
مشهد احتفالي يتجاوز الترفيه
في كوريا الجنوبية، لا يبدو «عيد الأطفال» مجرد مناسبة موسمية تضاف إلى روزنامة العطل، بل يظهر كل عام بوصفه اختبارًا اجتماعيًا حيًا لكيفية تعامل المجتمع مع الطفولة والأسرة والفضاء العام. وفي الخامس من مايو/أيار 2026، امتلأت المتنزهات والحدائق ومدن الألعاب في أنحاء البلاد بالعائلات التي خرجت مع أطفالها منذ الصباح، مستفيدة من طقس ربيعي معتدل وسماء صافية، لتصنع يومًا يمكن قراءته على أكثر من مستوى: احتفالًا عائليًا، ومؤشرًا على نمط الحياة، ورسالة سياسية وأخلاقية عن معنى الرعاية.
وبحسب المشاهدات التي تناقلتها وسائل الإعلام المحلية، فقد بدت كوريا هذا العام وكأنها تمنح الأطفال مركز المشهد العام بأكمله. ففي مدينة يونغين، استقبلت «إيفرلاند» أعدادًا كبيرة من الأسر، بينما ازدحم «منتزه الأطفال الكبير» في منطقة غوانغجين بالعاصمة سيول بالزوار. وعلى امتداد البلاد، تكرر المشهد نفسه: آباء وأمهات يمسكون بأيدي صغارهم، أطفال يركضون في المساحات المفتوحة، وصفوف تنتظر الدخول إلى أنشطة وتجارب صممت خصيصًا للفئة العمرية الصغيرة.
هذا النوع من الأخبار قد يبدو، للوهلة الأولى، مادة خفيفة عن عطلة سعيدة، لكنه في الحقيقة أقرب إلى صورة اجتماعية واسعة الدلالة. ففي عالم عربي يعرف جيدًا قيمة العائلة والذاكرة المشتركة، يمكن فهم ما جرى في كوريا على أنه شبيه بتلك الأيام التي تتحول فيها الحدائق العامة والواجهات البحرية ومراكز الترفيه في مدننا إلى مسرح مفتوح للعائلات، كما يحدث في الأعياد أو بدايات الربيع. غير أن خصوصية الحالة الكورية تكمن في أن الدولة والمجتمع والمؤسسات الخاصة يبدون جميعًا وكأنهم متفقون، ولو ليوم واحد على الأقل، على أن الطفل ليس مجرد فرد داخل الأسرة، بل محور يوم كامل من الحركة والخدمات والرسائل العامة.
ومن هنا، فإن مشهد الازدحام في المتنزهات الكورية لا يختزل في معنى الاستهلاك أو السياحة الداخلية، بل يعكس تصورًا اجتماعيًا أوسع: كيف يمكن أن تُترجم فكرة «الاهتمام بالطفل» في الحياة اليومية؟ هل تكون عبر إتاحة وقت مشترك مع الأهل؟ أم عبر توفير مساحات آمنة للعب؟ أم من خلال تصميم خبرات تعليمية وترفيهية في آن واحد؟ وربما عبر ذلك كله معًا. وهذا ما يجعل عيد الأطفال في كوريا خبرًا اجتماعيًا بامتياز، لا مجرد مناسبة احتفالية عابرة.
ما هو «عيد الأطفال» في كوريا؟ ولماذا يحظى بهذه المكانة؟
قد يحتاج القارئ العربي إلى شيء من التوضيح هنا. فعيد الأطفال في كوريا الجنوبية، الذي يُحتفل به في الخامس من مايو/أيار من كل عام، هو عطلة وطنية رسمية مخصصة للأطفال، لكنه في الممارسة اليومية يتحول إلى عيد للعائلة أيضًا. وفي ثقافات عربية كثيرة، قد نقارن هذا اليوم من حيث الأثر الشعبي بأيام العيد حين تُعاد صياغة إيقاع المدينة حول العائلات، أو بمواسم الإجازات القصيرة التي تدفع الأسر إلى الخروج الجماعي نحو الحدائق والمنتزهات. إلا أن الفارق في الحالة الكورية أن المناسبة ذاتها مؤطرة رمزيًا حول الطفولة: حق الطفل في الفرح، وفي الوقت المشترك، وفي الحضور الواضح داخل الفضاء العام.
هذا المعنى مهم في مجتمع مثل كوريا الجنوبية، حيث تتقاطع الحياة الحديثة السريعة مع تحديات ديموغرافية معروفة، على رأسها انخفاض معدلات المواليد وارتفاع الضغوط الاقتصادية والتربوية على الأسر. لذلك، فإن أي يوم يضع الطفل في مركز المشهد لا يُقرأ فقط من زاوية العاطفة، بل من زاوية البنية الاجتماعية أيضًا. فحين تحتشد آلاف العائلات في المرافق العامة والخاصة من أجل قضاء يوم مع الأطفال، فإن ذلك يعكس، ضمنًا، رغبة جماعية في حماية مساحة الأسرة داخل حياة يومية شديدة التنافس والانشغال.
وتكشف العبارات التي ترد عادة في التغطيات الكورية لهذه المناسبة، مثل «أطفال خرجوا ممسكين بأيدي أمهاتهم وآبائهم»، عن جوهر المعنى الشعبي لليوم. فالأمر ليس أن الطفل يذهب وحده إلى الفعالية، ولا أن الأسرة تكتفي بتقديم هدية مادية؛ بل إن القيمة الأساسية تكمن في «المرافقة» ذاتها: أن يوقف الأبوان إيقاع العمل، وأن يصنعا ذكرى مع الطفل، وأن يظهرا معه في الفضاء العام بوصفه صاحب المناسبة الحقيقي.
في العالم العربي، حيث تظل الأسرة أيضًا وحدة مركزية في الوجدان الاجتماعي، يمكن التقاط هذه الفكرة بسهولة. فنحن نعرف أن أجمل ما يبقى من الطفولة ليس دائمًا ما اشتريناه لأبنائنا، بل أين ذهبنا معهم، وكيف ضحكوا، ومتى شعروا بأن يومًا كاملًا قد رُتب من أجلهم. وهذا بالضبط ما تكشفه كوريا في عيد أطفالها: يوم لا يُقاس فقط بما أُنفِق فيه، بل بما أُتيح فيه من وقت واهتمام ومساحة.
الطقس الجميل يصنع «عيدًا عامًا» للمدينة
كان للطقس هذا العام دور حاسم في تكوين المشهد. فقد ساعدت الأجواء الصافية ودرجات الحرارة المعتدلة، التي تراوحت نهارًا بين 19 و24 درجة مئوية، على دفع العائلات إلى اختيار الفضاءات الخارجية بدل البقاء في الأماكن المغلقة. وهذا تفصيل يبدو بسيطًا، لكنه في الواقع يفسر لماذا بدت كوريا، في هذا اليوم، كأنها تحتفل في الهواء الطلق. فالطقس حين يكون ملائمًا في مناسبة مرتبطة بالأطفال، لا يؤدي فقط إلى ارتفاع عدد الزوار، بل يعيد توزيع الحيوية على المدينة كلها.
في مدن عربية كثيرة، نعرف جيدًا كيف يغير الطقس شكل اليوم العام. نزهة عائلية في مساء ربيعي معتدل ليست مثلها في قيظ الصيف أو برد الشتاء. والكوريون، مثل غيرهم، يتفاعلون مع الموسم لا بوصفه خلفية محايدة، بل بوصفه عنصرًا يصنع معنى الخروج نفسه. ولذلك فإن صفاء الجو في عيد الأطفال منح المناسبة هذا العام بعدًا قريبًا من «الاحتفال المدني»، حيث تتحول الحدائق والمتنزهات إلى ساحات مشتركة لفرح جماعي منظم.
ومن هنا فإن الازدحام، في مثل هذه المناسبة، لا يقرأ دائمًا باعتباره فوضى أو ضغطًا على المرافق، بل يمكن فهمه بوصفه علامة على نجاح المجتمع في استثمار يوم العطلة لصالح العائلة. فالطفل الذي يركض في العشب أو يقف في طابور تجربة ترفيهية أو يلتقط صورة مع والديه في مكان مفتوح، لا يعيش لحظة استهلاك فقط، بل يختبر معنى المشاركة في حياة عامة آمنة ومنظمة. وهذه نقطة أساسية لفهم دلالة الخبر الكوري هذا العام.
كما أن الطقس الملائم يكشف جانبًا آخر: العلاقة بين المناسبة والبنية التحتية. فليس كل مجتمع يستطيع أن يحول يومًا لطيف الطقس إلى مساحة ناجحة للنزهة العائلية إذا لم تكن هناك حدائق كافية، وممرات آمنة، ووسائل نقل، ومرافق عامة، وبرامج معدة للأطفال. لذلك فإن الصورة المشرقة التي ظهرت في كوريا لم تصنعها الشمس وحدها، بل صنعتها معها منظومة كاملة تتيح للعائلات أن تخرج مطمئنة، وأن تقضي ساعات طويلة في المجال العام من دون شعور دائم بالتوتر أو الخطر.
إيفرلاند: من مدينة ألعاب إلى مختبر للتجربة
في يونغين، كانت «إيفرلاند» واحدة من أبرز واجهات الاحتفال. لكن اللافت في البرنامج الذي قدمته هذه الوجهة الترفيهية أنه لم يقتصر على الألعاب التقليدية المعروفة في مدن الملاهي، بل تضمن عشرة برامج تجريبية موجهة للأطفال بين الخامسة والثامنة من العمر، شملت موضوعات مثل الحيوانات والطبخ والرقص وغيرها. هنا تظهر ملامح التحول الذي تشهده صناعة الترفيه المخصصة للأطفال في كوريا: الانتقال من منطق المشاهدة والركوب فقط، إلى منطق المشاركة والتجريب.
فقد أُتيحت للأطفال، على سبيل المثال، أنشطة مرتبطة بعالم الحيوانات، من بينها تجربة تستلهم عمل القائمين على رعاية الحيوانات، إلى جانب فقرات أخرى في إعداد الحلويات وارتداء القبعات والمآزر الخاصة بالطهاة الصغار، فضلًا عن أنشطة حركية مرتبطة بالرقص والتفاعل. ومثل هذه البرامج لا تبدو مجرد وسيلة لشغل وقت الصغار، بل تكشف كيف تحاول المؤسسات الترفيهية دمج التعليم الخفيف بالمتعة، وإعطاء الطفل شعورًا بأنه ليس متلقيًا سلبيًا، بل مشاركًا رئيسيًا في الحدث.
هذا التوجه مفهوم تمامًا إذا نظرنا إلى التحولات الأوسع في الثقافة المعاصرة، سواء في كوريا أو في العالم العربي. فالعائلات لم تعد تبحث فقط عن مكان «يقضي فيه الأطفال وقتًا»، بل عن تجربة تضيف شيئًا إلى خيالهم وفضولهم وثقتهم بأنفسهم. ومن هنا تكتسب الأنشطة التي تتيح للطفل أن يجرب دور الطاهي أو مقدم الرعاية أو المؤدي الراقص قيمة إضافية، لأنها تنقل الترفيه من مجرد استهلاك لحظة ممتعة إلى اختبار حسي ومعرفي مبسط.
وفي هذا السياق، تبدو كوريا شديدة الذكاء في توظيف عناصر من ثقافتها الشعبية الحديثة أيضًا. فبلد اشتهر عالميًا بقوة صناعاته الثقافية، من الدراما إلى البوب الكوري، يعرف جيدًا أن التجربة باتت أكثر تأثيرًا من الفرجة وحدها. والطفل الذي يصنع حلوى بيديه أو يعيش نشاطًا مستوحًى من عالم الحيوانات سيحتفظ غالبًا بذكرى أعمق من طفل اكتفى بمشاهدة عرض من بعيد. ولذلك، فإن برامج إيفرلاند في عيد الأطفال تشرح، بطريقة عملية، كيف تفكر كوريا في صناعة الطفولة المعاصرة: ترفيه، نعم، ولكن ترفيه يتقاطع مع الخيال والتعلم واللعب المنظم.
حين تقول الحديقة العامة شيئًا مختلفًا عن مدينة الملاهي
إذا كانت إيفرلاند تمثل الوجهة التجارية والترفيهية الكبرى، فإن الزحام الذي شهده «منتزه الأطفال الكبير» في سيول يروي جانبًا آخر من القصة، ربما أكثر أهمية من الناحية الاجتماعية. فالمتنزه العام، بخلاف مدينة الملاهي الخاصة، هو فضاء ذو طابع مدني مفتوح، وأكثر اقترابًا من مفهوم الحق الجماعي في الترفيه. وعندما تمتلئ هذه المساحات بالعائلات في يوم مخصص للأطفال، فإن الرسالة لا تتعلق فقط بالاحتفال، بل بالمساواة في الوصول إلى الفرح.
في مدننا العربية، كثيرًا ما يظهر الفرق بين الاحتفال الذي تصنعه القدرة الشرائية، والاحتفال الذي تصنعه المدينة نفسها. فليست كل أسرة قادرة على الذهاب إلى منتجع أو ملاهٍ كبرى، لكن وجود حديقة نظيفة وآمنة ومتصلة بالنقل العام يمكن أن يمنح الأطفال يومًا لا يقل قيمة في ذاكرته العاطفية. وهذا بالضبط ما يمنحه مشهد المنتزهات العامة في كوريا معناه الأوسع: أن الطفولة لا ينبغي أن تُختصر في قدرة الأسرة على الإنفاق، بل في قدرة المدينة على الاستضافة.
ازدحام منتزه الأطفال في سيول يكشف أيضًا أن العائلات لا تبحث دائمًا عن الإبهار التجاري. أحيانًا يكفي أن يجد الأبوان مكانًا يمكن أن يمشيا فيه مع أبنائهما، وأن يلتقي الأطفال بأقرانهم، وأن يشعر الجميع بأن المدينة فتحت ذراعيها لهم. هذا النوع من الفضاءات يصنع ما يمكن تسميته «الذاكرة المدنية» للطفولة: ذكريات مرتبطة بالأشجار، والممرات، وأصوات الأطفال الآخرين، والجلوس العائلي في مكان مشترك، لا بسلعة بعينها.
ومن هذه الزاوية، يبدو عيد الأطفال في كوريا مناسبة تكشف الفارق بين نوعين من السياسات الحضرية: سياسة تكتفي بترك الترفيه للسوق، وسياسة ترى أن المساحات العامة جزء من شبكة الرعاية الاجتماعية الواسعة. حين تحتل الأسر الحدائق العامة بهذه الكثافة، فإنها ترسل، من حيث لا تقصد، رسالة عن قيمة تلك الأماكن في التوازن النفسي والاجتماعي للمدينة، وعن الحاجة إلى صيانتها وتوسيعها وجعلها جزءًا أصيلًا من حياة الأسر طوال العام، لا في المناسبات وحدها.
ليس كل الأطفال في المكان نفسه: حضور الرعاية والحماية في قلب المناسبة
غير أن الصورة الكورية في هذا اليوم لم تقتصر على مشاهد الضحك والركض والأنشطة الملونة. ففي موازاة الاحتفالات، حمل اليوم رسالة أخرى لا تقل أهمية: التذكير بأن هناك أطفالًا يعيشون في ظروف تتطلب حماية اجتماعية مباشرة، وأن عيد الأطفال لا يكتمل رمزيًا إذا اقتصر على من يستطيعون قضاء اليوم مع أسرهم في المنتزهات. لهذا اكتسبت الزيارة التي قامت بها وزيرة الصحة والرعاية الاجتماعية إلى إحدى مؤسسات رعاية الأطفال في سيول دلالة خاصة.
الوزيرة زارت مؤسسة تعنى بالأطفال الذين يعيشون ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، واطلعت على أوضاع التشغيل والرعاية، كما أمضت وقتًا مع الأطفال وقدمت رسائل دعم للعاملين في المؤسسة. والأهم من الزيارة نفسها هو مضمون الرسالة الرسمية المصاحبة لها: التأكيد على مواصلة دعم نمو هؤلاء الأطفال واستقلالهم في المستقبل. هنا يتضح أن عيد الأطفال في كوريا ليس مناسبة للعاطفة المجردة فقط، بل منصة لتجديد الالتزام السياسي والأخلاقي تجاه الفئات الأكثر هشاشة.
هذا البعد يهم القارئ العربي أيضًا، لأن مجتمعاتنا تعرف بدورها معنى أن يكون الاحتفال ناقصًا إذا لم يشمل من هم خارج الدوائر المريحة للحياة الأسرية المستقرة. في الأعياد والمناسبات، كثيرًا ما يرتفع النقاش حول الأطفال الأيتام، أو من يعيشون في مؤسسات رعاية، أو من تتعثر ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية. والمجتمعات الناضجة لا تقيس نجاحها بعدد المهرجانات وحدها، بل بقدرتها على تذكّر هؤلاء الأطفال ضمن خطابها العام وسياساتها الفعلية.
ومن ثم، فإن المشهد الكوري يكتسب عمقًا إضافيًا: في جهة، أسر تتنقل بين المتنزهات ومدن الألعاب؛ وفي جهة أخرى، دولة تقول علنًا إن الرعاية ليست مسألة احتفالية، بل التزام طويل المدى يمتد إلى التعليم والحماية والانتقال نحو الاستقلال. هذا التوازي بين الفرح والسياسة الاجتماعية يجعل عيد الأطفال في كوريا أقرب إلى «مرآة وطنية» تُرى فيها أوجه القوة والواجب في آن واحد.
ماذا تقول هذه الصور عن الأسرة الكورية اليوم؟
بعيدًا عن الانطباعات السريعة، تكشف صور عيد الأطفال عن ملامح مهمة في الحياة الأسرية الكورية. أول هذه الملامح أن الوقت العائلي لا يزال يمتلك قيمة رمزية عالية، حتى في مجتمع معروف بكثافة العمل والانشغال والإيقاع السريع. حين يخرج الأبوان مع الأطفال في يوم كامل، وينظمان رحلتهم نحو متنزه أو حديقة، فإن هذا القرار بحد ذاته يعبر عن استعادة متعمدة للوقت المشترك داخل حياة قد لا تسمح به دائمًا بسهولة.
ثاني هذه الملامح أن الأسرة الكورية الحديثة تبدو حريصة على الاستثمار في «التجربة» أكثر من الاكتفاء بالمظاهر. وهذا لا يعني غياب البعد الاستهلاكي بالطبع، فمدن الألعاب جزء من اقتصاد الترفيه، لكن الاتجاه الواضح هو أن قيمة اليوم تُبنى على الأنشطة التي يعيشها الطفل بنفسه. وهذه فكرة تلتقي مع تحولات عالمية تشهدها الأسر في أماكن كثيرة، بما فيها العالم العربي، حيث يتزايد الاهتمام بالأنشطة التفاعلية والمعسكرات القصيرة والورش الإبداعية بدل الاقتصار على الهدايا الجاهزة.
أما الملمح الثالث، فهو أن حضور الوالدين في المشهد ليس ثانويًا. فالطفل الكوري في عيده لا يُقدَّم كفرد معزول، بل كجزء من رابطة أسرية تخرج معه وترافقه. وهذا مهم لأن بعض التحليلات المعاصرة تبالغ في تصوير المجتمعات الحديثة على أنها فقدت مركزية العائلة. غير أن مثل هذه المناسبات تبرهن أن الأسرة لا تزال، على الأقل في لحظات مفصلية كهذه، الوحدة الأساسية التي يُعاد من خلالها تعريف معنى الرعاية والانتماء.
وفي المقابل، تفتح هذه الصور أيضًا باب الأسئلة: هل تستطيع كل الأسر أن تعيش هذه اللحظة بالطريقة نفسها؟ ماذا عن ضغط الكلفة؟ ماذا عن تفاوت الوصول إلى المرافق؟ ماذا عن الأطفال الذين لا يملكون بيئة أسرية مستقرة؟ هنا بالضبط تظهر أهمية ألّا ننظر إلى عيد الأطفال كلوحة رومانسية مكتملة، بل كصورة جميلة تحمل في داخلها أيضًا تحديات واقعية يجب أن تبقى حاضرة في النقاش العام.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟
قد يسأل البعض: لماذا ينبغي للقارئ العربي المهتم بالثقافة الكورية أن يتوقف عند خبر من هذا النوع؟ الجواب أن الموجة الكورية لا تُفهم من خلال الدراما والموسيقى والأزياء وحدها، بل أيضًا من خلال الحياة الاجتماعية اليومية التي تنتج تلك الثقافة وتحيط بها. ومن يريد أن يفهم كوريا فعلًا، لا يكفيه أن يعرف نجومها وأغانيها، بل يحتاج إلى تأمل كيف تعيش أسرها، وكيف تتحرك مدنها في الأعياد، وكيف تتعامل مؤسساتها مع الطفولة بوصفها قضية عامة.
والقارئ العربي سيجد في هذا المشهد نقاط تماس كثيرة مع أسئلته المحلية. فمدننا أيضًا تسأل: هل نملك ما يكفي من الحدائق والفضاءات الصديقة للأطفال؟ هل يمكن للعائلة أن تقضي يومًا كاملًا في الخارج بكلفة معقولة؟ هل الأماكن العامة آمنة ومهيأة؟ هل نمنح الأطفال أولوية فعلية في التخطيط الحضري، أم نكتفي بخطاب عاطفي موسمي؟ هذه الأسئلة لا تخص كوريا وحدها، بل تهم أي مجتمع يريد أن يقيس مستوى تحضره من خلال حياة أطفاله.
ثم إن في الخبر بعدًا إنسانيًا وثقافيًا عابرًا للحدود. فالعائلات، من الرباط إلى بغداد، ومن جدة إلى عمّان، تدرك معنى أن يصبح الطفل محور اليوم. وتدرك كذلك أن الفرحة الحقيقية ليست حدثًا استعراضيًا بقدر ما هي إحساس بالأمان والاهتمام والوقت المشترك. ولهذا فإن قراءة عيد الأطفال في كوريا من منظور عربي لا تعني مراقبة «غرابة» ثقافية، بل التعرف إلى صيغة أخرى من صيغ العناية بالطفولة داخل مجتمع حديث.
في المحصلة، ما جرى في كوريا الجنوبية في الخامس من مايو/أيار 2026 لم يكن مجرد زحام في متنزهات وحدائق. لقد كان إعلانًا عمليًا عن أن الطفولة، حين توضع في مركز اليوم، تكشف الكثير عن المجتمع كله: عن أسرته، ومدينةه، وخدماته، وأخلاقه العامة، وقدرته على تذكّر الأطفال الأكثر احتياجًا إلى الرعاية. وبين ضحكات الصغار في إيفرلاند وحدائق سيول، وبين الرسائل الرسمية الداعية إلى تعزيز حماية الأطفال في مؤسسات الرعاية، بدا المشهد الكوري مكثفًا وواضحًا: المجتمع الذي يعرف كيف يحتفل بأطفاله هو المجتمع الذي يُطالَب أيضًا بأن يحميهم، وأن يبني لهم ذاكرة آمنة ومساحة عادلة في الحياة العامة.
0 تعليقات