광고환영

광고문의환영

لاميران تطرق باب الخيال العائلي: «متجر الحلوى العجيب» يختبر دفء السينما الكورية بلغة يفهمها كل بيت عربي

لاميران تطرق باب الخيال العائلي: «متجر الحلوى العجيب» يختبر دفء السينما الكورية بلغة يفهمها كل بيت عربي

حين يغادر نجم الواقعية إلى أرض الخيال

في سوق سينمائي بات يميل في كثير من الأحيان إلى الضجيج البصري، والمطاردات، والعوالم الضخمة التي تتباهى بتأثيراتها الخاصة، تبدو خطوة الممثلة الكورية الجنوبية لاميران نحو بطولة فيلم فانتازيا عائلي كأنها إعلان هادئ، لكنه بالغ الدلالة، عن رغبة أخرى داخل السينما الكورية: رغبة في استعادة الدفء. فالممثلة التي عرفها الجمهور الكوري، وتابعها جمهور المنصات عربياً، من خلال حضورها القوي في أدوار تنتمي غالباً إلى الحياة اليومية بتفاصيلها الدقيقة، اختارت هذه المرة أن تدخل عالماً عنوانه «متجر الحلوى العجيب جونتشون دانغ»، وهو عمل جديد يقوم على فكرة تبدو بسيطة للوهلة الأولى: متجر يبيع الحلوى، لكن تلك الحلوى ليست مجرد سكاكر للأطفال، بل بوابة للأمنيات، والاختيارات، وما يرافقهما من ثمن عاطفي وأخلاقي.

الخبر في ظاهره فني بحت: ممثلة معروفة تشارك في فيلم جديد عُرضت لقطاته الأولى في سيول خلال فعالية ضمت عرضاً مسبقاً ومؤتمراً صحفياً. لكن ما وراء الخبر أهم بكثير من مجرد الإعلان عن عنوان جديد. لاميران نفسها قالت بوضوح إنها كانت ترغب في خوض تجربة الفانتازيا، وإن ما جذبها إلى الفيلم هو كونه «جميلاً ودافئاً» وممتلئاً بحكايات إنسانية. هذه العبارة ليست تفصيلاً عابراً؛ فهي تختصر الرهان الحقيقي للفيلم. نحن هنا لا نتحدث عن فانتازيا تقوم على الرعب أو الإثارة أو قلب موازين الكون، بل عن خيال أقرب إلى الحكاية الشعبية التي تجلس العائلة لسماعها في المساء، أو إلى قصص الجدات التي تبدأ من أمر مألوف جداً ثم تنفتح على احتمال غير متوقع.

بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن فهم هذه النقلة إذا استحضرنا كيف ينجح أحياناً ممثل ارتبط في أذهان الناس بأدوار اجتماعية صلبة في الانتقال فجأة إلى مساحة شاعرية أو رمزية، من دون أن يفقد مصداقيته. هذا النوع من الانتقال لا ينجح إلا عندما يحمل الممثل معه رصيده من الثقة. ولاميران تمتلك هذا الرصيد بوضوح. فهي ليست نجمة تُباع صورتها على الملصق فحسب، بل ممثلة بنَت مكانتها على الإقناع العاطفي، وعلى قدرتها على جعل الشخصيات العادية شخصيات لا تُنسى. لذلك فإن دخولها إلى عالم الفانتازيا لا يعني تخلّيها عن الواقعية، بل نقل تلك الواقعية إلى فضاء آخر، بحيث يصبح الخيال قابلاً للتصديق لأن المشاعر فيه حقيقية.

وهذا بالضبط ما يمنح المشروع أهميته. السينما الكورية لم تعد، منذ سنوات، مجرد ظاهرة محلية أو إقليمية، بل صارت جزءاً من المشهد العالمي، من أفلام المهرجانات إلى الدراما الجماهيرية ومنصات البث. غير أن حضورها في مجال «الفانتازيا العائلية» لا يزال أقل رسوخاً مقارنة بقوة حضورها في الإثارة الاجتماعية، والدراما، وأفلام الجريمة، وحتى الرومانسية المعاصرة. من هنا، يبدو «متجر الحلوى العجيب» كأنه محاولة لاختبار مساحة أقل صخباً، لكنها أكثر حساسية: كيف تصنع فيلماً يمكن أن يشاهده الطفل والوالد معاً، ويخرج كل منهما بشيء مختلف لكنه متكامل؟

هذا السؤال، في الحقيقة، هو الذي يجعل الخبر مهماً عربياً أيضاً. فالأسواق العربية بدورها تعاني نقصاً واضحاً في الأعمال العائلية التي تحترم ذكاء الصغار ولا تُقصي الكبار، وتبحث عن الفكرة الدافئة لا عن الوعظ المباشر. لذلك فإن متابعة هذه التجربة الكورية ليست من باب الفضول تجاه صناعة أجنبية فقط، بل من باب تأمل نموذج قد ينجح لأنه يتكئ على شيء نعرفه جيداً في ثقافتنا: الحكاية التي تعالج الخوف والرجاء من خلال رمز بسيط، مثل دكان صغير، أو قطعة حلوى، أو أمنية قالها طفل بصدق.

من رواية يابانية إلى شاشة كورية: قوة الحكاية حين تعبر الحدود

الفيلم يستند إلى سلسلة روايات فانتازيا للأطفال للكاتبة اليابانية ريكو هيروشيما، وهي سلسلة حققت انتشاراً لافتاً، مع مبيعات عالمية تجاوزت 11 مليون نسخة، وأكثر من مليوني نسخة في كوريا الجنوبية وحدها. هذه الأرقام ليست مجرد زينة دعائية تعلق على ملصق الفيلم، بل مؤشر ثقافي مهم. عندما ينجح نص موجّه أساساً لليافعين والأسر في عبور اللغات والأسواق بهذا الشكل، فهذا يعني أن بنيته العاطفية تمتلك قابلية عالية للترجمة الثقافية. أي أن جوهره لا يعتمد فقط على نكات محلية أو رموز مغلقة، بل على مشاعر يمكن أن تُفهم في طوكيو وسيول والقاهرة والدار البيضاء وبيروت في آن واحد.

فكرة «المتجر السحري» ليست غريبة عن المخيال الإنساني. في الأدب العربي نفسه، لطالما عرفنا أسواقاً وعطارين وأماكن تبدو عادية من الخارج، لكنها تخفي في الداخل سراً أو اختباراً أو باباً إلى مصير آخر. من «ألف ليلة وليلة» إلى حكايات التراث الشعبي في المشرق والمغرب، هناك دائماً دكان ما، أو صندوق ما، أو بائع غامض يحمل أكثر مما يبدو على السطح. ما يفعله النص الياباني، ثم الفيلم الكوري لاحقاً، هو تحديث هذه البنية الحكائية بلغة معاصرة، مع نقلها من عالم التعاويذ الكبرى إلى عالم الرغبات اليومية. لسنا أمام أمنية لإنقاذ مملكة، بل أمام رغبة في شفاء أم مريضة، أو الهروب من التنمر، أو التفوق في العزف على البيانو، أو تخفيف ألم داخلي لا يعرف صاحبه كيف يعبّر عنه.

وهنا تكمن جاذبية العمل. الأعمال التي تعيش طويلاً ليست بالضرورة تلك التي تضخّم الرهان، بل تلك التي تعرف كيف تجعل التفاصيل الصغيرة شديدة الأهمية. والطفل أو المراهق الذي يشعر بالعجز أمام مرض أحد الوالدين، أو أمام ضغط المدرسة، لا يرى مشكلته صغيرة على الإطلاق. إنها بالنسبة إليه عالم كامل. لذلك فإن المتجر السحري في هذا السياق ليس مجرد ديكور جذاب، بل استعارة عن لحظة الإغراء: ماذا لو قُدمت لك وسيلة مختصرة لتجاوز الألم؟ ماذا لو جاء الخلاص في هيئة حلوى تبدو بريئة؟

هذا النوع من الحبكات ينجح عالمياً لأنه يجمع بين عنصرين لا يفشلان غالباً في شدّ الجمهور: الوعد، والثمن. فكل أمنية تحمل إغراءً، لكن كل إغراء يفتح الباب أمام سؤال أخلاقي. ماذا يريد الإنسان حقاً؟ وهل يعرف تبعات ما يطلبه؟ في ثقافتنا العربية، نقول كثيراً «احذر ما تتمناه»، وهي عبارة تلخص فلسفة كاملة عن الرغبة وحدودها. من هنا، فإن الفيلم يملك فرصة جيدة لمخاطبة الجمهور العربي ليس فقط عبر غرابة فكرته، بل عبر قربها من حكم وتجارب شائعة في وجداننا اليومي.

كما أن انتقال السلسلة من أصل ياباني إلى معالجة كورية حية يضيف طبقة أخرى من الاهتمام. نحن لا نتحدث عن نقل حرفي من كتاب إلى شاشة، بل عن إعادة صوغ ثقافية. السينما الكورية هنا لا تكتفي باستعارة قصة ناجحة، بل تحاول أن تمنحها نبرة محلية، عبر الأداء، والإيقاع، وطريقة بناء العاطفة، والرهان على ممثلة مثل لاميران كي تشدّ الخيوط كلها في اتجاه واحد. وهذا أمر مهم، لأن نجاح الاقتباس لا يُقاس بمدى وفائه للنص وحده، بل بقدرته على خلق حياة جديدة له داخل لغة بصرية مختلفة ومزاج اجتماعي مختلف.

فانتازيا بنكهة البيت: لماذا تبدو الحكاية قريبة من العائلة العربية؟

ما يجعل «متجر الحلوى العجيب» مشروعاً جديراً بالمتابعة من منظور عربي هو أنه لا يقدّم الفانتازيا باعتبارها قطيعة مع الواقع، بل باعتبارها وسيلة للتعامل معه. هذه نقطة أساسية. في كثير من الأعمال التجارية الكبرى، يكون الخيال مكاناً للهروب الكامل: مخلوقات أسطورية، حروب كونية، بوابات بين العوالم. أما هنا فالعالم السحري يدخل إلى قلب الحياة العادية: المدرسة، البيت، المرض، الشعور بالنقص، المنافسة، الوحدة. لهذا السبب يبدو الفيلم أقرب إلى الدراما الاجتماعية الملبسة بثوب عجائبي، وليس مجرد عرض من الحيل البصرية.

في المجتمعات العربية، تعرف الأسرة جيداً معنى أن تكون القصة «لكل من في البيت». فالأم قد تقرأ الحكاية بطريقة، والأب بطريقة أخرى، والطفل يلتقط منها ما يخصه، والمراهق يضع نفسه في موضع البطل أو الضحية. حين يطرح الفيلم حكايات متعددة عن أمنيات مختلفة، فهو يوسّع إمكان التعاطف. هناك طفل يريد شفاء أمه؛ وهذه حبكة تكفي وحدها لأن تمسّ وجدان أي مشاهد عربي يعرف مركزية الأم في البنية العاطفية للأسرة. وهناك طفل يريد الخلاص من التنمر؛ وهو موضوع لم يعد هامشياً، بل صار جزءاً من نقاش أوسع حول المدرسة والصحة النفسية والضغط الاجتماعي. وهناك شاب أو شابة يواجهان قلق التفوق والإنجاز؛ وهو قلق لا يختلف كثيراً بين سيول والعواصم العربية، وإن اختلفت التفاصيل.

ولعل هذه النقطة تحديداً هي التي تمنح الفيلم بعداً يتجاوز الترفيه. فالفانتازيا العائلية الناجحة لا تكتفي بإدهاش الأطفال، بل تمنح الكبار مساحة للتأمل في ما يطلبه الأبناء فعلاً. كثير من الأمنيات التي يعبّر عنها الصغار ليست في جوهرها سوى طلب للحماية أو الاعتراف أو الطمأنينة. وعندما تُحوَّل هذه الأمنيات إلى حلوى سحرية، فإن الحكاية تصبح أشبه بمرآة ناعمة تكشف هشاشة البشر جميعاً، لا الصغار وحدهم. هنا تقترب الفكرة من بنية الأمثال والحكايات الأخلاقية العربية التي لا توبّخ المتلقي، بل تضعه أمام موقف ثم تترك له أن يكتشف الدرس بنفسه.

كذلك يهمّ توضيح مفهوم قد لا يكون مألوفاً لبعض القراء العرب، وهو أن هذا النوع من الفانتازيا في الثقافة الكورية واليابانية غالباً ما يقوم على «العجيب القريب» لا «العجيب البعيد». أي أن السحر لا يظهر دائماً في قلاع شاهقة أو كائنات عملاقة، بل قد يختبئ في متجر حلوى، أو في غرض منزلي، أو في زقاق عادي. هذه الحساسية الآسيوية في بناء العجائبي تقوم على فكرة أن ما وراء المألوف يمكن أن يكون لصيقاً جداً بالحياة اليومية. وربما يفسّر ذلك سبب تأثيرها العاطفي، لأنها لا تطلب من الجمهور أن يهاجر بعيداً كي يصدقها؛ يكفي أن ينظر من جديد إلى ما حوله.

من هذه الزاوية، قد يجد المشاهد العربي نفسه أمام عمل يذكّره، بطريقة غير مباشرة، بحكايات تربى عليها، لكن بوسائط حديثة وحساسية بصرية معاصرة. وهذا ليس أمراً بسيطاً. فالنجاح الحقيقي لأي عمل وافد إلى منطقتنا لا يكمن في غرابته الكاملة، بل في قدرته على إيقاظ شيء مألوف داخلنا ونحن نظنه بعيداً عنا.

لاميران بوصفها ضمانة شعورية: ماذا يعني هذا الاختيار؟

اختيار لاميران لقيادة فيلم كهذا ليس تفصيلاً إنتاجياً عادياً، بل رسالة واضحة عن هوية العمل. فالممثلة الكورية راكمت على مدى سنوات صورة فنية قائمة على الموثوقية. عندما تظهر على الشاشة، يتوقع منها الجمهور حضوراً يمسك بالعاطفة من طرفها الصحيح، من دون مبالغة ولا برود. هي من الممثلات اللواتي يملكن قدرة نادرة على جعل القسوة مفهومة، والحنان مؤثراً، والسخرية إنسانية، والألم قريباً من الناس. لذلك فإن وجودها في فيلم فانتازي يعني، عملياً، أن الفيلم لا يريد أن يطير بعيداً عن الأرض.

في المؤتمر الصحفي الذي رافق العرض المسبق، شددت لاميران على أنها أرادت خوض تجربة الفانتازيا، وأن ما شدّها هو جمال الحكايات ودفؤها. هذه الكلمات تكشف أيضاً عن وعي بصورتها المهنية. فهي تعرف أن الجمهور اعتاد عليها في أدوار متجذرة في الواقع، ولهذا تبدو رغبتها في الفانتازيا أقرب إلى التوسّع الطبيعي لا إلى المغامرة الاعتباطية. ثمة فرق بين ممثل يذهب إلى الخيال ليختبئ من محدودية أدواته، وممثل يذهب إليه ليحمله على كتفيه بخبرته في تجسيد البشر كما هم. لاميران تنتمي بوضوح إلى النوع الثاني.

هذا مهم لأن أفلام الفانتازيا العائلية تواجه معضلة خاصة: عليها أن تقنع الطفل بالمعجزة، وأن تقنع الراشد بصدق المشاعر. الطفل غالباً مستعد للدخول في اللعبة بسرعة، أما البالغ فيسأل: هل هذه الشخصية حقيقية؟ هل ألمها مفهوم؟ هل تبدو ردود أفعالها صادقة؟ وجود ممثلة تملك تاريخاً من الأداء المقنع يجعل الفيلم في موقع أفضل لتجاوز هذا الامتحان. وبدلاً من أن يكون المتجر السحري مجرد حيلة سردية، يمكن أن يصبح مساحة درامية تتقاطع فيها حاجات بشرية حقيقية.

من منظور صناعي أيضاً، يحمل هذا الاختيار دلالة لافتة. السينما الكورية بارعة في توظيف صورة الممثل أو الممثلة بوصفها جزءاً من معنى الفيلم، لا مجرد وسيلة للتسويق. حين يُختار نجم معروف في إطار غير متوقع، يكون ذلك في كثير من الأحيان جزءاً من استراتيجية أوسع: استدراج الجمهور إلى تجربة جديدة عبر عنصر مألوف. تماماً كما يحدث عندما يأخذ مخرج ممثلاً مشهوراً بالكوميديا ويضعه في دور درامي جاد، كي ينتج توتراً مفيداً بين صورة سابقة وصورة راهنة. في حالة لاميران، هذا التوتر لا يُنتج صدمة، بل فضولاً: كيف ستبدو هذه الممثلة التي صدقناها كثيراً في الواقع، حين تقودنا إلى الخيال؟

ولأن الجمهور العربي بات أكثر ألفة مع الوجوه الكورية بفضل المنصات الرقمية، فإن اسم لاميران نفسه يمكن أن يلعب دوراً في جذب شريحة من المتابعين الذين لا يكتفون بمتابعة النجوم الشباب أو الأعمال الرومانسية الأكثر انتشاراً، بل صاروا يلتفتون أيضاً إلى ممثلين يملكون ثقل الأداء ومرونته. هذه نقطة ينبغي عدم التقليل من أهميتها، لأن الموجة الكورية عربياً لم تعد قائمة فقط على الاستهلاك السريع، بل على تَشكُّل ذائقة أكثر انتباهاً إلى الفروق بين الأنواع والأداءات.

البنية الحكائية: متجر الأمنيات وصيغة الحكايات المتعددة

من أبرز العناصر اللافتة في الفيلم اعتماده على صيغة الحكايات المتعددة، أو ما يمكن وصفه ببنية «الأومنيبوس»، حيث يمر على المتجر أشخاص مختلفون، لكل منهم أمنيته وجرحه وسؤاله الخاص. هذه الصيغة تمنح العمل مرونة كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام تحدٍّ واضح: كيف يبقى العالم متماسكاً، وكيف لا تتحول القصص إلى لوحات منفصلة بلا روح جامعة؟ هنا يعود الرهان مرة أخرى إلى شخصية صاحبة المتجر، وإلى المناخ العام الذي يصنعه المكان بوصفه مركز الثقل العاطفي والرمزي للفيلم.

صيغة القصص المتعددة محببة عادة في الأعمال العائلية لأنها تسمح لكل مشاهد أن يجد «نقطة دخوله» إلى الفيلم. من يشغله المرض سيتعلق بقصة، ومن يعرف قسوة المدرسة سيتعلق بأخرى، ومن يعيش ضغط المنافسة سيجد نفسه في ثالثة. لكن ما يمنح هذه الحكايات معناها ليس تنوعها فحسب، بل الخيط الذي يربطها: فكرة أن الرغبة الإنسانية، مهما اختلفت وجوهها، تخرج من أصل واحد هو الشعور بالنقص أو الخوف أو الحاجة إلى النجاة.

والحلوى هنا ليست اختياراً بريئاً على المستوى الرمزي. الحلوى في معظم الثقافات مرتبطة بالمكافأة والفرح والطفولة والاحتفال. نحن في العالم العربي نوزع الحلوى في المناسبات، ونربطها بالنجاح والعودة والولادة والأعياد. حين تتحول الحلوى إلى أداة تمنح الأمنيات، فإن الفيلم يشتغل على تناقض ذكي: شيء حلو ومحبوب يمكن أن يحمل أيضاً امتحاناً أخلاقياً. هذا التوتر بين اللذة والنتيجة يجعل الفكرة أكثر عمقاً مما قد يوحي به عنوانها الطفولي.

كما أن بنية المتجر تسمح بمرور شخصيات من أعمار وخلفيات مختلفة، وهو ما يزيد من اتساع الجمهور المحتمل. ليست كل الحكايات مضطرة لأن تكون موجهة للأطفال حصراً. يمكن للبالغ أن يدخل المتجر هو الآخر، ولو بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لأن البالغين أيضاً لديهم أمنيات لا يقولونها بصوت مرتفع. وربما هنا تكمن واحدة من أجمل إمكانات الفيلم: أن يذكّر الكبار، من دون خطاب ثقيل، بأنهم لا يزالون يحملون داخلهم أسئلة مؤجلة منذ الطفولة.

إذا نجح الفيلم في ضبط إيقاع هذه القصص، ومنح كل واحدة منها ما يكفي من الوضوح والاختزال المؤثر، فإنه قد يحقق معادلة صعبة: فيلم يسهل متابعته، لكنه لا يستهين بذكاء الجمهور. وهذه معادلة تشتاق إليها كثير من العائلات في عالمنا العربي، حيث يجد المشاهد نفسه أحياناً أمام خيارين كلاهما ناقص: إما أعمال للصغار شديدة التبسيط، أو أعمال للكبار لا تترك مساحة لمشاهدة مشتركة داخل البيت.

ما الذي تقوله هذه التجربة عن السينما الكورية اليوم؟

أهمية الفيلم لا تتوقف عند قصته أو بطلته، بل تمتد إلى ما يكشفه عن المزاج الراهن في السينما الكورية. فهذه الصناعة التي حققت في السنوات الأخيرة حضوراً عالمياً لافتاً عبر أعمال قاسية أو مشحونة بالتوتر الاجتماعي، تبدو هنا وكأنها تختبر وجهاً آخر من قوتها: القدرة على إنتاج الحنان من دون السقوط في السذاجة. وهذا رهان أصعب مما يبدو. فصناعة الدفء السينمائي تتطلب قدراً من الانضباط والحساسية لا يقل عن صناعة الإثارة، وربما يزيد عليها، لأن أي خطأ بسيط قد يحول العمل إلى خطاب تعليمي أو عاطفة مصطنعة.

من هذه الزاوية، يصبح «متجر الحلوى العجيب» جزءاً من محاولة أوسع لتوسيع الخريطة النوعية للسينما الكورية التجارية. أي أن كوريا لا تريد أن تبقى أسيرة الصورة التي يعرفها عنها العالم في الجريمة، والتشويق، والدراما الاجتماعية الثقيلة، بل تريد أيضاً أن تثبت قدرتها على إنتاج فيلم عائلي قابل للتصدير الثقافي. وهنا بالتحديد تبرز ميزة هذا المشروع: قصته مفهومة عالمياً، وشخصياته مرتبطة بمشكلات معاصرة، وأسلوبه المحتمل قائم على العاطفة المترجمة بسهولة عبر الثقافات.

لكن «الترجمة السهلة» لا تعني انعدام الخصوصية. على العكس، نجاح الأعمال العابرة للحدود غالباً ما يأتي من قدرتها على مزج العام بالخاص. أي أن تحكي عن مشاعر يفهمها الجميع، لكن من خلال نبرة محلية واضحة. في الحالة الكورية، تظهر هذه الخصوصية عادة في إدارة الانفعال، وفي طريقة تصوير العلاقات العائلية، وفي المزاج الذي يجمع بين الرقة والكتمان، وبين الانضباط الاجتماعي والاضطراب الداخلي. إذا استطاع الفيلم أن يحتفظ بهذا النفس الكوري وهو يقدّم حكاية ذات أصل ياباني ومجال استقبال عالمي، فسيكون قد حقق مكسباً فنياً وصناعياً معاً.

كما ينبغي الالتفات إلى دلالة اختيار توقيت الكشف عن الفيلم عبر عرض مسبق ومؤتمر صحفي، لا مجرد بيان ترويجي. هذه إشارة إلى أن صناع العمل يريدون تقديم «ملمس» الفيلم مبكراً، لا الاكتفاء بالوعود النظرية. وهذا مهم لأن الأعمال الفانتازية كثيراً ما تُباع بالشعار أولاً، ثم تتعثر لاحقاً في التنفيذ. أما هنا، فثمة محاولة لترك الانطباع يتشكل من المشاهدة نفسها، ومن الثقة في أداء الممثلين، وفي الجو العاطفي الذي يحيط بالفيلم.

بالنسبة إلى المتابع العربي للموجة الكورية، تبدو هذه التجربة بمثابة تذكير بأن الثقافة الكورية الشعبية ليست مجرد أغانٍ ومسلسلات رومانسية ومنتجات تجميل وأطعمة رائجة على الشبكات الاجتماعية، بل منظومة سردية متحركة تبحث باستمرار عن أشكال جديدة لتقديم نفسها. و«متجر الحلوى العجيب» قد يكون واحداً من تلك الأشكال التي تجمع بين قابلية التسويق وسؤال المعنى.

بين الدفء والمخاطرة: هل تنجح المعادلة؟

يبقى السؤال الأهم: هل يكفي الدفء وحده لصناعة فيلم ناجح؟ الجواب، بطبيعة الحال، لا. الدفء عنصر جاذب، لكنه يحتاج إلى بناء محكم، وإيقاع محسوب، وشخصيات لا تبدو مجرد أدوات للعبرة. التحدي الحقيقي أمام «متجر الحلوى العجيب» هو أن يظل وفياً لفكرته البسيطة من دون أن يقع في التكرار أو الوعظ. فالأعمال القائمة على «الأمنية والثمن» قد تصبح متوقعة إذا لم تُكتب بحس دقيق يعرف متى يفاجئ ومتى يترك المشهد يتنفس.

لكن المؤشرات الأولية توحي بأن صناع الفيلم يدركون طبيعة هذا التحدي. التعويل على ممثلة مثل لاميران، والتمسك بفكرة الحكايات الدافئة، والاستناد إلى نص أصلي ناجح جماهيرياً، كلها عناصر تمنح المشروع قاعدة صلبة. وإذا كانت السينما في جوهرها بحثاً عن طريقة جديدة لرواية ما نعرفه مسبقاً عن أنفسنا، فإن هذا الفيلم يملك فرصة لأن يقول شيئاً مألوفاً بلغة محببة: البشر يطلبون الكثير حين يتألمون، لكنهم في النهاية لا يبحثون إلا عن لمسة أمل، وعن معنى يجعل الخسارة أخف والحياة أكثر احتمالاً.

من منظور عربي، قد لا يكون هذا الفيلم مجرد خبر آخر في روزنامة الترفيه الكوري، بل نموذجاً يستحق التأمل. لأن الجمهور العربي، مثل أي جمهور آخر، لا ينجذب فقط إلى الحداثة والغرابة، بل إلى الصدق حين يتخفى في هيئة حكاية جميلة. وإذا نجح العمل في أن يجمع الطفل الذي يريد المتعة، والأم التي تريد قصة تمس القلب، والأب الذي يبحث عن فيلم نظيف ومشغول بعناية، والمراهق الذي يريد أن يرى قلقه ممثلاً على الشاشة، فسيكون قد أصاب واحداً من أصعب الأهداف في الصناعة السمعية البصرية اليوم.

في النهاية، ما تعد به هذه التجربة ليس مجرد متجر للحلوى، بل مساحة سردية تقول للمشاهد إن الأمنيات، مهما بدت بسيطة، هي عنوان هشاشتنا الإنسانية المشتركة. ولعل هذا بالتحديد ما يجعل الفيلم قابلاً لأن يعبر من كوريا إلى العالم، ومن شاشة آسيوية إلى بيت عربي: لأن من يريد شفاء أمّه، أو النجاة من قسوة المدرسة، أو العثور على فرصة ثانية، لا يحتاج إلى ترجمة كاملة كي يُفهم. يكفيه أن يكون إنساناً. والسينما، عندما تتذكر هذه الحقيقة الأساسية، تصير أقرب إلى قلوبنا من أي وقت مضى.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات