광고환영

광고문의환영

غريتا لي من جيونجو: حين تؤدي ممثلة كورية الأصل «دورًا غربيًا» وتعيد رسم حدود الهوية على الشاشة

غريتا لي من جيونجو: حين تؤدي ممثلة كورية الأصل «دورًا غربيًا» وتعيد رسم حدود الهوية على الشاشة

من منصة جيونجو إلى أسئلة أوسع من فيلم واحد

في لحظة تبدو للوهلة الأولى مجرد تصريح عابر في مؤتمر صحافي، فتحت الممثلة الكورية الأصل غريتا لي بابًا واسعًا للنقاش حول التمثيل والهوية واللغة السينمائية، وذلك خلال مشاركتها في الدورة السابعة والعشرين من مهرجان جيونجو الدولي للأفلام في كوريا الجنوبية. لي، التي ظهرت في افتتاح المهرجان من خلال فيلم «فناني الخاص» أو «My Private Artist»، قالت إن أداءها لشخصية «غلوريا» كان تجربة خاصة جدًا لأنها جسدت، على حد وصفها، «أداة غربية للغاية» بصفتها ممثلة كورية الأصل. هذه العبارة وحدها تكفي لتفسير لماذا لم يُقرأ الحدث في كوريا بوصفه خبرًا فنيًا عاديًا، بل باعتباره إشارة إلى تحوّل أعمق في صورة الممثل الكوري أو الكوري الأصل داخل الصناعة العالمية.

ما الذي يعنيه أن تؤدي ممثلة كورية الأصل شخصية مشيدة على تقاليد الأداء الغربي الكلاسيكي؟ ولماذا أصبح هذا السؤال مهمًا الآن، في وقت لم تعد فيه الثقافة الكورية، من الدراما إلى الموسيقى والسينما، مادة مستهلكة داخل حدودها الوطنية فقط، بل جزءًا من الذائقة العالمية، بما في ذلك عند الجمهور العربي؟ هذه الأسئلة حضرت بقوة في جيونجو، المدينة التي تحولت خلال العقود الأخيرة إلى عنوان ثابت في خريطة المهرجانات السينمائية الآسيوية، تمامًا كما تحولت بوسان إلى عنوان لصناعة الأفلام الكورية على الساحل، وسيول إلى مركز للإنتاج التجاري والثقافي.

وبالنسبة للقارئ العربي، فإن أهمية هذا الخبر لا تكمن فقط في اسم غريتا لي أو في طبيعة الدور الذي تؤديه، بل في الدلالة الأوسع: نحن أمام مرحلة لم يعد فيها الفنان المرتبط بكوريا مطالبًا بأن يقدّم «كوريته» في شكل مباشر أو فولكلوري أو حتى درامي واضح كي يحظى بالاعتراف. يكفي الآن أن يدخل إلى قلب القالب السينمائي العالمي، أن يتموضع داخل ما كان يُعد طويلًا «مركزًا غربيًا» للتمثيل والصورة، ثم يعيد تشكيله بحساسيته الخاصة. هذا تطور يذكّرنا، على نحو ما، بكيفية انتقال الفنان العربي في مراحل مختلفة من خانة «المادة المحلية» إلى خانة «الفاعل داخل اللغة العالمية»، سواء في الموسيقى أو الأدب أو السينما.

من هنا، فإن تصريح غريتا لي لا يبدو شخصيًا بقدر ما يبدو توصيفًا لتحول تاريخي هادئ: لم تعد المسألة أن ممثلًا من أصل كوري وصل إلى مهرجان مهم، بل أن حضوره أصبح قادرًا على تفكيك معنى الدور نفسه، ومعنى الجسد الذي يؤديه، والسياق الثقافي الذي يمنحه شرعيته.

ما المقصود بـ«الدور الغربي»؟ شرح لمفهوم قد يلتبس على الجمهور

عندما تقول غريتا لي إن شخصية «غلوريا» تقوم على «جهاز» أو «أداة» غربية، فهي لا تتحدث عن جنسية الدور بالمعنى الضيق، ولا عن كونه مكتوبًا لشخصية غير كورية فحسب. المقصود هنا، كما يفهم من وصف الشخصية في الفيلم، هو طريقة كاملة في البناء السينمائي: مظهر، إيماءة، نبرة صوت، وعي بالشكل، واستدعاء لذاكرة سينمائية مرتبطة بنجوم هوليوود الكلاسيكيين. «غلوريا» ليست شخصية واقعية بالمعنى المعتاد، بل شخصية تبدو كأنها تعيش وهي تؤدي نفسها، امرأة تطمح إلى النجومية، تتصرف كما لو كانت طوال الوقت أمام الكاميرا، وتستعرض مبالغات في الحركة والكلام والهيئة، بما في ذلك المكياج الدخاني والحضور المشهدي الواضح.

هذا النوع من الشخصيات لا ينتمي إلى المدرسة الواقعية التي اعتادها كثير من الجمهور المعاصر، سواء في الدراما الكورية أو العربية أو حتى في الإنتاجات العالمية السائدة على المنصات. بل ينتمي إلى تقليد أقدم، إلى زمن كانت فيه النجومية نفسها جزءًا من السرد، وكان الأداء لا يكتفي بمحاكاة الحياة اليومية، بل يعيد اختراعها بطريقة أكثر اصطناعًا وأناقة ومسرحية. لذلك فإن «غربية» الدور هنا ليست حكمًا ثقافيًا أو قيمة معيارية، بل توصيف لمرجعية جمالية وذاكرة بصرية.

ولعل هذه النقطة تستحق التوقف عندها بالنسبة إلى القارئ العربي، لأن النقاش حول «الهوية في التمثيل» غالبًا ما يُختزل عندنا بين سؤالين: هل أدى الممثل دورًا يشبه بيئته؟ وهل حافظ العمل على خصوصيته الثقافية؟ لكن ما تقوله غريتا لي يضيف سؤالًا ثالثًا أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما يؤدي ممثل من خلفية معينة شكلًا أدائيًا نشأ في بيئة ثقافية أخرى؟ هل يذوب في ذلك الشكل؟ أم يضيف إليه طبقة جديدة من المعنى؟

بحسب ما رشح من حديثها، فإن التجربة كانت استثنائية لأنها لا تمحو هويتها الكورية، بل تجعلها حاضرة على نحو مختلف. فالدور المستند إلى تقاليد غربية كلاسيكية لا يصبح أقل غربية لمجرد أن ممثلة كورية الأصل تجسده، لكنه في الوقت نفسه لا يبقى هو نفسه تمامًا. هنا تحديدًا ينشأ التوتر الإبداعي: بين قالب معروف وذات مؤدية تحمل تاريخًا آخر. هذه المنطقة الوسطى هي التي تبدو اليوم مثار اهتمام متزايد في السينما العالمية، لأنها تعكس عالمًا لم تعد فيه الهويات ثابتة أو محصورة داخل حدود قومية صلبة.

تحية إلى هوليوود الكلاسيكية... ولكن بعيون معاصرة

تكتسب شخصية «غلوريا» معناها الأكبر من الإحالات التي تحملها إلى تاريخ السينما الغربية. فبحسب ما أُعلن عن العمل، تستلهم الشخصية شيئًا من صورة مارلينه ديتريش في «Shanghai Express» الصادر عام 1932، وشيئًا من حضور لايزا مينيللي في «Cabaret» عام 1972. وهذه ليست مجرد إشارات للزينة أو ما يسمى في لغة النقد بـ«المرجعيات الثقافية» التي تُدرج لإرضاء جمهور النخبة، بل جزء من العمود الفقري للشخصية نفسها: كيف تنظر، كيف تتحرك، كيف تتكلم، وكيف تصنع هالتها أمام الآخرين.

هذا النوع من الاستلهام قد يبدو بعيدًا عن ذائقة جمهور عربي واسع نشأ، في قسم منه، على الدراما التلفزيونية التي تميل إلى المباشرة النفسية والوضوح الحكائي. لكن إذا أردنا تقريب الصورة، فيمكن القول إن الأمر يشبه استدعاء ملامح من زمن فاتن حمامة أو سعاد حسني أو هند رستم أو شادية، ليس بهدف التقليد الحرفي، بل لتوليد شخصية معاصرة تحمل آثار نجمات صنعن قاموسًا بصريًا خاصًا. في هذه الحالات، لا تكون الإحالة إلى الماضي مجرد حنين، بل وسيلة لخلق توتر بين زمنين: زمن الصورة الأصلية وزمن استخدامها الجديد.

وهذا ما يجعل ظهور مثل هذا الفيلم في افتتاح مهرجان جيونجو حدثًا لافتًا. فالمهرجانات لا تختار أفلام الافتتاح عبثًا؛ إنها عادة الأعمال التي تريد من خلالها أن تقول شيئًا عن نفسها وعن اللحظة التي تعيشها السينما. وعندما يختار مهرجان كوري مهم عملًا يعيد استحضار ذاكرة هوليوودية كلاسيكية عبر ممثلة كورية الأصل، فإنه يعلن ضمناً أن السينما الكورية لم تعد منشغلة فقط بإثبات ذاتها الوطنية أو الدفاع عن تميزها المحلي، بل باتت تدخل بثقة إلى أرشيف السينما العالمية، تحاوره وتعيد ترتيبه.

من هذه الزاوية، لا تبدو الإحالة إلى ديتريش أو مينيللي مجرد زينة ثقافية، بل جزءًا من سؤال أوسع: من يملك حق استخدام الرموز الكلاسيكية؟ ومن يحق له أن يقف داخل هذا التقليد ويضيف إليه؟ قبل سنوات، ربما كان حضور ممثلة من أصول آسيوية داخل مثل هذا البناء يُقرأ على أنه «استثناء تمثيلي» أو محاولة لإظهار التنوع. أما اليوم، فالمسألة تُقرأ على نحو مختلف: بوصفها ممارسة فنية كاملة تستحق النقاش الجمالي، لا مجرد التقدير الأخلاقي.

جيونجو ليس تفصيلاً: لماذا يكتسب المكان كل هذه الأهمية؟

تاريخيًا، احتل مهرجان جيونجو الدولي للأفلام مكانة خاصة داخل المشهد الكوري. فهو ليس مجرد حدث أحمر السجاد أو محطة لنجوم الصف الأول، بل فضاء عُرف بدعمه للأفلام المستقلة والتجريبية وبمحاولته فتح نوافذ على الأسئلة الجديدة في السينما. لذلك، فإن تقديم «فناني الخاص» كفيلم افتتاح لا يمكن عزله عن هوية المهرجان نفسه، التي تميل إلى الأعمال التي تناقش الشكل بقدر ما تناقش الحكاية.

الخبرة العربية مع المهرجانات السينمائية تساعد أيضًا على فهم الدلالة. فكما يختلف معنى عرض فيلم في مهرجان جماهيري ذي طابع احتفالي عن عرضه في مهرجان يُعرف بحساسيته الفنية والنقدية، فإن جيونجو تحديدًا يمنح العمل مساحة مختلفة من القراءة. هنا لا يعود السؤال فقط: هل الفيلم جميل أو ممتع؟ بل أيضًا: ماذا يضيف إلى النقاش الدائر حول السينما الآن؟ وما الذي يقوله عن العلاقة بين الأداء والهوية والذاكرة؟

من هذا المنطلق، فإن حضور غريتا لي في جيونجو، وصدور تصريحاتها من مركز صحافي داخل المدينة نفسها، يمنحان الخبر ثقلهما. المسألة ليست مقابلة سريعة في حملة ترويجية، بل موقف أُعلن في مساحة تُصغي لها الصحافة الكورية والعالمية بوصفها مساحة تفكير سينمائي. والمهرجان هنا يؤدي دوره الكلاسيكي الذي طالما افتقدته أسواق الترفيه السريعة: أي خلق وقت للتأمل، لا للاستهلاك وحده.

كما أن جيونجو، بوصفها مدينة ذات ثقل ثقافي وتاريخي داخل كوريا، تمنح الحدث بعدًا آخر. فحين يأتي النقاش عن التمثيل العالمي من مدينة تحافظ في الوقت نفسه على هويتها التراثية الكورية، فإن التناقض الظاهري بين «المحلي» و«العالمي» يتلاشى. هذا تحديدًا ما أصبحت الثقافة الكورية تتقنه: أن تظهر بوصفها محلية جدًا وعالمية جدًا في اللحظة نفسها. وهي معادلة يعرفها الجمهور العربي جيدًا عندما ينجح عمل فني في أن يكون ابن بيئته من دون أن ينغلق عليها.

قصة الفيلم: الفن، الشيخوخة، والإغواء المسرحي للحياة

بحسب المعطيات المتاحة، يدور «فناني الخاص» حول إيد ساكسبرغر، رجل مسن يعمل في مكتب البريد في نيويورك ويعيش حياة تبدو عادية، قبل أن يلتفت فنانون شباب إلى قصائد كتبها في شبابه. هذه الحبكة في حد ذاتها تحمل نبرة إنسانية مؤثرة: الفن الذي يتأخر الاعتراف به، والحياة اليومية التي تخفي تحت سطحها طاقة إبداعية مؤجلة، واللقاء بين جيلين ينظران إلى الإبداع بطرائق مختلفة. داخل هذا العالم تدخل «غلوريا» بوصفها شخصية لافتة، جذابة، ومصنوعة من مبالغة واعية، فتشد نظر البطل وتبدو كأنها كائن خرج من ذاكرة سينمائية لا من الشارع وحده.

هذا التكوين الدرامي مهم لفهم سبب ثقل الشخصية التي أدتها غريتا لي. فـ«غلوريا» ليست محور الفيلم الوحيد، لكنها تمثل، على ما يبدو، قوة جذب بصرية وعاطفية وفكرية. حضورها يضع الواقع اليومي المتواضع في مواجهة صورة فنية متكلفة وعالية الوعي بنفسها. وبهذا المعنى، تصبح جزءًا من السؤال الذي يطرحه الفيلم: أين ينتهي الفن وأين تبدأ الحياة؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش حياته بوصفها أداءً مستمرًا؟

هذه الأسئلة ليست غريبة عن تجارب المشاهدة العربية، حتى وإن اختلفت القوالب. ففي كثير من أفلامنا ورواياتنا ومسلسلاتنا، حضرت الفجوة بين الحياة العادية وصورة الفنان أو النجم أو الشاعر. لكن ما يميز هذا العمل، وفق ما تسرب عنه، هو أنه لا يعالج هذه الفجوة بالواقعية الاجتماعية المباشرة، بل عبر صناعة شخصية تبدو هي نفسها جزءًا من تاريخ الأداء، لا من الحكاية فقط.

وهنا تتضح قيمة ما قالته غريتا لي. فهي لا تتحدث عن دور ذي ملامح لافتة فحسب، بل عن مسؤولية تمثيل طبقة كاملة من الذاكرة السينمائية داخل جسد معاصر. وهذا يتطلب، بطبيعة الحال، نوعًا من الانضباط الأدائي المختلف عن أدوار الواقعية البسيطة. فالإيماءة يجب أن تكون محسوبة، والنبرة مقصودة، والمظهر جزءًا من السرد، لا مجرد إضافة جمالية. لهذا السبب تبدو الشخصية اختبارًا حقيقيًا للممثلة، وليس مجرد فرصة استعراضية.

غريتا لي والتمثيل بعد الموجة الكورية: من «الهوية المعلنة» إلى «القدرة على التأويل»

أحد أهم أسباب الاهتمام الكوري والعالمي بتصريحات غريتا لي أن ظهورها يأتي في لحظة مختلفة تمامًا عن بدايات انتشار «الهاليو» أو الموجة الكورية. في المراحل الأولى من هذا الانتشار، كان التركيز الأكبر ينصب على تصدير صور كورية واضحة المعالم: الدراما العاطفية، نجوم الكيبوب، المطبخ، الأزياء، وأنماط الجمال. أما اليوم، وبعد أن رسخت الثقافة الكورية حضورها عالميًا، فإن السؤال لم يعد كيف تُعرّف كوريا نفسها للعالم فقط، بل كيف يدخل الفنانون المرتبطون بها إلى فضاءات لا تُعرّفهم مسبقًا بوصفهم «آخرين» أو «ضيوفًا».

من هنا، فإن ظهور ممثلة كورية الأصل وهي تتحدث عن أداء شخصية تنتمي إلى تقاليد غربية كلاسيكية يختصر تحولًا كبيرًا. المسألة لم تعد محصورة في تمثيل أدوار «آسيوية» أو «مهاجرة» أو «مرتبطة بالجذور»، بل في امتلاك القدرة على الاشتغال داخل بنية سينمائية كانت تاريخيًا تُقرأ بوصفها مركزية وغربية. هذه النقلة ليست رمزية فقط، بل مهنية أيضًا. فهي تعني أن الممثل لم يعد يُطلب منه أن يجسد خلفيته الإثنية وحدها، بل أن يقدّم قراءة فنية معقدة لقوالب متعددة، بعضها لا يحمل أي تعريف ثقافي جاهز.

بالنسبة إلى الجمهور العربي المتابع للدراما والسينما الكوريتين، فإن هذا التحول يهمّه لأكثر من سبب. أولًا، لأنه يشرح لماذا تبدو بعض الأسماء الكورية أو الكورية الأصل اليوم أكثر حضورًا في الأعمال العالمية: ليس لأن السوق يبحث عن تنوع شكلي فقط، بل لأن هناك اعترافًا متزايدًا بقدرة هؤلاء الممثلين على حمل أدوار مركبة لا تختزلهم في أصولهم. وثانيًا، لأنه ينسجم مع نضج نظرة الجمهور نفسه. فالمتابع العربي للثقافة الكورية لم يعد يكتفي بمتابعة الأغاني والنجوم، بل بات أكثر حساسية للنقاشات المرتبطة بالصناعة والتمثيل والهوية والتاريخ السينمائي.

وفي هذا السياق، يصبح تصريح غريتا لي علامة على ما بعد الموجة الكورية بالمعنى الدعائي. أي على مرحلة تنتقل فيها القصة من سؤال «كيف انتشرت كوريا؟» إلى سؤال «ماذا يفعل الفنانون المرتبطون بكوريا بعد أن صاروا جزءًا من المركز العالمي نفسه؟». وهذا سؤال أكثر إثارة وأعمق أثرًا من كل السرديات الاحتفالية المعتادة.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي الآن؟

قد يبدو الحديث عن مهرجان في جيونجو وشخصية مستوحاة من هوليوود الكلاسيكية بعيدًا عن هموم القارئ العربي اليومية. لكن في الواقع، تكمن قيمة مثل هذه الأخبار في أنها تتيح لنا قراءة التحولات الثقافية الكبرى من خلال مشهد محدد. فحين تعلن ممثلة كورية الأصل أن أداء دور «غربي جدًا» كان تجربة خاصة، فهي تقول شيئًا عن العالم الذي نعيش فيه جميعًا: عالم تتحرك فيه الصور والمرجعيات والهويات بسرعة، وتصبح فيه الثقافة أكثر تعقيدًا من الحدود الوطنية أو اللغوية البسيطة.

ثم إن المتلقي العربي بات جزءًا من هذا العالم على نحو واضح. المنصات التي حملت الدراما الكورية إلى البيوت العربية حملت معها أيضًا فضولًا أوسع تجاه السينما الكورية والمهرجانات والنجوم الذين يتحركون بين أكثر من صناعة. ومع هذا الفضول، برزت حاجة إلى صحافة ثقافية لا تكتفي بالترجمة أو بنقل الخبر الخام، بل تشرح معانيه وتربطه بأسئلة أوسع. وهذه القصة واحدة من تلك القصص التي تستحق هذا النوع من التناول.

في بعد آخر، يلمس الخبر أيضًا مسألة شديدة الحساسية في ثقافتنا العربية: كيف يُقرأ الفنان عندما يعبر بين هويات متعددة؟ نحن نعرف، من تجاربنا الخاصة، أن الفنان الذي يتحرك بين لغتين أو جمهورين أو مرجعيتين غالبًا ما يُحاصر بأسئلة الأصالة والانتماء والتمثيل. لذلك فإن تجربة غريتا لي تقدم نموذجًا مثيرًا للاهتمام: لا هي تتخلى عن خلفيتها، ولا هي تجعل منها قيدًا على أدوارها. بل تستخدمها بوصفها طبقة تضيف إلى الدور ولا تنتقص منه.

وفي النهاية، ربما هذا هو السبب الحقيقي وراء صدى هذا التصريح في جيونجو: لأنه يتجاوز الفيلم نفسه. إنه يلفت النظر إلى أن المستقبل السينمائي لن يُبنى على تصنيفات جامدة من نوع «دور كوري» و«دور غربي» و«ممثل محلي» و«نجم عالمي»، بل على قدرة الفنان على التنقل الواعي بين هذه الخانات وتفكيكها من الداخل. وغريتا لي، في هذه اللحظة تحديدًا، قدمت مثالًا حيًا على هذا التحول.

السينما في مواجهة السرعة الرقمية: عودة إلى قيمة الأداء الإنساني

في خلفية هذا كله، يبرز معنى إضافي لا يمكن تجاهله. فالصناعة العالمية، بما فيها هوليوود، تعيش اليوم نقاشات حادة حول الذكاء الاصطناعي وحدود الإبداع البشري وحقوق المؤدين والكتاب. وفي هذا المناخ، تبدو العودة إلى الحديث عن الجسد الممثل، عن النبرة والإيماءة والقرار الأدائي، أكثر أهمية من أي وقت مضى. إن شخصية مثل «غلوريا»، المبنية على دقة شديدة في الشكل والحضور، تذكّر بأن التمثيل ليس مجرد تلفظ بالنص، بل هندسة دقيقة للوجود داخل الكادر.

لذلك فإن تصريح غريتا لي يكتسب بعدًا إضافيًا: هو دفاع ضمني عن قيمة التأويل الإنساني. فحتى لو كانت الشخصية محمّلة بإشارات إلى تاريخ سينمائي معروف، فإن ما يجعلها حية ليس المرجع وحده، بل ما تفعله الممثلة بهذا المرجع. كيف تحوّله من صورة أرشيفية إلى حضور معاصر؟ كيف تمنحه نفسًا جديدًا من دون أن تفرغه من أصله؟ هذا بالتحديد هو جوهر الحرفة التمثيلية، وهو ما يفسر اهتمام النقاد وصناع الأفلام بمثل هذه التجارب.

في العالم العربي أيضًا، يمكن قراءة هذا البعد باهتمام. فكلما تسارعت صناعة المحتوى ومالت إلى الاستهلاك السريع، ازدادت الحاجة إلى التذكير بأن الفن لا يقوم على السرعة وحدها، بل على الحساسية والتمرين والمعرفة بتاريخ الأشكال. وهذا ما توحي به قصة غريتا لي في جيونجو: ممثلة لا تكتفي بالحضور، بل تدخل في حوار مع تقليد كامل، وتخرج منه بتجربة تقول إنها «خاصة جدًا» لأنها أدركت موقعها داخله.

هكذا، لا يعود خبر جيونجو مجرد مادة تخص جمهور السينما الكورية أو متابعي المهرجانات. إنه خبر عن تغير معنى النجومية، وتغير معنى الهوية، وتغير معنى التمثيل نفسه. وربما لهذا السبب يستحق أن يُقرأ عربيًا لا بوصفه خبرًا من بعيد، بل بوصفه نافذة على العالم الثقافي الذي نتشارك في تشكيله ومشاهدته يومًا بعد يوم.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات