامة إلا بعد تعرضها للخطر. كأن المجتمع يحتاج إلى صدمة كي يدرك ما كان موجودًا أمامه طوال الوقت. في التراث العربي أمثلة كثيرة على هذا التأخر؛ لا نلتفت إلى بيت أثري إلا بعد أن يتشقق، ولا نفكر في تسجيل شجرة أو بستان أو عين ماء إلا بعد أن تهددها الجرافات أو الإهمال.

من هذه الزاوية، فإن مطلب الحماية ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل تشخيص لنقص في آليات الوقاية. إذا كانت شجرة بهذا العمر وهذه الرمزية يمكن أن تبقى بلا وضع قانوني خاص، فهذا يعني أن المدن لا تملك دائمًا خرائط واضحة لما يجب اعتباره ثروة بيئية وثقافية مشتركة. والحماية هنا ليست حماية للشجرة وحدها، بل لسلسلة قيم مرتبطة بها: الحق في الظل، وفي المشهد الطبيعي، وفي الذاكرة، وفي التوازن البيئي الصغير الذي تصنعه شجرة واحدة في شارع مزدحم.

واللافت أيضًا أن السكان أدركوا، على ما يبدو، أن الإدانة الأخلاقية وحدها لا تكفي. فالغضب الشعبي قد يهدأ، والضجيج الإعلامي قد ينخفض، لكن ما يبقى فعلًا هو الإطار القانوني والإداري. لذلك كان الانتقال من الاحتجاج إلى المطالبة بالتقنين خطوة مهمة. وهي خطوة يمكن أن يستلهم منها كثير من الناشطين في مدن عربية، حيث تبقى حملات الدفاع عن الأشجار أو المعالم الطبيعية أسيرة البيانات والاستنكار، من دون التحول إلى مطالب مؤسسية دائمة.

حين يراقب الجيران ما تعجز عنه المؤسسات

من أبرز أبعاد القضية أن من لاحظ التغير أولًا لم تكن جهة رسمية، ولا إدارة بيئية، ولا فريق خبراء، بل سكان الحي أنفسهم. هذه الحقيقة تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف طبيعة الرقابة الفعلية على البيئة في المدن: من يعيشون يوميًا في المكان هم غالبًا الأقدر على اكتشاف ما يطرأ عليه من تغيرات دقيقة. الجار الذي يمر كل صباح، وصاحب المتجر الذي يرفع بصره إلى الشجرة نفسها منذ سنوات، والمقيم الذي يعرف موعد اصفرار الأوراق في الخريف، كل هؤلاء يشكلون شبكة مراقبة مدنية لا تُقدَّر قيمتها بما يكفي.

في هذه القضية، التقط السكان علامة الخلل من الأوراق الذابلة، ثم توسعت الدائرة إلى الاستعانة بكاميرات المراقبة، ثم إلى إشراك منظمة بيئية قادرة على تحويل الشكوى المحلية إلى قضية رأي عام. هذه السلسلة مهمة، لأنها تبين كيف تتكون القضايا المدنية اليوم: تبدأ من حساسية يومية صغيرة، ثم تجد أداتها التقنية، ثم تدخل المجال العام عبر تنظيم جماعي ورسالة واضحة. ومن دون هذه المراحل الثلاث، كان يمكن للشجرة أن تموت بصمت، وأن يُفسَّر الأمر ببساطة على أنه مرض طبيعي أو تقادم عمر.

هذا الدور الذي يلعبه السكان يذكرنا بأن حماية البيئة ليست شأنًا حكوميًا صرفًا. في أحياء عربية كثيرة، يلعب الأهالي الدور نفسه عندما يعترضون على قطع الأشجار، أو يوثقون مخالفات ردم شاطئ أو تجفيف مساحة خضراء، أو يفضحون اعتداءات على مساحات عامة. بل إن كثيرًا من الملفات البيئية في المنطقة العربية لم تبدأ أصلًا من المؤسسات، بل من مواطنين عاديين امتلكوا عينًا يقظة وشعورًا بأن المكان ليس سلعة محضة.

ما تضيفه الحالة الكورية هنا هو أن المجتمع المحلي حين يتعاون مع منظمة متخصصة يستطيع أن يمنح القضية لغة أكثر اتزانًا وتأثيرًا. فبدل أن تبقى المسألة مجرد غضب شعبي، تدخل في مسار منظم: مؤتمر صحفي، سرد للوقائع، مطلب محدد، ورسالة تتجاوز الشجرة ذاتها إلى سياسات الحماية الحضرية. وهذا النوع من النضج المدني هو ما يجعل خبرًا محليًا يتحول إلى سؤال وطني أوسع.

ما الذي تكشفه القضية عن الثقافة الكورية الحضرية؟

لفهم عمق التفاعل مع القضية، من المفيد التوقف عند السياق الكوري الأوسع. كوريا الجنوبية بلد عرف خلال عقود قليلة انتقالًا هائلًا من الفقر إلى التصنيع ثم إلى الاقتصاد المعرفي، وهذا التحول السريع ترك بصمته الثقيلة على المدن. سيول بالذات مدينة تختصر مفارقة آسيوية معروفة: حداثة تقنية فائقة، في مقابل قلق دائم من فقدان الملامح الأقدم للمكان. ولهذا نجد في السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا في كوريا بمفاهيم مثل «التراث اليومي» و«الأحياء الحساسة للتاريخ» و«التوازن بين التطوير والحياة المحلية».

حي بوام-دونغ، حيث وقعت الحادثة، ليس مجرد حي سكني عادي. فهو من المناطق التي تحتفظ بشيء من هدوء سيول القديمة، وتجاور فيها الفنون والمساكن والمنحدرات الخضراء نسبيًا. أما متحف «هوانغي» نفسه، فهو مرتبط باسم الفنان الكوري البارز كيم هوانغي، ويقع في منطقة تحمل أصلًا قيمة ثقافية بالنسبة للمهتمين بالفن الحديث الكوري. لذلك فإن اصطدام الثقافة المؤسسية بالطبيعة المحلية في هذا المكان يخلق صدى رمزيًا أقوى مما لو وقع الأمر في شارع تجاري مجهول.

ومن الزوايا المهمة كذلك أن المجتمع الكوري شديد الحساسية، في السنوات الأخيرة، تجاه قضايا الشفافية والمساءلة والمسؤولية العامة. هذه الحساسية لا تخص السياسة وحدها، بل تمتد إلى الشركات والمؤسسات الثقافية والتعليمية. لذلك فإن القضية لا تُقرأ فقط باعتبارها ملفًا بيئيًا، بل باعتبارها اختبارًا أخلاقيًا أيضًا: هل تعترف الجهة المعنية بما حدث؟ هل توضح الملابسات؟ هل تتعامل مع السكان بوصفهم شركاء في المكان أم خصومًا؟

هذا البعد الأخلاقي مفهوم جدًا للقارئ العربي، لأن مؤسساتنا أيضًا تُقاس في كثير من الأحيان لا فقط بما تفعله قانونيًا، بل بكيفية تعاملها مع الناس حين تقع أزمة. الاعتذار، والشفافية، وشرح الإجراءات، والاستماع إلى المجتمع، كلها ليست تفاصيل ثانوية. في بعض الأحيان، تحدد هذه العناصر صورة المؤسسة أكثر مما يحدده الحدث الأصلي نفسه.

من سيول إلى مدننا: الدرس الذي لا ينبغي تجاهله

قد تبدو شجرة جنكة في حي كوري بعيد عن العالم العربي، لكن مضمون القضية قريب جدًا من أسئلتنا المحلية. نحن أيضًا نعيش في مدن تتسارع فيها مشاريع التحديث، وتتراجع فيها المساحات الخضراء، ويُنظر فيها أحيانًا إلى الشجرة القديمة كعائق أمام التوسعة أو الترتيب العمراني أو «التجميل» بمعناه السطحي. ومع كل مشروع جديد، يتكرر السؤال نفسه: هل نتعامل مع الطبيعة بوصفها شريكًا في المدينة أم مجرد مادة قابلة للإزاحة؟

في بلدان عربية عدة، تحولت معارك الحفاظ على الأشجار إلى جزء من النقاش حول الحق في البيئة والهوية الحضرية. من أشجار معمرة في أحياء القاهرة وبيروت والرباط وتونس والقدس، إلى نخيل وبساتين في مدن الخليج والمغرب العربي والمشرق، تتكرر الفكرة ذاتها: ما يبدو عنصرًا بسيطًا في التصميم المدني قد يكون في الحقيقة حاملًا لطبقات من الذاكرة والانتماء. وعندما يُفقد، لا يُعوَّض بزرع شجرة صغيرة مكانه فحسب، لأن الزمن نفسه جزء من القيمة.

القضية الكورية تذكرنا أيضًا بأن المؤسسات الثقافية ليست معفاة من المساءلة البيئية، بل ربما يُفترض أن تكون في مقدمة المدافعين عنها. فالثقافة، في معناها العميق، ليست معارض ولوحات ومباني فقط؛ إنها أيضًا علاقة بالمكان وبالطبيعة التي تعطي هذا المكان روحه. وإذا انفصلت المؤسسة الثقافية عن محيطها الاجتماعي والبيئي، فإنها تخسر جزءًا من رسالتها، حتى لو حافظت على بريقها المعماري أو الرمزي.

في النهاية، سواء أثبتت التحقيقات كل تفاصيل الادعاء أم كشفت صورة أكثر تعقيدًا، فإن هذه الحادثة نجحت بالفعل في طرح السؤال الأهم: من يحرس ما تبقى من الذاكرة الطبيعية داخل المدينة؟ ليس القانون وحده، ولا النشطاء وحدهم، ولا الجيران وحدهم، بل شبكة كاملة من الوعي والمساءلة والحماية المؤسسية. الشجرة القديمة في بوام-دونغ تقف اليوم، حتى وهي مهددة بالذبول، بوصفها رمزًا لمواجهة أكبر من حدود جذعها وأغصانها. إنها مواجهة بين من يرى المدينة مجرد عقار يتبدل، ومن يراها كائنًا حيًا تتراكم فيه الذكريات مثلما تتراكم الحلقات في قلب الشجر.

ولهذا تحديدًا يستحق الخبر أن يُقرأ عربيًا لا بوصفه غرابة كورية، بل باعتباره مرآة لأسئلتنا نحن أيضًا. فكل مدينة تفقد أشجارها القديمة بلا اكتراث، تفقد معها شيئًا من قدرتها على تذكر نفسها.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات